تعد قضية توطين الصناعات المتطورة في دول الخليج العربي قضية من أهم القضايا التي تطرح في المنطقة ككل بل والعالم بأسره، نظراً لأهميتها الكبيرة في مسيرة التنمية والتطور على مستوى الدول بشكل عام. ففي بداية مقالنا هذا لابد لنا من سرد موجز مختصر عن أهمية توطين الصناعات المتطورة بشكل عام فهي من جهة تؤسس لتدعيم موقف الدول لبناء دولة المؤسسات وتساهم بشكل مهم في وضع الدول على سكة التنمية والتطور الحقيقية التي تسعى لها أي جهة أو دولة في العالم يهمها أن تكون بالوضع التي تسعى له. ومن جهة أخرى فهي تحفز الاقتصاد المحلي والصناعي تحديدًا وترفع مساهمة تلك الصناعات المتطورة في زيادة وتحسين الناتج المحلي الإجمالي. وفي هذا الصدد لابد لنا هنا من أن نذكر بضرورة قيام الدول في منطقة الخليج العربي بتقديم جميع التسهيلات اللازمة وتوفير كل السبل وتيسير الإجراءات المتعلقة بتوطين الصناعات المتطورة وصولاً للهدف الأسمى وخلق بيئة تزخر بالصناعات المتطورة المنشودة والتي يتوجب أن تكون حاضرة بقوة خصوصاً في ظل التغيرات العالمية على الصعيد الصناعي وتطور صناعاتها فيها بما يجعل المنافسة بينها صعبة وشرسة في كثير من الأحيان. ولا بد هنا من أن نشير إلى أن متانة الاقتصاد في دول الخليج العربي الحالية لن تدوم إلاّ من خلال إيجاد بيئة صناعات متطورة بعيداً عن مصدر الناتج المحلي الوحيد فيها وهو النفط. وأيضًا لابد من القول بأن البحث في تطوير الصناعات النفطية وتصنيعها في دول الخليج بدلاً من الاعتماد على تصدير تلك السلعة البالغة الأهمية. كما تجدر الإشارة أيضًا إلى ضرورة استغلال دول الخليج العربي من الوفرة الاقتصادية الناتجة عن تصدير النفط والوضع الاقتصادي المستقر نسبياً وخصوصًا استغلال أوضاع استقرار الأسواق النفطية العالمية والقيام بتنفيذ توطين الصناعات المتطورة فيها وحتى تبلغ في طموحها لمستويات عالية وتتعامل مع قضية توطين الصناعات المتطورة تحدياً وتضع لنفسها خطة خمسية أو عشرية تتوافق مع رؤيتها المستقبلية التي اعتمدتها كل دولة من دول الخليج. ووضع جدول زمني تراجع فيه ما تم تحقيقه في هذا الصدد وإعادة تقييم للموقف بشكل عام وتطوير وتحسين الأداء ووضع يدها على مكامن الضعف والقوة ومعالجتها وفق رؤية ودراسة مستفيضة وعلى أسس علمية بحتة. ولا يمنع ذلك من استجلاب ذوي الخبرة من الاستشاريين والخبراء واستقدامهم والاستفادة من خبراتهم السابقة الفعلية في هذه القضية حتى يتم تحقيق الهدف المنشود. وعلى سبيل التأكيد على أهمية توطين الصناعات المتطورة والمدنية تحديداً مقارنة بما حدث في روسيا "الاتحاد السوفيتي سابقًا" نقول بأنه عندما تفكك الاتحاد السوفييتي كان السلاح النووي الذي يملكه باستطاعته تدمير الكرة الأرضية بثلاث مرات .. ولكن هذا التفوق بقدرة السلاح النووي فقد قيمته بعد أن تفككت الدولة ووجدت الدولة نفسها في ضعف شديد في القدرات والإمكانات الصناعية فيها ولم تجد ما يساندها من الصناعات المدنية المتطورة وهو ما يشير إلى أهمية الصناعات المتطورة في أي بلد كان ومهما كانت قدراته والناتج القومي له. ومما يجدر ذكره في هذه المناسبة القول بأن الصناعة التي كانت لدى الاتحاد السوفيتي حينذاك لا ترضي غرور وطموح الدول الفقيرة في العالم لكي تقوم حتى بمجرد الاطلاع عليها نظراً لعدم اهتمام الدولة السوفييتية فيها وفي المقابل نجد أن الصين استفادت من انشغال القطبين المسيطرين على العالم آنذاك أمريكا والاتحاد السوفيتي في حشد الأسلحة ضد بعضهما البعض ومعسكر كل منها. وإهمال الصناعة البالغة الأهمية وخصوصًا إبان فترة منتصف السبعينات من القرن الماضي حين صعدت الصين بمستويات عالية جداً على صعيد الصناعات بشتى أنواعها المتطورة وغيرها دون استثناء حتى وصلت لأيامنا هذه حيث تقوم بصناعة كل ما يخطر على البال من الإبرة وحتى الطائرة والمركبة الفضائية. وفي نموذج دول الخليج العربي نجد أن الموقف فيها وفي ظل وجود مصدر واحد للدخل هو حافز بالغ الأهمية للاتجاه نحو توطين الصناعات المتطورة سبيلاً مهمًا في هذه القضية. وإن المناشدة اليوم لقادة دول هذه المنطقة والقائمين عليها بأن يتم إيلاء توطين الصناعات أهمية قصوى نظراً لأهميتها في المرحلة المستقبلية القادمة. كما أن سطوة الاقتصاد وغلبته على قوة السلاح للدول التي تعمل على حشده وترصد له الميزانيات الضخمة في حين أنها تهمل تخصيص الميزانيات اللازمة لتوطين الصناعات المتطورة فيها. ستخسر الكثير في نهاية المطاف وسوف تجد نفسها تمر بنفس سيناريو الاتحاد السوفييتي السابق. وباختصار فإن العالم اليوم هو عالم صناعة بامتياز. ويجب أن تنخرط دول الخليج العربي فيه وبكل قوة اعتماداً على اقتصادها المتين والذي يتطلب المحافظة عليه لضمان ديمومته لعقود قادمة. وفي هذا الصدد لعلنا هنا أن نفتتح مقالنا في هذه القضية هو بالحديث وبشكل مختصر عن طبيعة ونوعية ومواصفات الصناعات التي يتوجب أن تتوفر في دول مجلس التعاون الخليجي. فهي من ناحية يجب أن تكون غير متوفرة في الوقت الحالي في دول الخليج العربي بأي شكل من الأشكال، وإن وجدت فإنه يتوجب تطويرها وتحسينها وأن تكون على مستوى عالمي وفق مواصفات ومعايير دولية معتمدة وذلك لتحقق الهدف المرجو من وجودها وإنشائها وتحسين أدائها. وهو أمر بالغ الأهمية بمكان أن يكون أولوية لدى دول الخليج العربي للبدء بتنفيذه بأقصى سرعة ولن نوفي أهمية توطين الصناعات المتطورة في دول الخليج حقها الحقيقي مهما أوردنا من كلمات وسطور في هذا المقال. ولكن نذكر أهم الملامح التي نراها من واقع رؤيتنا المتواضعة ومن واقع قراءاتنا واطلاعنا المتواضع في هذه القضية. وفي الصدد ذاته يطيب لنا أن نذكر بأن الطموح لدول الخليج العربي يجب أن يكون كبيراً إن جاز التعبير بمعنى أن يفوق كل التوقعات وذلك ليحقق الهدف الذي تسعى له تلك الدول. وليتوافق مع الرؤية الشاملة لقضية توطين الصناعات المتطورة. ولعلنا هنا نذكر وعلى سبيل المثال فإن أهم الصناعات التي تحتاج إلى تطور كبير هي الصناعة البتروكيماوية تلك الصناعة المهمة جداً. وتنبع أهميتها من أنها تدخل في العديد من الصناعات الأخرى وجميع المجالات ومن أهمها أنها تدخل في المجال الطبي: حيث تستخدم بشكل أساسي لتصنيع البنسلين والأسبرين، وعلاجات الإيدز والتهاب المفاصل، والأهم من ذلك كله هو صناعة أدوية السرطان وذلك بالنظر للحالات المرتفعة في العالم ومن ضمنها دول الخليج العربي. فحالات الوفيات التي نشهدها "ابعد الله عن الجميع هذا المرض الخبيث" تشكل 90% من حالات الوفاة بهذا المرض الخبيث وتولي دول الخليج العربي العلاج للكثير من الحالات علاجها في الخارج واعتمادها بشكل كبير عليها الأمر الذي يكلف تلك الدول ميزانيات ضخمة وتكاليف كبيرة بالإمكان أن يتم تقليصها إذا ما تم إنشاء صناعة دوائية متطورة، وبناء مصانع دوائية متخصصة في صناعة دواء للسرطان، وفي تقديرنا فإنه لا يوجد ما يمنع من توفر هكذا مصانع في دول الخليج العربي في ظل وجود الوفرة والإمكانات المادية وهي فرصة حقيقية يتوجب الاستفادة منها. وعودة لصناعة البتروكيماويات التي تدخل فيها صناعة الأطراف الصناعية والكثير من المعدات الطبية. وتدخل أيضاً الصناعات البتروكيماوية في المجال الغذائي: حيث تسهم في صناعة حافظات للأطعمة وملوّنات الأغذية الصناعية، وأيضاً في المجال الزراعي حيث تدخل في صناعة المبيدات والاسمدة، إضافةً إلى صناعة الانابيب والخيوط والحاويات البلاستيكية. وأيضاً في المجال المنزلي حيث تدخل الصناعة البتروكيماوية بشكل كبير في صناعة البلاستيك والألياف، وبالتالي يتم إنتاج العلب البلاستيكية، ومنظفات، وألوان، وأسمدة، وحاويات، وعدسات لاصقة، وشمع، وغيرها الكثير من المنتجات المنزلية الأخرى. ومن جهة أخرى نقول إنه وفي حال نجاح بناء صناعات متطورة بتروكيماوية على مستوى عالي من التنوع في صناعتها يمكن أن يتم التصدير لدول أخرى في العالم تحتاج لمخرجات تلك الصناعة ولا تتوفر بها الإمكانات للقيام بتصنيعها. وهو أمر بالغ الأهمية في هذا الصعيد ويخدم توجه دول الخليج العربي في ظل وجود منتج النفط الذي يدخل في صناعة البتروكيماويات. وهو أمر لا يجب إغفاله من قبل القائمين في دول الخليج العربي. وهناك أيضاً الصناعات المعرفية والغذائية وصناعة المحفزات الكيميائية والمعادن الأساسية، بالإضافة إلى صناعة المعادن الفلزية غير الحديدية، وغيرها من الصناعات المتطورة الأخرى. ولو تحدثنا بصفة مختصرة عن الصناعات التي ذكرناها هنا نقول بأن الصناعات الغذائية تشكل أهمية كبرى لدول الخليج العربي وذلك بالنظر إلى عدم وجود صناعة غذائية حقيقية كما يجب. وبالتالي والوضع هكذا فإن تركيز دول الخليج هنا يتطلب أن يكون على قدر الحدث وعلى قدر المسؤولية ويضاف لذلك اعتماد هذه الدول على الاستيراد بشكل مخيف بحيث وصل في السنوات الماضية لأرقام خيالية اقترب في معظمها للناتج القومي واقترب لمستويات خطيرة تنذر بأمور غير محمودة العواقب خصوصًا في ظل وجود ظروف ومتغيرات دولية غير متوقعة من حروب وكوارث تعيق توفيرها لتلك الدول وبالتالي نقول وكما أسلفنا أن يتم التأسيس أو التوطين لصناعة غذاء فيها تجنباً وتقليلاً لاعتمادها على دول أخرى ومن هنا تأتي فكرة استصلاح الأراضي الجرداء وتحويلها لأراضي خضراء يستفيد منها الجميع في دول الخليج. ولن نكون مبالغين إذا ما توفرت الإمكانات اللازمة أن تقوم دول الخليج العربي بتصدير الصناعات الغذائية لبعض الدول في العالم وهو ما قامت به المملكة العربية السعودية قبل فترات سابقة من تصدير الغذاء والتمور لتلك الدول ولعلنا نذكر هنا تجربة زراعة القمح والنجاحات التي تحققت في المملكة العربية السعودية وهي تجربة جديرة بالذكر والإشادة وتعميم الاستفادة منها في باقي دول الخليج العربي. وفي مقابل هذا كله ففي صدد الصناعات الغذائية على صعيد دول الخليج العربي نجد أن صناعة الغذاء فيها شحيحة وتتطلب التركيز عليها أيضاً فهي لا تقل شأنًا عن الصناعات الذي نتحدث عنها هنا. بل وهي أولوية قصوى بالنظر لاعتماد دول الخليج على مصادر الغذاء من خارجها. من جهة أخرى أيضاً وبعيداً عن المبالغات نشير إلى وجود لمحات مهمة في دول الخليج العربي عبر تجاربها التي أوردنا بعضاً منها في سياق مقالنا هذا والتجارب التي مرت بها فهي تعطي إشارة مهمة لما يمكن أن تقوم به دول الخليج العربي في صدد توطين الصناعات المتطورة. كما يتعين القول هنا بأنه قد حان الوقت لدول الخليج العربي أن توسع نطاق توجهها وتوائمه مع رؤيتها المستقبلية وتلك الرؤى التي حددتها كل دولة للوصول إليها في المستقبل القادم ونعني رؤية المملكة 2030 ورؤية باقي الدول. بحيث تتقاطع قضية توطين الصناعات المتطورة مع تلك الرؤى وتقطع شوطاً مهمًا في بنائها لما فيه خير المنطقة بشكل عام. كما أنه ولتحقيق الهدف من التوطين هو وجود المحفزات بجميع أشكالها المطلوبة لتوطين الصناعات المتطورة هو عامل مهم جداً إذا ما أردنا بناء هذا النوع من الصناعات المتطورة مع الأخذ بالاعتبار بطبيعة الحال قدرة دول الخليج العربي كافة على توفير المحفزات سواء للقطاع الخاص أو العام بحيث يتم تشجيع القطاع الخاص وبقوة للاتجاه نحو هذا المجال بصفته مجالاً قد يكون مستدامًا في المستقبل القادم وفي ظل عدم الاعتماد على مصدر واحد للناتج القومي للدولة. وبالتالي فإن دول الخليج اليوم مطالبة بتقديم كل المحفزات والدعم لتوطين الصناعات وتشجيع كل من يخوض في هذا المجال وتقديم كل التسهيلات اللازمة مادياً ومعنوياً وبكل الوسائل المتاحة.
إن طموح دول الخليج العربي في ظل الحاجة لتوطين الصناعات المتطورة والمتقدمة والمدنية منها يجب أن يتفوق على أي صفة أخرى فإن المستقبل القادم لن يرحم الدول التي لا تقوم بخطوة مهمة وكبيرة لتوطين الصناعات فيها. ويجب أن يكون الطموح على قدر القدرة والعزم للدول السائرة في هذا السياق. بمعنى أن يكون لديها طموح لا حدود له. وإذا ما ذهبنا بالحديث في الصناعات فإن صناعة متطورة مثل الصناعات الرقمية تشكل رقماً صعباً وبالغ الأهمية في سياق قضية توطين الصناعات فهذه الصناعة لها المستقبل في الفترة المقبلة من عمر الكرة الأرضية والعالم فجميع الدول في العالم وخاصة المتطورة تولي اهتمامًا كبيراً للصناعات الرقمية وبمعنى آخر فإن عالم اليوم والغد هو عالم الصناعات الرقمية بكل صراحة وشفافية، فهذه الصناعة التي تشكل ثورة بكل معناها الحقيقي حيث أصبح التوجه اليوم للدول المتطورة شغلاً شاغلاً لها وأولت التحول الرقمي في صناعاتها الحالية وطورتها رقمياً وطبقت الصناعات الرقمية على القطارات التي تنقل الناس لوجهاتهم بحيث أصبحت نسبة التأخير صفر ثانية وسهلت كثيرًا حياتهم. وفي سياق الفكرة ذاتها تأتي صناعة تكنولوجيا المعلومات أمراً أساسياً في ظل الاعتماد الكلي على تكنولوجيا المعلومات في جميع مناحي الحياة أيا كان نوعها. فأصبحت كل احتياجات إنسان العصر الحالي أساسها الحوسبة وتكنولوجيا المعلومات والثورة المعلوماتية. أيضًا نقول هنا وجنبًا إلى جنب مع توطين الصناعات يأتي توطين الصناعات العسكرية جانباً مهمًا في سياق توطين الصناعات المتطورة ولكن لا يجب أن يطغى في أهميته على باقي الصناعات التي أوردناها فعلى الأقل أن تكون الصناعات العسكرية يتم التركيز فيها على الجانب الدفاعي. وبحيث لا تغفل هذا الجانب مع باقي الصناعات الأخرى التي تناولناها في معرض مقالنا المتواضع هذا.
إن من أهم التحديات التي تواجه توطين الصناعات المتطورة في دول الخليج تحديداّ هو عدم وجود خريطة واضحة المعالم أو خطط بعيدة المدى لقضية الصناعات المتطورة وأسلوب عملها. وبالتالي فإن من أهم الخطوات التي تتطلبها توطين صناعة ما هو وجود خطة واضحة وهدف محدد المعالم وتوقيت محدد وواضح لها. ومن ناحية أخرى نقول هنا بأن التظاهرات العالمية التي نظمتها دولة الإمارات العربية المتحدة قبل فترة والمتمثلة في جمع الدول فيها بما يعرف بإكسبو 2020م، مثلت فرصة حقيقية لدولة الإمارات العربية المتحدة ومن ورائها بطبيعة الحال دول الخليج العربي الأخرى في اكتساب معرفة وخبرة حقيقية للانطلاق منها إلى المساهمة بقضية توطين الصناعات المتطورة، وهو الأمر المطلوب وحاجة ملحّة إذا ما أردنا أن نعمل على بناء صناعات متطورة حقيقية في دول الخليج العربي، إن المهمة صعبة والتحديات المتعلقة فيها كبيرة وتستحق المغامرة وفي تقديرنا أن شباب وقيادات دول الخليج العربي لديهم كل القدرة والعزم لتحقيق المستحيل في هذا الصدد. ولعلنا نشيد هنا بالقول بأن غزو الفضاء من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة كانت خطوة مهمة جداً وتصب في نفس سياق الصناعات المتطورة المنشودة والتي نتحدث عنها هنا في سياق مقالنا هذا. ولعلنا نكرر دعوتنا هنا لكي تكون خطوة دولة الإمارات العربية المتحدة منطلقاً مهمًا لدول الخليج العربي الأخرى لأن تحذو حذو دولة الإمارات ليس فقط على صعيد صناعة غزو الفضاء والمشاركة مع من سبقنا من الدول المتقدمة في هذا السياق بل يجب أن يكون الطموح هو بناء منصات انطلاق للفضاء من أرض دول الخليج العربي مباشرة. ومن ناحية أخرى هنا نقول بأنه لكي تنجح دول الخليج العربي في قضية توطين الصناعات المتطورة فيها فإنه يتوجب عليها البحث في وسائل تحقيق هذه الغاية ولعلنا هنا نذكر على سبيل المثال تأهيل الكفاءات الوطنية في دول الخليج العربي وتقديم كل الدعم المناسب لها وتدريبها للقيام بهذه المهمة. بل ويمكننا أن نذهب لأبعد من ذلك عبر القول بأن يتم تأسيس مراكز أو هيئات مستقلة لتحقيق هذه الغاية وتكون مهمة تلك المراكز هو إعداد وتطوير أداء تلك الكفاءات الوطنية للتركيز على توطين الصناعات المتطورة وكيفية إنشائها وبنائها والعمل عليها. كما أن دول الخليج العربي يتعين عليها أن تعمل في اتجاه الحصول على التقنيات المتطورة لتحقيق غاية بناء الصناعات المتطورة. والتركيز على البحث في كل الاتجاهات وفي جميع الدول المتطورة صناعياً واستجلاب الخبرات فيها إلى دول الخليج العربي لبناء صناعات متطورة.
إن الحديث عن توطين الصناعات المتطورة هو حديث يطول وأهميته الكبيرة تتطلب أن يتم منح هذا الموضوع حيزاً مهمًا في اهتمامات دول الخليج العربي التي تواجه مرحلة جديدة يشهدها العالم بأسره في هذه الفترة. كما إن أهمية وجود صناعات متطورة في دول الخليج تفرضها الأوضاع العالمية والتجارب التي مرت بها دولاً عدة أهملت فيها الصناعات وركزت على أمور أخرى دفعت ثمنها غالياً. فالمستقبل اليوم هو للصناعة وهو ما نؤكد عليه هنا هو التجربة الصينية والهندية من بعدها خير دليل على أهمية حديثنا عن الصناعة هنا. وهو ما يجب أن تتنبه إليه دول الخليج العربي وتأكيدنا هنا عبر مقالنا هذا في أكثر من موقع هو من باب الأهمية القصوى التي تتطلبها المرحلة.
إن مسألة توطين الصناعات المتطورة في دول الخليج العربي مهمة جداً. في هذا الوقت أو المرحلة الحالية بالذات "كما أسلفنا" لأسباب معروفة وأهمها نفاذ احتياطات النفط والغاز على المدى الطويل، ففي المرحلة الحالية لا خوف هنا يذكر .. ولكن ما نعنيه هنا هو على المدى البعيد. فدول مثل مملكة البحرين وسلطنة عمان هما في الوضع الأصعب في سياق الصناعات المتطورة ومسألة نضوب احتياطات النفط والغاز لديها بالاعتماد على الأرقام الاقتصادية في هذا الصدد. وهي دول يقع عليها العاتق الأكبر في الاهتمام والتعجيل بقضية توطين الصناعات المتطورة فيها. وهو أولوية قصوى. وأيضًا فإن تقديرات الخبراء في حدود العام 2040م، مخيفة في هذا الصدد حيث تشير إلى انخفاض الطلب العالمي على النفط. فيتوجب والوضع هكذا أن يتم إعادة النظر في السياسات الاقتصادية بشكل أوسع للتمكن من مواجهة المرحلة القادمة والسنوات التي تقترب بشكل مهول. وإن كل يوم يمر على دول الخليج العربي يجب أن يكون محسوباً بدقة عالية. والاستفادة يجب أن تكون كاملة في ظل الأوضاع الاقتصادية لدول الخليج العربي، ويتوجب الأخذ بتوصيات مراكز البحوث العالمية والمنظمات الدولية ذات الشأن في التوصيات التي تقدمها للدول كافة ومن ضمنها دول الخليج العربي وفي كيفية مواجهة الأوضاع وتحسين موقفها الاقتصادي المستقبلي وتنويع مصادره والبحث في دعم أي مشروع لتوطين الصناعات المتطورة فيها ضمن أعلى المستويات. وصولاً لتحقيق الاكتفاء في تلك الصناعات وهو هدف ليس مستحيلًا بإذن الله إذا ما توافرت الإرادة والعزم المطلوبين لتحقيق هذه الغاية. والله ولي التوفيق.






