array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 199

تفعيل الشراكة بين الناتو ودول الخليج يتطلب استراتيجية أمنية حيث ينقص المبادرة إطارًا أمنيًا

الخميس، 27 حزيران/يونيو 2024

مع مرور عقدين على مبادرة إسطنبول للتعاون، بات من الأهمية بمكان تقييم مساهماتها وآثارها على مختلف الأصعدة، لاسيما في ضوء استمرار تصاعد التوترات الجيوسياسية داخل منطقة الشرق الأوسط، وسعي دول مجلس التعاون الخليجي إلى ترتيبات أمنية جديدة في ضوء التغيرات التي تعصف بالنظام القائم والتي تشكل تهديدًا للأمن الخليجي. وعلى الرغم من أن دول مجلس التعاون تمكنت، في خضم اشتداد المنافسة الإقليمية، من ترسيخ مكانتها كوسطاء للقوة سياسيًا واقتصاديًا، وعلى المستويين الإقليمي والدولي، إلا أن توافر أنماط وصيغ مختلفة للتحالفات واستخدامها يظل عنصرًا مطلوبًا من أجل تسوية العديد من الصراعات. وفي حين أن مبادرة إسطنبول للتعاون يمكن أن تمثل إحدى تلك الآليات، إلا أنها لم تترسخ بعد كسمة دائمة لنظام أمني إقليمي جديد في ظل التحالفات الحالية.

 

 مبادرة إسطنبول للتعاون، هي مبادرة أطلقها حلف شمال الأطلسي "ناتو" خلال انعقاد قمته في يونيو 2004 م، بمدينة إسطنبول، وتهدف المبادرة إلى تعزيز سبل الحوار، والتشاور السياسي، والتعاون العملي حول شتى القضايا ذات الطابع الأمني مع الشركاء في المنطقة الخليجية، وبالأخص دول البحرين، والكويت، وقطر، والإمارات. في حين تشارك الدولتان المُتبقيتان في مجلس التعاون الخليجي، المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، في أنشطة مُختارة ضمن إطار مبادرة إسطنبول للتعاون. وتتولى لجنة الشراكات والأمن التعاوني التابعة لحلف الناتو مسؤولية الإشراف على مبادرة إسطنبول للتعاون.

 

 تتمحور الأهداف الأساسية لمبادرة إسطنبول للتعاون حول تعزيز الأمن والاستقرار، والتعاون الإقليمي من خلال الحوار، والتعاون العملي، وتدابير بناء القدرات. تتناول المبادرة التحديات الأمنية المشتركة، مثل مكافحة الإرهاب، والطاقة، والأمن البحري، والأمن النووي. علاوة على ذلك، تهدف مبادرة إسطنبول للتعاون إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين حلف الناتو وشركائه الخليجيين، مما يساهم في تدعيم البنية الأمنية الشاملة للمنطقة.

 

وعلى صعيد التطوير المؤسسي، أثمرت مبادرة إسطنبول للتعاون عن عدة نتائج إيجابية، على الأقل في البداية، حيث تم تشكيل مجموعات متابعة تتألف من مستشارين سياسيين من وفود الدول الأعضاء في حلف الناتو لمراجعة الإجراءات والأنشطة. كما قام الأمين العام للحلف ونائبه بزيارة جميع العواصم المدرجة تحت مظلة مبادرة إسطنبول للتعاون، واستقبل العديد من سفراء الدول الأعضاء في المبادرة بمقر الناتو في مدينة بروكسل. في الوقت ذاته أرسلت كلية الدفاع التابعة لحلف الناتو وفدًا رسميًا إلى دولتي قطر والإمارات في الفترة من 13 إلى 18 ديسمبر 2009م، كما شهد عدد الأنشطة التي تم تنفيذها زيادة بنسبة 70%، ليقفز من 33 في عام 2005 م، إلى 57 في عام 2008 م،(رازو، يناير 2010م). وكان من بين أبرز التطورات انعقاد الاجتماع الأول لمنظمة حلف الناتو + 4 الذي تم في نوفمبر 2008م، والذي أكسب الشراكة منذ حينها بعدًا متعدد الأطراف.

 

في عام 2012م، أصبحت دولة الإمارات الدولة الأولى والوحيدة داخل منطقة الشرق الأوسط التي تفتتح مقراً لبعثتها الدائمة لدى حلف الناتو. وفي إبريل من عام 2014م، عقدت المبادرة أول اجتماع على مستوى وزراء الخارجية منذ إطلاقها بشكل رسمي. علاوة على ذلك، أعلن حلف الناتو في عام 2016 م، عن عزمه توصيف سفارات دول البحرين، والكويت، وقطر كبعثات معتمدة لدى الناتو. ومن التطورات المؤسسية الأساسية الأخرى، إنشاء المركز الإقليمي لحلف شمال الأطلسي ومبادرة إسطنبول للتعاون في مدينة الكويت خلال عام 2017م، والذي يعمل بمثابة "مركز لتعزيز التعاون العملي بين حلف الناتو وشركائه الخليجيين". علاوة على ذلك، يحرص الناتو على تقديم برامج ودورات متنوعة في كلية الدفاع التابعة للحلف في روما تخاطب القضايا الأمنية وتعزيز الاستقرار. وتقام الدورات، التي تم تدشينها في أعقاب انعقاد قمة ريغا في عام 2006م، مرتين سنويًا وتستغرق مدتها 10 أسابيع.

وعلى الرغم من مساهمة مبادرة إسطنبول للتعاون، على مدى العقدين الماضيين، في تدعيم بعض أشكال التعاون الأمني بين دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لم ترق إلى أن تصبح برنامج متعدد الأطراف وأكثر شمولًا. وداخل منطقة الخليج، ظل الأداء الفعال لحلف الناتو مُقيدًا نتيجة لعاملين رئيسيين وهما: مقدرته على الحفاظ على اتساق أولوياته، وقدرته على تقييم جدوى التزاماته على النحو المناسب. فمن خلال الأزمة الروسية الأوكرانية التي بدأت شرارتها في فبراير من عام 2022م، برزت ماهية الالتزامات التي يتحملها حلف الناتو وقدرته على الاستجابة للمصالح الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن الكشف عن أوجه القصور في مبادرة إسطنبول للتعاون. ومنذ ذلك الحين، ركز الحلف على انتهاج سياسة الردع والدفاع داخل أوروبا، ودعم أوكرانيا بشكل رئيسي. وقد أدى هذا إلى تقليص قدرته على الوصول إلى مناطق أخرى، مثل الجوار الجنوبي، بشكل طبيعي. علاوة على ذلك، ثمة خلاف بين أعضاء الحلف بشأن مشاركتهم في المنطقة بسبب اتساع رقعة القضايا الأمنية وتنوع المقاربات (الجيوسياسية).

 

وفي حين أن تركيز حلف الناتو كان منصبًا بشكل رئيسي على الأزمة الأوكرانية خلال السنوات الأخيرة، يدرك أعضاء الحلف البالغ عددهم 32 الحاجة إلى بلورة نهج ما حينما يتعلق الأمر بالجوار الجنوبي. ويتضمن جزء من هذا التفكير الاعتراف بالمكانة البارزة لدول مجلس التعاون الخليجي في ضوء الموارد السياسية التي تنعم بها وغيرها من الموارد التي تخولها إمكانية إعادة تشكيل الأوضاع داخل المنطقة الخليجية وخارجها. وبينما تسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والتصدي للتحديات الأمنية الإقليمية، وبينما يواصل حلف شمال الأطلسي مجهوداته للتكيف مع التهديدات الأمنية المتصاعدة، حظيت إمكانية التعاون الوثيق والشراكة بين هذين الكيانين باهتمام كبير.

 

يتمثل أحد التحديات المستمرة في تباين التصورات والرؤى بين حلف الناتو وشركائه في المنطقة الخليجية بشأن التهديدات والأولويات الأمنية. فعلى المستوى الخليجي، تتوقع دول المنطقة أن يصغي أعضاء حلف الناتو بشكل أفضل إلى المخاوف التي تعتريها حيال قضايا منع انتشار الأسلحة النووية، والسلامة النووية، والأمن الجوي والبحري. مع ذلك، فقد أظهرت جلسات الحوار المتزايدة والزيارات المتبادلة استعدادًا أكبر لدى كلا الطرفين للمشاركة بشكل أكثر موضوعية. وتعد زيارة الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ إلى المملكة العربية السعودية في ديسمبر 2023 م، مثالًا جيدًا على ذلك.

 

وفي حين أن مبادرة إسطنبول للتعاون كان لها إسهامات في مجال الأمن الناعم، فضلا عن خدمتها كرادع ضد التهديدات الإقليمية تحت عباءة البيانات الرسمية الصادرة من قبل مسؤوليها فيما يتعلق بأمن المنطقة الخليجية، إلا أن هذه البيانات لم تكن دومًا تترجم إلى خطوات عملية. بعبارة أخرى، لم تنتج مبادرة إسطنبول للتعاون إطارًا أمنيًا شاملًا. ولكي تصبح هذه الشراكة أكثر فعالية، ينبغي أن تتبنى استراتيجية واضحة بشأن المنطقة الخليجية من حيث الأمن الفعلي.

ولا يعد تعزيز العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف الناتو بالأمر الجديد، لاسيما داخل مركز الخليج للأبحاث تحت رئاسة د. عبد العزيز صقر، الذي يعد من بين أبرز الداعمين لعلاقات أكثر قوة وصلابة بين مجلس التعاون وحلف الناتو. وذلك منذ مشاركته في قمة حلف الناتو التي عقدت عام 2004م، بمدينة إسطنبول، والتي أفضت إلى إطلاق مبادرة إسطنبول للتعاون. ومنذ ذلك الحين، دأب مركز الخليج للأبحاث على استضافة العديد من ورش العمل التي تتناول العلاقات بين مجلس التعاون وحلف الناتو، مثل ندوة "الناتو ودول مجلس التعاون الخليجي"، التي عقدت في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية يومي 20 و21 يناير 2007م، ومؤتمر "الناتو يبحث عن شركاء في الشرق الأوسط" الذي عقد في 28 سبتمبر 2004م، كما نشر مركز الخليج للأبحاث أيضًا تقارير وأوراق بحثية حول علاقات دول مجلس التعاون الخليجي والناتو وشارك في العديد من المؤتمرات التأسيسية لكلية الدفاع التابعة لحلف الناتو.

 

نقطة الانطلاق من أجل شراكة أكثر جوهرية، تكمن في عقد حوار أمني وسياسي منتظم، وجاد، ورفيع المستوى بحيث يتسنى للجانبين فهم المخاوف الاستراتيجية والأمنية التي تعتري أحدهما الآخر. كذلك ينبغي أن تتبلور مشاركة الناتو داخل المنطقة عبر ثلاثة مستويات: على مستوى الدول الفردية، نظرًا إلى أن كل دولة لديها برنامجها الخاص للشراكة مع الحلف، ثانيًا، على مستوى شركاء الناتو الخليجيين الأربعة في مبادرة إسطنبول للتعاون. ثالثًا، الانخراط مع مجلس التعاون الخليجي بصفته منظمة شبه إقليمية.  أما على المستوى السياسي، فمن الضروري بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي وأعضاء حلف الناتو إظهار التزام مشترك من أجل تعميق شراكتهم واستغلال نقاط القوة التي يتمتع بها الجانبان في معالجة التحديات الأمنية.

على المستوى الأمني، ينبغي أن يعمل حلف الناتو على إبراز أهميته وقيمته في تحسين مستوى الأمن الخليجي، لاسيما وأن البلدان الخليجية لديها بالفعل شراكات أمنية مع أعضاء بارزين بالحلف الأطلسي مثل الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا. ينبغي أيضًا أن يركز الجانبان على تعزيز الحديث الموضوعي عبر حوار سياسي وأمني رفيع المستوى، إلى جانب العمل من أجل إقامة شراكة شاملة مماثلة للشراكة الاستراتيجية القائمة بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي. ذلك بالإضافة إلى ضرورة إنشاء مجموعات عمل من أجل التعاون العملي بشأن القضايا محل الاهتمام المشترك من أجل استكمال الحوارات الثنائية، واستكشاف آفاق تعزيز التعاون البحري، بالأخص نظرًا إلى أن البلدان الخليجية تعكف على تطوير قدراتها البحرية، وتدعيم خبراتها في الحماية البحرية والساحلية، إلى جانب تعزيز الوعي والتدريب في القضايا المختلفة مثل حظر الانتشار النووي، وتطوير التقنيات الناشئة، من خلال مشروعات وبرامج مصممة خصيصًا من أجل فهم أفضل للتداعيات ليس فقط المباشرة بل والمرتقبة على الأجلين المتوسط والبعيد.

 

في الختام، لقد ساهمت مبادرة إسطنبول للتعاون في تعزيز الحوار والتعاون بين حلف الناتو وبعض دول مجلس التعاون الخليجي على مدار العقدين الماضيين. ولكن في ظل استمرار تصاعد التوترات الجيوسياسية والتغيرات العاصفة التي تطرأ على البيئة الأمنية الإقليمية، ينبغي للمبادرة أن تتكيف وتضطلع بدور أكثر أهمية في معالجة المخاوف الأمنية الخليجية. ويقتضي ذلك بدوره تبني استراتيجية أكثر وضوحًا ونهجًا شاملًا يعزز أمن دول مجلس التعاون الخليجي. وبشكل عام، فإن توسع آفاق التعاون بين دول مجلس التعاون الخليجي وحلف الناتو يتوافق مع المصالح المشتركة لكلا الجانبين ويعد أمرًا ضروريًا لمواجهة التحديات الأمنية المتطورة في المنطقة.


 

مقالات لنفس الكاتب