بالنظر إلى حصاد العام الحالي وما جرى فيه من تطورات سواء في غزة أو في لبنان أو في المواجهات الإيرانية / الإسرائيلية، أو في أمن البحر الأحمر ، أو على اتساع منطقة الشرق الأوسط بصورة كاملة يزداد الحديث عن اليوم التالي وقد زاد من أهمية اليوم التالي مجيء إدارة أمريكية جديدة ونجاح الرئيس ترامب الذي جاء بفائض قوة غير مسبوقة في التاريخ السياسي الأمريكي فجاء مع سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي النواب والشيوخ وهيمنة على المحكمة العليا، وبالتالي جاء مدعومًا من كافة المؤسسات التي تتمتع بالقدرة على التحكم في اتخاذ القرار الأمريكي على كافة مستوياته داخليًا وخارجيًا.
وإذا كان من المسلم به تبعًا لطبيعة المجتمع الأمريكي والأوضاع السياسية هناك أن الملفات الداخلية سوف تكون هي الاعتبار الأساسي في بداية عمل الإدارة الجديدة إلا أن تشكيل الحكومة أو دوائر صنع القرار الأمريكية على اختلافها يشير إلى أن ملف الشرق الأوسط سيكون من الملفات التي لها الأولوية فيما يتعلق بحركة الإدارة الأمريكية الجديدة في السياسة الخارجية وبالتالي يضيف زخمًا إلى الحديث عن شكل اليوم التالي ليس فقط في تلك الأزمات ولكن فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية التي تشتبك بصورة كبيرة مع كافة الملفات المطروحة في المنطقة.
ومن الطبيعي والبديهي أن نسلم بأن شكل اليوم التالي، أو الخطوات القادمة في الملفات، أو الحراك الذي يمكن أن تشهده المنطقة في كل ما جرى خلال العام الحالي والذي يمثل حصادًا لتطورات أيضًا كانت غير مسبوقة لا بد أن تعتمد على معطيات اليوم الحالي. فطبيعة ومخرجات اليوم الحالي هي التي سوف تفرض نفسها على شكل اليوم التالي وأن ما يمكن أن تؤدي إليه التطورات الجارية والتي شغلت المنطقة واستوعبتها على مدى العام الماضي بكامله هي التي ستحدد مسارات وحركة ورؤية الدوائر المعنية بها والدول المهتمة بها خلال العام القادم أو الشهور القادمة.
ويزيد من أهمية الحديث عن اليوم التالي أو استشراف المستقبل فيما ستشهده المنطقة في العام القادم انطلاقًا من حصاد ما جرى خلال هذا العام أن هناك العديد من المشروعات التي بدأت تطرح لتغيير خريطة المنطقة أو إعادة هيكلتها. ويأتي على رأس ذلك ما يدعيه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي طوال العمليات العسكرية خلال حربه في كل من غزة ولبنان وما يقوم به داخل الأراضي السورية من إنه بذلك يغير من خريطة الشرق الأوسط طبقًا للمشروع الصهيوني القديم الجديد. كما أن ما رشح عن تصريحات مسؤولين أمريكيين سيكون لهم شأن فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والذين بدأوا يطرحون رؤيتهم بهذا الخصوص توجهات عن إعادة هيكلة المنطقة بصفة عامة. ولعل القمة الإسلامية العربية التي عقدت في الرياض قد طرحت أيضًا تصورًا لمستقبل المنطقة ووضعت محددات أساسية للتعامل مع كل المشروعات المطروحة في المنطقة وهو ما يزيد من أهمية أن يكون هذا الموضوع محل تحليل سياسي ومحل اهتمام وهو ما تفرض أهمية التركيز عليه وتحديد ما يمكن أن يكون مجالًا لتلك المشروعات وكيفية مواجهتها.
وبصفة عامة فإن ما جرى في غزة خلال العام الماضي وما جرى في لبنان، ورغم أنه جزء من المقاومة التي تواجه احتلالاً، وإذا كان من البديهي أنه إذا كان هناك احتلال فمن الحتمي والطبيعي أن تكون هناك مقاومة، فالمقاومة ضد المحتل حق مشروع يكفله القانون الدولي، إلا أن مراجعة ما تم خلال العام الماضي يعطي انطباعًا سلبيًا ويقول إنه إذا كانت المقاومة حقًا مشروعًا طبقًا لما سبق أن طرح بأن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، فإنه كان على المقاومة أن تدرك طبيعة موازين القوى والمواقف الإقليمية والدولية، وما إذا كان داعمًا لموقفها أو معاكسًا لها والتحديات التي يمكن أن تواجهها. وبالتالي فقد خرجنا من خلال العام الماضي وما جرى فيه بحصاد سلبي إلى درجة كبيرة، فقد تم تدمير غزة تدميرًا كاملًا وارتفع عدد الشهداء إلى أكثر من 40 ألف شهيد إلى جانب الجرحى، ودخلت إسرائيل بمشروعها فقطعت أوصال غزة وأقامت محاور داخلها بما يحول مستقبلًا دون استعادة القطاع لما كان عليه يوم 6 أكتوبر، وأيضًا بدأ الحديث بصورة مكشوفة داخل إسرائيل ودوائرها الاستراتيجية المختلفة وعلى رأسها رئيس الوزراء على أنه لا بد من طرد الفلسطينيين منها وإجهاض أي محاولات لإقامة حل الدولتين والحديث عن ضرورة ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل، وهو ما يعني أننا دخلنا في مرحلة ضياع القضية الفلسطينية وليس تحريك القضية والضغط على الكيان الصهيوني لقبول تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
وفيما يتعلق بالحرب على لبنان فمنذ بداية 7 أكتوبر وطرح ما يسمى بوحدة الساحات التي أعلنها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية الذي تحدث عن أن الساحات التي تمثل أذرع إيران سوف تشارك في دعم غزة. إلا أنه من الملاحظ أن أيًا من هذه الساحات لم تشارك أو تدعم أو تمثل جبهة إسناد بالنسبة لحماس ولكن دخل حزب الله في مواجهة منضبطة تمامًا مع إسرائيل. وقد اتضح أن إيران لا تسعى إلى مواجهة شاملة بين أحد أذرعها القوية وبين إسرائيل يمكن أن تتحمل مسؤوليتها وفي ظل المواجهة التي تصاعدت ما بين حزب الله وبين إسرائيل والتي اقتصرت على منطقة الحدود المشتركة بين لبنان وإسرائيل لم يقم الحزب بعمليات كبيرة نوعية تهدد أمن إسرائيل بصورة كاملة وتؤدي إلى انشغال الجيش الإسرائيلي في جبهتين ولكن تزامن ذلك مع تصريحات لمسؤولين إيرانيين حول عدم الذهاب إلى حرب شاملة بل والتنصل مما جرى في 7 أكتوبر بعدم إدراكهم لها أو عدم مساندتهم لما تم أو معرفتهم بما جرى.
وبقي حزب الله في حرب منضبطة تؤكد أنه يشارك في العمليات دون تأثير كبير واستمر على هذا الحال حتى تمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير معظم القدرات العسكرية لحركة حماس واعتقل عددًا كبيرًا من عناصرها العسكرية ودمر غزة، وتفرغ بعد ذلك إلى الجبهة الشمالية وبدأ تدمير حزب الله سواء من خلال عملية استخبارية عُدت من العمليات المشهودة بعد أن دمر أجهزة اتصال الحزب وتولى عملية تصفية كافة القيادات العسكرية على اختلافها ابتداءً من السيد حسن نصر الله الأمين العام للحزب حتى القيادات العليا والوسطى في قطاعات عمليات داخل لبنان وكذلك في تمركزهم داخل سوريا وضرب مناطق الحدود ومخازن الأسلحة.
وبالتالي أصبحت القضية الآن ليست قضية مشاركة لحزب الله في العملية ولكنه استفراد إسرائيلي بحزب الله. وبدأ الآن الحديث عن أن يعود حزب الله إلى دوره الذي كان مفترضًا أن يقوم به كحزب سياسي داخل الدولة اللبنانية وليس ميليشيا عسكرية تمتلك القرار داخل لبنان. وتزامن ذلك أيضًا مع ضربات متبادلة منضبطة بين إسرائيل وإيران وكانت الضربة الأخيرة من إسرائيل لإيران مؤشرًا واضحًا على المساندة الأمريكية المفتوحة لدرجة مشاركة قيادات عسكرية أمريكية في غرفة العمليات العسكرية التي أدارت العملية الإسرائيلية على إيران وقيام القطع العسكرية البحرية الأمريكية في المنطقة بالتصدي للضربة الإيرانية. بل ومشاركة الطائرات الأمريكية مباشرة في الضربة على الأقل في التصدي للصواريخ أو إطلاقها كما رشح في المصادر الأمريكية بالتحديد.
الأمر الذي يشير إلى أن حصاد العام الماضي فيما يتعلق بالحرب على غزة والحرب على لبنان أصبح يتركز بصورة كبيرة على تقطيع أوصال الأذرع الإيرانية خاصة بعد ما جرى في غزة ويجري في لبنان وأصبحت الرؤية المستقبلية لما يجري في لبنان الآن هي قبول حزب الله للمشروع المطروح على لبنان بأن ينقل قواته إلى شمال نهر الليطاني وأن تصبح منطقة عازلة بين إسرائيل وبين لبنان وأن يعود الجيش اللبناني ليكون عازلاً ويتولى حماية الحدود وهكذا تنتهي الحرب بأن تتم ترتيبات تؤدي إلى استعادة لبنان عافيتها كدولة مستقلة وأن يكون السلاح بيد الدولة وليس في يدي قوة أخرى.
هكذا يكشف حصاد العام في غزة أن القوة العسكرية الموجودة في غزة كادت أن تنتهي تقريبًا وأن أي نظام سيكون موجودًا في غزة لا بد أن يسلم أولاً بأمن إسرائيل ويوافق على الإجراءات التي تساعد على هذا التأمين. كما أن ما يجري في لبنان الآن سوف يؤدي أيضًا إلى أن يسلم جميع الأطراف ودوائر القرار في لبنان وحزب الله وإيران بضرورة حماية الأمن الإسرائيلي في الشمال. هذا الحصاد الذي جرى في كلا البلدين وفي كل الميدانين يدفعنا إلى استشراف ما سيجري أيضًا خلال المرحلة القادمة.
وباختصار شديد فإن ما جرى خلال العام الماضي أو الحصاد الذي ترتب على ذلك ما جرى خلال العام الماضي في إطار المواجهة الإسرائيلية مع قوى ما يسمى بمحور المقاومة كما طرحت إيران أو بجبهة الإسناد قد أدى إلى تمدد إسرائيلي وإلى فجاجة واضحة فيما يتعلق بتصريحات القادة العسكريين والسياسيين في إسرائيل حول مستقبل فلسطين ومستقبل حزب الله ومستقبل الشرق الأوسط، وهو ما يشير إلى أننا أمام تمدد إسرائيلي واضح إلى درجة أن بعض المراقبين يرون أن نتنياهو يسعى إلى تثبيت ما يمكن تسميته بالاستقلال الثاني لدولة إسرائيل على أن يكون هو الشخصية المحورية التي تتجاوز ما كان في التاريخ الإسرائيلي لبن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني ولكن التساؤل الأهم هنا هل ينجح في معطياته التي تمكن من خلالها استخدام القوة العسكرية في تحقيقها على أن يفرض وجهة نظره في إعادة خريطة الشرق الأوسط. لا أعتقد ذلك لأن التحديات سوف تكون كبيرة وأن الضحايا والعامل الإنساني والذي نجح في تحريك رأي عام دولي كبير ونجح في دعم مواقف عربية وإسلامية كانت غائبة سوف تحول دون تنفيذ مخططه. بل إن الحرص الأمريكي على أن الاستقرار ضرورة في منطقة ذات اهتمام كبير للمصالح الأمريكية الأمر الذي سوف يحد من طموحاته ويكتفي بما حققه على هذا النحو.
وفي ظل هذه المعطيات بأكملها، فإلى ماذا وصلت إيران على سبيل المثال في مشروعها الذي كان مطروحًا على المنطقة والذي كان يعتمد على فكرة استراتيجية محددة هي العمق الاستراتيجي بين إيران في المنطقة ومواجهة التهديدات التي كانت تراها منذ مجيء ثورة الخميني عام 1979م، حتى الآن أنها محاصرة وعليها أن تواجه الأعداء أو التهديدات خارج أراضيها، فتمددت في عدد من الدول العربية وجعلت من تلك الدول هي ميادين المواجهة. ولكن بعد انتقال المواجهة بصورة مباشرة إليها وبعد تدمير أو تقطيع الأذرع التي كانت موجودة فيها بحيث أن الحديث الآن لا يتم عن دور مستقبلي لحماس، بل الحديث عن اليوم التالي في غزة هو أن تعود السلطة الفلسطينية كممثل وحيد، بل إن إيران نفسها قد وافقت في القمة العربية الإسلامية على قراراتها التي تضمنت حل الدولتين وهو ما كانت ترفضه إيران والمرشد الأعلى، ووافقت أيضًا على أن تكون السلطة الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لفلسطين، وهي تنازلات غير مسبوقة.
وبالتالي فإن ما جرى في العام الماضي قد ساعد إيران على أن تدرك أن عمقها الاستراتيجي لن يتحقق من خلال الأذرع. بل إن الاتصالات التي جرت بين إيران ومسؤولين أمريكيين تدل على أن إيران تسعى إلى أن تعقد صفقة مع الرئيس الأمريكي الجديد طبقًا لمعطيات مصالحها، وهي على استعداد لأن تغير مبادئها وأطروحاتها القديمة للمحافظة على كيانها. بل إن زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى لبنان أشارت إلى نوع من القبول لوقف إطلاق النار يكفل انتهاء دور حزب الله كما كان عليه، حيث لا يتوقع أن يبقى حزب الله كما هو ويعود إلى وضع أقل مما كان عليه وإيران سوف تقبل بذلك. هذا هو مستقبل ما يجري ولكن يبقى السؤال أيضًا: كيف تتعامل الإدارة الأمريكية مع تلك المشروعات المطروحة؟
في التقدير، أن الرئيس الأمريكي عندما اختار مساعديه المسؤولين عن ملفات الشرق الأوسط كان يعني استكمال ما طرحه في ولايته الأولى والتي ارتكزت بصورة كبيرة على عدم تبني حروب في المنطقة وممارسة الضغوط الاقتصادية الكافية لتحقيق أهدافه ولكن طبقًا لمبادئ محددة أعلنها ولا يزال يعلنها وهي تأمين إسرائيل كهدف استراتيجي وحماية الأمن الإسرائيلي بصورة كبيرة وتهيئة الظروف في المنطقة لخدمة ذلك، بل إنه هو الذي أعطى إسرائيل أكثر مما كانت تحلم به في الولاية الأولى. تحدث خلال الانتخابات الأمريكية على أن مساحة إسرائيل صغيرة وتحتاج إلى توسيع مساحتها وهو ما يطرح احتمالات كبيرة عن مناطق يزمع ضمها لإسرائيل، بل إن الحديث الذي يجري حتى الآن يمكن أن يكون متعارضًا مع متطلبات الأمن القومي العربي.
إلا أنه في تقديري أن ما جرى في القمة العربية من تحديد قاطع ورفع لسقف المواجهة مع إسرائيل وتحديث ثوابت محددة وصلت إلى درجة الاجتهاد في العمل على طرد الكيان الصهيوني من مؤسسات الأمم المتحدة واستعجال قرار محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية في محاكمة المسؤولين الإسرائيليين ، يعني أن هناك تناميًا لدور عربي إسلامي يقف في وجه المشروع الإسرائيلي ويمكن أن يكون محل اعتبار من الإدارة الأمريكية الجديدة. إلا أن المواجهة الإيرانية سوف تكون ملفًا أساسيًا، وإذا كنا نرجح أنه لا يدعم أي عملية لضرب إيران عسكريًا إلا أنه سوف يمارس المزيد من الضغوط لضمان انضباط البرنامج النووي الإيراني وكذلك محاصرة البرنامج الصاروخي لإيران تمهيدًا لإعادة توفير فرص لدمج إسرائيل في المنطقة وهو هدف استراتيجي للإدارة الأمريكية.
إذا كانت منطقة الشرق الأوسط مقبلة خلال العام القادم على حراك متعدد المسارات وعلى تناقضات ومشاريع متصادمة تفرض ضرورة أن يكون هناك تكتل عربي وإسلامي موازن لما يجري من تلك المشروعات وأن يكون جوهر هذا التحالف هو نوع من التحالف العربي في البداية يستند إلى مساندة من قوى إقليمية لها مصالح أيضًا وتعترض المشروع الإسرائيلي.






