array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 205

14 دولة صادقت على النظام الأساسي للمحكمة الإسلامية والعدد المطلوب تصديق (38) عضوًا

الأحد، 29 كانون1/ديسمبر 2024

دفعت الأزمات المتتالية بين الدول الإسلامية، ولا سيما حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، باتجاه إنشاء محكمة العدل الإسلامية كجهاز قضائي تابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي "التعاون الإسلامي حاليًا"، وذلك للاضطلاع بمهمة تسوية النزاعات التي تنشأ فيما بين الدول الأطراف في المنظمة تسوية سلمية. فمنذ الثمانينيات من القرن العشرين، جرت المحاولات المختلفة لإنشاء هذه المحكمة، وبالتحديد في القمة الإسلامية الثالثة المنعقدة في مكة المكرمة عام 1981م، عندما تقدمت دولة الكويت باقتراح في هذا الصدد، أسفر بعد فترة عن وضع النظام الأساسي للمحكمة واعتماده عام 1987م، ولكنه لم يدخل حيز النفاذ بعد لعدم تصديق ثلثي الدول الأعضاء عليه. وتكشف عملية مراجعة النظام الأساسي عن تمتعه بميزة فريدة لم تثبت لغيره من الأنظمة الخاصة المنشأة للمحاكم المماثلة، ألا وهي اعتماده على الشريعة الإسلامية بوصفها القانون المعمول به في قضاء المحكمة المستقبلية أو المصدر الأساسي الذي ستعتمد عليه المحكمة للفصل في النزاعات المعروضة عليها، إلى جانب الاسترشاد بقواعد القانون الدولي ذات الصلة.

أولًا-السياق التاريخي لوضع النظام الأساسي للمحكمة:

    نص الميثاق المنشئ لمنظمة المؤتمر الإسلامي لعام 1972م، في المادة الثانية منه على مجموعة الأهداف أو المقاصد التي تسعى إلى تحقيقها، والتي كان من بينها ضرورة التسوية السلمية للمنازعات، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات المتبادلة بين الدول الأطراف. كما بينت المادة (27) من الميثاق، الوسائل التي قد يُلجأ إليها من أجل تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، مثل: التفاوض والوساطة والمساعي الحميدة والتحقيق والمصالحة والتحكيم والتسوية القضائية أو أي وسيلة أخرى تختارها الدول المتنازعة. وهذه الالتزامات الواردة في الميثاق دفعت منظمة المؤتمر الإسلامي في بداية الثمانينيات إلى العمل نحو إنشاء جهاز قضائي مسؤول عن تسوية النزاعات فيما بين الدول الأطراف بالوسائل السلمية، وذلك على إثر الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران (1980-1988م)، والمعروفة بحرب الخليج الأولى. فقد أظهرت هذه الحرب الحاجة الماسة إلى جهاز قضائي إسلامي لتسوية النزاعات الدولية سلميًا. ولهذا تقدم وفد دولة الكويت في القمة الإسلامية الثالثة المنعقدة في مكة المكرمة تحت عنوان "دورة فلسطين والقدس"، في الفترة من25-28 يناير 1981م، باقتراح لإنشاء هذه المحكمة، وقد وافقت القمة بشكل مبدئي على هذا الاقتراح من خلال اتخاذ القرار رقم 3/11-س، الذي نص على إنشاء محكمة العدل الإسلامية الدولية كجهاز رابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي. وبناءً على هذا القرار، قام الأمين العام للمنظمة بدعوة مجموعة من الخبراء في يناير 1983م، لوضع النظام الأساسي للمحكمة، الذي تم إقراره في القمة الإسلامية الخامسة المنعقدة في الكويت في 29 يناير 1987م، كما اعتمدت القمة كذلك القرار رقم 5/13-س بشأن إنشاء محكمة العدل الإسلامية الدولية. وقد نصت الفقرة التنفيذية لهذا القرار على: "1ـ يوافق المؤتمر على مشروع النظام الأساسي لمحكمة العدل الإسلامية الدولية المعتمد على أساس الولاية الاختيارية. 2-يقرر أيضًا إضافة فقرة رابعة "الفقرة د" للمادة الثالثة من الميثاق يكون نصها (محكمة العدل الإسلامية الدولية)، وتؤدي مهامها وفقًا لنظامها الأساسي الملحق بهذا الميثاق الذي يعد جزءًا مكملًا له. 3-يدعو الدول الأعضاء إلى التصديق على المادة الثالثة بعد تعديلها، وإيداع وثائق تصديقاتها لدى الأمانة العامة".

    ويتكون النظام الأساسي للمحكمة من (50) مادة تنظم كل ما يتعلق بحياة المحكمة. فالنظام الأساسي-على سبيل المثال-أكد على أن المحكمة هي الجهاز القضائي الرئيسي لمنظمة التعاون الإسلامي، على أن يكون مقرها الرئيسي بمدينة الكويت. واشترط لدخوله حيز النفاذ بموجب نص المادة (49) أن يصادق عليه ثلثي الدول الأعضاء وفق أحكام المادة (36) من الميثاق المنشئ للمنظمة. ولكن حتى الوقت الحالي لم يصادق على هذا النظام سوى (14) دولة من أصل (57) دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي، مما منع المحكمة من مباشرة مهامها حتى الآن.

ثانيًا-تشكيل المحكمة:

    تتألف محكمة العدل الإسلامية، بموجب المادة 3(أ) من النظام الأساسي، من سبعة قضاة ينتخبهم مجلس وزراء الخارجية بالأغلبية المطلقة من خلال الاقتراع السري، لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وذلك من خلال قائمة الأسماء المرشحة والمرتبة هجائيًا التي يعدها الأمين العام للمنظمة بعد تلقي ترشيحات الدول الأعضاء. ولا يجوز تعيين قاضٍ في المحكمة إلا إذا استوفى مجموعة من الشروط نصت عليها المادة الرابعة من النظام الأساسي، تتمثل في التالي: (1) يجب أن يكون العضو الذي سيتم تعيينه قاضيًا مسلمًا؛ (2) أن يكون من مواطني إحدى الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي؛ (3) أن يتمتع بصفات أخلاقية عالية؛ (4) ألا يقل عمره عن أربعين عامًا؛ (5) أن يكون من فقهاء الشريعة الإسلامية المشهود لهم بالكفاءة ولديه خبرة في مجال القانون الدولي؛ (6) أن يكون مؤهلًا لأعلى مناصب الإفتاء أو القضاء في بلاده.

    وعقب تشكيل هيئة المحكمة تقوم بانتخاب الرئيس ونائبه من بين أعضائها وفقًا لنص المادة الثالثة. ويراعي مجلس الوزراء في انتخاب أعضاء المحكمة بموجب نص المادة 5(ه) التوزيع الجغرافي والتمثيل اللغوي للدول الأعضاء. وقد حظرت المادة الثامنة من النظام الأساسي على القضاة ممارسة عدد من الأنشطة: إذ لا يجوز لعضو المحكمة أن يمارس أي مهام سياسية أو إدارية أو أي مهنة أو نشاط لا يتفق مع كرامة القضاء واستقلاله؛ ولا يجوز له أن يعمل مستشارًا أو وكيلًا أو محاميًا أو أن يشتغل بأي عمل مهني يتنافى وعضويته في المحكمة؛ ولا يجوز له كذلك أن يشترك في الفصل في أي قضية سبق عرضها عليه بصفته عضوًا في محكمة وطنية أو دولية أو لجنة تحقيق. وقد أكدت المادة (13) من النظام الأساسي على أن جلسات المحكمة تعقد بكامل هيئتها، وأن العدد اللازم لإصدار الأحكام يجب ألا يقل عن خمسة أعضاء. ووفقًا لنص للمادة 10(أ) تتمتع المحكمة وقضاتها وموظفوها في أقاليم الدول الأعضاء بالحصانات والامتيازات المقررة لمنظمة التعاون الإسلامي بموجب اتفاقية حصانات وامتيازات منظمة التعاون الإسلامي لعام 1976م، كالحصانة القضائية والإعفاء من الخضوع للضرائب. علاوة على ذلك، تنص المادة 10(ب) على قيام الأمين العام للمنظمة بإبرام اتفاقية إضافية مع دولة المقر تنظم العلاقة بين المحكمة ودولة المقر بحيث تراعي القواعد الدولية للحصانات والامتيازات المقررة في هذا الشأن. هذا إلى جانب أن المادة (15) تؤكد على إمكانية أن تؤلف المحكمة دوائر خاصة من ثلاثة قضاة على الأقل للتعامل إما مع القضايا العاجلة أو القضايا الخاصة. ويجيز نص المادة (16) تعيين قضاة خاصين، قد يحملون جنسية الدول الأطراف في النزاع المعروض على المحكمة، أو قد تختارهم هذه الدول من بين مواطني الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ممن تتوافر فيهم الشروط المطلوبة لعضوية المحكمة.

    وأخيرًا، يحدد النظام الأساسي للمحكمة الأسباب التي تدعو إلى انتهاء عضوية القضاة، والتي تتحدد إما بانقضاء مدة شغلهم للمنصب، سواء أربع سنوات أو بحد أقصى ثمان سنوات متتالية، أو بالاستقالة أو الإقالة بسبب فقدان الشروط اللازمة للعضوية، ولكن لا يصدر قرار الإقالة إلا بإجماع آراء الأعضاء الآخرين بعد سماع أقوال العضو والاضطلاع على ما يبديه من ملاحظات خلال جلسة مغلقة، ويكون القرار في هذه الحالة نهائيًا لا يقبل الطعن عليه.

ثالثًا-اختصاص المحكمة:

    على غرار محكمة العدل الدولية، تتمتع محكمة العدل الإسلامية الدولية بنوعين من الاختصاصات بموجب النظام الأساسي لها: (الاختصاص الأول) الاختصاص القضائي؛ أي النظر في النزاعات بين الدول الأطراف من أجل تسويتها، أما (الاختصاص الثاني) فهو الاختصاص الإفتائي أو الاستشاري؛ أي إصدار آراء استشارية في المسائل القانونية التي تعرض عليها.

    وينعقد الاختصاص القضائي للمحكمة لسائر الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بوصفها صاحبة الحق في التقاضي أمام المحكمة بموجب نص المادة 21(أ). ومع ذلك، فإنه يجوز لدولة غير عضو في منظمة التعاون الإسلامي وفق نص المادة 21(ب)، التقاضي إلى المحكمة بالشروط التي يحددها مجلس وزراء الخارجية، على أن تقبل هذه الدولة اختصاص المحكمة. وتشمل ولاية المحكمة-كما عبرت عنها المادة (25) -مجموعة من القضايا، تتمثل في: القضايا التي تتفق الدول الأعضاء المعنية في منظمة التعاون الإسلامي على إحالتها للمحكمة؛ والقضايا المنصوص على إحالتها للمحكمة في أي معاهدة أو اتفاقية نافذة؛ وتفسير معاهدة أو اتفاقية ثنائية أو متعددة الأطراف؛ وبحث أي موضوع من موضوعات القانون الدولي؛ وتحقيق واقعة من الوقائع التي إذا ثبتت كانت خرقًا لالتزام دولي؛ وتحديد نوع التعويض المترتب على خرق أي التزام دولي ومقدار هذا التعويض. وتشير المادة (26) إلى إحدى القواعد المستقرة في القانون الدولي، وهي أن ولاية المحكمة ولاية اختيارية تتوقف على قبول الدول لاختصاصها بموجب إعلان صادر منها، وهو ما يتفق كذلك مع الولاية القضائية لمحكمة العدل الدولية بوصفها ولاية تقوم على قاعدة الرضا. وهذا يعني أنه لا يمكن لأي دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة بغير رضاها، فإذا انعدم هذا الرضا ستقضي المحكمة بعدم ولايتها على النزاع. ولهذا أكدت المادة (26) على أن الدول المتنازعة يجب أن تقبل ولاية المحكمة بشكل مسبق من خلال إعلان صادر منها، على أن يودع هذا الإعلان لدى الأمين العام للمنظمة، الذي يقوم بدوره بإرسال نسخ منه إلى مسجل المحكمة، وإلى جميع الدول الأعضاء في المنظمة. ويُلاحظ في هذا السياق، أن إعلان قبول اختصاص المحكمة من الممكن أن يكون عامًا، أو مقيدًا بفترة زمنية محددة أو معلقًا على قبول ولاية المحكمة من جانب دولة معينة أو عدة دول.

  وأوضحت المادة (27) أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي الذي سوف تستند إليه المحكمة فيما تقضي فيه من نزاعات، مع إمكانية الاسترشاد بالقانون الدولي أو بالاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف أو القانون الدولي العرفي أو الأحكام الصادرة عن المحاكم الدولية أو مذاهب كبار الفقهاء في القانون الدولي عند إصدارها للأحكام المختلفة. وتصدر المحكمة أحكامها باللغات الرسمية الثلاث: العربية والإنجليزية والفرنسية، غير أن اللغة العربية هي لغة المحكمة الأولى بوصفها لسان القرآن المبين. وتجيز المادة (28) للمحكمة استعمال لغة أخرى غير رسمية بناءً على طلب أحد الأطراف شريطة أن يتحمل النفقات المالية المترتبة على الترجمة أو الترجمة الفورية إلى إحدى اللغات الرسمية.

    أما الاختصاص الافتائي أو الاستشاري للمحكمة فلا يثبت للدول الأعضاء وإنما هو مقصور بموجب نص المادة (42) من النظام الأساسي على أي جهاز من أجهزة منظمة التعاون الإسلامي شريطة موافقة مؤتمر وزراء الخارجية على قيام هذا الجهاز بطلب الفتوى من المحكمة. وتُستفتى المحكمة بشأن أي مسألة قانونية لا تتعلق بنزاع معروض بالفعل عليها. ويجب استفتاء المحكمة من خلال طلب كتابي يتضمن بيانًا دقيقًا بالمسألة المعنية، ويحق للدول الأعضاء أن تقدم بيانات مكتوبة أو شفوية حول المسألة المستفتى فيها. كما يجوز للمحكمة أن تطلب من أي دولة عضو أو هيئة دولية تقديم بيانات إضافية أخرى. وتصدر المحكمة فتاويها في جلسة علنية يُحدد موعدها مسبقًا ويبلغ للأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي والدول الأعضاء وكذلك المنظمات الدولية المعنية. ويتولى مسجل المحكمة إرسال نسخ من هذه الفتاوى إلى الأمين العام وجميع الدول الأعضاء والمنظمات الدولية التي تقدمت ببيانات أو معلومات حول موضوع الاستفتاء.

    وأخيرًا، يجوز للمحكمة، بناء على طلب من الأطراف المتنازعة أو مؤتمر القمة الإسلامي أو مجلس وزراء الخارجية بتوافق الآراء، أن تباشر جهود الوساطة أو التوفيق أو التحكيم في الخلافات التي تنشب بين عضوين أو أكثر من أعضاء منظمة التعاون الإسلامي. ولها في سبيل ذلك أن تشكل لجنة من الشخصيات المرموقة أو من كبار المسؤولين في جهازها، كما هو منصوص عليه في المادة (46).

رابعًا-أحكام وقرارات المحكمة:

    تشير المادة (37) من النظام الأساسي إلى أن المحكمة بعد ختام المرافعات تنسحب للتداول في الحكم وتكون مداولاتها سرية، وتصدر أحكامها بالأغلبية المطلقة ويكون صوت الرئيس أو من ينوب عنه هو المرجح في حالة تساوي الأصوات. ويجب أن تبين المحكمة في الحكم الأسباب التي بُني عليها والقضاة الذين اشتركوا في إصداره، على أن يتلى في جلسة علنية بعد إخطار وكلاء الأطراف المتنازعة، ويحق لكل قاضٍ أن يزيل الحكم برأي خاص قد يوافق المحكمة فيما انتهت إليه ولكن بتسبييب مختلف، أو يخالفها فيما انتهت إليه. وأحكام المحكمة نهائية لا تقبل الطعن عليها، وتحوز قوة الإلزام بين أطراف الدعوى وفي النزاع الذي تم الفصل فيه فقط. أي أن هذه الأحكام غير ملزمة للمحكمة في أي قضية أخرى تعرض عليها سواء بين ذات الأطراف أو بين غيرهم. وتتولى المحكمة تفسير الحكم بناءً على طلب أحد الأطراف عندما يثور الخلاف حول مفهوم الحكم ومدى تنفيذه. وتشير المادة 39(ج) إلى أنه في حال تقاعس أحد الأطراف عن تنفيذ الحكم يحال الأمر إلى مجلس وزراء الخارجية لاتخاذ التدابير المناسبة لضمان احترام أحكام المحكمة، وذلك على غرار تدخل مجلس الأمن الدولي لتنفيذ أحكام محكمة العدل الدولية بموجب نص المادة 94(2) من ميثاق الأمم المتحدة، إذا امتنع أحد الأطراف المتنازعة عن تنفيذ حكم تصدره المحكمة.

    وعلى الرغم من أن أحكام المحكمة نهائية، إلا أنه يجوز إعادة النظر فيها بسبب ظهور واقعة يمكن أن تكون حاسمة في الدعوى، وكانت مجهولة عند صدرو الحكم من قبل كل من المحكمة والطرف الذي يلتمس إعادة النظر، ما لم يكن هذا الجهل ناشئًا عن تقصير ذلك الطرف. ولكن هناك قيد زمني أشارت إليه المادة (40) من النظام الأساسي لتقديم التماس إعادة النظر، وهو ضرورة تقديمه خلال ستة أشهر على الأكثر من ظهور الواقعة الجديدة. وهذا يعني أن التراخي في تقديم هذا الالتماس بعد ظهور الواقعة الجديدة قد يدفع المحكمة إلى عدم قبوله. ناهيك عن أنه لا يمكن قبول التماس إعادة النظر في الحكم مطلقًا بعد مرور عشر سنوات على صدوره.

    هذا فضلًا عن أن المحكمة في أي مرحلة من مراحل الإجراءات أمامها وحتى صدور الحكم النهائي تستطيع بموجب نص المادة (33) أن تأمر باتخاذ تدابير وقائية أو مؤقتة لحفظ حق أحد الأطراف متى قدرت أن الظروف تقتضي ذلك. ويُشترط لإصدار مثل هذه التدابير أو القرارات أن تتيح المحكمة الفرصة أمام سائر الأطراف لتقديم ملاحظاتهم حول التدابير المزمع اتخاذها. وفور إصدار أي قرار بتدابير وقائية يجب أن يقوم مسجل المحكمة بإبلاغة لجميع أطراف الدعوى. ويحق للمحكمة أن تقوم بتأجيل التدبير المؤقت أو بإلغائه إذا تبدلت الظروف التي مهدت للأمر به، على أن تراعي في هذا الصدد إخطار جميع أطراف الدعوى كذلك بأي تأجيل أو إلغاء لهذه التدابير.

خامسًا-الخطوات اللازمة لإنشاء المحكمة وتفعيلها:

    يعكس النظام الأساسي للمحكمة الذي تم اعتماده عام 1987م، رغبة الدول الإسلامية في أن يحكمها نظام قضائي خاص لتسوية النزاعات التي تنشأ فيما بينها بالوسائل السلمية. والحق إن الدول الإسلامية باتت في حاجة ماسة وملحة إلى تفعيل هذه المحكمة، وذلك بسبب كثرة النزاعات التي تثور بين هذه الدول وبعضها البعض. غير أن تفعيل المحكمة وإنشائها أو إخراجها إلى حيز النور يعوقه عدد من الصعوبات منها على سبيل المثال لا الحصر: الخلافات المتصاعدة ما بين الدول الإسلامية وتقديم هذه الدول لمصالحها الذاتية على المصالح الجماعية المشتركة، هذا إلى جانب عدم تصديق العدد الكافي من الدول على النظام الأساسي للمحكمة حتى الوقت الحالي. فالنظام الأساسي يشترط بموجب نص المادة (49) منه لدخوله حيز النفاذ أن يصدق عليه ثلثي الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. ومن المعلوم أن عدد الدول الأعضاء في المنظمة هو (57) عضوًا، وهو ما يعني أن العدد المطلوب لدخول هذا الميثاق حيز النفاذ وإنشاء المحكمة هو تصديق (38) عضوًا عليه. وتشير الإحصاءات إلى أن الدول التي صادقت على النظام الأساسي حتى كتابة هذه السطور بلغت (14) دولة فقط، ومن ثم فإن المحكمة في حاجة إلى مصادقة (24) دولة إضافية على النظام الأساسي حتى تتمكن من مباشرة أعمالها.

    ويبدو أن العدد المنخفض من التصديقات التي تم التوصل إليها حتى الآن يشير إلى غياب الإرادة الملموسة للدول الأعضاء لاستكمال الإجراءات اللازمة لإنشاء المحكمة الإسلامية. وذلك على الرغم من المناشدات والقرارات المتتالية التي اتخذها مؤتمر القمة الإسلامي للتسريع في عملية إنشاء المحكمة. ومثال ذلك، البيان الختامي الذي صدر عن الدورة التاسعة لمؤتمر القمة الإسلامي المنعقد في الدوحة في الفترة من 12- 13 نوفمبر 2000م، والذي شدد على أهمية مصادقة بقية الدول الأعضاء على النظام الأساسي لمحكمة العدل الإسلامية الدولية؛ والقرار رقم 10/1- ق ن (ق إ) المتخذ في الدورة العاشرة لمؤتمر القمة الإسلامي المنعقد في بوترا جايا بدولة ماليزيا في الفترة من 16- 17 أكتوبر 2003م، الذي طالب الأمين العام للمنظمة بمواصلة الاتصالات والمشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء "للإسراع بتحقيق النصاب القانوني اللازم من التصديقات الذي يقتضيه إنشاء المحكمة وبدء مهمتها"، وكذلك القرار رقم 9/49- ق ت الصادر عن الدورة (49) لمجلس وزراء الخارجية، الذي عُقد في مارس 2023م، بنواكشوط عاصمة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وذلك من أجل البحث عن أفضل السبل والوسائل للتعجيل بإنشاء المحكمة ومباشرتها لعملها.

خاتمة:

    لا تخفى الأهمية الكبيرة لإنشاء مثل هذه المحكمة في الوقت الحالي، إذ تمر العديد من الدول العربية والإسلامية بأزمات عاصفة ونزاعات متجددة. فقد يساعد إنشاء المحكمة على تخطي البعض منها، من خلال تسويتها تسوية سلمية، وبما يحافظ على علاقات هذه الدول الودية وعلى سلامتها الإقليمية واستقلالها السياسي. وهذا الأمر إنما يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقة من قبل الدول الأعضاء لإخراج المحكمة إلى حيز النور، إرادة تتخطى كل الخلافات السياسية وغيرها من الخلافات القائمة. فإنشاء المحكمة سوف يكون عاملًا أساسيًا وخطوة استراتيجية في تعزيز التعاون بين الدول الأطراف في منظمة التعاون الإسلامي، ولا سيما في المسائل والشؤون القانونية والقضائية، مما سيضفي على هذه العلاقات طبيعة خاصة، ويكفل تحقيق العدالة بين الدول الأطراف المتنازعة.

مقالات لنفس الكاتب