ارتبط تعريف القوة تقليديًا بـ “القدرة على خوض الحرب" أي بالقوة العسكرية، التي تتحدد بدورها بعوامل مثل عدد السكان والاتساع الجغرافي، ووفرة الموارد الطبيعية. بهذا المعنى كلما ازداد عدد سكان الدولة، واتسعت مساحتها، وتوافرت لديها الموارد والثروات الطبيعية، كلما اعتبرت الدولة أقوى، وكلما استطاعت حماية مصالحها وتحقيق أمنها. وقد ظل مفهوم القوة هذا شائعًا حتى وقت قريب، في الفكر والممارسة السياسية. وقد ورد أن الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين رد على اقتراح، طرحه الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت في مؤتمر يالطا الذي عقد في فبراير 1945م، وضم إليهما رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل، بخصوص دعوة البابا للمشاركة في مؤتمر للسلام يعقب نهاية الحرب العالمية الثانية، بقوله مستغربًا: "البابا؟ وكم فرقة عسكرية يمتلك البابا؟
لكن النظرة إلى القوة بهذا المعنى تغيرت على نحو بيّن خلال العقود القليلة الماضية، خاصة في ضوء تطور التكنولوجيا وتنامي قوة الأفكار وسرعة انتقالها، وعجز القوة العسكرية عن حل الكثير من المشاكل. بناءً عليه ظهر مفهوم القوة الناعمة. وكان جوزيف ناي (Joseph Nye)، مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي في إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أول من استخدمه في تسعينات القرن الماضي، وتوسع في شرحه في كتابه "القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية" الذي وضعه عام 2004م. وقد عرف ناي "القوة الناعمة" بأنها القدرة على تحقيق الأهداف من خلال الإقناع والاستمالة، وبناء النموذج الجذاب.
غايات القوة الناعمة القطرية
رغم أن الدول جميعًا تحتاجها وتستخدم أدواتها المختلفة في تحقيق مصالحها، إلا أن القوة الناعمة تستأثر باهتمام أكبر بالنسبة للدول الصغرى في النظام الدولي، نظرًا لكونها الأداة الرئيسة في تحقيق أهدافها السياسية والدبلوماسية، ولافتقار أكثرها إلى أدوات تأثير أخرى. وتعد قطر من الدول التي تتميز بسعيها إلى بناء نفوذ سياسي وثقافي وفكري مؤثر يخدم استراتيجيًا غاياتها التي تسعى، مثل بقية الدول، إلى تحقيقها، وتتمثل في ثلاثية السيادة والأمن والرخاء، إضافة إلى الحصول على اعتراف بالدور الهام الذي تؤديه في السياسات الإقليمية والدولية.
إنّ قوة قطر الناعمة، واقتصادها المزدهر، وموقعها بصفتها مركزًا للطاقة والتجارة وقوة سياسية إيجابية، جعلت منها شريكًا استراتيجيًا في ملفات إقليمية ودولية عديدة. لقد مكّنت هذه العوامل قطر من التغلّب على بعض مكامن ضعفها البنيوية، والاستعاضة عنها بأدوات تأثير ناعمة، ساهمت في توسيع مساحة تأثيرها ونفوذها، إلى ما وراء إقليمها عبر تبني استراتيجيات تمكّنت من خلالها من تجاوز بعض القيود البنيوية المتصلة بحجمها وقلة عدد سكانها، وذلك عبر استخدام أدوات غير تقليدية في تعزيز نفوذها، فأنشأت إعلامًا فتح الباب واسعًا للبحث في قضايا المنطقة العربية. واستفادت أيضًا من أفول دور حواضر الفكر والثقافة العربية (في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وبيروت) أو ضعفها، وسعت للتحول إلى مركز فكري وثقافي بديل. وحاولت، بدرجات متفاوتة من النجاح، بناء سمعة "براند" (Brand) كعلامة مميزة لدورها في حل النزاعات الدولية، ووظّفت ملاءتها المالية الكبيرة في خدمة هذا الغرض، وفي إنشاء شبكة واسعة من الجمعيات ومنظمات العمل الإنساني أيضًا التي نشطت في تخفيف ظروف الفقر والإهمال في دول عدة في إفريقيا وآسيا. وساعدت هذه النشاطات قطر في تعزيز صورتها الذهنية وقوّتها الناعمة. من دون هذه المقوّمات الأساسية، ما كان ممكنًا لقطر أن تتبوّأ دورًا إقليميًا مهمًا، بل كان يمكنها أن تبقى دولة هامشية في السياسة الإقليمية، تقبع من دون اهتمام كبير على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية.
أدوات القوة الناعمة القطرية
تشتمل أدوات القوة الناعمة التي راكمتها قطر على مدى سنوات مجالات الإعلام، والاستثمارات الخارجية، والتعليم والمشاريع الفكرية والثقافية، والوساطة وحل النزاع، والمساعدات الإغاثية والتنموية. ومن خلال تحوّلها أيضًا إلى مركز رياضي إقليمي ودولي بعد تنظيمها الناجح لمونديال كأس العالم في عام 2022م، تزايد الاهتمام بدور قطر والإحساس بحضورها على الساحة الدولية.
- الوساطة وحل النزاعات
سمحت الدينامية التي تمتاز بها الدبلوماسية القطرية، والمساعدات الإغاثية والتنموية التي تقدّمها، وسعيها إلى تحقيق التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية، بتحولها إلى وسيط إقليمي مهم في عدد من الأزمات والنزاعات الإقليمية. إنّ محاولة قطر إبراز دورها على الصعيد العالمي بصفتها دولة حيادية وإيجابية، تتعامل مع مختلف الأطراف الإقليمية وتحاول التوسّط بينها، وتساهم من ثمّ في حل النزاعات، صنعت علامة مميزة لقطر، وتحوّلت إلى أحد مصادر قوتها الناعمة الرئيسة، المقبولة عالميًا. في المقابل، سمحت هذه الأدوات بجعل قطر جزءًا مهمًا من توازنات المنطقة وعنصرًا رئيسًا في معادلات أمنها الإقليمي. وكانت إحدى النتائج المهمة لهذا النهج أنّ المبادرات القطرية أظهرت صورة قطر باعتبارها صانع للسلام والاستقرار في المنطقة والعالم. وقد حقق لها ذلك نفوذًا استراتيجيًا أدّى إلى نشوء نوع من الاعتمادية المتبادلة التي ساهمت في تعزيز أمن دولة قطر.
لقد سمحت سياسات التوازن والقدرة على إقامة علاقات مع الأضداد، بأن تقوم قطر بدور فريد في عدد من النزاعات الإقليمية؛ ما أضفى مزيدًا من القوة والتأثير على سياستها، وجعلت الوساطة الفاعلة التي قامت بها قطر لحل بعض النزاعات، في العالمين العربي والإسلامي، منها وسيطًا نافذًا ولاعبًا مهمًا على المستوى الإقليمي. وباتت جهود الوساطة القطرية جزءًا لا يتجزّأ من أدوات سياسة قطر الخارجية التي تتم غالبًا تحت الأضواء وأمام وسائل الإعلام المحلية والدولية، لتنعكس إيجابيًا على دور البلاد. وبرزت الوساطات القطرية في لبنان والسودان وفلسطين باعتبارها نقطة تحوّل في أداء قطر الدبلوماسي الناشط. اذ بذلت قطر مساعيَ دبلوماسية مهمة لحل النزاع في دارفور في السودان عام 2011م، وإنهاء الأزمة السياسية التي نشأت في لبنان بعد اجتياح حزب الله العاصمة بيروت في أيار/ مايو 2008م، لكن أهم دور وساطة قامت به قطر كان دور الوساطة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان والذي بدأ منذ عام 2013م، عندما سمحت قطر بافتتاح مكتب تمثيلي لحركة طالبان في الدوحة لتسهيل التواصل بين الطرفين. وكانت قطر قد توسّطت لإطلاق سراح خمسة قادة من طالبان من معتقل غوانتانامو، في مقابل الجندي الأمريكي، بو بيرغ دال، في أفغانستان في عام 2014م، وفي مطلع عام 2020م، نجحت قطر في إبرام اتفاق سلام بين الطرفين لتسهيل انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان.
لقد عكست أدوار الوساطة التي أدّتها لحل جملة من النزاعات الإقليمية أهمية سياسة الأبواب المفتوحة والأدوار الناشطة التي انتهجتها قطر تجاه مختلف الدول والفاعلين غير الحكوميين، وفائدتها في تعزيز موقف قطر الإقليمي وقدرتها على المناورة والتأثير.
- التأثير عبر الإعلام
كان طبيعيًا أن تذهب دولة تفتقر إلى مصادر القوة الصلبة (Hard power) في اتجاه تبني استراتيجية تعويضية، تقوم على امتلاك وسائل القوة الناعمة (Soft power)، لتحقيق طموحها في بناء دور إقليمي فعال. ومثّل الإعلام بالنسبة إلى قطر أحد أهم أدواتها الدبلوماسية على الساحتين الإقليمية والدولية، والأداة الرئيسة لإيصال صوتها ومواقفها من قضايا المنطقة والعالم، وصوغ رأي عام يخدم توجّهاتها. وقد أدّت قناة الجزيرة العربية (1996م) ثم الإنكليزية (2006م) دورًا رئيسًا في إنتاج علامة خاصة بقطر، وكان لها الدور الأكبر في جعلها لاعبًا مهمًا في السياسة الإقليمية، وشدّ الانتباه إليها على الساحة الدولية.
طوال عقود طويلة، افتقر العالم العربي إلى وسائل إعلام غير رسمية، وظل يعتمد على وسائل إعلام غربية ناطقة بالعربية مثل بي بي سي عربي ومونتي كارلو وصوت أمريكا وغيرها، للحصول على الأخبار ومناقشة قضايا سياسية مهمة بهامش معقول من الحرية لم يتوافر في الإعلام الرسمي العربي.
بهذا المعنى؟، مثّلت الجزيرة قوة ناعمة مهمة لقطر في السياسة الخارجية، وصارت لاعبًا أساسيًا ليس في السياق الإقليمي فحسب، بل في السياسة الدولية أيضًا.. والواقع أنّها غدت من أهم أدوات الدبلوماسية القطرية، ذلك أنها أعطت قطر صوتًا مسموعًا خليجيًا وعربيًا وعالميًا. وخلال تغطية الجزيرة حربَي أفغانستان 2001 والعراق 2003م، تحولت في غياب وسائل الإعلام العالمية الأخرى إلى مصدر إخباري عالمي؛ إذ وصلت تغطيتها إلى المشاهد الأمريكي والغربي، كما حظيت الجزيرة باهتمام كبير من القنوات الفضائية الغربية مثل سي إن إن (CNN)، وسي بي سي (CBC)، وإن بي سي (NBC)، وأصبحت مرجعًا لعدد كبير من وسائل الإعلام الغربية في الولايات المتحدة وأوروبا. وبقيت الجزيرة تُعدّ من القنوات الإخبارية الأكثر مشاهدة في العالم العربي، على الرغم من نشوء منافسين. أما الجزيرة الإنكليزية (Al-Jazeera)، فلها أيضًا حضور عالمي لافت، وقد نالت جائزة (Peabody Awards) في عام 2012 لتغطيتها المتميزة لأحداث العالم العربي.
- الاستثمارات الخارجية
تعد الاستثمارات الخارجية من أدوات بناء النفوذ للدول المستثمرة التي تسعى من خلالها إلى تحقيق أهداف سياسية إلى جانب عوائدها الاقتصادية. وقد أدركت قطر صاحبة الاقتصاد الريعي أن الطاقة الاحفورية غير كافية وحدها لضمان استمرارية قوتها المالية انطلاقًا من كونها طاقة ناضبة فضلاً عن تذبذب أسعارها عالمياً، فعملت على توظيف ثرواتها المالية في الأنشطة الاستثمارية لتفادي مَغَبَّة الدخول في أزمات مالية مستقبلاً، فكثفت من استثماراتها إقليمياً ودولياً لتحقيق هذا الهدف من جهة وبناء صورة ذهنية إيجابية عنها من جهة أخرى. وتُعد دولة قطر من أكثر الدول نشاطاً في مجال الاستثمار الخارجي وفي توظيف العوائد المالية الضخمة التي حققتها خلال سنوات الوفرة وارتفاع أسعار النفط والغاز في استثمارات مُدرة للدخل. حيث تتنوع استثماراتها في مختلف القطاعات والمجالات فتشمل المصارف والعقارات والزراعة والمناجم والنفط وشركات السيارات والنوادي العالمية وغيرها، وجغرافياً تمتد هذه الاستثمارات من ماليزيا والهند شرقاً إلى أوروبا شمالاً وإفريقيا جنوباً وتنتهي في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية غرباً. وتُنفذ قطر معظم استثماراتها الخارجية بواسطة (جهاز قطر للاستثمار) الذي تُقدر قِيمة أصوله بـ 450 مليار دولار تقريباً، وهو صندوق الثروة السِيادي القطري الذي تأسس عام 2005م، وهناك شركات تابعة للجهاز، وأُخرى تابعة للقطاعين العام والخاص تُنفذ أيضاً استثمارات ضخمة في مختلف القطاعات والدول. تلعب استثمارات قطر الخارجية دورا مهما باعتبارها من وسائل التأثير وبناء النفوذ على المستويين الرسمي والشعبي في الدول المستهدفة بالاستثمار.
- المساعدات الإنسانية والإنمائية
تسهم المساعدات بشقيها الإنساني والإنمائي في بناء صورة ذهنية إيجابية عن دولة قطر على الساحة الدولية. وتعد قطر من الدول ذات الاسهام المهم في هذا المجال. وفي السنوات الأخيرة، ارتفعت المساعدات التي تقدمها قطر بوتيرة كبيرة، فقد تضاعفت مثلا ثلاث مرات بين عامي 2011-2016م، وفقاً لما ذكره الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 20 سبتمبر 2016 م، لتصل إلى 13 مليار قطري في خمس سنوات. وتسعى قطر إلى رفع قيمة المساعدات الإنمائية الخارجية للوصول بها الى 0.42 بالمائة من الناتج الإجمالي القومي وهو مستوى يقترب من المستويات التي تخصصها الدول الصناعية السبع الكبرى من ناتجها الإجمالي القومي. أما المساعدات الإنسانية فقد تضاعفت هي الأخرى خلال السنوات القليلة الماضية، وتبرز خصوصًا في ظروف التضامن الإنساني في أوقات الكوارث والحروب، وهي تسهم أيضًا في بناء صورة إيجابية عن قطر باعتبارها دولة تحترم التزاماتها الإنسانية باعتبارها عضو فاعل في المجتمع الدولي.
- التعليم
إضافة إلى كل ما سبق، اشتملت أدوات القوة الناعمة القطرية على تحديث قطاع التعليم؛ فأنشأت المدينة التعليمية، التي استضافت فروعًا لعدد من أهم الجامعات العالمية مثل جورجتاون، وكارنيغي ميلون، وتكساس - إي إم، ووايل كورنيل، ونورث ويسترن وغيرها. كما استضافت قطر فروعًا لمراكز بحث وتفكير غربية، هامة، بعضها استمر مثل بروكنغز، وبعضها الآخر لم يستمر مثل، راند والمعهد الملكي للدراسات الأمنية والدفاعية (RUSI). وقد لعبت هذه المراكز والمؤسسات البحثية والجامعات دورًا مهمًا في تحويل قطر إلى خلية عمل نشطة عبر المؤتمرات والفعاليات التي تنظمها في مختلف المجالات، كما حولت الدوحة إلى مكرز استقطاب لكفاءات أكاديمية كبيرة في مختلف فروع المعرفة.
- الرياضة
لم تعد الرياضة كما كان سابقاً وسيلة للتسلية أو الترفيه أو كسب المال، بل صارت أيضًا إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، والدبلوماسية الشعبية، فهي أداة من أدوات بناء المكانة وتحقيق النفوذ للدول ومؤشراً على قوة الدولة وتقدمها. أدركت قطر أهمية الرياضة في مجال بناء المكانة وتحقيق الأهداف وتوثيق العلاقات بين الدول، فعملت على استثمار الرياضة وتوظيفها لتحقيق ما تصبو إليه. وقد استضافت قطر على مدى العقدين الماضيين سلسلة من البطولات الرياضية العالمية، بلغت ذروتها باستضافة بطولة كأس العالم عام 2022م، والذي لعب دورًا مهمًا في تعريف العالم بقطر وإنجازاتها في مختلف المجالات.
خاتمة
شملت الدبلوماسية القطرية إنشاء توازنات وبناء تحالفات واستخدام أدوات القوة الناعمة المتاحة؛ من وساطة في حل النزاعات وإعلام وثقافة وفكر ومساعدات مالية وأعمال خيرية وإنسانية ودبلوماسية عامة ورياضة، وإنشاء شراكات واستثمارات عالمية لجعل قطر جزءًا من النظام الاقتصادي العالمي، والانفتاح على مختلف القوى الإقليمية والدولية، حيث تغدو قطر والحاجة إلى دورها الناشط والفعال، السياسي والاقتصادي والإعلامي، من أهم أدوات الحفاظ على استقرارها. وهي استراتيجية غير تقليدية تهدف إلى "تكريس علامة للدولة (Brand) تسهم في تحقيق أمنها من خلال جعل المجتمع الدولي صاحب مصلحة أكيدة في الحفاظ على بقائها واستقلالها".





