array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 205

لا يوجد تناقض بين الإسلام والديمقراطية بل تماهي بين المبادئ الغربية والإسلام

الأحد، 29 كانون1/ديسمبر 2024

على مدار عقود طويلة ظل الإسلام مستهدفًا بحملات تشويه ممنهجة في العديد من الدول الغربية، حيث تم تصويره على نحوٍ مغاير لجوهره القائم على السلام والرحمة والتسامح وتصويره على أنه دين العنف والتطرف. وقد ساهمت في ذلك بعض وسائل الإعلام والمراكز البحثية التي عملت على ربط الإسلام، الذي يعتنقه أكثر من ملياري شخص في مختلف أنحاء العالم، بأفعال فردية متطرفة. وقد أدى ذلك إلى موجة من التمييز والاضطهاد طالت المسلمين في العديد من الدول، لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يعكس الجهل بعظمة الإسلام وسماحته.

الإسلاموفوبيا

يُشير مصطلح "الإسلاموفوبيا" إلى الخوف والكراهية للمسلمين والإسلام، والتمييز ضدهم. ظهر المصطلح للمرة الأولى في الأدبيات الفرنسية إبان أوائل القرن العشرين، كوصف أو تسمية للمشاعر المُعادية للمسلمين وسياسات التمييز ضدهم. ثم اكتسب المصطلح شعبية وشاع استخدامه في اللغة الإنجليزية أواخر تسعينيات القرن الماضي. وتعتبر ظاهرة "الإسلاموفوبيا" شكلاً من أشكال إرهاب الأجانب فيما يعرف بــ " الإكزينوفوبيا". ويجادل بعض العلماء والباحثين بضرورة اعتباره "مُرادفا" لممارسات التمييز والعنصرية ضد المسلمين، نظرًا إلى أن تبعات هذه الظاهرة على حياة المسلمين في الغرب، ومواقف أولئك الذين يحملون كراهية للإسلام، تتشابه إلى حد بعيد مع المُمارسات الناتجة عن التمييز العنصري. وقد أرجع العديد من المؤرخين تاريخ ظهور التشوهات الهيكلية في فهم طبيعة الإسلام مُمثلة في ظاهرة الإسلاموفوبيا الحديثة إلى عهد القرون الوسطى داخل أوروبا، حيث عمد بعض الباحثين إلى اختزال الإرث الثقافي المُتشعب والمتشابك للعالم الإسلامي، ونشر، بدلًا منذ ذلك، مفهوم عن المجتمع الإسلامي يتسم بالبدائية والغرابة. كما سعى أنصار الإسلاموفوبيا إلى نشر صورة عن الإسلام باعتباره حضارة متشابهة ومتجانسة النسيج وأنها تحمل بالضرورة عداءً للحضارات الأخرى مثل الحضارة الغربية أو الهندوسية، بل وأنها تسعى حثيثًا لغزو تلك الحضارات.

يعد تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، عاملًا رئيسيًا في نمو حركة منظمة مُعادية للمسلمين داخل الولايات المتحدة وأوروبا. تواكب ذلك مع إنشاء العشرات من المنظمات التي تستهدف تنفيذ مهمة واضحة، ألا وهي دحر الغزو الإسلامي الثقافي أو التشريعي "المزعوم" للمجتمعات الغربية. على سبيل المثال، في سويسرا، صوت الناخبون على استفتاء أجرته الحكومة عام 2001م، لصالح مشروع قانون يمنع إنشاء المآذن، في حين أقرت فرنسا قانونًا يحظر ارتداء النقاب. بشكل عام، ترتبط تلك الانتصارات التشريعية التي حققتها ظاهرة الإسلاموفوبيا بصعود تيار اليمين المتطرف أواخر القرن الـ 20 وبدايات القرن الـ 21. بالتالي، يتسنى القول بأن مشاعر الإسلاموفوبيا يمكن أن تفسر التناقض الواضح بين العداء الغربي تجاه اللاجئين الوافدين من أفغانستان وسوريا، مقابل الترحيب الذي يلقاه اللاجئون القادمون من أوكرانيا.

ومن بين الاتهامات الزائفة الأخرى، الزعم بأن ارتفاع معدلات الإنجاب بين المهاجرين المسلمين إلى أوروبا، يشكل خطرًا على الإرث المسيحي الأوروبي، وأن ذلك قد يؤول في نهاية المطاف إلى الفتح الإسلامي للقارة الأوروبية. ومن أجل دحض هذه المزاعم المغلوطة وتفسير تعاليم الدين الإسلامي التي تدعو إلى السلام، عمدت العديد من الدول الإسلامية إلى تطويع والاستفادة من علاقاتها على المستويين الثنائي والدولي مع البلدان الأخرى، والمنظمات الدولية بما في ذلك منظمة التعاون الإسلامي، والأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي.

منظمة التعاون الإسلامي

تعتبر منظمة التعاون الإسلامي ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة، حيث تجمع تحت مظلتها أكثر من 57 دولة عضوًا من أربع قارات مختلفة. كما تعد المنظمة تعبيرًا عن الصوت الجماعي للعالم الإسلامي، وتسعى إلى حماية وصون مصالح العالم الإسلامي عبر إعلاء السلام الدولي والتناغم بين مختلف شعوب العالم. تم إنشاء المنظمة بناء على قرار اتخذ خلال القمة التاريخية التي عقدت بمدينة الرباط بالمغرب في سبتمبر 1969م، في أعقاب حادث حريق المسجد الأقصى الإجرامي بمدينة القدس. عُقدت أولى اجتماعات المنظمة على الإطلاق على مستوى وزراء خارجية الدول الأعضاء في عام 1970م، بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، وتقرر حينها إنشاء أمانة عامة دائمة للمنظمة بجدة يترأسها الأمين العام للمنظمة. وخلال انعقاد الدورة الثالثة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية التي عُقدت في عام 1972م، تم اعتماد أول ميثاق للمنظمة. وقد حدد الميثاق أهداف ومبادئ المنظمة وأغراضها الأساسية بشأن تعزيز التضامن والتعاون بين الدول الأعضاء. ومنذ ذلك الحين، شهد عدد أعضاء المنظمة ازديادًا مضطردًا ليقفز من 30 دولة (وهو عدد الدول المؤسسة) إلى أكثر من 57 دولة. وفيما بعد، تم إجراء بعض التعديلات اللازمة على الميثاق التأسيسي للمنظمة من أجل مواكبة التطورات العالمية المتكشفة، ليتم اعتماده في صيغته الراهنة من قبل القمة الإسلامية الحادية عشرة التي عقدت في مدينة دكار بالسنغال يومي 13 و14 مارس 2008م. وقد أصبح الميثاق ركيزة العمل الإسلامي المستقبلي للمنظمة بما يتماشى مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

تحظى منظمة التعاون الإسلامي بعلاقات تشاورية وتعاونية مع منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية الأخرى بهدف حماية المصالح الحيوية للمسلمين والعمل على تسوية النزاعات والصراعات التي قد تتورط بها الدول الأعضاء. وفي سبيل الحفاظ على القيم الحقيقية للإسلام والمسلمين، اتخذت المنظمة العديد من الخطوات من أجل محو المفاهيم المغلوطة والدعوة بقوة إلى القضاء على كافة أشكال وصور التمييز الممارس ضد المسلمين. وقد قامت المنظمة مؤخرًا بتبني برنامج عمل يمتد على مدار 10 أعوام يعرف بـ “برنامج عمل منظمة التعاون الإسلامي 2025". ويتخذ البرنامج من أحكام ميثاق المنظمة ركيزة له، كما أنه يستهدف التركيز على 18 مجالًا ذا أولوية بما في ذلك؛ قضايا السلام، والأمن، وفلسطين، والقدس، والتخفيف من حدة الفقر، ومكافحة الإرهاب، والاستثمار، والتمويل والأمن الغذائي، والعلوم والتكنولوجيا، وتغير المناخ، والاستدامة، والوسطية، والثقافة، والوئام بين الأديان، وتمكين المرأة والعمل الإنساني الإسلامي المشترك، واحترام حقوق الإنسان، والحكم الرشيد.

مكافحة الإسلاموفوبيا – الأمم المتحدة

في عام 2022م، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار "رقم 76-254" برعاية 60 دولة عضوة بمنظمة التعاون الإسلامي، والذي حدد يوم 15 مارس من كل عام يومًا عالميًا لمكافحة الإسلاموفوبيا. وتشدد وثيقة القرار على ضرورة عدم ربط الإرهاب والتطرف بأي دين، أو جنسية، أو حضارة، أو عرق. كما تدعو الوثيقة إلى إجراء حوار عالمي بشأن إعلاء ثقافة التسامح والسلام، يقوم على أساس احترام حقوق الإنسان وتنوع الديانات والمعتقدات. فيما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مرارًا وتكرارًا عن إدانته لأعمال الكراهية والتعصب المستمرة ضد المسلمين في جميع أنحاء العالم. كما أنه حذر في العديد من المناسبات من أن هذا الاتجاه المُقلق يستهدف ليس فقط المسلمين، بل أيضًا اليهود والمجتمعات المسيحية الأقلية وغيرها. وكرر المسؤول الأممي تحذيره من أن المسلمين يواجهون تمييزًا مؤسسيًا، وقيودًا، فضلًا عن انتهاك حقوقهم الإنسانية وكرامتهم. وشدد على أن خطاب الكراهية المنتشر عبر وسائل الإنترنت يتسبب في تغذية وإشعال فتيل حوادث العنف على أرض الواقع. وقد أدان الأمين العام وغيره من كبار المسؤولين الأمميين الخطابات التحريضية، داعين إلى الحفاظ على الحرية الدينية وإعلاء الاحترام المتبادل. وفي 15 من مارس عام 2024م، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار "رقم 78-264 " الذي دعا إلى تعيين مبعوث أممي خاص لمكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا.

في 18 نوفمبر 2024م، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار “رقم A\79 " بعنوان" التعاون بين الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي". ويوضح القرار، الذي تم تبنيه بالإجماع، الأهداف المشتركة والجهود التعاونية بين الجانبين في معالجة التحديات العالمية، إلى جانب تسليط الضوء على قضايا أخرى. كما يؤكد مجدداً التزام المنظمتين حيال منع نشوب الصراعات، وإرساء وتعزيز ثقافة السلام والحفاظ عليه، وإعادة تأهيل المناطق المنكوبة خلال مرحلة ما بعد الصراع. ويشمل ذلك، معالجة القضايا التي تؤثر على المجتمعات الإسلامية على مستوى العالم، مع التركيز بشكل خاص على الحوار بين الأديان والمبادرات التعاونية. ويؤكد القرار على الرغبة في توثيق التعاون بين منظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة في مجموعة من المجالات. ويشدد بشكل خاص على أهمية الشراكة بين الكيانين في جهود تدعيم عملية السلام داخل منطقة الشرق الأوسط ومكافحة التعصب والتمييز على أساس الدين، أو المعتقد، والتطرف. كما يدعو القرار إلى توسيع نطاق التعاون في قضايا مثل مكافحة الإرهاب وجهود الوساطة في فض النزاعات.

بشكل عام، اتخذت العديد من الحكومات خطوات في سبيل مكافحة ظاهرة الإسلاموفوبيا من خلال سن تشريعات وقوانين لمكافحة جرائم الكراهية ومنعها وملاحقة مرتكبيها، وإقامة حملات توعية عامة حول المسلمين وتعاليم الدين الإسلامي تهدف إلى تبديد الأساطير السلبية والمفاهيم المغلوطة.

مكافحة الإسلاموفوبيا-الولايات المتحدة

شهدت السنوات الماضية حوارًا استراتيجيًا عميقًا بين الولايات المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، تناول طيفًا واسعًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك. شمل هذا الحوار مجالات سياسية متنوعة، وأزمة التغير المناخي، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة، والرعاية الصحية، ومكافحة التطرف. ويعكس هذا الحوار التزامًا مشتركًا بتعزيز التعاون الدولي، باعتباره الأداة الأمثل لحل النزاعات، وتنسيق الجهود الإنسانية، وحماية حقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، وبناء أنظمة عادلة وشاملة في جميع أنحاء العالم.

 وفي أكتوبر، 2024م، وقعت الولايات المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي مذكرة تفاهم تؤكد على مصالحهم المشتركة في دعم وتمكين النساء والفتيات حول العالم. حيث تعكس رغبة الجانبين المشتركة في إعلاء السلام وتعزيز جهود استتباب الأمن؛ وتمكين المرأة اقتصاديًا؛ إلى جانب مُخاطبة القضايا التي تشمل قطاعات عدة مثل؛ منع العنف على أساس الجنس أو النوع والتصدي له، ومكافحة التطرف، ودعم تولي النساء والفتيات للمناصب القيادية داخل الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

مكافحة الإسلاموفوبيا-الاتحاد الأوروبي

على غرار حوارها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، أقامت منظمة التعاون الإسلامي علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي. وتغطي العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي مجموعة واسعة من الموضوعات، تعكس الكفاءات المتبادلة. ويهدف الحوار بشكل أساسي إلى تعزيز الفهم المتبادل وتحديد مجالات التعاون ذات الاهتمام المشترك للمنظمتين، وكذلك لتنسيق صنع السياسات في المحافل المتعددة الأطراف الأخرى، ولا سيما الأمم المتحدة. ويحكم الحوار والتعاون بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي تم إبرام مذكرة التفاهم في عام 2015م، وتهدف إلى:

أ) تبادل وجهات النظر وتطوير الحوار والتعاون في مجالات الاهتمام المشترك، استنادًا إلى الثقة المتبادلة والمنافع المتبادلة.

ب) تعزيز التفاهم المتبادل.

وقد بدأت العلاقات بين الجانبين تشهد تطورًا تحت مظلة المبادرة التي أطلقها الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية خافيير سولانا في أعقاب أزمة الرسوم الكاريكاتورية المُسيئة للنبي محمد (صلوات الله وسلامه عليه) بإحدى الصحف الدنماركية خلال عام 2005م، كذلك افتتحت منظمة التعاون الإسلامي في عام 2013م، بعثة مراقبة دائمة لدى الاتحاد الأوروبي، في حين اعتمد الاتحاد الأوروبي رئيس وفد أوروبي لدى منظمة التعاون الإسلامي في عام 2016م، ووقع الجانبان مذكرة تفاهم بهدف تعزيز الحوار والتعاون بين المؤسستين. ويغطي الحوار العديد من الأنشطة المشتركة بشأن مراقبة الانتخابات، وحرية الدين والمعتقد، إلى جانب التعاون الثقافي بين الأديان وحقوق المرأة.

وفي ديسمبر من عام 2022م، عقد الجانبان ورشة عمل مشتركة حول القضاء على العنف القائم على أساس النوع وأخرى حول إقامة حوار بين الثقافات والأديان. وخلال عام 2023م، أطلق الاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي خارطة طريق مشتركة حول التعاون بشأن القضايا الإنسانية داخل كل من أفغانستان، ومنطقة الساحل الإفريقي، والقرن الإفريقي، وأزمة الروهينغيا، وقضايا الشرق الأوسط.

الإسلام والغرب-الآفاق المستقبلية

بعد مرور وقت وجيز من انهيار الاتحاد السوفيتي إبان تسعينيات القرن الماضي، بدأ نقاش يدور حول إذا ما سيتم استبدال الصراع الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية بــ “صدام الحضارات"؛ أي المنافسة الثقافية بين الإسلام والغرب. وبدأ العمل منذ حينها على إعادة تشكيل وصياغة السياسات العالمية على أُسس ثقافية. وكان الجدل أو الحجة المطروحة هي أن الحضارة الإسلامية تشكل تحديًا رئيسيًا للأنظمة الغربية الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية ونمط الحياة الغربي، وأنه لا يمكن التوفيق بين الحضارتين.

فيما كانت الحجة التي دفع بها بعض الباحثين الغربيين هي أن الديمقراطية هي في الأساس مفهوم غربي وأيديولوجية غريبة وبالتالي، فإنها تتناقض بصورة جوهرية مع القيم والمبادئ الإسلامية. في المقابل، يتفق علماء الدين الإسلامي على أن مبدأ "الشورى"، أو التشاور في صنع القرار، هو أساس الأخلاقيات الديمقراطية في الإسلام. وفي الوقت الذي قد ينظر الجناح الإسلامي المحافظ إلى أن مُناصرة العالم الغربي لحقوق الإنسان باعتبارها إحدى الأجندات الحديثة التي يأمل الغرب من خلالها إلى فرض هيمنته على العالم الإسلامي، يميل التيار الإصلاحي الإسلامي إلى أن يكون أكثر تقبلًا وانفتاحًا على الأفكار الجديدة، والممارسات، والمؤسسات. فلا يوجد تناقض متأصل بين الإسلام والديمقراطية، بل ثمة تماهي بين المُثل والمبادئ الديمقراطية وتلك التي يدعمها الإسلام.

وفي عالم ما بعد الحرب الباردة، يجادل البعض بأن الهوية الثقافية هي الأكثر أهمية بالنسبة لغالبية البشر. فإن هذه الهوية الثقافية تساعدهم على تعريف الماهية الخاصة بهم وتحديد هوية خصومهم المفترضين. حيث يزعم ساسة اليمين المتطرف بأنه لا يمكن أن تحظى بأصدقاء حقيقيين دون وجود أعداء حقيقيين. وبالنسبة للشعوب التي تبحث عن الهوية وإعادة اختراع أو تحديد دور العرق، فإن افتراض وجود خصوم أو أعداء يُشكل عنصرًا ضروريًا. بالتالي، فإن العداء الذي قد يكون الأكثر خطورة يحتمل أن يظهر على خطوط الصدع بين الحضارات الرئيسية في العالم، أي الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية.

مع ذلك، فإن هذا الجدل المطروح كان مغلوطًا في أوائل تسعينات القرن الماضي وسيظل كذلك الآن. فحتى صعود نجم تيار اليمين المتطرف داخل بعض البلدان الغربية حاليًا لا يبرهن على صحته. فليس ثمة داعِ أو حاجة لاختراع عدو ما، ناهيك عن أنه لا توجد خصومة أو عداوة متأصلة بين الإسلام والغرب. ولعل خير مثال على ذلك، أن الأقليات المسلمة داخل غالبية الدول الغربية إن لم يكن جميعها هم من الأنجح. فضلًا عن، الإسهامات بالغة الأهمية التي قدمها المسلمون للمجتمعات الغربية في مجالات الطب، والتعليم، والفنون، والاقتصاد، وكافة المجالات الأخرى. كما أن الغالبية العظمى من المسلمين داخل أوروبا وأمريكا الشمالية يعيشون في سلام ووفاق مع إخوانهم في الوطن، ويقومون بسداد الضرائب، والالتزام بالقوانين وإثراء ثقافة بلدانهم.

بالمثل، تنعم غالبية الدول الإسلامية بعلاقات اقتصادية، وسياسية، ودبلوماسية دافئة مع الحكومات الغربية. ويساعد هذا الاعتماد المتبادل والحوارات المستمرة بين الجانبين على إعلاء السلام والأمن الإقليميين والعالميين. فعادة ما يخشى البشر ما يجهلونه، وبالتالي، فإن هذا الافتقار للمعرفة أو الجهل يُغذي مشاعر الإسلاموفوبيا والكراهية للإسلام. لذلك، فإن السبيل الأمثل لاحتواء هذا العداء القائم على أساس ديني والقضاء عليه بنهاية المطاف يكمن في البحث عن أرضية مشتركة، حيث تتشاطر الحكومات والشعوب الإسلامية أهدافًا مشتركة مع نُظرائها في الغرب. وبإمكان علماء الدين الإسلامي المساهمة في تعزيز التعاون المتنامي بين الدول الإسلامية والغرب من خلال تثقيف المجتمعات الغربية وشرح مبادئ الإسلام السمحة.

ولا شك وأن الابتكارات والاختراعات التقنية التي باتت عنوانًا لعصر تكنولوجيا المعلومات، لعبت دورًا كبيرًا في تقليص ساحة الصدام بين الثقافات والحضارات. فقد أصبحت القيم الغربية تبث عبر الشاشات، والأفلام، ووسائل الإنترنت لتصل إلى كافة أقطار العالم العربي، فيما يحرص المسلمون في الشتات على تثقيف بنى أوطانهم الجديدة عن الإسلام. وهم يسعون إلى التكيف مع الثقافة الغربية دون المساس بمعتقداتهم الدينية وتقاليدهم الراسخة.

 وقد شهد تعداد المسلمين داخل أوروبا وأمريكا الشمالية نموًا متسارعًا خلال العقود القليلة الماضية فيما أصبح الحضور الإسلامي متناميًا في كافة الأقطار العالمية. وباتت المؤسسات الغربية تفتح أبوابها تدريجيًا أمام المسلمين حتى تم انتخاب عمداء ورؤساء بلديات من أبناء الديانة الإسلامية داخل كبرى المدن البريطانية مثل لندن، فضلًا عن، اختيار نواب من النساء والرجال المسلمين داخل الكونجرس الأمريكي. كذلك يواصل المسلمون شغل المناصب العليا بوسائل الإعلام الغربية، والشركات، والجامعات، وكافة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الأخرى.

لطالما لعب الإسلام دورًا في تشكيل التاريخ والثقافة الغربية، وحكم المسلمون أجزاء من أوروبا على مدار 13 قرن من الزمان، ومثلما كان لهم إسهاماتهم في إيقاد شعلة عصر النهضة الأوروبية فسيواصل المسلمون رسم ملامح الثقافة والحضارة الغربية والعالمية.

مقالات لنفس الكاتب