array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 200

الهجوم الإسرائيلي على غزة ليس دفاعًا عن النفس بل جريمة متكاملة الأركان

الإثنين، 29 تموز/يوليو 2024

 تعتبر القضايا القانونية المتعلقة بمحاكمة الدول من أكثر المواضيع تعقيداً وحساسية في القانون الدولي وتمثل إسرائيل حالة خاصة في هذا السياق، حيث تثير سياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عقود تحديات قانونية وأخلاقية هائلة. منذ نشأة كيان إسرائيل في عام 1948م، كانت السياسات والإجراءات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين موضوعًا للعديد من النقاشات والجدالات القانونية والسياسية. وقد أثارت هذه السياسات، بما في ذلك الاحتلال العسكري للأراضي الفلسطينية، عمليات الاستيطان، وحملات القمع ضد الفلسطينيين، تساؤلات جدية حول إمكانية محاكمة إسرائيل على الصعيد الدولي، حيث يرى البعض ضرورة محاسبتها على جرائمها ضد الشعب الفلسطيني، بينما يرفض آخرون ذلك لأسباب سياسية أو قانونية، وقد صادقت إسرائيل على اتفاقية منع الإبادة الجماعية  بتاريخ 9 مارس 1950م، و التي بموجب المادة 9 منها تمنح الاختصاص لمحكمة العدل الدولية للنظر في النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة و يهدف هذا المقال إلى استعراض الجوانب القانونية لمحاكمة إسرائيل من منظور العدالة الدولية، مع التركيز على التحديات التي تواجه هذه العملية وإمكانية التحقيق فيها.

أولًا: الجرائم والاتهامات الموجهة لإسرائيل

إن الجرائم والاتهامات الموجهة لإسرائيل هي انتهاكات للقانون الجنائي الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، التي اتُهم جيش الدفاع الإسرائيلي، الذراع العسكري لدولة إسرائيل بارتكابها. وشملت هذه الجرائم القتل، والاستهداف المتعمد للمدنيين، وقتل أسرى الحرب والمقاتلين المستسلمين، والهجمات العشوائية، والتجويع، واستخدام الدروع البشرية، والعنف الجنسي والاغتصاب، والتعذيب، والنهب، والنقل القسري، وخرق الحياد الطبي، واستهداف الصحفيين، ومهاجمة المدنيين والأعيان المحمية، والتدمير الوحشي، والتحريض على الإبادة الجماعية. بالإضافة إلى ذلك، الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة يُعتبر خرقًا لاتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان المدنيين من دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، علاوة على ذلك، فرضت إسرائيل حصارًا على قطاع غزة منذ عام 2007م، مما أثر بشكل كبير على حياة سكان القطاع وكذا القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع تُعتبر شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، وهو ما يتعارض مع القانون الدولي الإنساني.

ثانيًا: التحديات القانونية لمحاكمة إسرائيل

يظهر أن إحدى أكبر التحديات تتعلق بسيادة الدول وحقوقها في تقرير مصيرها، إسرائيل ترفض باستمرار أي محاولات لمقاضاتها على المستوى الدولي، مشيرة إلى أن هذه المحاولات ذات دوافع سياسية وتستهدف نزع الشرعية عن الدولة اليهودية وهذا يفتح نقاشًا حول توازن القوى والعلاقات الدولية في سياق المحاكمات الدولية.

من ناحية أخرى، جمع الأدلة والشهادات في المناطق المتأثرة بالصراع يشكل تحديًا كبيرًا فمناطق مثل غزة والضفة الغربية تُعتبر أماكن خطرة وغير مستقرة، مما يصعب على المحققين الدوليين الوصول إليها والحصول على معلومات دقيقة. هذا يسلط الضوء على التحديات العملية التي تواجهها المحاكم الدولية في جمع الأدلة وضمان نزاهة الإجراءات.

بالإضافة إلى تأثيرات الضغوط السياسية والدبلوماسية إذ تلعب دورًا كبيرًا في هذا السياق، إسرائيل تتمتع بدعم قوي من دول كبرى مثل الولايات المتحدة، التي استخدمت مرارًا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لمنع اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، هذا يسلط الضوء على التحديات السياسية التي تؤثر على استقلالية المحاكم الدولية وقدرتها على تحقيق العدالة بشكل مستقل.

ثالثًا: إمكانية التحقيق والمحاسبة

 

منذ انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، بدأت المحكمة في فتح تحقيقات أولية في الجرائم المحتملة في الأراضي الفلسطينية. هذا التطور الهام يواجه معارضة شديدة من إسرائيل وحلفائها. تلعب الأمم المتحدة دورًا رئيسيًا في تسليط الضوء على الانتهاكات وتوثيقها من خلال مؤسسات مثل مجلس حقوق الإنسان ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA). تساهم تقارير الأمم المتحدة في بناء قاعدة قانونية قوية لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم. بالإضافة إلى ذلك، تلعب المنظمات غير الحكومية دورًا مهمًا في جمع الأدلة وتوثيق الانتهاكات على سبيل المثال، تقوم منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بإصدار تقارير مفصلة حول الانتهاكات الإسرائيلية، مما يساهم في دعم الجهود القانونية الدولية.

رابعًا: الإطار القانوني لمحاكمة إسرائيل

ادعاء جنوب إفريقيا بارتكاب إسرائيل إبادة جماعية بقطاع غزة محكمة العدل الدولية

محكمة العدل الدولية (ICJ) هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة وتتعامل مع النزاعات بين الدول وتتطلب ولايتها موافقة الدول المتنازعة، يمكن تقديم إسرائيل للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية (ICJ) بسبب أفعالها ضد الفلسطينيين، لكن العملية والنتائج معقدة بسبب عوامل قانونية وسياسية متعددة. لكي تنظر المحكمة في قضية نزاع، يجب أن تقبل كل من الدولة التي تقدم القضية وإسرائيل ولاية المحكمة والموافقة على التنفيذ التي تعتمد على مجلس الأمن الدولي، والتأثيرات الجيوسياسية التي يمكن أن تعرقل الإجراءات القانونية. على الرغم من آراء المحكمة الاستشارية السابقة التي انتقدت أفعال إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن تحويل هذه الآراء إلى نتائج قانونية عملية ثبت أنها صعبة.

شرعت إسرائيل بخوض حرب بقطاع غزة منذ الــ 27 أكتوبر 2023م، بزعم استعمال حقها في الدفاع عن النفس ردا على عملية طوفان الأقصى التي قامت بها كتائب الشهيد عز الدين القسام وفصائل أخرى بتاريخ 7 أكتوبر 2023م، باشرت إسرائيل بعد مرور 20 يوم هجومًا بريًا على قطاع غزة مرفوق بغارات جوية واستندت إسرائيل لتبرير عملياتها العسكرية بأنها في حالة دفاع عن النفس وأدى ذلك إلى إبادة جماعية بقطاع غزة.

وقد علق الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرس أمام مجلس الأمن الدولي: " إن هجمات حماس ضد إسرائيل لم تحدث من فراغ، وأن الشعب الفلسطيني قد تعرض لاحتلال خانق طيلة 56 عامًا. لقد رأى الفلسطينيون أراضيهم وهي تلتهمها المستوطنات بشكل مطرد، والعنف الذين يعانون منه ومن خنق اقتصادهم وتهجير أهلهم وهدم منازلهم وتلاشي آمالهم في التوصل إلى حل سياسي لمحنتهم ولكن مطالبهم لا يمكن أن تبرر الهجمات المروعة لحماس، هذه الهجمات المروعة التي لا يمكن أن تبرر العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني."

من هذا التصريح يمكن أن نستنتج أن عملية طوفان الأقصى، وخلافًا لما ادعته إسرائيل، لا تصنف ضمن العمليات الإرهابية بقدر ما تندرج ضمن الأعمال المشروعة التي يكفلها العرف والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، لاسيما المادة 55، التي تؤكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها كما تشير القرارات المختلفة الصادرة عن جمعيتها العامة إلى الاعتراف بالحق في مقاومة الاحتلال.

وفي موقف فاجئ الجميع، أعلنت محكمة العدل الدولية أن دولة جنوب إفريقيا، قد رفعت بتاريخ 29 ديسمبر 2023م، دعوى تتهم فيها إسرائيل بارتكاب أعمال إبادة جماعية، معللة طلبها أن إسرائيل قد انتهكت التزاماتها المنصوص عليها في اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م، التي تكفل للشعب الفلسطيني بقطاع غزة، والتمست من المحكمة اتخاذ تدابير تحفظية مؤقتة لحماية الفلسطينيين.

الدفاع عن النفس ذريعة إسرائيل لإعلان الحرب على غزة

عند بداية حربها على غزة، استندت إسرائيل إلى ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنح للدول الحق في الدفاع عن نفسها في حالة تعرضها لهجوم مسلح، ويتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة بحفظ السلم والأمن الدولي وفقًا لشروط استخدام هذا الحق رداً على طوفان الأقصى، وقد جاء في الميثاق:" ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ المجلس الدولي التدابير اللازمة لحفظ السلام والأمن الدولي.

مدى توافر شروط الدفاع عن النفس الذي يبيح لإسرائيل استعمال القوة المسلحة 

حددت المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة شروط الدفاع عن النفس بأن يكون الدفاع عن النفس ردًا على هجوم مسلح غير مشروع حال، أن يكون الهجوم المسلح سابق على اللجوء للقوة المسلحة، أن يكون استعمال القوة المسلحة لازمًا وضروريًا، أن يكون الرد على الهجوم المسلح متناسبًا، وأن يكون استخدام الحق في الدفاع عن النفس متوافق مع قواعد القانون الدولي الإنساني وقوانين النزاعات المسلحة التي تمنع استهداف المدنيين والفئات المحمية طبقًا لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م. 

بالنسبة لرد إسرائيل فإن شرط الرد على هجوم مسلح حال غير متوفر باعتبار أن عملية طوفان الأقصى حدثت في 7 أكتوبر 2023م، أما الرد الإسرائيلي كان في 27 تشرين الأول- أكتوبر أي بعد مرور 20 يومًا، و بالنسبة لشرط اللزوم و الضرورية فإن إسرائيل في وضعية دولة احتلال و إعلانها الحرب على غزة لا يدخل في مفهوم الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس و إنما هو حصار مدمج بعمليات عسكرية، و فيما يتعلق بشرط التناسب فهو غير متوفر بدوره باعتبار أن الجيش الإسرائيلي استعمل العتاد الثقيل المرفق بالتكنولوجيا المتطورة العالية الدقة أحدث خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات إذ قامت برمي حوالي 60 ألف طن من المتفجرات على مساحة 365 كم2، بينما استعملت الفصائل الفلسطينية أسلحة بسيطة، أما بخصوص أن يكون الرد على الهجوم المسلح مؤقتا فهو غير متوفر بدوره باعتبار أن العمليات العسكرية استمرت أكثر من أربعة أشهر في ردها على عملية طوفان الأقصى و هي مدة ليست بالقصيرة في أعراف مجلس الأمن الدولي لحين اتخاذه التدابير الضرورية لحفظ الأمن و السلم الدوليين الذي أخفق في أكثر من موضع في وقف الحرب في غزة بسبب الفيتو.

أما بالنسبة لشرط أن يكون الهجوم المسلح غير مشروع فإن عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها الفصائل الفلسطينية تُعتبر من الناحية القانونية عملاً مشروعاً من أعمال المقاومة ضد الاحتلال، وفقاً للقانون الدولي. في المقابل، العدوان الإسرائيلي يُعد غير مشروع. هذا يتوافق مع قرار تعريف العدوان الذي يحفظ حق الشعوب في تقرير المصير والحرية والاستقلال، خاصة الشعوب التي تعاني من الاستعمار أو العنصرية.

أما فيما يخص شرط أن يكون الرد ضمن احترام القانون الدولي الإنساني فإسرائيل في ردها على عملية الفصائل الفلسطينية تجاوزت ضوابط استخدام الحق في الدفاع عن النفس وارتكبت جرائم تصنف كجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وتطهير عرقي.

 مدى تحقق أركان جريمة الإبادة الجماعية في دعوى دولة جنوب إفريقيا

أ-الركن الشرعي لجريمة الإبادة الجماعية: نصت عليه المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لسنة 1948م، واعتبرتها أيًا من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: 

أ-قتل أعضاء من الجماعة.

ب-الحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.

ج-إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشيه يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا.

د-فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

ه-نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

ونصت المادة الثانية من نفس الاتفاقية على أن تعاقب الأفعال التالية:" الإبادة الجماعية، التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية، التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية، محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية، الاشتراك في الإبادة الجماعية".

ب-الركن المادي لجريمة الإبادة الجماعية: سببت جنوب إفريقيا دعواها إلى أن الإبادة الجماعية تتمثل في الحرب التي شنتها إسرائيل في قطاع غزة بعد مرور 20 يومًا من عملية طوفان الأقصى. ردت إسرائيل على العملية بالقصف الجوي وبدأت الهجوم البري على القطاع مساء يوم 27 أكتوبر 2023م، مصحوبًا بتصعيد واستخدام مفرط للقوة المميتة والمدمرة جوًا وبرًا وبحرًا، من خلال إلقاء ما يزيد عن 60,000 طن من القنابل والمتفجرات على مساحة جغرافية لا تزيد عن 665 كيلومترًا مربعًا يسكنها أكثر من 2.3 مليون نسمة. تسبب ذلك في مقتل أكثر من 21,000 شخص وجرح ما يزيد عن 55,000 من المدنيين، وإجبار أكثر من 1.9 مليون نسمة من سكان القطاع على النزوح من منازلهم، وحرمانهم من الماء والطعام والدواء والكهرباء والوقود، وتدمير شامل للمباني السكنية والبنى التحتية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة والمقرات التابعة للمنظمات الدولية، ولا سيما وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). 

ج-الركن المعنوي لجريمة الإبادة الجماعية: القصد الجنائي يتجلى في نية ارتكاب الإبادة الجماعية، وقد قدمت جنوب إفريقيا ملفًا يتضمن مستندات ووثائق تثبت انتهاك إسرائيل لالتزاماتها كدولة موقعة على اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. تستند هذه الأدلة إلى تصريحات عدة وزراء في الحكومة، بما في ذلك وزير الدفاع يؤاف غالانت، الذي صرح: "فرضنا حصارًا شاملًا، لا كهرباء، لا ماء، لا طعام، لا وقود، قُطعت جميعها". كما شمل الملف تصريحات منسوبة لوزراء آخرين دعوا فيها إلى إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة وتهجير سكانه إلى منطقة شبيهة بجزيرة سيناء.

التماسات جنوب إفريقيا من محكمة العدل الدولية: 

التمست جنوب إفريقيا من المحكمة إصدار أوامر تتضمن تدابير استعجالية ضد إسرائيل تتضمن النقاط الآتية:

  • وقف إسرائيل التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية والتآمر على ارتكابها او محاولة ارتكابها. 
  • وقف إسرائيل عن ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني كالجماعة محميه بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقب عليها لعام 1948.
  • إلزام إسرائيل باتخاذ تدابير فعالة لوقف تدمير الأدلة المتعلقة بـادعاءات ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية، وضمان عدم منع أو تقييد وصول بعثات جمع الأدلة والتفويضات الدولية والهيئات الأخرى المعنية لضمان الحفاظ على الأدلة.
  • إلزام إسرائيل بتقديم تقرير عن التدابير المطلوبة منها بموجب الأوامر خلال أسبوع من تاريخ صدور الأمر، وتقديم تقارير دورية منتظمة حتى صدور القرار النهائي في القضية.

وقد أصدرت محكمة العدل الدولية 26 يناير 2024م، في منطوق قرارها ستة أوامر بشأن التماسات جنوب إفريقيا أمرت بموجبها إسرائيل باتخاذ تدابير في حدود إمكانياتها لمنع ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وعدم ارتكاب قواتها أيا من أفعال الإبادة الجماعية المنصوص عليها في المادة الثانية من نفس الاتفاقية، واتخاذ التدابير في حدود سلطتها لمنع ومعاقبة التحريض على ارتكاب إبادة جماعية لأعضاء الجماعة الفلسطينية بقطاع غزة، واتخاذ تدابير فورية وفعالة لتمكين توفير الخدمات الأساسية والمعاونة الإنسانية التي تعد حاجة عاجله لعلاج أوضاع الحياة السلبية التي يواجهها الفلسطينيون، واتخاذ تدابير فعالة لمنع تدمير الدليل المتعلق بادعاءات أفعال الإبادة الجماعية وضمان الحفاظ عليه، وتقديم تقرير للمحكمة عن كل التدابير التي اتخذتها لتنفيذ هذا الأمر خلال مهلة شهر من تاريخ صدور الأمر.

إن محكمة العدل الدولية قامت بالإشارة في منطوق قرارها الصادر بتاريخ 26 يناير 2024 م، إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 96 بتاريخ 11 ديسمبر 1946م. ينص هذا القرار على أن الإبادة الجماعية تمثل إنكارًا لحق الوجود لجماعات بشرية بأكملها، وأنها تصدم ضمير البشرية وتؤدي إلى خسائر فادحة للبشرية. يعتبر هذا الحرمان من الحق في الوجود انتهاكًا خطيرًا لحقوق الإنسان.

المحكمة الجنائية الدولية:

هي محكمة دولية لها سلطة مقاضاة الأفراد على الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية أنشئت بموجب معاهدة روما في عام 1998م، فلسطين عضو فيها منذ 2015م، أما إسرائيل فيهي ليست عضو فيها. وقد طلب النائب العام كريم خان بها بإصدار مذكرات توقيف ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت وقادة حماس. ولا يزال يتعين على قضاة المحكمة أن يوافقوا عليها وإذا ما تمت الموافقة على المذكرات، فإن السفر إلى أي من الدول الأعضاء فيها الـ 124 قد يؤدي إلى اعتقال وإدانة كل من المسؤولين الإسرائيليين وقادة حماس. وأدان الرئيس الأمريكي جو بايدن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن مذكرة الاعتقال الصادرة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وقال بلينكن إن إدارة بايدن ستعمل مع الكونغرس على فرض عقوبات محتملة على المحكمة الجنائية الدولية.

وقالت عضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر إن المحكمة الجنائية الدولية "يجب أن يُسمح لها بالقيام بعملها باستقلالية ودون تدخل." وأعرب ممثلو حكومات أستراليا، فرنسا، إسبانيا ودول أخرى عن دعمهم لاستقلالية المحكمة الجنائية الدولية." ووفقًا للمحامي الأمريكي كينيث روث، الذي قاد منظمة هيومن رايتس ووتش لمدة 29 عامًا، فإن "هذه الاتهامات لا تتعلق بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وهو أمر لا يشكك فيه أحد. إنها تتعلق بالكيفية التي اختارت بها إسرائيل الدفاع عن نفسها، ولا يمكن استخدام أي قضية، مهما كانت عادلة، كذريعة لارتكاب جرائم حرب." وقالت منظمة "بتسليم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان: "لقد انتهى عصر إفلات صانعي القرار الإسرائيليين من العقاب." وفي يونيو 2024م، كررت 93 دولة، بما في ذلك الدول المذكورة أعلاه، دعمها لاستقلالية المحكمة الجنائية الدولية.

خاتمة

تظل محاكمة إسرائيل على الجرائم والانتهاكات المرتكبة قضية معقدة وشائكة في القانون الدولي. نظرًا للخلفية التاريخية لإنشاء محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وهيئة الأمم المتحدة والتي وضعها الغرب عقب الحرب العالمية الثانية لحماية نظام قائم وضمان استمراريته.

إن محاكمة إسرائيل على الانتهاكات والجرائم المرتكبة تتطلب توازنًا دقيقًا بين السعي لتحقيق العدالة والاعتبارات السياسية. يجب أن يتبنى المجتمع الدولي نهجاً قائماً على المبادئ القانونية والإنسانية، بعيداً عن الأجندات السياسية التي قد تؤدي إلى تعقيد الأمور. ومن المهم أيضًا التركيز على الأبعاد الإنسانية، حيث يجب أن تكون حقوق الإنسان وكرامة الضحايا في قلب أي عملية قانونية. العدالة ليست مجرد معاقبة الجناة، بل تشمل أيضًا جبر الضرر وتقديم المساعدة للضحايا وتتطلب هذه العملية التغلب على العديد من التحديات القانونية والسياسية، مع الاعتماد على الأدلة القوية والدعم الدولي. في نهاية المطاف، يجب أن يظل الهدف الأساسي هو تحقيق العدالة والإنصاف لجميع الأطراف المتضررة، بما يتماشى مع القيم والمبادئ الدولية.

مقالات لنفس الكاتب