شهد المجتمعُ الإنساني - في المرحلة الراهنة - من مظاهر التطور التكنولوجي والتعقيد المعرفي – والثقافي - ما استوجب اهتمامَ علماء النفس والاجتماع بالمتغيرات التي لحقت بالعلاقات الإنسانية - الفردية والمجتمعية - في إثر هذا التطور. وكان للعلاقات بين الدول نصيبٌ كبيرٌ من هذا الاهتمام، بعد أنْ شاعت في الأجواءِ ملامحُ وعي جديدٍ يُطالبُ – في ظل العولمة - بحاجة الإنسانية إلى أجواء السلام والتعاون الدولي اللازمين لتحقيق التطور والمدنية – من جهة – وحاجتها إلى التكاتف لمواجهة أنواع غير مسبوقة من المخاطر ، على رأسها : تغيراتُ المناخ ، الاحتباس الحراري ، نقص الموارد المائية ، الإرهاب ، الاتجار بالمخدرات ، الأوبئة ، وغير ذلك ، بما يفرضُ على كافة الدول البحث عن كيفيات جديدة للتمايز والتنافس والحرص الدائم على التأثير في الآخرين ، بعيدًا عن الحروب و الهيمنة العسكرية .
تقدّم الكاتبُ الأمريكي جوزيف. س. ناي بمصطلحٍ تضمّن في طياته هذه الكيفية الجديدة، ونعني مصطلحَ " القوة الناعمة “الذي توصل إليه – لأول مرة - في كتابه " ملزمون بالقيادة “عام 1990م. وفي هذا المصطلح تتجاور دلالتا القوة والنعومة، دون أي تعارض، فالنعومة ليست وصفًا للقوة، بل للكيفية التي تُحققُ بها هذه القوةُ أهدافها. يتضحُ هذا حين نعرف أنّ جوزيف ناي أراد من خلال مصطلح القوة الناعمة أنْ يعارض مصطلح القوة العسكرية - وما تشير إليه من أدوات العنف والمواجهات المادية - مُحتفيًا بنمط مختلف من قوى التغيير، أشار إليها بأنها البعد الثالث، وعرّفها بقوله – في مقدمة الكتاب – بأنها “القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلاً من الإرغام أو دفع الأموال. وهي تنشأُ من جاذبية ثقافة بلدٍ ما، ومُثله السياسية، وسياساته. “وقد ساق أمثلةً لهذه القوة، منها: الموسيقى، السينما، المسرح، الأكلات الشعبية، أنماط الحياة، نُظم التعليم، التراث الشعبي ( الفولكلور ) - ماثلا في الأمثال والعادات والتقاليد والأهازيج والأزياء التراثية - وما ينتجه المجتمعُ من ثقافة عليا تنسج علاقتها مع الدول الأخرى. كما ضرب مثلاً بالسياسات الاقتصادية، الدبلوماسية العامة – أو كيفية الحضور السياسي في المجتمع الإقليمي والدولي، بصفتها نماذج للقوة الناعمة. وحين عاد إلى مناقشة دلالات هذا المصطلح، مرة أخرى عام 2001م، في كتابه " مفارقة القوة الأمريكية “، أشار إلى القوة الناعمة بصفتها " ضرورة جوهرية لكسب السلام "، لأنها تعزز اتجاهات التنمية - المادية والمعنوية – وتجنّبُ المجتمع الإنساني أهوال الدمار التي تنتجُ من الاعتماد على القوة العسكرية. ومن خلال ما سبق ـ تتضحُ دقةُ إشارة الأستاذ علي جلال معوّض - في كتابه " مفهوم القوة الناعمة وتحليل السياسة الخارجية " – إلى التشابه بين مفهوم جوزيف ناي للقوة الناعمة، ومفاهيم بعض علماء النفس والاجتماع، ومنهم " جون فرنش وبرترام رافين " حول الإكراهية والإثابية .
وفيما يتعلقُ بملامح القوة الناعمة في السعودية.
اتخذت القيادة السعودية ممثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان عدة قرارات مهمة خاصة بخطط الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، في إطار ما عُرف بـ " رؤية 2030م " التي أُعلن عنها عام 2016م. ضمّت هذه الرؤية خطة تمويل عملاقة، بلغت 64 مليار دولار، لتخفيف القيود الاجتماعية و تنشيط مجال الترفيه، ممّا نتج عنه تأسيس الهيئة العامة للترفيه والمجلس السعودي للأفلام والهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع.
وقد صار نشاطُ هيئة الترفيه محل اهتمام المجتمع العربي، في الآونة الأخيرة، فهي تتبع وزارة الثقافة السعودية، و من ثم تستهدفُ بفعالياتها تحقيق الأهداف التي دعا إليها سمو الأمير محمد بن سلمان في إطار رؤية عام 2030م، وعلى رأسها: تحقيق الجاذبية الحداثية للمملكة العربية السعودية من خلال منظومة عمل متكاملة تجمع بين نهضة الفنون والآداب والتراث والراهن الثقافي والسياحة الداخلية والعلوم وشتى ألوان المعرفة . وقد وُفق رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ في تحقيق كثير من هذه الأهداف في سنوات قليلة، تمتد من عام 2016م حتى يومنا هذا، فاستطاع – على سبيل المثال - أن يحول موسم الرياض إلى احتفالية فنية كبرى تحظى بثقة – وإعجاب – المجتمع العربي، عبر حلقاته المتتالية، فضلًا عن الفعاليات الرياضية والثقافية المتميزة، وافتتاح دور السينما، وإقامة حدث الفورمولا إي، وحفلات الموسيقى، والعروض المسرحية. ومن المدهش، المثير للإعجاب، أنّ هذه الباقة الممتازة من الأنشطة الفنية والثقافية، لا تهدف إلى الترفيه وحده، بل تحقق، إلى جانبه، أهدافًا أخرى مهمة، منها: تنشيط الاستثمار وإمداد قطاع الاقتصاد السعودي بالمزيد من الدعم والتنمية.
- السينما السعودية
كانت الخمسينيات من القرن العشرين بدء ظهور السينما السعودية، وكان فيلم " الذباب " هو أول فيلم محلي – للفنان السعودي حسن الغانم- وحين جاءت السبعينيات، كان عدد دور السينما في المملكة قد ازداد وانتشر في الرياض وأبها والطائف والدمّام، أما في جدة فقد وصل إلى ما يقرب من ثلاثين دارا . لكنّ هذه الزيادة العددية وجدتْ – في هذا الوقت – ما يحول دون قدرتها على التأثير الفني التراكمي، فقد صحبتها رقابةٌ متشددة، وقوانين صارمة، تسببت في توقيف عرض كثيرٍ من الأفلام. من هنا غلب الطابعُ التسجيلي على الأفلام السعودية في هذه المرحلة، وعُرضتْ، بهذا الطابع، جنبًا إلى جنب بعض الأفلام المصرية وأفلام الأكشن الهندية. ثم جاء عام 1966م، الذي شهد إنتاج فيلم " تأنيب الضمير " للمخرج السعودي سعد الفريح، ليكون بداية الخروج من محدودية الفيلم التسجيلي.
و ظهرت، بالفعل، في النصف الثاني من السبعينيات، عدةُ محاولات لتأسيس صناعة الفيلم السعودي، يُعزى بعضُها لجهود محمد الجزاز والمخرج عبدالله المحيسن والمخرج عادل عبد المطلوب وجيل السينمائيين الأوائل: فؤاد جمجوم، وسعد خضر، وخليل الرواف ، وغيرهم . لكن هذه الجهود ظلت فردية، حتى أُعلن رسميًا عام 2017م ، عن السماح بفتح دور السينما الإعلان في نهاية عام 2017م ، ممّا أسهم في انطلاق صناعة سينمائية سعودية .
وتطالعنا التصريحاتُ في هذا المجال على وعي المسؤولين بضرورة اضطلاع السينما السعودية القائمة، والقادمة، بدور - لا يقل أهمية عن دورها الترفيهي، نعني: إبراز الهوية الوطنية السعودية، وتمييزها عن غيرها من الهويات. ولعل هذا ما يتضح في التصريحات التي احتفت بها مواقع التواصل الاجتماعي لمسؤول منصة نتفليكس ، والمنتجة صفير – وغيرهما – حيثُ أكدت الأخيرة أنَّ الثيمات والمواضيع السينمائية التي ستظهر في هذه الأفلام تخصّ التفاعلات الأسرية والاجتماعية السعودية ، كما أشار سيباستيان سونس - وهو باحث في شؤون الشرق الأوسط - أنّ سمو ولي العهد ، حرص على دفع السينما السعودية " في اتجاه الأفلام الوطنية كجزء من استراتيجيته لخلق معنى للهوية الوطنية يرى بأنها أكثر حداثة .
وحين نتأملُ عناوين بعض الأفلام السعودية التي تمّ عرضهُا منذ عام 2006م، يُطالعنا هذا التوجهُ الوطني والاجتماعي، كما يطالعنا نجاحُ هذه الأفلام في المشاركة في المهرجانات العربية والعالمية، والمنافسة في الحصول على بعض الجوائز القيّمة. من أمثلة ذلك، فيلم " ظلال الصمت "- إنتاج 2006م - للمخرج عبد الله المحيسن، وشارك في مهرجان " كان “، و مهرجان " دبي “السينمائيين، وفيلم " وجدة " – إنتاج 2012م - الذي تم اختياره – كما ذكر موقع ويكيبيديا - لجائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل توزيع جوائز الأوسكار السادس والثمانين، كما رُشّح لجائزة أفضل فيلم ناطق بغير اللغة الإنجليزية، في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية للأفلام السابع والستين . وفاز – الفيلم ذاته – بثلاث جوائز من مهرجان البندقية السينمائي، وجائزة أفضل فيلم في هذا المهرجان. ونشيرُ – أخيرًا – إلى فيلم " بركة يُقابل بركة “– إنتاج 2016م - حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم المسكونية في مهرجان برلين السينمائي الدولي. وتتالت حصول عدة أفلام سعودية أخرى على الجوائز الدولية، مثل: المرشحة المثالية، والمسافة صفر، والمحارب العربي، وسيدة البحر الذي شارك في عدة محافل سينمائية – عربية ودولية – في القاهرة، وقرطاج، ولوس أنجلوس، ولندن.
ومنذ عام 2017م، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، يُمكنُ القول بأنّ صناعة السينما السعودية تشهدُ تطورًا ملحوظًا بسبب عاملين مهمين: الرعاية الرسمية، وجهود الشباب من المخرجين وكُتّاب السيناريو والممثلين، ومنهم: عبد الله العياف، نواف المهنا، هيفاء المنصور، عبد المحسن المطيري. وتتوقع الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع في السعودية أن يصل عدد دور السينما بحلول عام 2030 إلى 350 داراً بـ 2500 فيلم يعرض في عموم المملكة، وأن تصل قيمة الصناعة السينمائية إلى مليار دولار، كما تتوقع المملكة أن يرتفع الإنفاق الأسري على الترفيه من 3 بالمائة إلى 6 بالمائة من مجموع الناتج المحلي الإجمالي.
- أسواق الأدب.
دُرستْ أسواق الأدب في العصرين الجاهلي والأموي من عدة زوايا نقدية، اهتمت بطبيعة النصوص الأدبية التي كانت تُعرضُ فيها، ومستويات النشاط النقدي الذي واكب هذه النصوص، وعالجها. لكنّ هذه الأسواق تحتاج إلى النظر إليها بصفتها واحدة من نماذج القوة الناعمة التي عرفتها المجتمعات العربية في عصورها القديمة. إذ اضطّلعت هذه الأسواقُ - إلى جوار وظيفتها الاقتصادية الأساسية – بوظيفة أدبية ولغوية وسياسية واجتماعية، فقد أسهمت في توحيد اللهجات العربية - بما يُشار إليه بتوحيد اللسان - وقد وصف مصطفى صادق الرافعي هذا الفعل – في الجزء الأول من كتابه تاريخ آداب العرب - بأنه " تهذيبٌ لغوي “. كما كانت الأسواق معرضًا لحلّ النزاعات السياسية بين القبائل، وتبادل الرأي حول حروبهم - المُسمّاة بأيام العرب – وتبادل الأسرى، وعقد الأحلاف السياسية. فضلا عن ذلك، كانت هذه الأسواق معرضًا للتجارة وتبادل السلع بين القبائل المختلفة. وعلى الصعيد المجتمعي، نهضت هذه الأسواق بحفظ الأنساب والعادات والتقاليد العربية. هل يُمكننا وصف هذه الأسواق – من خلال ما سبق – بأنها واعيةٌ مجتمعية وأدبيّة؟ يؤكدُ تاريخ الأدب استحقاقها لهذا الوصف، والإشارة إليها بصفتها قوة ناعمة مؤثرة في عصرها. لعل هذه هي الدلالة التي قصد إليها فيليب حتّى في وصف سوق عكاظ- في قوله المُشار إليه في كتاب " الموجز في الأدب العربي وتاريخه لحنّا الفاخوري - بأنها " كانت أشبه بأكاديمية فرنسية في بلاد العرب ".
وسوق عكاظ - ويقعُ شرقَ الطائف - أبرزُ هذه الأسواق وأكبرها في العصر الجاهلي - حتى العصر الأموي - وتحديدًا عام 129م- فوفد إليه كثيرٌ من شعراء الجاهلية وخطبائهم وحكمائهم، وعلى رأسهم: حسان بن ثابت، شاعر الرسول – صلى الله عليه وسلّم - والأعشى والخنساء وعامر بن الظّرب وقسّ بن ساعدة. كما قصده كبار النقاد في هذا العصر، ومن أبرزهم النابغة الذبياني. أمَّا سوق " ذي المجاز " فهي تاليةٌ لسوق عكاظ في الأهمية والذيوع، وتقعُ بالقرب من مكّة المكرمة، تشبهها في ذلك سوق “المَجَنّة “. هذا إلى جوار عدة أسواق أخرى لم تنل هذه الدرجة العالية من الذيوع، ومنها: دومة الجندل، ونطاه خيبر، وهجر، المشقر، الرابية، وغير ذلك.
وقد عمد الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- إلى إحياء هذه الأسواق العربية الكبرى، فكلّف الدكتور عبد الوهاب عزام -رحمه الله- بتحديد منطقة سوق عكاظ من خلال تفقّد آثاره الباقية، فقام الدكتور عزّام بتحديد الإطار الجغرافي للسوق، معقبا ذلك بتأليف كتابه المعروف بعنوان: "عكاظ “.
وتم إحياء عكاظ مرة أخرى عام 1428 هـ، حين افتتحه صاحبُ السمو الملكي الأمير خالد الفيصل. واضطلع، منذ هذا التاريخ، بالقيام برسالة فكرية وأدبية وثقافية مهمة، لم تقف عند حدّ إقامة الأمسيات الشعرية والندوات الأدبية والنقدية والفكرية، بل أسهم " عكاظ " في صورته المعاصرة في تجديد قوى الإبداع والنقد من خلال عقد المسابقات، وتقديم الجوائز الكبرى في أبرز حقول الآداب والفنون، وعلى رأسها: جائزة الشعر، جائزة شاعر عكاظ، جائزة شاعر شباب عكاظ. فضلاً عن عدة جوائز كبرى في مجال السرد الأدبي، الخط العربي، الفن التشكيلي، التصوير الضوئي، الحِرَف اليدوية، الفولكلور الشعبي، جائزة التميز العلمي، وجائزة الابتكار. هذا فضلاً عمّا يتم استحداثُه من جوائز، تُضافُ إلى سابقتها، مثل: جائزة أطفال عكاظ للفنون الشعبية، جائزة الإبداع المسرحي. أما جائزة خطيب عكاظ، فقد كانت بمثابة إشارة قوية دالة على رسالة أخرى اضطلع بها " عكاظ "، هي إعادة تمثيل الأسواق الأدبية العربية في ضمير الحاضر ومن ثم، توطيد الوشيجة بين التراث والراهن العربيين. تجاورت هذه الإشارة مع حرص القائمين على السوق بتعريف الزائرين بالأزياء التي كان العرب يرتدونها في العصر الجاهلي، وتعريفهم بأسماء القبائل والقوافل التجارية التي كانت تقصد السوق للتجارة، وتيسير مجموعة من الكتب التاريخية للمطالعة.
وحظِيَ سوق عكاظ باهتمام – ورعاية - خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ، حيث جعله من بين أهم برامج خادم الحرمين للعناية بالتراث الحضاري.
ومن واقع رؤية 2030م، التي دعا إليها ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي محمد بن سلمان، أسند المسؤولون إلى سوق عكاظ رسالة أخرى تتعدى الحدود الجغرافية لشبه الجزيرة العربية، و تعقد ما يشبه التضافر بين أكثر من قوة ناعمة ، منها : الأدب ، والموسيقى ، حيث استُضيفَت – في سوق عكاظ - أكثرُ من نغمة عربية – تمثل بلدان العالم العربي – ولعل مهرجان عام 2018م، يدلنا على ذلك ، حيث امتزج فيه الغناء السعودي مع المصري – ممثلاً في فريق دار الأوبرا المصرية - والغناء الكويتي ، وغير ذلك . كما اشتملت مواسم عكاظ على عروض للفن المسرحي.
ونهض عكاظ بمهمة أخرى، حيث كان مسرحًا لاستقبال الوفود الدبلوماسية المدعوة من قِبل وزارة الخارجية السعودية لتعريفها بالهوية الثقافية والحضارية للمملكة، واطلاعها على سمتها التراثية ومعالم نهضتها المعاصرة.
مهرجان الجنادرية
لا يستقيم الحديثُ عن أسواق الأدب والثقافة، خاصة، ومظاهر القوة الناعمة في المملكة العربية السعودية، عامة، دون التوقف عند مهرجان الجنادرية - المهرجان الوطني للتراث والثقافة - الذي يتضح لنا من اسمه أنه يحقق أهدافًا تتصلُ مباشرة بالسمة التراثية للمملكة، وهي الجديرة بتمييز المجتمعات بعضها من بعض.
والجنادرية اسمُ قرية تراثية صغيرة تم بناؤها بالقرب من الرياض- العاصمة - لتدور فيها فعاليات المهرجان الذي أُقيمت دورتُه الأولى في مارس 1985م – 1405هــ - وأصبح تابعًا لإشراف وزارة الثقافة السعودية عام 2018م ـ وبدءًا من دورته الأولى، اضطلع الجنادرية بالقيام بعدة مهام، وثيقة الصلة بأهداف القوة الناعمة، وعلى رأسها: إبراز الهوية والطابع الشخصي للمجتمع. فضلاً عن ذلك اضطلع المهرجان بإحياء أنماط الحياة المجتمعية في المملكة قبل عدة عقود - وفي صورة حيّة - تتمثلُ في الزي والحلي النسوية القديمة، والعادات اليومية، وطرائق المعيشة وأنواع الطعام. كما أحيا الجنادرية ألوان الحرف التقليدية - والصناعات اليدوية - ونماذج التراث المعماري السعودي، وذلك عبر أحدث طرق العرض وتقنيات العرض الحديثة – المسموعة والمرئية – بما يعد تضافرًا بديعًا بين التراث ومظاهر المدنية الحديثة.
ولعل إشارتنا – فيما سبق – إلى الجوائز التي اضطلع بتقديمها سوق عكاظ السنوي، تستوجب ذكر فئة أخرى من الجوائز السعودية التي اتخذت شكلاً عالميًا، وفي مقدمتها جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة الأمير عبد الله الفيصل، يليها جوائز الأندية الأدبية الكبرى المُقدّمة من وزارة الثقافة السعودية، وجائزة كرسي الأدب السعودي. ومن المهم تأكيد قيمة الدور الذي قامت به هذه الجوائز على عدة أصعدة، تتعلقُ جميعها بالرسالة المنوطة للقوة الناعمة، من ذلك: إلقاء ضوء ساطع على العديد من الشخصيات – السعودية والعربية - المبدعة في مجالها، والتذكير باستحقاقها للتكريم أو للمزيد منه، في حال فوزها بجوائز مسبقة. دورٌ آخر قامت به هذه الجوائز، هو الدفع إلى المزيد من علاقات الثقة بين الحاصلين عليها وبين بلد الجائزة. وقبل أن نغادر محطة الثقافة والأدب – أسواقًا وجوائز – يجدر أن نشير إلى أهمية هذه المساحة التي خصصتها وزارة الثقافة السعودية لنشر الإبداع العربي من خلال الأندية الأدبية، بما يدفع إلى عمليتي التأثر والتأثير بين النص السعودي والنص العربي، من كافة الأقطار، تلقيًا ونقدًا.
إنّ هذه الألوان من النشاط الثقافي والفني - والمعرفي عامة - في المملكة العربية السعودية، بما تتسمُ به من حيوية وتنوع وعنفوان، تدفعُ إلى ترقب قادمها وجديدها بثقة واعتزاز بصفتها جاذبية حداثية ملهمة.






