array(1) { [0]=> object(stdClass)#14313 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

الأمن الخارجي والداخلي من مقومات القوة الناعمة وبدونه تفقد الدولة مقومات استمراها

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

الأمن الناعم يشير إلى أن للدولة قوة معنوية وروحية وقدرة على التأثير في الآخرين وهذا يتجسد فيما تطرحه من قيم وتقاليد ومبادئ وأساليب إنسانية وحضارية وثقافية ومساعدات اقتصادية واجتماعية وعلاجية تؤثر في الشعوب الأخرى ومواطنيها على السواء، فالرضا والاستحسان من الآخر يؤدي إلى التأييد والدعم والولاء لمصدر القوة الناعمة المؤثرة وتشكل مصدرًا للتماسك والترابط داخل هذه الدولة تجاه الدولة الداعمة بالإضافة إلى كون هذا التأثير نموذج يحتذى به من قبل دول أخرى.

ولقد ظهر مصطلح الأمن الناعم والقوه الناعمة نتيجة للتحولات العالمية الكثيرة وتغيير السلوك الإنساني وتجسيدًا للمراحل الانتقالية التي مرت بها البشرية وما بها من تجارب جراء الحروب والصراعات التي عصفت بالعالم، لذلك نجد الشعوب في الألفية الجديدة تتطلع للرفاهية وحياه أسهل وأيسر عكس الألفية الماضية حيث كانت الدول والشعوب تتطلع لتحقيق للمجد المادي وبناء الإمبراطوريات بالقوة الصلبة الأمر الذي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى والثانية وما تبعهما من الصراعات المسلحة واحتلال دول لأخرى ، ثم جاءت حقبة الحرب الباردة وما شهدته من صراعات على الاستقطاب والنفوذ بين القوى الكبرى المتصارعة أو المتنافسة؛ وقد أثبتت تجارب العالم  أن استمرار الأمن التقليدي (الخشن) يشكل نوعًا من التحدي للأجهزة الأمنية بالإضافة إلى التكلفة الاقتصادية الباهظة كما أنه غالبًا لا يلقى تأييدًا من الشارع العام وخاصة مع التقدم التكنولوجي الهائل ونقل ما يدور من معارك ليشاهدها الجمهور بكل ما تحتويه من انتهاك لحقوق الإنسان والقيم الإنسانية والدينية وبالتالي أصبح مفهوم القوه الناعمة يحقق نوعًا غير مسبوق من الرضا والاستحسان لدى كثير من المواطنين.

إن القوة الناعمة هي القدرة على التأثير في الآخرين وتحقق للدول ما تريده بدون حروب وصراعات مسلحة وتصبح القيم والثقافة والمبادئ ونمط الحياة هي النموذج الذي تود الشعوب الأخرى تقليده والاحتذاء به، وهذا ما اتبعه الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا لسنوات طويلة تجاه العالم وخاصة الدول النامية .وعلى سبيل المثال انتشار الوجبات السريعة بعلاماتها التجارية الشهيرة من الولايات المتحدة لباقي أنحاء العالم تمنح أمريكا قوة ناعمة، وشهرة اليابان بالانضباط والالتزام واحترام العادات والتقاليد يمنحهم قوة ناعمة، ونحن من العالم العربي لا نفتقد القوة الناعمة فوجود الأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية قوة ناعمة، وامتلاك مصر ثلث أثار العالم قوة ناعمة امتلاك قطر لشبكة الجزيرة العالمية ومجموعة قنوات بي إن سبورت الرياضية قوة ناعمة. 

والتساؤل الذي نحن بصدده الآن هل الأمن يعد أحد مقومات القوة الناعمة للدولة؟

مما لا شك فيه أن الأمن يعد أحد مقومات القوة الناعمة سواء كان الأمن الخارجي الذي تتولاه المؤسسة العسكرية أو الداخلي الذي تتولاه المؤسسة الشرطية فالأمن بالرغم أنه معنوي يتمثل في إحساس الأفراد وشعورهم بالطمأنينة والأمان إلا أنه سلعه باهظة الثمن يتطلب في سبيل تحقيقه الكثير من الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لذلك إلا أنه يعد استثمارًا غير مباشر لا غنى عنه فبدونه لا تتحقق الصناعة ولا السياحة ولا الأنشطة أو الفعاليات حيث بدونه تفقد الدولة قوتها الناعمة وقوتها الاقتصادية أيضًا.

وعلى صعيد ذي صلة تستطيع الدولة أن تمتلك قوة ناعمة كبيرة إذا ما كانت تمتلك أيضًا قوة خشنة لا بأس بها فامتلاك الدولة لجيش قوي يمثل رادع لكل الجهات الخارجية ويقي البلد ضرر الحروب، أي أن القوة الخشنة تحمل في طياتها قوة ناعمة ، كذلك إذا ما كانت الدولة تمتلك جهاز أمن داخلي كفء لديه القدرة على بث الشعور بالأمن والطمأنينة بين المواطنين والوافدين فإن الدولة تستطيع أن ترتب أولوياتها من حيث الأنشطة الصناعية والسياحية وجذب رؤوس الأموال فالعامل الأول والأهم لأي مستثمر هو توافر الأمن والأمان في المكان الذي سوف يضع فيه استثماراته فمثلًا الوضع الحالي في دولة السودان غير جاذب للاستثمار لعدم استقرار الأوضاع السياسية كذلك الحال  في البلاد التي شهدت أحداث ما يسمى بالربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط كانت في تلك الفترة غير جاذبه للاستثمار لعدم استقرار الأوضاع الأمنية بها.

استقرار الوضع السياسي والأمني في البلاد هو أول ما يسأل عنه المستثمرين قبل ضخ استثماراتهم في أي بلد. وكما يقال إن رأس المال جبان يهرب من الأماكن التي بها مشاكل سياسية أو أمنية، فإذا غاب الأمن غابت معالم القوة وتلاشى تأثير الدولة في إقليمها وعلى المستوى الدولي وعلى العكس الاستقرار وسيله لقوة الدولة وزيادة تأثيرها في محيطها ويكون لها دور إقليمي ودوري وتستطيع إبراز مقوماتها وتسويق إنجازاتها وفي حال تثبيت الأمن على المستويين الداخلي والخارجي للدولة تستطيع إقناع العالم بما لديها من مقومات وتستطيع التفرغ للبناء والانتهاج

فالوقت الراهن اتجهت معظم دول العالم للدخول في تكتلات أمنية بغية الحفاظ على أمنها سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، تبادل المعلومات والخبرات وعقد اتفاقيات تسليم المجرمين ومكافحة الجريمة المنظمة والجرائم العابرة للحدود  أصبحت كلها مواضيع تشغل تفكير صانعي القرار الأمني وعلى مستوى الدول العربية فإن مجلس وزراء الداخلية العرب هو الجهة المسؤولة عن رسم السياسات العامة التي من شأنها تطوير العمل العربي المشترك في مجال الأمن الداخلي  وإقرار الخطط الأمنية العربية المشتركة ،وطبيعة الجريمة في الوقت الحاضر تتطلب مزيدًا من التعاون وتضافر الجهود لمواجهة الجريمة العابرة للحدود كجرائم غسل الأموال  أو الهجرة غير الشرعية  وتجارة المخدرات والسلاح بالإضافة إلى جرائم الإرهاب هذه الجرائم ترتكب في أكثر من دولة في نفس الوقت بواسطة تشكيل عصابي منظم الأمر الذي يتطلب تبادل المعلومات والتنسيق بين الأجهزة الأمنية للدول لإحكام السيطرة ،بالإضافة إلى بنية تشريعية قوية ومتناغمة.

 كل ذلك من شأنه أن يخلق بيئة أمنية قوية متماسكة يصعب النفاذ منها ويجعل عملية انتقال المجرمين من بلد عربي لآخر أمر مستحيل.

 وفيما يخص الجرائم الإرهابية فإن البلدان العربية جميعها بحاجة إلى مشاركة المعلومات حيث دائمًا ما يكون  تشارك المعلومة مفيد في هذا النوع من المخاطر باعتبار أن المجموعات الإرهابية يكون لها اتصالات خارجيه بمجموعات أخرى أو يكون لها امتداد في دول الجوار وبتشارك المعلومة تتضح الصورة وتسهل عمليات القبض على هذه المجموعات؛ أما الهجرة غير الشرعية وما تسببه من مشاكل سياسية بين الدول المصدرة للمهجرين وبين الدول المستقبلة لهم  تعد من عوامل هدم القوة الناعمة لأي بلد وتصدر صورة سلبية عنها ،الدول العربية التي تنطلق منها رحلات الهجرة  رحلات معلومة للجميع وهي دول شمال إفريقيا وبمزيد من التعاون المعلوماتي واللوجيستي يمكن الحد من هذه الظاهرة. 

وفي النهاية يمكننا القول إن القوة الناعمة لاي بلد هي غزو لعقول ومشاعر دول أخرى وأن الأمن أحد أهم مقومات القوة الناعمة حيث يقوم بتحضين الأوطان والبشر ضد الجريمة والغزو الفكري الضار والمؤدلج الذي يؤدي إلى هدم المجتمعات من الداخل.

مقالات لنفس الكاتب