array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 200

عدم التزام إسرائيل بالتدابير المؤقتة مهم لصدور قرار المحكمة النهائي وإلزام مجلس الأمن بتنفيذه

الإثنين، 29 تموز/يوليو 2024

لوقت طويل من الزمن تدور الشكوك حول مصداقية وعدالة الجهاز الدولي والمتمثل في الأمم المتحدة وجهازها القضائي "محكمة العدل الدولية". وهذه الشكوك لم تأت من فراغ، فجذور هذا النظام الدولي مبنية على مفاهيم تخدم القوى العظمى. ولكن ما حدث في غزة قلب الموازين، ودمر جهودًا طويلة بذلتها القوى الغربية لرسم صورة نمطية مغلوطة عن معضلة الشرق الأوسط والمسلمين أجمع وهي القضية الفلسطينية. الآن انزاح الستار، وظهر نور الحقيقة -ولو جزئيًا.

في مقالنا هذا سنتحدث عن عدالة المحاكم الدولية بعد وقبل القضية المرفوعة من قبل جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في ومدى فاعلية قرارتها الصادرة.

قبل البدء في الحديث عن الأحداث الراهنة، علينا إلقاء نظرة تاريخية سريعة حول دور الأمم المتحدة في القضية الفلسطينية. قد لا يظهر لعامة الناس بعض المبادرات الإنسانية التي يقوم بها جهاز الأمم المتحدة لخدمة القضية الفلسطينية، لذلك سنسلط الضوء اليوم على لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف والمعروفة باسم (UNISPAL)

والتي أنشئت في عام ١٩٧٥م حيث تقوم بإسداء المشورة للجمعية العامة فيما يخص تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه غير القابلة للتصرف مثل حق تقرير المصير دون التدخل الخارجي والحق في الاستقلال والسيادة الوطنين. ولدى هذه اللجنة قاعدة بيانات تحتوي على ما يقارب ٤٠ ألف بحث ودراسة فيما يخص القضية الفلسطينية متاحة للجميع. فحوى الكلام هنا بأن حقيقة القضية الفلسطينية ليست مخفية أمام المختصين والخبراء في القانون الدولي وبالأخص القانون الدولي الإنساني. فدور الأمم المتحدة بارز في هذا المجال أيضًا من خلال كيانات متعددة مثل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). ولقد قامت منظمة العفو الدولية بتوثيق وتحليل أشكال التمييز العنصري المؤسسي والمنهجي الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين عن طريق تحليل مستفيض للقوانين الإسرائيلية ومراجعة وثائق وإحصاءات رسمية خلال الفترة من يوليو/تموز 2017 إلى نوفمبر 2021م، وبعد هذا التحليل القانوني المكثف، خلصت إلى أن حكومة إسرائيل تمارس نظام الفصل العنصري (أبارتايد) ويُعد انتهاكاً للقانون الدولي العام، وجريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الجنائي الدولي وانتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان التي تحظى بالحماية الدولية. فهناك ثلاث اتفاقيات دولية أساسية تحظر أو تجرّم صراحة الفصل العنصري، وهي: الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (اتفاقية الفصل العنصري)، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ِالعنصري (اتفاقية التمييز العنصري)، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي).

  ولكن يكمن العمل القانوني على تفصيل المسألة، فالحديث عن الضفة الغربية يختلف عن قطاع غزة. بينما هناك إجماع في القانون الدولي حول كون الضفة الغربية محتلة، تثور تساؤلات حول استقلالية قطاع غزة، حيث صحيح أن القوات الإسرائيلية انسحبت من القطاع، ولكن   لا يمكن إنكار أنها لا زالت تحت الاحتلال بالنظر إلى السيطرة الكاملة التي تحتفظ بها إسرائيل على المجال الجوي والمياه الإقليمية وموارد الكهرباء والمياه وأنظمة الاتصالات الخلوية وما إلى ذلك.

وكما ذكر المختصون فإن هذا النقاش مهم لمعرفة كيفية تطبيق قواعد القانون الدولي الخاصة بحق تقرير المصير والحق في الدفاع عن النفس وبالتالي شرعنة حق المقاومة للفلسطينيين. فقد اعتبر القانون الدولي عمل الاستعمار عملًا عدوانيًا في أوائل السبعينيات عندما تم تعديل البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف، مضيفة المادة 1 (4) مما يجعل حروب التحرير ضد القوى الاستعمارية صراعًا دوليًا وليس مجرد قضية داخلية، أو حربًا أهلية. ونحن هنا لن نحلل حق الدفاع عن النفس وتقرير المصير لتبرير هجوم السابع من أكتوبر أو لتبرير حرب الإبادة التي قام بها الكيان المحتل بعد السابع من أكتوبر. ولكن لسنوات عديدة درس المختصون والباحثون القانونيون حق إسرائيل المزعوم في الدفاع عن النفس وخلص عدد منهم على عدم أحقية الكيان المحتل في الدفاع عن النفس وفقًا للقانون الدولي. وتوج هذه الدراسات، الرأي الاستشاري المقدم من محكمة العدل الدولية في ٢٠٠٤م، فيما يخص في جدار الفصل في فلسطين حيث خلصت المحكمة إلى أنه "لا يمكن لإسرائيل الاعتماد على حق الدفاع عن النفس أو حالة الضرورة من أجل بناء الجدار، وأن هذا البناء والنظام المرتبط به يتعارض".   مع اختلاف سياق الأحداث في قضية الجدار الحالية. إلا أنه وبعيدًا عن النقاش حول الحق المزعوم للكيان الإسرائيلي للدفاع عن النفس بعد ٧ أكتوبر، يمكن القول بأن القانون الدولي يمنع في جميع الأحوال استخدام الأعمال الانتقامية المسلحة للدفاع على النفس. ففي الإعلان الصادر من الأمم المتحدة حول مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة (قرار رقم ٢٦٢٥-الدورة ٢٥) تم النص على أنه "على الدول واجب الامتناع عن الأعمال الانتقامية التي تنطوي على استخدام القوة". ولإنهاء جدل "الحق في الدفاع عن النفس" الذي تثيره إسرائيل والموالين لها، صدر القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في ١٩ يوليو ٢٠٢٤م، حول قانونية الاحتلال والذي أحالته لها الجمعية العامة بالأمم المتحدة للنظر في الموضوع في عام ٢٠٢٢م، بطلب من خمسين دولة عضو. ويعتبر هذا الرأي الاستشاري، تاريخيًا حيث رأت المحكمة عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ووجوب الانسحاب الفوري. وذكرت المحكمة أن على مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة وجميع الدول عدم اعتبار الاحتلال الإسرائيلي قانوني، وعدم تقديم المساعدة للبقاء عليه. وتعتبر هذه القضية منفصلة عن القضية المرفوعة من قبل جنوب إفريقيا. وعلى الرغم من أنه رأي استشاري غير ملزم للدول إلا أنه سيخدم القضية الحالية المرفوعة من قبل جنوب إفريقيا.

 ومع اختلاف السياق في الأحداث الحالية إلا أن هذا يقودنا إلى الموضوع الرئيسي وهو دور محكمة العدل الدولية والمنظمات الدولية في حرب الإبادة الحالية وهل كتبت صفحة جديدة في التاريخ ؟

رفعت جنوب إفريقيا دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بناء على مادة ٩ من معاهدة "منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ١٩٤٨م " والتي صدقت عليها ١٥٣ دولة من ضمنها دولة فلسطين وإسرائيل وجنوب إفريقيا. نصت المادة ٩ على أنه:
"تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسؤولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة". وصحيح أن جنوب إفريقيا هي أول من خطى هذه الخطوة التاريخية، ولكن عدد من الدول انضمت للقضية لاحقًا عن طريق تصريح declaration  تقدمه للمحكمة وفقًا للمادة ٣٦ من نظامها الأساسي.

وهذه الدول هي إسبانيا في تاريخ ٢٨ يونيو، المكسيك ٢٨ مايو، ليبيا ١٠ مايو، كولمبيا ٥ أبريل، نيكاراغوا ٢٣ يناير. وذكرت المملكة العربية السعودية في مرافعتها أمام المحكمة، عبر ممثلها السفير زياد العطية، بكل وضوح رفض المملكة العمليات الحربية والانتهاكات التي تشنها إسرائيل على سكان غزة واعتبرتها إبادة جماعية مخالفة للقوانين الدولية وعدم شرعية ما يقوم به الاحتلال.

ويظل السؤال هو عن مدى فعالية قرار المحكمة سواء قرار التدابير المؤقتة أو الحكم النهائي الذي سوف تتخذه؟ هل إسرائيل ملزمة بتنفيذ القرارات؟ وعلينا ذكر أن القضية ستأخذ سنوات في أروقة المحاكم إلى حين إصدار القرار النهائي. ولأن الفريق القانوني لجنوب إفريقيا على علم بذلك ولكي يتم تقديم المساعدة العاجلة لغزة التي تحت النار، قاموا بتقديم طلب يسمى بالتدابير المؤقتة وهو أمر مؤقت تصدره محكمة العدل الدولية لمنع تفاقم حالة ما وحماية حقوق أطراف النزاع ريثما تصدر حكمًا نهائيًا بشأن النزاع المطروح. وفي هذه التدابير المؤقتة نصت المحكمة على أنه على إسرائيل اتخاذ جميع الإجراءات لمنع ارتكاب جميع الجرائم المذكورة في المادة ٩ من اتفاقية مكافحة الإبادة واتخاذ تدابير فورية لوقف إطلاق النار ولتوفير المساعدة الإنسانية والخدمات الأساسية لسكان غزة.

 كما ذكر الباحث في القانون الدولي ا. حسان عمران، إن إسرائيل لن تلتزم بالقرار وفعلًا هي لم تلتزم. ولكن عدم التزامها بقرار التدابير المؤقتة سيكون عامل مهم حين تصدر المحكمة قرارها النهائي حول هل إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية أم لا. وأن هذا القرار له ثقل قانوني في المنظومة الدولية. والقرار ملزم لمجلس الأمن بكونه الجهاز التنفيذي ولا يمكن استخدام حق الفيتو حينها.

ومن المعلوم أنه حتى بعد إصدار التدابير المؤقتة من أعلى محكمة قضائية في العالم، لم تلتزم إسرائيل بل ازدادت العمليات العسكرية وتم اجتياح رفح. من وجهة نظر القانون الدولي فهي مخالفة صريحة لأمر المحكمة الملزم، وليس كما كانت تبرر عدم امتثالها في قضايا سابقة بأن رأي المحكمة كان أمرًا استشاريًا غير ملزم.  والجدير بالذكر أن هناك قضايا سابقة مماثلة تم رفعها أمام محكمة العدل الدولية وهي قضية جامبيا ضد ماينمار في ٢٠١٩م، وأوكرانيا ضد روسيا في ٢٠٢٢م، في كلتا القضيتين تم إصدار تدابير مؤقتة ولكن لم يتم الامتثال لها. 

فالسؤال المطروح حول عدم فعالية دور محكمة العدل الدولية. هل هو بسبب ضعف الصياغة القانونية للقانون الدولي أم صعوبات في التطبيق والامتثال؟

والحقيقة أن ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية أتى صريحًا وواضحًا بخصوص وجوب التزام الدول بأحكام محكمة العدل الدولية. نصت المادة 94 (1) من ميثاق الأمم المتحدة على "تعهد كل عضو من أعضاء "الأمم المتحدة" أن ينزل على حكم محكمة العدل الدولية في أية قضية يكون طرفاً فيه". وفي إطار الميثاق، فإن المسؤولية عن ضمان الامتثال لا تقع ضمن ولاية محكمة العدل الدولية، بل تقع على عاتق الجهاز السياسي الرئيسي للحفاظ على السلام والأمن -مجلس الأمن. وبالتالي تنص المادة 94 (2) على ما يلي: "إذا امتنع أحد المتقاضين في قضية ما عن القيام بما يفرضه عليه حكم تصدره المحكمة، فللطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن، ولهذا المجلس، إذا رأى ضرورة لذلك أن يقدم توصياته أو يصدر قراراً بالتدابير التي يجب اتخاذها لتنفيذ هذا الحكم". ففي حال رفض دولة ما للامتثال لحكم محكمة العدل الدولية، فإن المحكمة ليس لها ولاية قضائية للتنفيذ، إنما الأمر يكون بيد مجلس الأمن، وهنا يصطدم الحكم بالتوترات السياسية. عليه ذكر بعض الباحثين، مثل الدكتور لامزون من جامعة ييل، أنه من غير المناسب إلقاء اللوم على محكمة العدل الدولية عندما لا تلتزم الدول بقراراتها، حيث أن الميثاق يسند مسؤولية التنفيذ إلى مجلس الأمن والذي له سلطة تقديرية في ذلك. 

رأى خبراء القانون الدولي أن قرارات محكمة العدل الدولية وإن لم يكن لها تأثير ملموس على أرض الواقع، وأنها غالبًا ما تصطدم بالتوترات السياسية، إلا أنه لا ينفي دورها الكبير في خلق عزلة سياسية للدول التي صدر ضدها قرار المحكمة الدولية بارتكابها إبادة جماعية مثل رواندا، ماينمار، صربيا، كمبوديا. وفي حالة إسرائيل فقد رأينا تغير في الخطاب السياسي من قبل عدد من الدول الموالية لها. بل ورأينا حلفاء تقليدين لإسرائيل اتخذوا خطوات جريئة وغير مسبوقة مثل اعتراف إسبانيا والنرويج وإيرلندا بدولة فلسطين. بالإضافة إلى تأييد أكثر من خمسين دولة لقضية جنوب إفريقيا. عليه تستطيع جامعة الدول العربية ورابطة العالم الإسلامي الانضمام لجنوب إفريقيا عبر تقديم طلب لمحكمة العدل الدولية.

وبالعودة لما ذكرناه في بداية المقال حول أن جذور القانون الدولي وُضعت لخدمة مصالح القوى الغربية، إلا أن ما نشهده خلال السنوات الأخيرة يعتبر تحولًا في الطريق الصحيح لنشر العدالة والسلام لكل الشعوب بلا تمييز. وإن قضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، بلا تأكيد لها دور ناجح ومهم في هذا التحول. وصحيح أن النتائج على المدى القريب قد لا تكون مرضية نظرًا للتدخلات السياسية في حرب غزة، إلا أنه لا ينفى دور القانون الدولي تمامًا، وخاصة محكمة العدل الدولية. فتهميش أهمية القانون الدولي غير منطقي، إنما علينا رؤية مجال لإصلاحه حيث هو العجلة الرئيسية لضمان الأمن والسلام في العالم.

مقالات لنفس الكاتب