array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 200

تدنى موقف إسرائيل وسمعتها في العالم وأصبح قادتها يواجهون تهمًا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية

الإثنين، 29 تموز/يوليو 2024

في مايو الماضي، أعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، سعيه لإصدار أوامر اعتقال بحق زعماء إسرائيل وقادة حركة حماس. وفيما يتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، أعرب المدعي العام عن اعتقاده بأن قادة إسرائيل يتحملون مسؤولية جنائية عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام التجويع كسلاح حرب وتوجيه الهجمات عمدًا ضد المدنيين العُزل. وقال خان أن هذه الجرائم نُفذت كجزء من هجمات واسعة النطاق ومنهجية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وأكد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أن القانون الدولي والقوانين المُنظمة للنزاع المسلح تسري على الجميع ولا يمكن لأي كان الإفلات من العقاب. أخيرًا، أكد خان أنه لا يوجد ما يبرر حرمان البشر عمدًا، بما في ذلك العديد من النساء والأطفال، من الضروريات الأساسية اللازمة للحياة أو استهداف المدنيين. وسرعان ما أعقب قرار المحكمة الجنائية الدولية، صدور حكم من قبل محكمة العدل الدولية يقضي بضرورة وقف إسرائيل أي هجوم عسكري في مدينة رفح قد يتسبب في إلحاق الضرر بالمدنيين. مع ذلك، فإن هذه القرارات المتخذة من قبل أعلى أنظمة وهيئات للعدالة الدولية فشلت في وقف القتال أو حتى إحداث تأثير في مسار الحرب الدائرة رحاها داخل قطاع غزة. وبينما يُشير حكم محكمة العدل الدولية ضمنا إلى احتمالات وقوع أعمال إبادة جماعية دون أن ينطق بها صراحة، إلا إنه اقتبس بشكل مباشر من بنود اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والتي تنص على وجوب وقف إسرائيل الفوري لهجماتها العسكرية وأي عمل آخر داخل مدينة رفح، قد يفرض على الشعب الفلسطيني في غزة ظروفًا معيشية يمكن أن تؤول إلى هلاكه ماديًا سواء كان بشكل كلي أو جزئي.  كما ينص حكم محكمة العدل الدولية على ضرورة أن تعمل إسرائيل على ضمان -وبشكل فعال -حماية حياة المدنيين وتأمين احتياجاتهم الأساسية خلال أي عملية تقوم بها داخل رفح. وذكرت المحكمة أن 800 ألف من سكان قطاع غزة نزحوا عدة مرات، ويعيش معظمهم في ظروف غير إنسانية حيث يعانون نقصًا في الغذاء، والمياه، والصرف الصحي والخدمات الطبية، والمأوى المناسب.

هذه الأحكام الصادرة إنما تظهر أنه في خلال بضعة أشهر فقط، تدنى موقف إسرائيل وسمعتها على مستوى العالم إلى الحد الذي أصبح قادتها معه يواجهون تهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية عوضًا عن التعاطف والدعم اللذين كانت تحظى بهما إسرائيل في أعقاب هجمات حماس في السابع من أكتوبر الماضي. وتتحمل الحكومة الإسرائيلية، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المسؤولية، فقد شنت حربًا شاملة تُركت بلا نهاية من حيث الوسائل والمدة الزمنية، وأدارت هذه الحرب بقسوة ودون هوادة، غير مباليةً بحياة المدنيين في قطاع غزة. علاوة على ذلك، اعتدت حكومة نتنياهو على استقلال السلطة القضائية منذ تشكيلها في أوائل العام الماضي، ولم يقم قضاة المحكمة العليا الإسرائيلية وكبار المسؤولين بإنفاذ القانون، بالتحقيق بشكل فعال في جرائم الحرب المزعومة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي. ولو أنهم فعلوا ذلك، فربما لم يكن هناك تدخل من قبل المحكمة الجنائية الدولية. حيث تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بسلطة قضائية ثانوية بعد سلطة المحاكم الوطنية، ولا يمكنها التصرف في موقف معين إلا إذا كانت الدول المعنية غير راغبة أو غير قادرة على محاكمة الجرائم الواقعة ضمن ولايتها القضائية. بالنسبة لنتنياهو، فإن خوضه مواجهة أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية أضحى أمرًا يخدم قاعدته. مع ذلك، وحتى مع عجز المحكمتين عن وقف الحرب، فإن القرارات الصادرة عن كل منهما تشكل جزءًا مُهمًا من الضغوط المتزايدة.

نظم المحاكم الدولية: تعتبر محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. تأسست المحكمة في يونيو 1945م، بموجب ميثاق الأمم المتحدة وبدأت عملها في أبريل 1946م. يقع مقر محكمة العدل الدولية في قصر السلام بمدينة لاهاي (هولندا). ومن بين الكيانات الرئيسية الستة التابعة للأمم المتحدة، تعتبر المحكمة الكيان الوحيد الذي لا يقع داخل مدينة نيويورك (الولايات المتحدة). ويتمثل دور المحكمة في تسوية المنازعات القانونية التي تعرضها عليها الدول وفقًا للقانون الدولي، وإبداء الرأي الاستشاري في المسائل القانونية التي تُحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة المرخص لها. وتتألف المحكمة من 15 قاضيًا، يتم انتخابهم لمدة تسع سنوات من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن. ويساعدهم قلم المحكمة، وهو جهازها الإداري. وتعد اللغتين الإنجليزية والفرنسية لُغتيها الرسميتين. يعتبر إنشاء المحكمة تتويجًا لعملية طويلة من العمل على تطوير أساليب التسوية السلمية للمنازعات الدولية.

في السياق ذاته، تتولى المحكمة الجنائية الدولية التحقيق مع الأفراد المتهمين بارتكاب أشنع الجرائم التي تثير مخاوف وقلق المجتمع الدولي: الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان، وتُجري محاكمتهم أيضًا إن اقتضى الأمر. تُخوض المحكمة معركة عالمية ضروس لوضع حد للإفلات من العقاب، ومن خلال تطبيق العدالة الجنائية الدولية، تهدف المحكمة إلى محاسبة المسؤولين عن جرائمهم والمساعدة في منع تكرار تلك الجرائم مرة أخرى. تأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002م، وتعمل وفق معاهدة دولية خاصة تُسمى ب “نظام روما الأساسي"، والتي تم إنشاؤها في عام 1998م، كان مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة قد أنشأ في السابق محاكم مُخصصة لمعالجة الفظائع والأعمال الوحشية التي ارتكبت في أماكن محددة، مثل يوغوسلافيا السابقة ورواندا. ويقع مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، المدينة الهولندية التي ظلت على مدى فترات طويلة مركزا للقانون الدولي والعدالة. تعد المحكمة الجنائية الدولية كيانًا منفصلًا عن "العدل الدولية"، والتي تعتبر إحدى الأذرع التابعة للأمم المتحدة وينوط بها التعامل مع النزاعات المدنية بين الدول.

انضمت العديد من الديمقراطيات إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة المقربين مثل بريطانيا. واعترفت المحكمة بفلسطين كعضو منذ عام 2015م. ولكن لم تنضم إسرائيل والولايات المتحدة إلى المحكمة. واتخذت الولايات المتحدة، التي تقوم بالعديد من العمليات العسكرية خارج أراضيها، موقفًا مفاده أنه لا ينبغي للمحكمة أن تمارس ولايتها القضائية على مواطنين من بلدان ليست أطرافًا في معاهدة روما. تعد المحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة جنائية دولية دائمة على مستوى العالم. من خلال دعمها للمحكمة، تكون الدول التي انضمت إلى معاهدة روما، قد اتخذت بذلك موقفًا ضد أولئك الذين لم يجدوا في الماضي من يحاسبهم على ارتكاب جرائم دولية منهجية واسعة النطاق.

بموجب ما تنص عليه معاهدة روما، تُمنح المحكمة الجنائية الدولية تفويضًا بشأن أربعة جرائم رئيسية. أولًا، تتسم جرائم الإبادة الجماعية بالقصد العمد للقضاء بشكل كامل أو جزئي على جماعة قومية، أو إثنية، أو عرقية، أو دينية من خلال قتل أفرادها أو عبر وسائل أخرى. ثانيًا، يمكن للمحكمة الجنائية الدولية محاكمة وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، وهي انتهاكات خطيرة تُرتكب ضمن إطار هجوم واسع النطاق ضد أي مجموعة من السكان المدنيين. ثالثًا، جرائم الحرب التي تشكل انتهاكات لاتفاقيات جنيف في سياق النزاع المسلح. وأخيرًا، فإن الجريمة الرابعة التي تقع ضمن اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، هي جريمة العدوان بمعنى استخدام القوات المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة، أو سلامة، واستقلال دولة أخرى.

الولايات المتحدة وأنظمة المحاكم: منذ إنشائها عام 1946م، لم تنعم الولايات المتحدة بعلاقة سلسة مع محكمة العدل الدولية. ففي حين تؤمن الولايات المتحدة إيمانًا راسخًا بسيادة القانون داخل نظامها المجتمعي وعلى المستوى الدولي بشكل عام، إلا أنها لم تقبل أبداً الخضوع للسلطة القضائية الكاملة للمحكمة، حيث تعد أكثر دولة مثّلت فيها على مر السنين، حتى في السنوات الأخيرة. وفي أغلب الأحيان يكون رد فعلها سلبيًا تجاه القرارات الصادرة عن المحكمة والتي قد تتعارض مع المصالح الأمريكية.

تتبنى الولايات المتحدة مبادئ متضاربة فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الدول: هل ككيانات ذات سيادة متساوية، أو كوحدات تتسم بفوارق حتمية في القوة والنفوذ. وفي حين أن الولايات المتحدة عبرت تاريخيًا عن رغبتها في التعاون مع الدول الأخرى باعتبارها ذات سيادة متساوية، وكانت بالفعل في الطليعة على صعيد العديد من النواحي فيما يتعلق بالعمل على تعزيز وتطوير القانون الدولي والمؤسسات التي تقوم على أساس مفهوم المساواة في السيادة، إلا أنها تتمتع بخصائص تاريخية وثقافية فطرية تدفعها صوب اعتماد موقف "استثنائي" في سياساتها الخارجية. هذا الموقف يدفع واشنطن، بشكل رسمي وغير رسمي، للمطالبة بمعاملة تختلف عن باقي الدول. إذ تنعم الولايات المتحدة ببعض الخصائص الفريدة بما في ذلك دورها الراهن باعتبارها القوة العظمى الأبرز، ومركز اقتصادي عالمي، فضلا عن قوتها الناعمة الرائدة. من ثم، فإن اهتمام الولايات المتحدة بتعزيز مبدأ مساواة السيادة يتنازع مع إدراكها الذاتي كقوة استثنائية. فمن ناحية، تُمثل المحكمة مؤسسة قانونية تسود فيها المساواة بين الدول، وهو ما يجعلها جذابة للمشاركة الأمريكية، ومن ناحية أخرى، قد تنأى الولايات المتحدة بنفسها عن المحكمة عندما لا تراعي الأخيرة الدور الخاص الذي تراه الولايات المتحدة لنفسها في حفظ الأمن والسلم الدوليين، أو عندما لا تتوافق أحكام المحكمة مع المصالح الأمريكية.

وفي إطار هذا السياق، صوّت مجلس النواب الأمريكي على فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بسبب تحركها لإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ومسؤولين إسرائيليين رفيعين آخرين. يقضي مشروع القانون بإلزام الرئيس بايدن بتقييد دخول الولايات المتحدة، وإلغاء التأشيرات، وفرض قيود مالية على أي شخص في المحكمة يشارك في محاولة التحقيق مع أو اعتقال أو احتجاز أو مقاضاة "الأشخاص المحميين" أو حلفاء الولايات المتحدة. كما أنه يستهدف أي شخص يقدم "دعمًا ماليًا أو ماديًا أو تقنيًا" لهذه الجهود.

 ومنذ أن أفصح المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان عن تقدمه بطلب إلى قضاة المحكمة بشأن إصدار مذكرات اعتقال، لاقت هذه الخطوة انتقادات واسعة داخل واشنطن. فيما جادل أعضاء الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، بأن هذه الخطوة تجاوزت اختصاصات المحكمة.  في حين وصف بايدن تحرك المحكمة الجنائية الدولية بأنه" أمر شائن"، دون أن يدعم مشروع قرار مجلس النواب. حيث يعارض الرئيس الأمريكي معاقبة المحكمة الجنائية الدولية، معتقدًا أنه ثمة وسائل أخرى أكثر فعالية من أجل الدفاع عن إسرائيل وتعزيز العدالة والمساءلة على الصعيد الدولي.

بالمثل، ردد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن معارضة الرئيس بايدن الشديدة لقرارات المحكمة الجنائية الدولية. وزعم بلينكن أن المحكمة الجنائية الدولية لا تملك سلطة قضائية على الحرب على قطاع غزة، وأن المدعي العام كريم خان سارع في طلبه بإصدار مذكرات اعتقال. كما جادل بلينكن بأن قرار المحكمة الجنائية الدولية لم يفعل شيئًا لدعم الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق لوقف النار يتم بموجبه إطلاق سراح الرهائن ورفع مستوى المساعدات الإنسانية، بل وإنه قد يتسبب في تقويض هذه الجهود.

الآفاق المستقبلية: حتى الآن، يعد إعلان المحكمة الجنائية الدولية عن السعي إلى إصدار مذكرات اعتقال رمزيًا إلى حد بعيد، بالنظر إلى أن إسرائيل ليست عضوا بالمحكمة ولم تعترف بسلطتها القضائية في الداخل الإسرائيلي أو قطاع غزة. كما يمكن أن يستغرق الأمر أشهرًا كي يصدر القضاة موافقتهم على طلبات إصدار أوامر الاعتقال. ولكن في حال ما تم إصدار أوامر اعتقال، فسيتم القبض على الأشخاص المذكورين إذا سافروا إلى إحدى الدول الأعضاء في المحكمة البالغ عددها 124 دولة، والتي تشمل معظم البلدان الأوروبية ولا تشمل الولايات المتحدة.

في الوقت ذاته، لا تمتلك المحكمة الجنائية الدولية قوات شرطية خاصة بها أو هيئة إنفاذ، بالتالي، فإنها تعتمد على التعاون مع الدول من أجل تقديم الدعم، لاسيما فيما يتعلق بتنفيذ الاعتقالات، وترحيل المعتقلين إلى مراكز الاحتجاز الخاصة بالمحكمة في مدينة لاهاي، بجانب تجميد أصول المشتبه بهم، وتطبيق الأحكام. علاوة على ذلك، يمكن للدول الأعضاء أن تطلب من مجلس الأمن الدولي بحث القضية، إلا أنه بلا شك ستقوم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا بممارسة حق الاعتراض "الفيتو" ضد أي قرار ضد إسرائيل. مع ذلك، فإن عدم الاستعناء أو تجاهل قرارات المحكمة من شأنه أن يثير مزيدا من الإدانات الدبلوماسية. وعلى الرغم من انتقاد الرئيس بايدن للمحكمة الجنائية الدولية، فإن حلفاء الولايات المتحدة، وإسرائيل، بما في ذلك فرنسا وبلجيكا، دافعوا عن استقلالية المحكمة. من جانبه، صرح رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك أن التحرك نحو إصدار مذكرات اعتقال " لن يجدي نفعًا" في الوقت الذي يسعى الحلفاء إلى إيجاد سبيل لإنهاء الحرب ودعم المساعدات الإنسانية في المنطقة. من ناحية أخرى، تعتبر أسبانيا أول دولة أوروبية تطلب من محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة الانضمام إلى الدعوى التي قدمتها جنوب إفريقيا أمام المحكمة ضد إسرائيل متهمة إياها بممارسة جريمة الإبادة الجماعية داخل قطاع غزة. كانت جنوب إفريقيا قد رفعت دعوى أمام محكمة العدل الدولية في أواخر العام الماضي. واتهمت خلالها إسرائيل بانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية في هجومها العسكري على قطاع غزة. في حين تنتظر دول أخرى مثل المكسيك، وكولومبيا، ونيكاراغوا، وليبيا موافقة محكمة العدل الدولية في لاهاي على طلباتها للانضمام إلى القضية. في السياق ذاته، اعترفت كلا من أسبانيا، وأيرلندا، والنرويج، وسلوفينيا، رسميا بالدولة الفلسطينية في أواخر مايو، ليصل إجمالي عدد الدول التي اعترفت بفلسطين كدولة إلى 140 دولة حول العالم-أي أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة -ولكن لا يوجد بينها أيا من القوى الغربية الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة.

الهجوم على محكمة العدل الدولية ليس رد الفعل الصحيح. فإن إدارة بايدن لم تشر إلى أن هذه التهم لا أساس لها من الصحة، ولن يكون بوسعها ذلك. فعلى مدار أشهر، وجهت إدارة بايدن انتقادات متزايدة لفشل حكومة نتنياهو السماح بوصول المساعدات اللازمة إلى قطاع غزة. وفي أوائل يونيو الماضي، أصدرت إدارة بايدن تقريرًا خلص إلى أن الجيش الإسرائيلي شن هجمات على العاملين في المجال الإنساني والمرافق الإنسانية، كما أثارت العديد من التقارير الموثوقة تساؤلات حول امتثال إسرائيل لالتزاماتها القانونية بموجب القانون الإنساني الدولي وانتهاج أفضل الممارسات لتخفيف الأضرار التي تلحق بالمدنيين. من ثم، فإن معاقبة المحكمة ومسؤوليها من شأنه أن يبعث برسالة واضحة: إن التزام الولايات المتحدة بالعدالة الدولية ليس من منطلق مبدأ تؤمن به بل إنه يخضع لاعتبارات سياسية. كما أن الولايات المتحدة ليست عضوًا في معاهدة روما، وهو ما سيحد من نفوذها وتأثيرها على الكيفية التي تعمل بها المحكمة الجنائية الدولية. وعلى الرغم من عدم اعتراف الولايات المتحدة وإسرائيل بفلسطين كدولة، فإن هناك 140 دولة حول العالم قد قامت بذلك. فضلًا عن، أن قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لا يعد السابقة الأولى التي يتم فيها توجيه مثل هذه الاتهامات لإسرائيل منذ 7 أكتوبر الماضي. بالعودة إلى مارس 2024م، فقد قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إن سياسات إسرائيل في تقييد تدفق المساعدات إلى غزة قد ترقى إلى مستوى جريمة حرب. وفي الشهر ذاته، أصدرت منظمة أوكسفام، وهي منظمة غير حكومية تركز على التخفيف من حدة الفقر العالمي، بيانًا مفاده أن إسرائيل تستخدم المجاعة كسلاح حرب لأكثر من خمسة أشهر متتالية.

وفي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وُصفت المحكمة الجنائية الدولية، ضمن مشروع قانون لمجلس الشيوخ، شارك في رعايته أعضاء من كلا الحزبين، بأنها محكمة دولية تسعى إلى دعم سيادة القانون، وخاصة في المناطق التي تغيب عنها سيادة القانون. لذلك، يجب أن يكون موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية متسقًا، فلا يمكن لواشنطن مهاجمة موقف المحكمة الجنائية الدولية بشأن غزة، بينما تشيد في الوقت ذاته بموقفها حيال أوكرانيا. ينبغي على القوى العالمية العظمى أن تدعم سيادة القانون، والعدالة الدولية، وأحكام المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية سواء كانت تتماشى مع مصالحها الوطنية أم لا. لقد جعلت الولايات المتحدة منذ فترة طويلة من الدفاع عن العدالة الجنائية العالمية عنصرًا أساسيًا في سياستها الخارجية. حيث تجوب سفيرة الولايات المتحدة للعدالة الجنائية العالمية، بيث فان شاك، دول العالم للضغط عليها من أجل الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية وضمان محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية.

هذه الجهود مهددة بأن تفقد جدواها وفعاليتها إذا نُظر إلى الولايات المتحدة على أنها تدعم المُساءلة الجنائية فقط عندما يتعلق الأمر بخُصومها الجيوسياسيين. كما أن إظهار النفاق وازدواجية المعايير في التعاطي مع عمل المحكمة الجنائية الدولية سيؤدي إلى عزلة متزايدة للولايات المتحدة على المسرح العالمي، ويُضعف من موقعها في وقتٍ تتنافس فيه على كسب تأييد الدول والشعوب حول العالم لصالح نظام دولي قائم على القواعد. إن الجهود المبذولة لكسب النفوذ في الخارج لا تقتضي إنشاء روابط اقتصادية أو عسكرية فعالة فحسب، بل تستلزم أيضًا إثبات قدرة الولايات المتحدة على الارتقاء إلى مستوى المبادئ التي تدعي مناصرتها. ومن ثم، فإن مهاجمة المحكمة الجنائية الدولية إنما يُثبت العكس تمامًا، ويكشف دعم الولايات المتحدة للعدالة الدولية فقط عندما يتم تطبيقها على خصومها. ومن خلال القيام بذلك، فإنه يوحي بأن التزام الولايات المتحدة بسيادة القانون يمتد فقط بقدر ما تسمح به مصلحتها الذاتية المجردة على المدى القصير. وهو أمر كفيل بتقويض النظام القانوني العالمي. ينبغي على الرئيس بايدن أن يدرك أن سياسته تجاه غزة تعكس فشلًا أخلاقيًا، وعمليًا، وسياسيًا، لم يخدم أحدًا سوى شخص نتنياهو. فقد جعلت حرب غزة من حجج بايدن بشأن دعم الولايات المتحدة "للنظام الدولي القائم على القواعد" أضحوكة ومثار استهزاء. ومن ثم، فقد قوضت موقف الولايات المتحدة تجاه أوكرانيا وعلى مستوى العالم.

مقالات لنفس الكاتب