array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 200

لا يمكن فصل القانون الجنائي الدولي عن السياسة الدولية فالقرارات الجنائية تنتج قرارات سياسية

الإثنين، 29 تموز/يوليو 2024

أدمجت الدائرة التمهيدية في نظام روما الأساسي بعد اقتراح فرنسي /بلجيكي، لتعبر عن مختلف الأنظمة القضائية الدولية، وهي المختصة بإصدار أوامر إلقاء القبض والحضور واعتماد التهم. كما تمارس دورًا رقابيًا وتكميليًا لمهام المدعي العام للمحكمة، خشية تسيس أدوار هذا الأخير، مما يمثل ضمانة قوية لحقوق المتهمين بارتكاب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. إلا أنها تواجه الآن تحديًا قانونيًا جديرًا بالتحليل، ارتباطًا بطلبات المدعي العام الصادرة في 20 مايو 2024م، ضد قادة إسرائيليين عن مزاعم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق الحرب العدوانية على غزة منذ 7 أكتوبر 2023م.

تقدم هذه الورقة، استقراءً استباقيًا للردود القانونية الإسرائيلية وفق مواد نظام المحكمة الجنائية الدولية ذات الصلة المباشرة، ضد أوامر الاعتقال في حالة إصدارها. خاصة، إذا استحضرنا أن مبدأ التكامل يعد وبدون شك، الخيط الرفيع بين ولاية القضاء الوطني وتفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فتدخل هذه الأخيرة يكون مكملاً وليس أصالة عن الدول إلا في حالة عجز تلك الدول عن مباشرة مهمة القمع الجنائي للجرائم الدولية الخطيرة، لعلة عدم رغبتها أو قدرتها.

الكلمات المفاتيح:

أوامر إلقاء القبض-المحكمة الجنائية الدولية – قواعد الاختصاص والمقبولية – محاكمة مجرمي الحرب والجرائم ضد الإنسانية – مبدأ التكامل

      ظلت العدالة بمفهومها العام هدفًا استراتيجيًا للشعب الفلسطيني منذ نكبة 1948م، فالحق في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، حقوق أساسية تحكمها قواعد دولية آمرة. تدعمها مبادئ الضمير الإنساني والحق في الحرية والتحرر من الاحتلال والاضطهاد والفصل العنصري. لقد شق الشعب الفلسطيني مساره التحرري بين دروب السياسة والتحالفات الدولية وفي نطاق القانون الدولي مستثمرًا مختلف مداخل القوة سعيًا نحو العدالة بمفهوميها الإجرائي والموضوعي. 

لم يكن حدثًا عاديًا انضمام دولة فلسطين لعضوية المحكمة الجناية الدولية العام 2015م، بعد الحصول على صفة الدولة وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 2012م، ثم إحالة الوضع بفلسطين على المحكمة العام 2018م، حول ارتكاب الكيان الإسرائيلي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إبان الاعتداءات العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، وبخاصة عدوان 2014م. بل شكل إعلانًا عن جبهة جديدة من الصراع بأدوات القانون الدولي الجنائي وأمام محاكم القضاء الجنائي الدولي الدولية والوطنية، ليتوج ذلك المسار النضالي بقبول المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيقات جنائية بالأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967م، بما في ذلك، الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة المحاصر.

لقد أظهر مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية تباطؤًا ملفتًا للانتباه، أثناء معالجة الحالة الفلسطينية سواء إبان مرحلة الدراسات الأولية أو بعد الإذن للمدعية العامة السابقة فاتو بنسودا من طرف الدائرة التمهيدية (دائرة ما قبل المحاكمة) بفتح التحقيق. رغم ذلك، كانت فاتو بنسودا الأكثر جرأة من سابقها المدعي العام موريس أوكامبو في التعاطي مع الحالة الفلسطينية، ما جلب عليها انتقادات حلفاء إسرائيل، وعلى رأسهم إدارة الرئيس الأمريكي السابق ترامب التي لم تتردد في تهديد المحكمة وفرض عقوبات تخص تأشيرات السفر وتجميد الأصول على فاتو بنسودا ومعاونيها وأسرتها. لم ترفع لاحقًا إلا بعد فوز بايدن بالانتخابات الراسية وبفعل الضغوط الدولية للدول الأطراف بالمحكمة ولمنظمات المجتمع المدني العالمي.

في سياق دولي مضطرب ومتأثر بالحرب الروسية الأوكرانية، وأمام ارتفاع حدة الانتقادات للمحكمة ولمدعيها العام كريم خان، والمتعلقة بازدواجية معايير التعامل مع القضايا قيد نظر المحكمة وفي صلبها الحالة الفلسطينية. لاسيما في ظل سرعة التفاعل مع الحالة الأوكرانية وحجم التعاون والدعم الدولي لجهوده في التحقيق بخصوصها، الأمر الذي تمخض عنه تقديمه لطلبات الإذن بإصدار مذكرات اعتقال ضد الرئيس الروسي ومساعدته لشؤون الطفل العام 2023م. ليأتي حدث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م، وما تلاه من عدوان بربري ضد الشعب الفلسطيني بغزة المحاصرة، تحت مبررات تحرير الأسرى والقضاء على حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بالقطاع، ليشكل منعطفًا محوريًا في الدفع بجهود التحقيق وحتمية ممارسة المحكمة لولايتها على الحالة الفلسطينية، ولو بعد تأخر غير مبرر في ظل مشاهد وتقارير الفظاعات المرتكبة ضد المدنيين، من تجويع وقتل وتدمير لم يسبق له مثيل أمام مرأى العالم.

بالفعل، وبعد شهور من العمليات العسكرية وحرب الإبادة الجماعية ضد الجماعة الفلسطينية بغزة المحاصرة. قرر المدعي العام في 20 مايو 2024م، أن يتقدم للدائرة التمهيدية بطلبات إصدار أوامر اعتقال دولية ضد خمسة أفراد مشتبه بهم، والأمر يتعلق بكل من: يحيى السنوار، إبراهيم المصري، إسماعيل هنية (من الجانب الفلسطيني) عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ثم بنيامين نتنياهو، يواف غالانت (من الجانب الإسرائيلي) عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كذلك.

كان ذلك، حدثًا قانونيًا تاريخيًا بامتياز، طال انتظاره وسيكون له ما بعده سياسيًا وقضائيًا. في ظل رفض إسرائيلي وتهديد ووعيد أمريكي بسلاح العقوبات ضد المحكمة، إذا أصدرت مذكرات اعتقال ضد قادة إسرائيل. في المقابل، كانت الولايات المتحدة قد قدمت بالأمس القريب كل الدعم المادي والسياسي، وأرسلت المحققين لتعزيز جهود المحكمة في التحقيق في الجرائم الدولية المفترضة في سياق الحرب الروسية الأوكرانية.

صلة بما ذكر، كيف يمكن استشراف ردود الفعل الإسرائيلية القانونية على مذكرات الاعتقال ضد قادتها في حالة مصادقة الدائرة التمهيدية على طلبات المدعي العام بإلقاء القبض عليهم؟ مع التركيز على الشق القانوني والقضائي، وفق ما يتيحه نظام المحكمة الجنائية الدولية، من مداخل قانونية لرفع الدفوع، ضد أوامر الدائرة التمهيدية بالاعتقال المحتملة.

أولًا: قضايا الاختصاص الإقليمي والسيادة القضائية

      بعد الإحالة الفلسطينية العام 2018م، فتحت المدعية العامة السابقة، فاتو بنسودا، تحقيقًا العام 2021 م، بعد الحصول من الدائرة التمهيدية على حكم بشأن الاختصاص الإقليمي للمحكمة الجنائية الدولية على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، مع أنها كانت غير مجبرة على ذلك، بناءً على نص نظام المحكمة الذي تتيح لها البدء في التحقيق مباشرة بعد إحالة دولة طرف. وألحقت بإعلان التحقيق نتائج فحصها الأولي. وفيما يتعلق بإسرائيل، ارتكزت الدراسة الأولية التي أدت إلى التحقيق على ثلاث مجموعات من الأحداث: الأعمال العدائية في غزة عام 2014 م، (عملية "الجرف الصامد")، وسياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية، واستخدام القوة المميتة في سياق مظاهرات مسيرة العودة الكبرى في عامي 2018 و2019 م، على حدود غزة.

اختصاص المحكمة الجنائية الدولية يقوم على مبدأ الاختصاص الجنائي الإقليمي وليس على أساس نظرية عالمية الاختصاص الجنائي، ومن الثابت بوضوح في القانون الدولي أنه عندما ترتكب جريمة في إقليم دولة ما، يمكن محاكمة الجاني حتى ولو كان ذلك الشخص ليس أحد رعايا هذه الدولة.

وجب التمييز مقدما بين خطورة الأفعال إبان دراسة "حالة /حالات" حيث يتعلق الأمر بوضعية محددة جغرافيًا وزمنيًا، تستتبعها إجراءات الفحص والتحقيقات الجنائية. وخطورة الأفعال المرتبطة "بقضية" أي أن ترتكب في إطارها جريمة واحدة أو أكثر تدخل ضمن اختصاص المحكمة، بينما الخطوات القضائية اللاحقة للمدعي العام من طلبات الحضور أو أوامر إلقاء القبض ترتبط بقضية جنائية ضد الفرد المشتبه به.

عارضت إسرائيل وبعض القوى الغربية انضمام فلسطين إلى نظام المحكمة الجنائية الدولية، على اعتبار أن فلسطين لا تمتلك مقومات الدولة وفق القانون الدولي. وبما أن السيادة القضائية تبقى مظهرًا من مظاهر السيادة الوطنية بشكل عام. فإن السلطة الفلسطينية لا تملك ولاية جنائية للتحقيق ومقاضاة المواطنين الإسرائيليين حسب اتفاقيات أوسلو. وعليه، فكيف يمكن لمن لا يملك اختصاصًا قضائيًا أن يفوضه لجهة أخرى؟

موقف سعت إسرائيل إلى اختباره أمام الدائرة التمهيدية للمحكمة مسبقًا (بسبب قيود المادة 18 التي سنتناولها لاحقًا) عبر حلفائها الغربيين. حين تقدمت المملكة المتحدة الطرف وكصديق للمحكمة (المادة 103 من قواعد الإجراءات والإثبات) بطلب تقديم ملاحظات كتابية علنية على إعلان المحكمة والمرفق بطلبات إصدار أوامر إلقاء القبض ضد القادة الإسرائيليين "يمكن للمحكمة أن تمارس اختصاصها على الرعايا الإسرائيليين، في الظروف التي لا تستطيع فيها فلسطين ممارسة الولاية القضائية الجنائية على الرعايا الإسرائيليين عملًا باتفاقات أوسلو". لتجيب الدائرة التمهيدية في 27 يونيو 2024م، بالإيجاب عن ذات الطلب، وتمنح المملكة المتحدة مهلة إلى 12 يوليو 2024 م، كحد أقصى، لتقديم ملاحظاتها هي وغيرها من الأفراد والمنظمات والدول تحت بند "أصدقاء المحكمة amicus curiae".  

أعادت المملكة المتحدة في 2 يوليو 2024م، تقديم طلب جديد بتمديد مهلة ال 12 يوليو 2024 الى 26 يوليو 2024م، لتقديم ملاحظاتها الكتابية السالفة الذكر. بعلة الانشغال بالانتخابات البرلمانية الوطنية المجراة يوم 4 يوليو 2024. على الرغم من أن للدائرة كامل الصلاحية في قبول تلك الطلبات أو رفضها. طلب التمديد وافقت عليه مجددًا الدائرة التمهيدية يوم 4 يوليو، باعتبار أن هناك سببًا وجيهًا للتمديد مرة أخرى إلى 26 يوليو 2024م، وذلك حسب (قواعد الإجراءات والإثبات). لكن، وبانتهاء أجل تقديم تلك الملاحظات للأطراف الأخرى ذات الصفة "أصدقاء المحكمة" يوم 12 يوليو 2024م. أليس من الوارد أن يتقدم أو تتقدم بعض تلك الأطراف، وبحكم تأييدها لإسرائيل بطلبات تمديد أخرى، على شاكلة طلبات المملكة المتحدة بغرض تأخير إصدار أوامر الاعتقال، عبر توظيف قواعد إجراءات المحكمة لهدر الزمن القضائي في ظل الإبادة الجماعية المستمرة بغزة المحاصرة، وخدمة أجندات سياسية وعسكرية من بوابة العدالة الجنائية الدولية.

تقر بعض المواقف النقدية لمسيرة المحكمة الجنائية، بأنه لا يمكن دائمًا الفصل بين القانون الجنائي الدولي والسياسة الدولية، لأن القرارات الجنائية قد تنتج عن غير قصد قرارات سياسية قوية الآثار، (...) لاسيما في سياق الصراعات الأكثر تسيسًا وحساسية والتي شابتها مشاركة الدول القوية، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا.

وضع تأكد يوم 22 يوليو 2024م، عبر تقديم 17 دولة والكثير من الأفراد والمنظمات الدولية، لملاحظاتها بصدد طلبات إصدار مذكرات اعتقال دولية ضد قادة إسرائيليين. وعلى الرغم من أن من بين تلك الدول أصدقاء لفلسطين كجنوب إفريقيا وبوليفيا وجيبوتي (ربما تقدمت على إثر مستجدات الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024م)، إلا أن بعضها من أشد المناوئين للإحالة الفلسطينية أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل كألمانيا والولايات المتحدة.

على ضوء ذلك، صار من المستبعد صدور أوامر الاعتقال تلك نهاية هذا الشهر يوليو 2024م، كما توقع الكثير من الخبراء. وربما قد يطول الانتظار في ظل مسلسل القتل والإبادة الجماعية المستمرة بالقطاع المحاصر إلى نهاية سبتمبر القادم أو أبعد من ذلك!

لذا، فالتعاون القضائي بين الدول على مستوى القمع الجنائي للجرائم الدولية الفظيعة، يجب أن يحتكم إلى سلوكها المستقر والمتبع إزاء الجرائم العادية أو ذات الطابع الدولي (كجريمة القرصنة، تزييف العملات وتهريبها)، فالعبرة بمكان ارتكاب الجريمة أولًا كامتداد لمبدأ إقليمية القوانين، وثانيًا الأخذ بتسليم المجرمين بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة، مراعاة لمبدأ شخصية القوانين بناءً على طلب دولة جنسية المتهم بارتكاب الجريمة (الشخصية الإيجابية)، أو دولة جنسية الضحية (الشخصية السلبية).

ثانيًا: قواعد المقبولية وقيد المادة 18 من نظام المحكمة الجنائية الدولية

      عقب قرارها ببدء التحقيق مارس 2021م، في الحالة الفلسطينية المحالة على المحكمة الجنائية الدولية منذ 2018م، أرسلت[1] المدعية العامة خطابات إخطار بموجب) المادة 18(1) من نظام المحكمة الأساسي) إلى إسرائيل ودولة فلسطين، ولم ترد إسرائيل على الرسالة في غضون الشهر الممنوح لها (المادة 18(2)).

لكن، هل ستدفع إسرائيل بأنه كان يتعين على المدعي العام أن يقدم إخطاراً جديداً إلى الدول الأطراف بموجب المادة 18(1)، لإبلاغها بمستجدات التحقيق بعد حرب 7 أكتوبر 2023م، التي تختلف بشكل كبير عن التحقيق السابق للعام 2021 م، الذي تم إخطارها به من قبل، حتى تتمكن الدول من ممارسة حقها في طلب التأجيل بفعالية أيضاً فيما يتصل بالوقائع والاتهامات الجديدة. الأمر الذي يفرغ المادة 18 من جوهرها، صلة بمذكرات الاعتقال الإسرائيلية، حيث تم تقديم الإخطار الأول قبل وقت طويل من وقوع الأحداث الحالية ذات الصلة.

إن الموقف الذي يقضي بأن التحقيق القائم على أنماط جديدة من الوقائع، يجب أن يتطلب في بعض الأحيان إخطارًا جديدًا بموجب المادة 18 يتوافق مع نظام الضوابط والتوازنات الوارد في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

يعبر نص المادة 18 عن تجلي عملي لكيفية تفعيل مبدأ التكامل في إطار نظام روما الأساسي. لقد استغرق مبدأ التكامل مناقشات طويلة أثناء بحثه من قبل اللجنة التحضيرية، فمغزى صياغة هذا المبدأ الحاسم ضمن متن نظام روما الأساسي، ينطلق من فهم عام لتأثيراته المستقبلية على تعزيز نجاعة العدالة الجنائية الدولية، وليس فهمًا ذو طابع تقني مجرد فقط.

ومما ينبغي ذكره، أن النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لم يضع تعريفًا محددًا لمبدأ التكامل، بل اكتفى بالإشارة إليه في الفقرة العاشرة من الديباجة والتي ورد فيها: "وإذ تؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب هذا النظام الأساسي، ستكون مكملة للاختصاصات القضائية الجنائية الوطنية".

وتعد فكرة الاختصاص القضائي التكميلي فكرة جديدة تمامًا، وتنشأ هذه الفكرة عن العلاقة المتزايدة الأهمية بين الدول والمنظمات الدولية، حيث أن الدور الذي تلعبه الهيئات الدولية من غير الدول، أدى إلى خلق تصور جديد للنظام الدولي، وتوزيع الحقوق والمسؤوليات والمهام.

وما يعزز درجة خطورة جرائم المادة 5 من نظام روما الأساسي، أنها تحظى بتدبير قانوني مخالف لما هو مستقر في القوانين الجنائية الداخلية وهناك عدة معايير التي تسترشد بها هيئة الادعاء العام للمحكمة، أثناء مرحلة الدراسات الأولية أي قبل تكوين قناعة ملموسة وجدية تدفع بإحالة القضية قيد الدراسة إلى مرحلة التحقيق وتوجيه الاتهامات وأوامر القبض والتقديم. من بينها معيار "خطورة الفاعل"، فالرئيس المدني أو القائد العسكري، وبموجب سلطته التقريرية والإشرافية، مع ما تحت يديه من إمكانات مادية، تجعل من قدرته على ارتكاب الفظاعات الأشد جسامة أو التغاضي عنها، والتي تتطلب انخراطًا واسعًا لمقدرات الدولة أو المنظمة سواء البشرية أو المادية او التنظيمية.

في قضية الجنرال محمد حسين علي المتمخضة عن حالة كينيا، اعتبر دفاع المتهم بأن شرط الخطورة المنصوص عليه في المادة 17 صارم، في تحديد ما إذا كانت حالة ما وليس جريمة محددة من الخطورة بحيث لا يمكن قبولها. واستشهد نفس الدفاع، بحكم سابق لذات المحكمة في قضية لوبانغا جاء فيه "حقيقة أن قضية ما تتناول واحدة من أخطر الجرائم بالنسبة للمجتمع الدولي ككل، لا يكفي لقبوله أمام المحكمة"

لاحقًا رفض قضاة المحكمة تأكيد التهم ضد المتهم محمد حسن علي، في تجسيد للتمايز بين تقييم درجة الجسامة على مستوى الدراسات الأولية ومرحلة التحقيقات ثم اعتماد التهم، بحيث تشكل هذه الأخيرة رقابة بعدية لفلترة القضايا ذات الأهمية القصوى من حيث شدة الجسامة عن غيرها، ثم كقيد موضوعي على صلاحيات المدعي العام خلال مرحلتي الدراسات الأولية والتحقيق.

ثالثًا: التكامل والتفسير الصارم للمادة 19

       الجهة المختصة بإصدار أمر القبض هي الدائرة التمهيدية للمحكمة، حيث تصدر ذلك الأمر بناءً على طلب المدعي العام متى اقتنعت بعد فحص الطلب بوجود أسباب معقولة تفيد بأن الشخص موضوع الأمر قد ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وأن القبض عليه يعتبر ضروريًا لضمان حضوره أمام المحكمة، أو لضمان عدم عرقلته إجراءات التحقيق أو المحاكمة، أو أن القبض يمنعه من الاستمرار في ارتكاب تلك الجرائم، أو يمنعه من ارتكاب جريمة أخرى ذات صلة تدخل في اختصاص المحكمة وتنشأ عن ذات الظروف.

 أنشأت المحكمة بصفة خاصة للنظر في القضايا التي لا يوجد فيها أمل في محاكمة المجرمين الدوليين على النحو الواجب في المحاكم المحلية، وهناك تركيز على كون المحكمة هيئة مكملة للاختصاصات المحلية القائمة ولإجراءات التعاون القضائي الدولي في الشؤون الجنائية، ولا يقصد بها استبعاد الاختصاص القائم للمحاكم المحلية أو التأثير على حق الدول في بحث تسليم المجرمين إلى حكوماتهم.

وعليه، يجوز أن يدفع بعدم اختصاص المحكمة (المادة 19) كل من:

أ ) المتهم أو الشخص الذي يكون قد صدر بحقه أمر بإلقاء القبض أو أمر بالحضور عملاً بالمادة 58.

ب‌) الدولة التي لها اختصاص النظر في الدعوى لكونها تحقق أو تباشر المقاضاة في الدعوى أو لكونها حققت أو باشرت المقاضاة في الدعوى.

فلو افترضنا جدلًا، بأن إسرائيل أو أحد المطلوبين تقدم بدفع يسعى من خلاله إلى إثارة مبدأ التكامل، مادامت هناك تحقيقات جارية أمام القضاء الإسرائيلي، فإن الملف القضائي ينتقل من نظام الحالة /الحالات إلى قضايا جنائية بعينها ومحددة بدقة، سواء من حيث أسماء المشتبه بهم أو أنواع الجرائم المفترضة. عكس التكامل المسموح به في نطاق المادة 18 الذي يتيح للدولة المعبرة عن رغبتها في التحقيق والمقاضاة، نطاقًا موضوعيًا أوسع وحيزًا زمنيًا مرنًا، لتفعيل اختصاصها القضائي إزاء الحالة /الحالات قيد نظر المحكمة سواء في مرحلتي الدراسات الأولية أو التحقيق.

       بناءً على ما سبق، يبدو الموقف القانوني الإسرائيلي أمام الدائرة التمهيدية صعبًا للغاية، فضياع فرصة التدخل بناءً على التكاملية وفق المادة 18 صار متجاوزًا. أما الطعن ضد أوامر إلقاء القبض ضد قادتها في حالة إصدارها، سيجعل من تحقيقاتها وقضائها رهين صرامة المادة 19 من نظام المحكمة، فيما يخص نطاق الاختصاص الشخصي والموضوعي. مع رقابة المحكمة الجنائية الدولية للإجراءات القضائية الإسرائيلية المتخذة، والمهددة برقابة خاصية "عدم الرغبة" (المادة 17). حيث إذا تبين للمحكمة أن الدولة غير راغبة أو غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها في التحقيق والمحاكمة، تصبح المحكمة الجنائية الدولية هي المختصة قانونًا بموضوع الدعوى الجنائية.

 

 

مقالات لنفس الكاتب