array(1) { [0]=> object(stdClass)#14361 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 202

مستقبل العلاقات الأوروبية ـ الخليجية تحدده إدارة الاختلافات الأيديولوجية وإعلاء المصالح

الإثنين، 30 أيلول/سبتمبر 2024

شهدت أوروبا، خلال الأعوام الأخيرة، صعودًا ملحوظًا لحركات اليمين السياسي، بما يُعيد رسم ملامح المشهد السياسي للقارة الأوروبية. حيث تمكنت الأحزاب ذات الأجندات القومية، والشعبوية، والمحافظة، من اكتساب زخم واسع بالعديد من البلدان الأوروبية. وهو ما يُشكل تحديًا للأحزاب المُهيمنة تقليديًا مُمثلة في أحزاب الوسط وذات الميول اليسارية. من شأن هذا التحول أن يُخلف تبعات بعيدة المدى، لن يقتصر مداها على السياسات المحلية فحسب، بل سيطَال علاقات أوروبا الخارجية، بما في ذلك مشاركاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي. حيث يعد التكتل الخليجي -الذي يضم كلًا من المملكة العربية السعودية، والإمارات، والبحرين، والكويت، وسلطنة عمان، وقطر-لاعبًا رئيسيًا داخل منطقة الشرق الأوسط وصاحب نفوذ اقتصادي، وسياسي، وثقافي كبير على الساحة الدولية.

 بشكل عام، يعكس صعود الأحزاب اليمينية داخل أوروبا، وبالأخص منذ أوائل القرن الحادي والعشرين، تنامي حالة الاستياء الشعبي حيال العولمة، والهجرة، والاتحاد الأوروبي. وعقب اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008م، كان العديد من الأوروبيين قد أصيبوا بخيبة أمل حيال أداء الأحزاب الوسطية التقليدية، التي باتت تستشعر عجزها عن معالجة انعدام المساواة الاقتصادية والبطالة. وقد ساعد ذلك بدوره، في توفير بيئة خصبة لصعود نجم أحزاب اليمين الشعبوية، التي عولت على المخاوف من تغير الهوية الثقافية الأوروبية نتيجة تزايد أعداد المهاجرين لاسيما من دول منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.

وتشمل اللحظات الفارقة في مسيرة تنامي المد اليميني، صعود حزب الجبهة الوطنية الفرنسية (الذي أصبح الآن التجمع الوطني) تحت زعامة مارين لوبان، والحزب الإيطالي "ليجا نورد" -أو رابطة الشمال-، إلى جانب حزب" البديل من أجل ألمانيا". وقد استطاعت جميعها اكتساب زخم عبر معارضتها للسياسات الأوروبية، وبالأخص تلك المتعلقة بالهجرة. وداخل أوروبا الشرقية، استطاعت أحزاب مثل "فيدس" في دولة المجر، وحزب "العدالة والقانون "البولندي، تعزيز مواقفها من خلال دعم النزعة القومية وقيم المحافظة، والتي قد تتصادم أحيانًا مع المبادئ الأوروبية بشأن سيادة القانون وحقوق الإنسان. وقامت هذه الأحزاب، في كثير من الأحيان، بتوظيف الخطاب الذي يركز على السيادة الوطنية، والأمن، ونبذ التعددية الثقافية. وبينما قد يتفاوت نطاق تأثيرها عبر مختلف الأقطار الأوروبية، إلا أن حضورها في حد ذاته يعكس اتجاهًا أوروبيًا أوسع إلى التشكيك في النظام السياسي القائم والسعي إلى بدائل تبشر بحضور أكثر قوة للهوية الوطنية وإظهار قدرة أكبر على تولي زمام الأمور.

من جهة أخرى، يُنذر توسع نفوذ أحزاب اليمين داخل أوروبا بحدوث عملية إعادة هيكلة مُعقدة للعلاقات الأوروبية -الخليجية، مُخلفة تبعات على الروابط الاقتصادية، والعلاقات الدبلوماسية، والتعاون الأمني، والتبادلات الاقتصادية بين الجانبين. بالتالي، يبحث هذا المقال في التبعات المحتملة لهذا التحول السياسي على علاقات أوروبا بمجلس التعاون الخليجي، واستكشاف الفرص والتحديات التي قد تنبثق عن هذا التحول.

العلاقات الاقتصادية: البراغماتية مقابل الحمائية

يُمثل الشق الاقتصادي أحد أهم مجالات التعاون الأوروبي -الخليجي المشترك. حيث يُعد مجلس التعاون الخليجي مصدرًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة الأوروبية، مع اضطلاع دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات بدورهما كموردين رئيسيين للنفط والغاز. علاوة على ذلك، قامت صناديق الثروة السيادية الخليجية بضخ استثمارات هائلة في قطاع البنية التحتية الأوروبية، والعقارات، والقطاعات التكنولوجية. من ناحية أخرى، تعتبر أوروبا سوقًا حيويًا للصادرات الخليجية ومصدر للتكنولوجيا، والخبرات، والسلع الفاخرة. ونظرًا إلى أن الأحزاب اليمينية تتبنى في معظم الأحيان السياسات الاقتصادية الحمائية والقومية، مشددة على أهمية حماية الصناعات المحلية وتقليص الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية. فقد يؤول ذلك إلى فتور في العلاقات الاقتصادية مع مجلس التعاون الخليجي، في ظل مساعي الحكومات الأوروبية إلى الحد من الملكية الأجنبية والنفوذ الأجنبي على القطاعات الاستراتيجية. على سبيل المثال، فإن تشديد اللوائح والضوابط المُنظمة للاستثمارات الأجنبية، من شأنه أن يردع صناديق الثروة السيادية الخليجية من الاستثمار داخل أوروبا، وقد يترتب على ذلك تراجع تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الوافدة من المنطقة الخليجية.

مع ذلك، جدير بالملاحظة أن الأحزاب اليمينية قد تميل في بعض الأحيان إلى إعلاء المصالح القومية والبراغماتية في سياساتها الخارجية. ونظرًا إلى الأهمية الاستراتيجية التي تتبوَأها دول مجلس التعاون الخليجي كمُوَرِد ومستثمر في قطاع الطاقة، فقد تعمد الحكومات الأوروبية اليمينية إلى الحفاظ على روابط اقتصادية قوية مع الخليج، وأن توازن بين خطابها الحمائي وحاجتها إلى رؤوس أموال وموارد أجنبية. وبقدر ما ينطوي الأمر على احتمالات إتمام صفقات تجارية مُربحة، لاسيما في مجالي الدفاع والتكنولوجيا، بقدر ما هو يُشكل حافزًا أمام الحكومات الأوروبية كي تواصل تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع مجلس التعاون الخليجي رغم الميول الحمائية للقاعدة السياسية الخاصة بها.

العلاقات الدبلوماسية: تحول الأولويات

تشكلت العلاقات الدبلوماسية بين أوروبا ومجلس التعاون الخليجي تقليديًا من خلال مزيج من المصالح الاقتصادية، والمخاوف الأمنية والقيم المشتركة، مثل إعلاء الاستقرار داخل منطقة الشرق الأوسط. مع ذلك، فإن صعود أحزاب اليمين داخل أوروبا قد يؤدي إلى تحول في الأولويات الدبلوماسية، وسط تبعات محتملة على كيفية تعامل أوروبا مع منطقة الخليج. وغالبًا ما تشدد الأحزاب اليمينية على أهمية اتباع سياسة خارجية أكثر حزمًا ذات طابع قومي، تركز على حماية السيادة الوطنية والحد من التورط في الصراعات الدولية. من شأن ذلك أن يؤدي إلى تراجع المشاركة الدبلوماسية الأوروبية داخل منطقة الشرق الأوسط. لاسيما في ظل منح الحكومات اليمينية الأولوية للقضايا المحلية على حساب التشابكات الخارجية. وبالتالي، قد يتقهقر الدور الأوروبي في الصراعات الإقليمية وجهود إرساء السلام داخل المنطقة الخليجية، بما ينذر بانحسار نفوذ القارة العجوز داخل المنطقة.

علاوة على ذلك، فقد أخذت الأحزاب الأوروبية اليمينية تتبنى على نحو متزايد خطابًا مٌعاديًا للإسلام، مُستفيدة من المخاوف القائمة حيال الهجرة والإرهاب. وقد يؤدي هذا الخطاب إلى تعكير صفو العلاقات مع البلدان الخليجية، التي يغلب عليها الطابع الإسلامي، والتي تنظر في الغالب إلى هذا الخطاب باعتباره خطابًا عدائيًا. وبالتالي، في حال اتجهت الحكومات الأوروبية إلى تبني سياسات كراهية الإسلام والتي تعرف بــ “إسلاموفوبيا"، قد يترتب على ذلك توتر العلاقات الدبلوماسية مع دول المنطقة الخليجية، وربما يتسبب في تقويض التعاون المشترك حول قضايا مثل مكافحة الإرهاب، والأمن الإقليمي، والتبادل الثقافي.

 

في المقابل، قد تساعد المقاربة البراغماتية التي تعتمدها دول مجلس التعاون في سياساتها الخارجية ومنحها الأولوية للمصالح الاقتصادية والأمنية على الاختلافات الأيديولوجية، في الحد من أثر هذه التوترات. فالتاريخ يشهد على قدرة دول المجلس على الاحتفاظ بروابط قوية مع مختلف الأنظمة السياسية داخل أوروبا، بصرف النظر عن توجهاتها الأيديولوجية، طالما أن ذلك لا يتعارض مع مصالحها. من ثم، حتى وإن شكل اعتلاء حكومات يمينية السلطة داخل أوروبا تحديًا أمام الروابط الدبلوماسية بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، إلا أن المكاسب العائدة من خلال التعاون المشترك بين الجانبين، كفيلة بالحفاظ على مجمل العلاقات الثنائية.

التعاون الأمني: التوازن بين النزعة القومية والمصالح الاستراتيجية

لطالما شكل التعاون الأمني بين أوروبا ومجلس التعاون الخليجي ركيزة أساسية للعلاقات بين الجانبين، وبالأخص في مجالات مكافحة الإرهاب، والمبيعات العسكرية، والتعاون الاستخباراتي. إلا أن تنامي المد اليميني داخل أوروبا، قد يستتبعه تغير في شكل هذا التعاون، مدفوعاً بالأجندات القومية والحمائية التي تتبناها هذه الأحزاب. فكثيرًا ما تدعو الأحزاب اليمينية إلى تدعيم منظومة الدفاع الوطني وخفض الاعتماد على التحالفات والتعاون الدولي. وهو ما قد يفضي إلى إعادة تقييم لالتزامات أوروبا الأمنية داخل منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك شراكَاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي. على سبيل المثال، قد تلجأ الحكومات الأوروبية إلى خفض مشاركاتها في العمليات العسكرية داخل الخليج أو إعادة النظر في مبيعات الأسلحة للمنطقة، لاسيما إذا ما واجهت معارضة داخلية لمثل هذه الأنشطة.

مع ذلك، قد تساعد المكانة الاستراتيجية المميزة التي تنعم بها دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد الأمن الإقليمي والعالمي في موازنة هذه الميول اليمينية. حيث تعتبر دول مجلس التعاون شريكًا رئيسيًا في الحرب على الإرهاب، فضلًا عن موقعها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية التي تجعل منها حليفًا أساسيًا لأوروبا. بالتالي، قد تعمد حكومات تيار اليمين ليس فقط للحفاظ على تعاونها الأمني مع البلدان الخليجية بل وحتى تدعيمه، إدراكًا لأهمية هذه العلاقات في مسعى حماية المصالح الأوروبية في الداخل والخارج.

إضافة إلى ذلك، قد يقود تركيز الأحزاب اليمينية على تعزيز السيادة الوطنية وأمن الحدود إلى تعاون أوثق مع دول مجلس التعاون الخليجي في قضايا مثل مكافحة الإرهاب والرقابة على الهجرة. حيث أن الجانبين لديهما مصلحة ذاتية وراسخة في مكافحة الأيديولوجيات المتطرفة ومنع انتشار الإرهاب، بما قد يرسي أساسًا لتعاون أمني متواصل رغم النعرة القومية للأحزاب اليمينية.

الروابط الثقافية: توازن حول الاختلافات الأيديولوجية

 غالبًا ما تتشكل العلاقات الثقافية بين أوروبا ومجلس التعاون الخليجي حول التبادلات في مجالات التعليم، والسياحة، والدبلوماسية الثقافية. مع ذلك، قد يؤدي تنامي شعبية الأحزاب اليمينية داخل أوروبا، في ظل تركيزها على الهوية القومية والحفاظ على التراث الثقافي، إلى فرض تحديات جديدة على العلاقات بين الجانبين. كثيرًا ما تدعو الأحزاب الأوروبية اليمينية إلى تبني سياسات تركز على صون الهوية والثقافة القومية، وغالبًا ما تبدي شكوكًا تجاه التعددية الثقافية والهجرة. وهو ما ينذر بتراجع التبادل الثقافي مع البلدان الخليجية لاسيما في حال تبنت الحكومات الأوروبية سياسات تضع قيودًا على الهجرة أو تحد من مبادرات الدبلوماسية الثقافية. إلى جانب ذلك، قد تؤدي النبرة المُعادية للإسلام التي تتغنى بها بعض أحزاب اليمين إلى مزيد من التعقيد للروابط الثقافية مع دول الخليج التي قد تعمد-في المقابل -إلى خفض مشاركاتها الدبلوماسية مع أوروبا في حال دعمت الأخيرة السياسات المعادية للثقافة الإسلامية، وبالتالي حدوث فتور في العلاقات الثقافية بين الجانبين.

مع ذلك، فإن العلاقات الاقتصادية والروابط التعليمية القوية بين أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجية قد تساعد في احتواء هذه التحديات. حيث يتوافد العديد من مواطني الدول الخليجية إلى أوروبا بغرض طلب العلم، أو السياحة، أو الأعمال. ومن المرجح أن تظل مثل هذه الروابط قائمة، مدفوعة بالمكاسب والمنافع المتبادلة. علاوة على ذلك، إن تركيز مجلس التعاون الخليجي على الحداثة والتبادل الثقافي من شأنه أن يوازن من آثار العزلة الثقافية المحتملة للحكومات الأوروبية تحت قيادة يمينية.

 

ختامًا

يُتيح المد اليميني الأوروبي فرصًا للعلاقات مع مجلس التعاون الخليجي، بقدر ما يُشكل تحديات. في الوقت الذي قد تتسبب السياسات القومية والنزعة الحمائية في تعكير صفو العلاقات الاقتصادية، والدبلوماسية، والثقافية بين الجانبين، ستوفر المكانة الاستراتيجية التي تنعم بها البلدان الخليجية حافزًا لتعاون أوروبي -خليجي متواصل في مجالات مثل الطاقة، والأمن، والاستثمارات. وأخيرًا، يظل مستقبل العلاقات الأوروبية -الخليجية مرهونًا بقدرة الجانبين على إدارة الاختلافات الأيديولوجية وإعلاء المصالح المتبادلة في ظل مشهد عالمي متزايد التعقيد.

 

أحد الشواغل الرئيسية تتعلق باحتمالية تنامي الخطاب والسياسات المعادية للمسلمين داخل البلدان الأوروبية تحت مظلة الحكومات اليمينية، بما ينذر بتوتر العلاقات الدبلوماسية مع دول مجلس التعاون الخليجي التي يشكل المسلمون غالبية سكانها. كما أن تركيز أحزاب اليمين المنصب على الحد من الهجرة، بما في ذلك المهاجرين القادمين من دول ذات أغلبية مسلمة، قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في العلاقات الثنائية، وبالأخص في مجال تبادل الوفود الثقافية والدراسية.

 

مع ذلك، من المتوقع أن تساعد الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع في التخفيف من أثر أجندات الحكومات اليمينية على السياسات الخارجية لأوروبا، وكذلك الأمر بالنسبة للنهج الجماعي التي يعتمده الاتحاد الأوروبي إزاء العلاقات الخارجية. وبالتالي، في حين أن المد اليميني داخل أوروبا يحمل في طياته تحديات محتملة للعلاقات مع دول الخليج، إلا أن مدى عمق هذه التبعات سيعتمد بصورة كبيرة على كيفية موازنة هذه الحكومات بين أجنداتها الداخلية والحاجة إلى الحفاظ على شراكات دولية استراتيجية

مقالات لنفس الكاتب