شهد العالم خلال القرنين (20 و21) في ظل نزوات بعض الحكام المتسلطين وتعطشهم للحروب، سلسلة من مآسي الحروب المدمرة التي صاحبها اقتراف المتحاربين لجرائم حرب، أودت بحياة الملايين من الأبرياء مدنيين وعسكريين، فالحرب العالمية الأولى (من 1914إلى 1918م) راح ضحيتها 10 ملايين قتيل عسكري و7 ملايين قتيل مدني، و21 مليون مصاب و7.7 مليون مفقود أو مسجون، بينما الحرب العالمية الثانية (من 1939 الى 1945م) مات فيها أكثر من 70 مليون شخص، بينهم 55 مليون مدني، ومن بينهم 13 إلى 20 مليون ماتوا نتيجة الأمراض والمجاعات المرتبطة بالحرب العالمية الثانية، وهما كانتا من أكبر الصراعات الحربية في التاريخ البشري، وقد تضمنت كلتا الحربين تحالفات عسكرية بين مجموعات مختلفة من البلدان. وشهد العالم استخدام القنبلة الذرية من قبل أمريكا على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانية يوم 6 و9 أغسطس 1945م.
وقد شهدت الحربين الكونيتين الكثير من المآسي، كما رافقتها أعمال إبادة جماعية، وشهدت نهاية الحرب العالمية الأولى ولادة عصبة الأمم من أجل الحد من وقوع صراعات عالمية جديدة. ولمعاقبة من ارتكبوا جرائم حرب، وقد تم استخدام الطاقة النووية والصواريخ والمفاهيم الحديثة للعمليات السرية والخاصة، كما كانت الغواصات والدبابات تستخدم بكثافة أكبر، أصبحت رموز التشفير للاتصال السري أكثر تعقيدًا. انتهت الحرب العالمية الثانية بالفوز التام للحلفاء على ألمانيا واليابان في عام 1945م، ظهر الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كقوتين عظمتين متنافستين، تأسست الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي ومنع الصراعات.
بعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك حرب باردة بين الولايات المتحدة وروسيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى انهيار الاتحاد السوفيتي (1991) كانت الحروب في أفغانستان وفيتنام وكوريا، إلى حد ما حروب بالوكالة بين البلدين.
وقد اختلفت طبيعة الحربين العالميتين، فقد كانت الحرب الأولى بين دول تسعى للحصول على المستعمرات، أو الأراضي، أو الموارد، بينما كانت الحرب الثانية حرب الأيديولوجيات مثل الفاشية والشيوعية.
وبالرغم من أن نزعات الحرب والقتال تصاعدت، إلا أن دعوات وحركات بدأت تنمو وتتوسع تنادي بمقاضاة مرتكبي جرائم الحرب. ونتج عن هذه المطالبات وهذه المفاهيم التي وُلدت في أعقاب الحرب العالمية الأولى بانشاء (محكمة لايبزيغ) شهر مايو 1921م، و(محكمة الرايخ) بالتزامن مع إنشاء محكمة نورمبرغ الدولية لمحاكمة الجرائم النازية في قلب اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ICC التي فتحت في الثالث من مارس 2023م، تحقيقًا في الوضع في أوكرانيا. ويمكن أن تخضع للولاية القضائية الوطنية عندما تكون مختصة في مسائل العدالة العالمية كما هو الحال في ألمانيا، وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وسويسرا.
وقد توصل المجتمع الدولي إلى آليات متعددة لتحقيق العدالة الدولية، ومنها:
المحكمة الجنائية الدولية:
تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002م، من أجل ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة العرقية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. ولقد تمت مقاضاة من ارتكبوا تلك الجرائم أو أمروا بارتكابها في يوغسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون. وصدر أول قرار بإدانة متهم أمام المحكمة الجنائية الدولية في مارس 2012م، بحق توماس لوبانغا، زعيم إحدى الجماعات المسلحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية جراء استغلاله للأطفال وتجنيدهم أثناء النزاع المسلح من بين جملة أمور أخرى. و(منذ عام 2018م) أضيفت جريمة العدوان ولكن لم يتم تعريفها.
- المحاكم المختلطة (أو الهجينة): تُنشأ في الدول التي تعاني من نزاعات أو أزمات حين يفتقر نظام العدالة المحلي إلى البنية التحتية اللازمة للمحاكمة، ومنها جرائم الحرب والإبادة في تيمور الشرقية، وفي كوسوفو 2000م، وكمبوديا 2001م، وسيراليون 2002م.
- المحاكم الخاصة: تؤسس هذه للتحقيق في جرائم معينة منها مثلا: المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بـ (رواندا)، والخاصة بـ (يوغسلافيا السابقة). والمحكمة الخاصة بلبنان والتي شكلها مجلس الأمن الدولي بقراره رقم 1664 / 2005م، بموجب الفصل السابع لمساعدة السلطات اللبنانية في كشف الجناة في حادث التفجير الإرهابي الذي وقع في بيروت يوم 14/2/2005م، وأدى إلى مقتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري وآخرين.
كما شكلت إتفاقية (عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية) والتي اعتمدت وعرضت للتوقيع وللتصديق والانضمام بقرار الجمعية العامة 2391 ألف (د-23) المؤرخ في 26 نوفمبر 1968م، وأصبحت نافذة من تاريخ 11/11/1970م، طبقًا لمادتها الثامنة.
في ديسمبر 2017م، أضافت الدول الـ 123 الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية (أي تلك التي صادقت على نظام روما الأساسي وليس بينها الولايات المتحدة وروسيا) "جريمة العدوان" إلى اختصاص القضاء الدولي. وتعني هذه التهمة الاعتراف بالاعتداء على سيادة دولة من قبل دولة أخرى والسماح بمحاكمة قادتها وقد وردت "جريمة العدوان" في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لكنها لم تدخل حيز التنفيذ بسبب طبيعتها السياسية.
محكمة العدل الدولية:
محكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. وتتولى المحكمة الفصل طبقًا لأحكام القانون الدولي في النزاعات القانونية التي تنشأ بين الدول، وتقديم آراء استشارية بشأن المسائل القانونية التي قد تحيلها إليها أجهزة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة. تأسست محكمة العدل الدولية، التي يقع مقرها في قصر السلام في مدينة لاهاي بهولندا، عام 1945م، كوسيلة لتسوية النزاعات بين الدول. وتُعرف محكمة العدل الدولية على نطاق واسع باسم "المحكمة العالمية"، وهي واحدة من الأجهزة الرئيسية الستة للأمم المتحدة، التي تشمل الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ومجلس الوصاية، والأمانة العامة. كما أنها الجهة الوحيدة من الأجهزة الستة التي لا يوجد مقرها في نيويورك وعلى عكس محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، فإن محكمة العدل الدولية ليست محكمة عليا يمكن للمحاكم الوطنية أن تلجأ إليها، فهي لا تستطيع النظر في النزاع إلا عندما يُطلب منها ذلك من قبل دولة واحدة أو أكثر. تتألف المحكمة من 15 قاضيًا، يتم انتخابهم لولاية مدتها تسع سنوات من قِبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن. وتجرى الانتخابات كل ثلاث سنوات لثلث المقاعد، ويجوز إعادة انتخاب القضاة المتقاعدين. ولا يمثل أعضاء المحكمة حكوماتهم، بل هم قضاة مستقلون، ولا يوجد سوى قاض واحد في المحكمة من أي جنسية.
يمكن للمحكمة أن تحكم في نوعين من القضايا، وهما "القضايا الخلافية" وهي نزاعات قانونية بين الدول؛ و"الإجراءات الاستشارية" وهي طلبات للحصول على فتاوى بشأن المسائل القانونية المحالة إليها من أجهزة الأمم المتحدة وبعض الوكالات المتخصصة. ويمكن لأي دولة عضو أن ترفع دعوى ضد أي دولة عضو أخرى، سواء كانت في صراع مباشر أم لا، عندما تكون المصلحة المشتركة للمجتمع الدولي على المحك.
أحكام محكمة العدل الدولية نهائية، وليست هناك إمكانية للاستئناف. والأمر متروك للدول المعنية لتطبيق قرارات المحكمة في ولاياتها القضائية الوطنية. وفي معظم الحالات، تحترم التزاماتها بموجب القانون الدولي وتمتثل إليها. وإذا فشلت دولة ما في أداء الالتزامات الملقاة على عاتقها بموجب حكم ما، فإن الحل الوحيد المتبقي هو اللجوء إلى مجلس الأمن الذي يمكنه التصويت على قرار، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. حدث هذا في قضية رفعتها نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة عام 1984م، للمطالبة بتعويضات عن الدعم الأمريكي لمتمردي الكونترا. وحكمت محكمة العدل الدولية لصالح نيكاراغوا، لكن الولايات المتحدة رفضت قبول النتيجة. ثم رفعت نيكاراغوا الأمر إلى مجلس الأمن، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد القرار ذي الصلة.
هناك خلط متكرر بين المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. لكن أبسط طريقة لشرح الفرق هي أن قضايا محكمة العدل الدولية تشمل دولاً، أما المحكمة الجنائية الدولية فهي محكمة جنائية تُرفع فيها قضايا ضد أفراد بتهمة ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. بالإضافة إلى هذا، فإنه في حين أن محكمة العدل الدولية هي أحد أجهزة الأمم المتحدة، فإن المحكمة الجنائية الدولية مستقلة قانونًا عن الأمم المتحدة (على الرغم من اعتمادها من قِبل الجمعية العامة). الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولة ليست جميعها أطرافًا في المحكمة الجنائية الدولية. ويجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها عندما يكون الشخص المدعى ارتكابه الجريمة من مواطني دولة طرف في المحكمة الجنائية الدولية أو في إقليم دولة طرف كما يجوز لدولة غير طرف أن تقرر قبول اختصاص المحكمة.
الانتهاكات الإسرائيلية - دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل
منذ 7 أكتوبر 2023م، تشن إسرائيل هجومًا متواصلًا على الفلسطينيين في قطاع غزة، مستهدفة بشكل عشوائي المدنيين والأعيان المحمية في انتهاك للقانون الدولي. لقد أصبح واضحاً من حجم الهجمات ضد غزة أن إسرائيل تحاول ارتكاب إبادة جماعية، حيث يقول العديد من الأكاديميين وقادة العالم بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. في 29 ديسمبر 2023م، بعد 83 يومًا من الهجوم المتواصل من القوات المسلحة الإسرائيلية، قدمت جنوب إفريقيا طلباً لتحريك دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، فيما يتعلق بانتهاكات من جانب إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها (“اتفاقية الإبادة الجماعية”) فيما يتعلق بالهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة.
الدعوى التي قدمتها جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل في 29 ديسمبر 2023م، هي المرة الأولى التي يتم فيها رفع قضية خلافية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية. يذكر أنه في 2004م، خلص رأي استشاري للمحكمة إلى أن الجدار الذي بنته إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك في وحول القدس الشرقية والنظام المرتبط به، يتعارض مع القانون الدولي. ووفقا للدعوة التي تقدمت بها جنوب إفريقيا، فإن أفعال إسرائيل "تعتبر ذات طابع إبادة جماعية، لأنها ترتكب بالقصد المحدد المطلوب" لتدمير الفلسطينيين في غزة كجزء من القومية الفلسطينية الأوسع والمجموعة العرقية والإثنية. كما تشير الدعوى إلى أن سلوك إسرائيل - "من خلال أجهزة الدولة ووكلاء الدولة وغيرهم من الأشخاص والكيانات التي تعمل بناء على تعليماتها أو تحت توجيهها أو سيطرتها أو نفوذها" - يشكل انتهاكًا لالتزاماتها تجاه الفلسطينيين في غزة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية. وتسعى جنوب إفريقيا إلى تأسيس اختصاص المحكمة على اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعية لعام 1948م، والتي وقع عليها البلدان، بينما ترفض إسرائيل هذه الاتهامات. أما بالنسبة للإجراءات الاستشارية أو الفتاوى، ففي نهاية عام 2022م، طلبت الجمعية العامة فتوى من المحكمة بشأن "الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية".
المحكمة الجنائية الدولية وجرائم الحرب الإسرائيلية:
بعد مرور اثنى عشر عامًا على توجه السلطة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية، تمّ فتح تحقيق في جرائم حرب ارتُكبت في الأراضي الفلسطينية في مارس 2021م، وذلك بعد أن أقرّت المحكمة بأنّ لها اختصاصًا قضائيًا على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
وتجادل جنوب إفريقيا بأن “الأفعال والتقصيرات التي قامت بها إسرائيل ذات طابع إبادة جماعية لأنها تهدف إلى تدمير جزء كبير من المجموعة الوطنية والقومية والإثنية الفلسطينية، والتي هي الجزء الموجود في قطاع غزة من الشعب الفلسطيني (“الفلسطينيون في غزة”).”
يتميز طلب جنوب إفريقيا باستخدامه لمصطلح erga omnes partes (اتجاه الكافة/ أو حقوق تتعلق بالجميع”)، والذي تم تحديثه بعد الإجراءات التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار في عام 2019م. وفي القانون الدولي، يتعلق هذا المبدأ بالالتزامات التي تدين بها الدولة للمجتمع الدولي ككل، وتمتد إلى أبعد من حدود الاتفاقات الثنائية أو الاتفاقيات المتعددة الأطراف. ويعني هذا المفهوم أن المبادئ والمعايير الأساسية في القانون الدولي، مثل حظر الإبادة الجماعية، هي التزامات تقع على عاتق جميع الدول تجاه المجتمع الدولي ككل. ويعتبر انتهاك هذه الالتزامات جرائم ضد النظام الدولي، مما يمنح أي دولة الحق في اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان منع تلك الانتهاكات.
النقاط الرئيسية في ملف جنوب إفريقيا
ينصب التركيز الأساسي للوثيقة على الهجوم الإسرائيلي على غزة، مع إشارة محدودة إلى الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، بالإضافة إلى الهجمات التي شنتها حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر الماضي. وبينما يدين الملف تلك الهجمات، فإنه يؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك أي مبرر لانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية، كما تم توثيقه في الهجوم الإسرائيلي.
بناءً عليه، أخذت الدعوى القضائية مسارين، الأول هو المسار العادي للدعوى لاستصدار حكم قضائي بمخالفة إسرائيل الالتزامات الواقعة عليها بموجب الاتفاقية، وسيستغرق سنواتٍ للبتّ فيه، كما حصل في المحكمة الخاصة بالجرائم التي ارتُكبت في البوسنة والهرسك والتي بدأت عام 1993م، وانتهت بحكم إدانة قضائي في عام 2007م. أما المسار الثاني فهو الإجراء المستعجل بالتدابير المؤقتة الساعي لوقف العدوان الحربي وأعمال الإبادة في قطاع غزّة، والذي سيشكّل وجهة نظر المحكمة، ويحدّد مسار عملها في المسار الأول لاحقًا. وهذا جوهر الملف الذي عُرض في المرافعة الشفهية للفريق القانوني لجنوب إفريقيا في 11 يناير 2024م.
وبخصوص طبيعة الحكم الذي ستقدّمه المحكمة مستقبلًا في طلب التدابير المؤقتة بخصوص جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة في قطاع غزة، فالأرجح ألّا تخرج المحكمة عن التدابير المؤقتة في التصدي لجرائم الإبادة الجماعية في ميانمار وأوكرانيا، بل ستفصل لجنوب إفريقيا في طلباتها بناءً على ما جرى تقديمه من أدلة. وهذا الترجيح مردّه أيضًا خبرة فريق التمثيل القانوني لدولة جنوب إفريقيا وحصافته في صياغة طلباتهم وتقديمها بتضمينها طلب التدابير المؤقتة، وليس الفصل في ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية فحسب، حيث لا تحتاج المحكمة هنا إلى أن تُثبت على نحو قاطع أن الفلسطينيين معرّضون لخطر الإبادة الجماعية، أو أنهم يتعرّضون لأعمال إبادة جماعية، أو أن إسرائيل تنتهك التزاماتِها بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، بل يكفي أن تمارس دولة جنوب إفريقيا مهماتها بالالتزام بمنع الإبادة الجماعية، أو حقها في طلب امتثال دولة عضو (إسرائيل) لالتزاماتها بموجب الاتفاقية بعدم ارتكاب الإبادة الجماعية، ومنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها والأفعال المحظورة ذات الصلة بموجب الاتفاقية. لهذا، صيغت المذكرة بطريقة تركّز في هذه المرحلة على إثبات أن الأفعال الإسرائيلية “يمكن أن تندرج ضمن أحكام الاتفاقية”، وهذا يعني أنه بدلًا من إثبات حالة الإبادة الجماعية برمّتها، يكفي أن تُثبت جنوب إفريقيا أن الوضع الحالي يمكن أن يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، ما يجعل في النهاية عبء الإثبات أكثر سهولة.
الفريق القانوني الإسرائيلي قدّم مرافعةً قانونيةً ضعيفة، فيها ثغراتٌ عديدة، منها محاجّته بعدم احتلال فلسطين، بما فيها قطاع غزة، والاستناد إلى وعد بلفور عام 1917م، ومزاعم “الحق التاريخي” لليهود في فلسطين. وفي هذا الإطار، نجد أن محكمة العدل الدولية قد سبق لها أن أصدرت رأي استشاري (فتوى) عام 2004م، حول قضية الجدار العازل، أكّدت فيها أن إسرائيل سلطة احتلالٍ عسكري في قطاع غزّة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. وفي إطار الادّعاء بتطبيق القانون الدولي الإنساني خلال العملية العسكرية، نجد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تتبع منظورًا مشوّهًا للقانون الدولي الإنساني تحاول من خلاله تبرير سلوكها الإجرامي، الذي لا يُمكن أن يُفهم خارج إطار سياساتها الاستعمارية.
يُعد قرار محكمة العدل الدولية ملزمًا لطرفَي القضية (جنوب إفريقيا بوصفها مدّعيًا، وإسرائيل بوصفها مدّعى عليه) تبعًا لأحكام المادة 94 من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة 9 من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها
وفوق ذلك، تعدّ الأدلة المقدّمة أمام المحكمة قويةً وموثوقةً لإصدار قرار من هيئتها بخلاف الادعاءات الإسرائيلية، واستشهاد الفريق الإسرائيلي بردّ المحكمة حول عدم قطعية الأدلة في قضية البوسنة والهرسك التي تعود إلى عام 1992م، حيث لم تكن عمليات التوثيق قوية وشاملة من أجل دفع المحكمة إلى إصدار حكم قضائي بالإدانة في جريمة الإبادة الجماعية التي تعتبر أمّ الجرائم، في حين أن التقارير الصادرة عن مؤسّسات الأمم المتحدة ومؤسّسات المجتمع المدني المحلية والدولية بشأن الحرب على قطاع غزة، ذات صدقية وتعتمد على التوثيق الحقيقي للأحداث الجارية. ودليل اعتماد هذه المصادر أمام المحاكم الدولية هو أعمال المحكمة الجنائية الدولية، وتضمينها هذه المصادر في تقاريرها وأعمالها. إضافةً إلى ما سبق، فإن التوثيقات الصحافية المرئية التي بثّتها الصحافة ورآها كل المهتمين على الهواء مباشرة في الدعوة إلى ارتكاب أفعال الإبادة، أو التوعد، أو التحريض بارتكابها، أو تصوير ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية، تعكس حقيقة السلوك الإسرائيلي بارتكاب، أو نية ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية.
في الختام
فإن العدالة الجنائية الدولية ليست مطلقة كعادتها، فقد عجزت عن تلبية الطموح الإنساني وإنصاف المستضعفين في الأرض وجبر ضرر الضحايا ومعاقبة المتهمين بارتكاب جرائم دولية في كثير من الأحيان. العدالة رديف لقيمة الحق؛ فمن دون الحق في الكرامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، تبقى العدالة كقيمة معطلة.






