منظمة التعاون الإسلامي ليست فقط ثاني أكبر منظمة دولية، بل لديها واحدة من أكبر اتفاقيات الاستثمار متعددة الأطراف في جميع أنحاء العالم وهي اتفاقية تشجيع وحماية استثمارات الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي (اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي) والتي اعتمدها المؤتمر الإسلامي في يوليو ١٩٨١م. لذلك من الأهمية عند الحديث عن دور منظمة التعاون الإسلامي وفي خضم التطورات السريعة والمتزايدة في القانون الاقتصادي الدولي وبالأخص في قانون الاستثمار الأجنبي هو الحديث عن اتفاقية الاستثمار و تحليل هذه الاتفاقية والوقوف على أوجه النقص في بنودها ومدى توافقها مع المستجدات في بيئة الاستثمار العالمية.
إن أهمية تقييم دور هذه الاتفاقية تكمن في أهمية قانون الاستثمار الدولي حيث يُعد قانون الاستثمار أحد الفروع الحديثة في العلوم القانونية، وقد نشأ استجابةً للمتغيرات الاقتصادية العالمية والاحتياجات المتزايدة لتنظيم الاستثمارات المحلية والأجنبية. ومع التحولات الاقتصادية المتسارعة، أصبحت الدول تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات كأداة لتحقيق التنمية المستدامة وجذب رؤوس الأموال الأجنبية. لذا، فإن قانون الاستثمار يشهد تطورًا سريعًا على المستوى العالمي، بما في ذلك الدول الإسلامية. لذلك سنسلط الضوء في هذا المقال على دور منظمة التعاون الإسلامي في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وبالأخص حول اتفاقية الاستثمار التي تعد من أهم عوامل تشجيع وحماية الاستثمار بين الدول الأعضاء.
منظمة التعاون الإسلامي، والتي تعتبر ثاني أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة، تنبع أهميتها من كونها تقوم برعاية شؤون ومصالح المسلمين والذين بدورهم يمثلون حوالي ربع سكان العالم. وعلى الرغم من أهمية المنظمة تتجلى في مجالات عديدة منها السياسي والدبلوماسي والاجتماعي والثقافي والإنساني إلا أن أهميتها في المجال الاقتصادي والتجاري له أهمية كبرى، لكونه يعد من الركيزة الأساسية لدعم وتسيير المصالح في المجالات الأخرى. وتنبع أهمية المنظمة في الحرص على تفعيل دورها التجاري والاقتصادي لخصوصية النظام المالي الإسلامي ولتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء حيث وفقًا لإحصائيات البنك الدولي من بين الخمسين دولة الأقل نموًا، هناك ٢٢ دولة هم من أعضاء منظمة التعاون الإسلامي.
إن من إحدى خطط منظمة التعاون الإسلامي الرئيسية هي تعزيز التعاون الاقتصادي بين دولها الأعضاء، وذلك من خلال إنشاء مجموعة من اللجان والهيئات التي تعمل على تحقيق هذا الهدف. ومن أبرز هذه اللجان هي اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري (الكومسيك)، التي تم تأسيسها بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول الإسلامية وتطوير التعاون المشترك في مجالات متعددة.
تأسست الكومسيك كإحدى اللجان الدائمة الأربع للمنظمة، في مؤتمر القمة الإسلامي الثالث الذي عُقد في مكة المكرمة عام ١٩٨١م. وبدأت الكومسيك نشاطها الفعلي بعد دخولها حيز التنفيذ في مؤتمر القمة الإسلامي الرابع الذي انعقد في الدار البيضاء بالمغرب عام ١٩٨٤م. وتتكون الكومسيك من ٥٧ دولة عضو، بالإضافة إلى خمس دول بصفة مراقب، تمثل قارات أربع.
وتتجلى أهداف الكومسيك في عدد من الأمور أهمها التصدي للتحديات الاقتصادية التي تواجه الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، والمساهمة في الجهود التنموية التي تبذلها هذه الدول. بالإضافة إلى تعزيز وتبادل المعرفة والخبرات وأفضل الممارسات، وبناء فهم مشترك وتقريب السياسات المعتمدة في الدول الأعضاء بما يتوافق مع رؤية الاستراتيجية ومبادئها. وتقوم بدراسة جميع السبل الممكنة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الأعضاء. ولعل من أهم ما قامت به إبرام اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات بين دول المنظمة.
اتفاقية تشجيع وحماية وضمان الاستثمارات بين الدول الأعضاء
اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي دخلت حيز النفاذ في فبراير ١٩٨٨م بعد أن أودعت عشر دول وثائق تصديقها على المعاهدة وهو الحد الأدنى الذي نصت عليه الاتفاقية لدخولها حيز النفاذ. تحتوي الاتفاقية على ٢٥ مادة تتمحور حول توفير الدول المضيفة لضمانات للمستثمرين من الدول الأعضاء لتبين حقوقهم والتأكيد على حصولهم على معاملة عادلة ومنصفة. واحتوى الفصل الثالث من الاتفاقية على أحكام تختص بفض المنازعات عن طريق القضاء الوطني أو التوفيق أو التحكيم. ومن المهم إبراز بعدها التاريخي حيث لا تعد فقط أكبر اتفاقية استثمار متعددة الأطراف بل تعد من أوائل الاتفاقيات التي اُبرمت في هذا المجال، حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد اتفاقية الاستثمار العربية لعام ١٩٧٠م، والمسماة بـ "اتفاقية استثمار رؤوس الأموال العربية وانتقالها بين البلدان العربية" والتي عدلت لاحقًا في عام ١٩٨٠م، وتشهد حاليًا تعديلات جديدة تحت مظلة جامعة الدول العربية.
ومن الجدير ذكره أنه لم يتم توقيع أي اتفاقية متعددة الأطراف للاستثمار في العالم إلا بعد ٢٨ عامًا من اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي. ففي ٢٠٠٩م، ظهرت "اتفاقية الاستثمار الشاملة لرابطة دول جنوب شرق آسيا" وتليها في عام ٢٠١٨م، "اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ" بين دول المحيط الهادئ وأخيرًا " الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" تضم ١٥ دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. إلا أن هذه الاتفاقيات الأخيرة تمت صياغتها وفقًا للتوجهات الحديثة في معاهدات الاستثمار الدولية وأيضًا مازالت بعض هذه الاتفاقيات تشهد تعديلات ومناقشات لتعديل الصياغة بما يتناسب مع فكرة التوازن بين حماية المستثمر وسيادة الدولة المستضيفة. بالإضافة إلى أن هذه الاتفاقيات كانت ومازالت محل للدارسة والتحليل من المختصين والباحثين وتلاقي اهتمام بحثي دولي كبير، بينما اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي لم تحظ بذلك. إلا أن ذلك لا يعني عدم فاعلية الكومسيك في تشجيع الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية وغيره من المنظمات الإقليمية. ومن أهم المبادرات الاقتصادية التي قامت بها هي "نظام الأفضلية التجارية" لتعزيز التجارة البينية داخل دول المنظمة وتحديد نسب التخفيضات في التعريفات الجمركية وتحديد بلد منشأ المنتجات الخاضعة للأفضلية. ولتحقيق هذه الأمور، استند هذا النظام إلى ثلاث اتفاقيات رئيسة وهي اتفاقية الإطار، وبروتوكول خطة التعريفة التفضيلية الخاصة بنظام الأفضليات التجارية فيما بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (بريتاس)، وقواعد المنشأ، وجميعها دخل حيز التنفيذ في الفترة ما بين ٢٠٠٢و ٢٠١١م.
وبالعودة إلى اتفاقية الاستثمار، نرى أن القصور البحثي في خصوصها يمكن أن يُعزى لعدة أسباب. نستطيع القول بأنه على الرغم من ضخامة هذه الاتفاقية من حيث عدد الأعضاء (تم التوقيع عليها من ٣٨ دولة وصُدقت عليها٢٩ دولة) والمساحة الجغرافية إلا أن عدد النزاعات التي تستند مباشرة إلى هذه الاتفاقيات أو تم الاحتكام إليها يعد قليل نسبيًا. وهذا بدوره يمكن أن يعود إلى سببين: أولًا قلة الوعي، فقد لا يكون المستثمرون أو الأطراف على دراية كاملة بالحمايات أو الآليات المتاحة بموجب هذه الاتفاقية. ثانيًا: وجود ما يسمى لدى مختصي قانون الاستثمار الدولي بمصطلح "وعاء السباغيتي"، وهو يشير إلى ظاهرة التشابك والتداخل المعقد لشبكة الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف للاستثمار، حيث تكون متداخلة بطريقة غير منظمة، مما يجعل من الصعب التنقل أو فك التشابك بينها. والجدير بالذكر أن الخمسين عضو لهذه الاتفاقية لديهم اتفاقيات استثمار ثنائية فيما بينهم ويبلغ عدد هذه الاتفاقيات وفقًا لمنصة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) ٣٢٩ اتفاقية! فهذا قد يفسر لنا سبب عدم الاحتكام إلى اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث يلجأ الأطراف إلى الاتفاقية الثنائية بين بلديهما بديلًا لها.
وهنا لابد أن نقف على التطور الزمني الذي يشهده العالم فيما يخص معاهدات الاستثمار. حيث تتوجه الدول مؤخرََا إلى معالجة مشكلة "السباغيتي" عن طريق الدعوة إلى استبدال الاتفاقيات الثنائية باتفاقية متعددة الأطراف. حيث شهدت السنوات الماضية إقبالا على إبرام اتفاقيات استثمار وتجارة حرة إقليمية والتي تفضل على المعاهدات الثنائية.
فالتوجه فعلا هو الانتقال إلى معاهدات الاستثمار الإقليمية بدلًا من الثنائية والتي كان عالمنا العربي والإسلامي من أول من أنتهجها. ومن الأمثلة الحالية على هذا التوجه هو الاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. حيث سعى الاتحاد الأوروبي إلى إلغاء الاتفاقيات الثنائية بين الدول الأعضاء للاتحاد الأوروبي وإحلال محلها اتفاقية إقليمية لتشجيع وحماية الاستثمار. ولا توجد اختلافات كثيرة بين هذين النوعين من اتفاقيات الاستثمار الدولية بما يخص محتواها أو الآثار القانونية المترتبة عليها. الاختلاف الرئيسي هو في عدد الدول المتعاقدة. حيث يتم توقيع اتفاقية الاستثمار الثنائية بين دولتين، في حين يتم توقيع اتفاقية الاستثمار الإقليمي بين أكثر من دولتين تقعان في نفس المنطقة مثل اتفاقية الاستثمار الشامل لرابطة أمم جنوب شرق آسيا. كلا النوعين من الاتفاقيات يهدفان إلى تعزيز وحماية الاستثمار الأجنبي. ومع ذلك، تهدف الاتفاقيات الإقليمية إلى مستوى أعلى من التكامل الاقتصادي، والذي مؤخرًا شهد إقبالًا كبيرًا. وتظهر أهمية اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي للدول الأعضاء الذين ليس بينهم اتفاقية ثنائية، فمثلًا تركيا وباكستان لم يوقعا على اتفاقية ثنائية بينهما، وهما يُعدان من الدول القليلة التي تشكل ٧٠٪ من حجم التجارة البينية بين دول المنظمة.
وبالحديث عن عدد القضايا التي تم الاحتكام فيها إلى اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي، يوجد ١٩ قضية، ستة منهم تم الحكم فيها، والبقية مازالت قائمة، أقدمها، منذ عام ٢٠١٨م. وبالنظر للقضايا التي تم الحكم فيها فإن أغلبيتها كانت لصالح الدولة المستضيفة. والجدير بالذكر أن أول قضية رُفعت بناء على هذه الاتفاقية كانت بعد مرور ٣٠ عامًا على نشوئها، حيث قام المستثمر السعودي هاشم الوراق برفع قضية ضد دولة إندونيسيا في عام ٢٠١١م. ادعى فيها الوراق أن إندونيسيا قامت بإجراءات تعسفية أثرت سلبًا على استثماراته واستند على أن ذلك يُعد خرقًا لمبدأ المعاملة العادلة والمنصفة الوراد في الاتفاقية.
أما فيما يخص الصياغة القانونية للاتفاقية فيمكن الحديث عنها من جانبين، أولًا القواعد الحمائية الموضوعية، وثانيًا آلية تسوية المنازعات. تعتبر الاتفاقية من الجيل القديم من الاتفاقيات الذي تعرض للعديد من النقد وحملات مضادة تهدف إلى الوقوف على مسألة تقديم معاملة متوازنة لطرفي العلاقة (المستثمر الأجنبي والدولة المضيفة) حيث تحتوي هذه الاتفاقيات على حماية واسعة جدًا للمستثمر الأجنبي مما يؤدي تبعًا لذلك إضرار بسيادة الدولة وتقييد حقها في سن قوانين وطنية تهدف لحماية الأمن والمصلحة العامة إذا ما كانت هذه القوانين تؤثر بشكل مباشر أو حتى غير مباشر على الاستثمارات الأجنبية. ومن أهم هذه الضمانات التقليدية للمستثمر الأجنبي (محل الجدل) هي حظر المصادرة غير المباشرة، توفير الأمن والحماية الكافيين، ومبدأ معاملة الدولة الأولى بالرعاية. وعلى الرغم أن بعض الباحثين يرون إدراج هذه الاتفاقية تحت مسمى (اتفاقيات الجيل القديم) إلا أننا نرى أنها احتوت على مواد ذات صياغة مختلفة مما يجعلها تتميز عن مثيلاتها من الاتفاقيات التي عُقدت في نفس الحقبة الزمنية. على سبيل المثال، الاتفاقية أتت خالية تمامًا من أحد المبادئ الذي واجه انتقاد كبير من الباحثين ومن الهيئات الدولية المختلفة، ألا وهو مبدأ " المعاملة العادلة المنصفة". إن هذا المبدأ يُعد أحد الضمانات التقليدية للمستثمر الأجنبي والتي سببت جدلًا كبيرًا حول عدالة مثل هذه الاتفاقيات مما أدى للعديد من الدول على إلغاء اتفاقياتها الثنائية لتجنب مساوئ هذا المبدأ على سيادة الدولة المستضيفة. تتجلى مساوئ هذا المبدأ في أنه يُعتبر معيارًا غامضًا وغير محدد بدقة، مما يمنح مجالًا واسعًا للتفسيرات المختلفة. وهذا الغموض يؤدي إلى صعوبات في تحديد متى يتم انتهاك المبدأ، وقد يفتح الباب أمام ادعاءات زائفة من المستثمرين. ويرى البعض أن تطبيق المبدأ قد يحدّ من قدرة الدول على اتخاذ قرارات سيادية تتعلق بالسياسات العامة، مثل القوانين البيئية أو الاجتماعية، خوفًا من انتهاك حقوق المستثمرين الأجانب.
وأيضا تميزت هذه الاتفاقية بوجود بنود تُلزم المستثمر الأجنبي ببعض الواجبات، على عكس الشائع من الاتفاقيات الأخرى التي تحتوي فقط على ضمانات للمستثمر بدون إلزامه بأي واجبات. عليه نصت المادة التاسعة من اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي على أنه يجب على المستثمر الامتناع عن القيام بأعمال من شأنها الإخلال بالنظام العام والآداب العامة أو الإضرار بالصالح العام، وأن هدف الاتفاقية له جانبين، تنمية الدولة المستضيفة اقتصاديًا واجتماعيًا وأيضًا حماية المستثمر الأجنبي. ومن المهم أيضًا ذكر أن "مبدأ الدولة الأولى بالرعاية" وهو أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي الاقتصادي وخاصة في اتفاقيات التجارة والاستثمار الدولية يهدف هذا المبدأ إلى ضمان معاملة المستثمرين من دولة معينة بنفس المعاملة التفضيلية التي يتم تقديمها لأية دولة أخرى تحت أي اتفاقية أخرى. وعلى الرغم من أن ظاهر هذا المبدأ حسن حيث يقوم على عدم التمييز بين الدول إلا أن الصياغة غير الدقيقة للنص تؤدي إلى تبعات غير متوقعة وهو ما يعرف لدى المختصين بظاهرة "التسوق بين المعاهدات" حيث يقوم المستثمر بناء على هذا المبدأ في استيراد مزايا مُنحت لدولة أخرى تحت اتفاقية أخرى وبالتالي توسيع حقوقه والمزايا الممنوحة. وتظهر خطورة هذا المبدأ حين يستورد المستثمر حق اللجوء إلى التحكيم من اتفاقية أخرى. ولسد هذه الفجوة قامت اتفاقية الاستثمار لمنظمة التعاون الإسلامي بقصر استخدام هذا المبدأ على الحقوق المتعلقة بالنشاط الاقتصادي للمستثمر، وبالتالي لا يستطيع التمتع بمزايا أخرى لم يتم النص عليها في ذات الاتفاقية.
وبالنظر إلى الجانب الإجرائي وآلية تسوية المنازعات في الاتفاقية، فإنها شهدت تطورًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. هذه التطورات ترتكز حول تفعيل دور آلية تسوية المنازعات. حيث ذكرت المادة ١٧ من الاتفاقية "وإلى أن يتم إنشاء جهاز لتسوية المنازعات الناشئة عن هذه الاتفاقية يُحل ما يكون من المنازعات عن طريق التوفيق أو التحكيم" وتعتبر هذه المادة وقتية. وبسبب هذه المادة وعدم إنشاء جهاز خاص بالمنظمة فقد سببت عرقلة لعدد من طلبات التحكيم، حيث يرفض الطرف الثاني (الدولة المستضيفة) تعيين محكمًا، ولا يقوم الأمين العام بدوره في تعيين المحكم عند النزاع كما هو منصوص عليه في المادة ١٧من الاتفاقية، وذلك كما ذكره الباحثان Gaver و Kumtepe يعود إلى ضغوطات سياسية من الدول الأعضاء. وقد ذكرا أن المستثمر حينها يستعين بقواعد الأونسترال ويقوم الأمين العام للمحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي بتعيين المحكم.
ولكن هذا القصور تم تجاوزه عام ٢٠١٦م، عندما وقّعت جمهورية تركيا وغرفة التجارة والصناعة والزراعة الإسلامية (ICCIA) على "الاتفاقية بين حكومة جمهورية تركيا وغرفة التجارة الإسلامية بشأن إنشاء مركز التحكيم التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في تركيا"، وتم التصديق على الاتفاقية في عام ٢٠٢٠م. يُعد إنشاء المركز تطورًا متميزًا وتتوجه الآمال لأن يكون مركزًا رائدًا لحل النزاعات التجارية والاستثمارية لدول منظمة التعاون الإسلامي ولغيرها. ويبقى السؤال، هل هذا المركز هو المقصود به في المادة ١٧؟ التبس على بعض المختصين، ولكن بالاطلاع على القرار الصادر من الدورة الثامنة والأربعون لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي يتبين أن المجلس مازال يدرس قرار إنشاء جهاز دائم لتسوية المنازعات وفقًا للمادة ١٧ من الاتفاقية. وفي الدورة اللاحقة للمجلس تم إصدار قرار لاستكمال دراسة تطوير آلية لتسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمار أو بحث إمكانية إدماج تسوية المنازعات المتعلقة بالاستثمار ضمن مهام مركز التحكيم التابع لمنظمة التعاون الإسلامي.
وتظل التحديثات بخصوص آلية تسوية النزاعات ذا أهمية، إلا أن الحاجة مازالت ماسة لمراجعة الاتفاقية ككل ومناقشة تعديلات جوهرية على نصوصها بما يتوافق مع الاتجاه الحديث لمعاهدات الاستثمار. بل وتستطيع اتخاذ منهجًا خاصًا فيها لتعديل قواعدها كما هو الحديث حول تضييق الوصول للتحكيم بإدخال خطوات مبدئية إلزامية مثل التوفيق والتحكيم بين الدولة والدولة مباشرة. وعلى الرغم من قدم الاتفاقية إلا أنها لم تلاق إقبالًا بحثيًا إلا مؤخرًا. ولعل قضايا التحكيم المنبثقة من الاتفاقية هي من سلطت الضوء عليها.






