array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 206

تكامل استراتيجي لتحقيق الرؤى التنموية الوطنية وبناء جسور التعاون الدولي

الخميس، 30 كانون2/يناير 2025

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة وتنامي أهمية الشراكات الاقتصادية الدولية، أكدت قمة دول مجلس التعاون الخليجي الأخيرة المنعقدة بدولة الكويت في الفاتح من شهر ديسمبر 2024م، على ضرورة تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول والتكتلات العالمية الكبرى. وقد جاء البيان الختامي للقمة ليعكس رؤية طموحة تهدف إلى تحقيق المصالح التجارية والاستثمارية المشتركة، من خلال تنويع الاقتصاد وتوسيع التبادل التجاري والاستثماري في مختلف المجالات.

إن البيان الختامي للقمة الخليجية يُعدّ بمثابة خارطة طريق جديدة، تُرسخ مفهوم الشراكات الاستراتيجية كركيزة أساسية في بناء مستقبل اقتصادي مزدهر لدول المنطقة. فالشراكات الاقتصادية، سواء مع الدول الشقيقة والصديقة أو مع التكتلات الاقتصادية الكبرى، تُعتبر اليوم ضرورة حتمية لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية والاستفادة من الفرص المتاحة.

تأتي هذه التوجهات في إطار الرؤى الوطنية التنموية الشاملة لدول المجلس، التي تهدف إلى توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويعها، وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل. فمن خلال الشراكات الاقتصادية، تسعى دول المجلس إلى تحقيق أهداف طموحة، تشمل توسيع التبادل التجاري، وجذب الاستثمارات في مختلف المجالات، وتوطين التكنولوجيا المتطورة، وتبادل الخبرات والمعرفة. وتمثل هذه الرؤية استجابة استراتيجية للتحديات التي تواجه الاقتصادات الخليجية، مع تركيز واضح على تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وتعزيز الجهود المبذولة لتوطين التكنولوجيا الحديثة وتبادل الخبرات. وإلى جانب ذلك، تسعى دول مجلس التعاون إلى بناء جسور التعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، والتكتلات الاقتصادية الكبرى، لتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤاها الوطنية المستقبلية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي استثمار هذه الشراكات لتعزيز مكانتها الاقتصادية على الساحة الدولية؟ وكيف تسهم هذه الرؤية في تحقيق نقلة نوعية في مسار التنمية الاقتصادية لدول المجلس؟

 

 

 

دول مجلس التعاون الخليجي: انخراط نشط في شراكات استراتيجية

تُدرك دول مجلس التعاون الخليجي، في سعيها نحو بناء اقتصادات قوية ومتنوعة، أهمية توسيع دائرة شراكاتها الاستراتيجية لتشمل مختلف مناطق العالم وتكتلاته الاقتصادية المؤثرة. وقد أشادت القمة الأخيرة في الكويت بمخرجات اجتماعات الحوار الاستراتيجي بين مجلس التعاون وعدد من الدول والمجموعات الدولية والتي عقدت خلال عام 2024م، بما في ذلك الاجتماعات الوزارية المشتركة بين مجلس التعاون مع كل من جمهورية مصر العربية، المملكة الأردنية الهاشمية، المملكة  المغربية، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا الاتحادية، جمهورية الهند، جمهورية البرازيل الاتحادية، جمهورية الصين الشعبية، ومنظمة البنلوكس، ومنظمة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ومجموعة دول الشمال N5، ووجه المجلس الأعلى بسرعة تنفيذ القرارات وخطط العمل المشترك التي تم الاتفاق عليها، والتي من شأنها تعزيز مسيرة مجلس التعاون وتحقق أهدافه السياسية والتنموية إقليمياً ودولياً، كما وجه بالاستمرار في تعزيز الشراكات مع كافة الدول والمنظمات الفاعلة في العالم.

ولا يقتصر هذا التوجه على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل جوانب سياسية وثقافية وتكنولوجية، بهدف تعزيز مكانة دول المجلس على الخارطة الدولية وتحقيق مصالحها المشتركة. فمن خلال تنويع الشراكات، تسعى دول المجلس إلى فتح أسواق جديدة أمام صادراتها، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ونقل التكنولوجيا المتقدمة، وتبادل الخبرات والمعرفة، بالإضافة إلى بناء علاقات سياسية متينة مع دول مختلفة.

العلاقات الخليجية مع الاتحاد الأوروبي وضرورة توسيع آفاق الشراكة الاستراتيجية

يُعتبر الاتحاد الأوروبي شريكاً تجارياً واستراتيجياً هاماً لدول مجلس التعاون، حيث يجمعهما تاريخ طويل من التعاون في مختلف المجالات. وقد شهدت العلاقات بين الجانبين تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، تجسد في عقد العديد من القمم والاجتماعات الوزارية المشتركة التي تناولت قضايا التجارة والاستثمار والطاقة المتجددة والأمن الإقليمي. فعلى سبيل المثال، عُقدت القمة المشتركة الأولى بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي في 16 من أكتوبر 2024م، بمدينة بروكسل في مملكة بلجيكا، تحت عنوان "الشراكة الاستراتيجية من أجل السلام والازدهار"، حيث تم خلالها بحث سبل تعزيز التعاون الاقتصادي وتنسيق المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية.

وأظهرت القمة التزامًا مشتركًا بتوسيع العلاقات التجارية والاستثمارية، حيث تم تسليط الضوء على الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن يحققها التعاون بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي. وقد أظهرت الإحصاءات أن التبادل التجاري بين الجانبين شهد نموًا مستدامًا خلال العقدين الأخيرين، حيث يُعدّ الاتحاد الأوروبي شريكًا تجاريًا رئيسيًا لدول مجلس التعاون الخليجي. ووفقًا للإحصاءات بلغ حجم المبادلات التجارية بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي حوالي180 مليار دولار (173 مليار يورو) سنة 2023م، وتتمثل أهم صادرات دول المجلس في النفط والغاز والبتروكيماويات. في حين تتضمن واردات دول مجلس التعاون من الاتحاد الأوروبي الآلات والمعدات ووسائل النقل والمنتجات الكيميائية. ومن المتوقع أن يرتفع حجم التجارة البينية بنسبة %20 بحلول عام 2030، مع توسيع نطاق الشراكات في القطاعات الحيوية.

تطور المبادلات التجارية بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الأخيرة

المصدر: Eurostat

 

كما شهدت الاستثمارات المتبادلة بين دول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس الثقة المتبادلة في اقتصادات الطرفين. حيث تُوفر دول مجلس التعاون فرصًا استثمارية واعدة في مختلف القطاعات، ويُشجع الاتحاد الأوروبي على الاستثمار في دول المجلس للاستفادة من النمو الاقتصادي الذي تشهده المنطقة. كما بلغت استثمارات الاتحاد الأوروبي في دول مجلس التعاون أكثر من 175مليار يورو، وشملت قطاعات استراتيجية مثل الطاقة المتجددة والبنية التحتية والتكنولوجيا. من جهة أخرى، تجاوزت قيمة الاستثمارات الخليجية في أوروبا 200 مليار يورو حتى منتصف عام 2024م، وتركزت هذه الاستثمارات في قطاعات العقارات، والتكنولوجيا، والخدمات المالية، حيث لعبت الصناديق السيادية الخليجية دورًا رئيسيًا في تعزيز هذه الاستثمارات.

تطور الاستثمارات بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي

المصدر: Eurostat

 

ولتعزيز شراكة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، يجب أن يشمل التعاون بين الطرفين جملة من المجالات المحورية تتعدى مجالات التجارة والاستثمار، ويشمل ذلك مجالات حيوية كالطاقة، والتحول الأخضر والتغير المناخي، والتنويع الاقتصادي، والاستقرار الإقليمي والأمن العالمي، فضلًا عن التحديات الإنسانية والتنموية، وتعزيز التواصل بين الشعوب.

حيث يُعدّ توحيد الجهود لمواجهة تحديات التغير المناخي واستغلال الفرص التي يُتيحها التحول الأخضر أمرًا بالغ الأهمية وذي منفعة مُتبادلة للطرفين. وتتجلى أهمية هذا التعاون في كون منطقة الخليج من المناطق الأكثر تأثرًا بتبعات التغيرات المناخية. وانطلاقًا من ريادة الاتحاد الأوروبي في مبادرات التحول المناخي، يُمثّل الاتحاد شريكًا فاعلًا في تطوير المعرفة والخبرات الضرورية للتصدي لهذا التحدي العالمي لدول المنطقة الخليجية.

وفي سياق تعزيز التواصل بين الشعوب، يُتوقع أن تشمل الشراكة بين دول المجلس وأوروبا دعم تنقل الشباب والطلاب، والتعاون في المجالات الثقافية والتعليم العالي. ويُعتبر تحقيق السفر بدون تأشيرة لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي هدفًا ومصلحة مُشتركة بين الاتحاد الأوروبي ودول المجلس، لما يُساهم به ذلك في تعزيز التبادل الثقافي والاقتصادي وتوطيد العلاقات بين الجانبين.

 

كما يجب على الطرفين الانخراط في مشاركة أكثر فاعلية واستراتيجية لمعالجة استمرار حالات الصراع في المنطقة، مع تعزيز الجهود لمعالجة الاحتياجات الإنسانية والتنموية غير المسبوقة في منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. وهذا بالنظر إلى الدور الهام الذي تلعبه دول الخليج كجهات مانحة رئيسة للمساعدات المالية الثنائية، وقدرتها على الإسهام في تعزيز احترام القانون الإنساني الدولي والمبادئ الإنسانية في مناطق النزاع.

الخليج والشراكة مع تكتلات العالم النامي والقوى الصاعدة: آفاق جديدة لتوسيع التعاون الاقتصادي

تُولي دول المجلس اهتماماً متزايداً بتعزيز شراكاتها مع التكتلات الاقتصادية للدول النامية والقوى الصاعدة على الساحة الدولية. هذه الشراكات تأتي كجزء من استراتيجيات دول الخليج لتنويع اقتصاداتها وتوسيع قاعدتها الاقتصادية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط، حيث تدرك أهمية بناء علاقات استراتيجية مع الأطراف الصاعدة التي تلعب دورًا متزايدًا في تشكيل الاقتصاد العالمي.

ويشكل التعاون مع تكتلات مثل دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا) ورابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) والدول الإفريقية والعربية، وحتى دول أمريكا اللاتينية فرصة كبيرة لدول الخليج لتعزيز تبادل الاستثمارات والخبرات. هذه التكتلات تتمتع بموارد طبيعية وأسواق واسعة وقوى عاملة كبيرة، مما يجعلها شركاء مثاليين لدعم التنمية المستدامة وتعزيز النمو الاقتصادي المتبادل.

ومن خلال الشراكات مع هذه القوى الصاعدة، تسعى دول الخليج إلى تحقيق أهدافها التنموية الوطنية، مثل توطين التكنولوجيا، تطوير البنية التحتية، والاستثمار في القطاعات الحيوية كالتكنولوجيا والطاقة المتجددة. كما أن هذه الشراكات تمثل نافذة لدول الخليج على أسواق جديدة، مما يعزز مكانتها كلاعب اقتصادي مؤثر على الصعيدين الإقليمي والدولي.

فيما يخص علاقات دول الخليج مع دول البريكس (BRICS)، التي تمثل قوة اقتصادية صاعدة على الساحة العالمية، ومع بروز المؤسسات الاقتصادية والأطر الجديدة التي أوجدتها مجموعة البريكس وأعضاؤها، مثل بنك التنمية الجديد ومبادرة الحزام والطريق، بدأت دول مجلس التعاون الخليجي تنظر بشكل متزايد إلى مجموعة البريكس كقوة موازنة استراتيجية للمؤسسات التي تهيمن عليها الدول الغربية، مثل مجموعة السبع والبنك الدولي. وقد حفز هذا التحول رغبة دول المجلس في تنويع شراكاتها التجارية واستكشاف آفاق جديدة للنمو الاقتصادي في عالم يتسم بتعدد الأقطاب. كما أبرزت الأزمة المالية العالمية في عام 2008م، وما تلاها من اضطرابات اقتصادية، أوجه الضعف الكامنة في الاعتماد المُفرط على الأسواق والمؤسسات الغربية، ما دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى تعميق مشاركتها مع أعضاء مجموعة البريكس.

وقد أدى هذا الزخم إلى إبداء بعض دول مجلس التعاون الخليجي اهتمامًا جادًا بالانضمام إلى هذه الكتلة، وهو اهتمام ازداد بشكل ملحوظ بعد فرض العقوبات الغربية على روسيا في أعقاب غزوها لأوكرانيا في عام 2022م، وتنظر هذه الدول إلى مجموعة البريكس كمنصة لتعزيز صوت الدول الناشئة والنامية، ومعالجة أوجه التفاوت بين ما يُعرف بـ "الجنوب العالمي" و "الشمال".

وفي المراحل الأولى من هذا التعاون، انصب التركيز بين مجموعة البريكس ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل أساسي على القضايا الاقتصادية وقضايا الطاقة، حيث سعت دول المجلس إلى تنويع اقتصاداتها بعيدًا عن الاعتماد على صادرات النفط والغاز، في حين هدفت دول مجموعة البريكس إلى تأمين إمدادات طاقة مستقرة. فعلى سبيل المثال، طورت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة علاقات وثيقة مع الصين والهند من خلال استثمارات كبيرة في مشاريع البنية التحتية والطاقة. وفي الوقت نفسه، عززت قطر وروسيا علاقاتهما في قطاع الغاز، مُتقاسمَتين المصالح المشتركة كمنتجين عالميين رائدين في هذا المجال.

وشهدت العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ومجموعة البريكس تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأت المشاركة الرسمية بين الطرفين في عام 2021م، بانضمام دولة الإمارات العربية المتحدة إلى بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة البريكس، ثم عضو كامل بالمجموعة مطلع عام 2024م، ما يُعدّ علامة فارقة في مسار تعزيز هذه العلاقات. وتعمّق هذا التعاون بشكل أكبر مع دعوة المملكة العربية السعودية للانضمام أيضًا إلى المجموعة في عام 2023م، مُشيرةً إلى دخول العلاقات بينهما مرحلة جديدة.

ومن هنا يجب على دول المجلس السعي إلى الاستفادة من الإمكانيات الهائلة التي توفرها هذه الدول في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا. وذلك بتركيز الاهتمام في مشاركتها في فعاليات ومنتديات تُنظمها دول البريكس، مثل منتدى الأعمال لدول البريكس، الذي يُعتبر منصة هامة لتبادل وجهات النظر واستكشاف فرص التعاون المشترك.

وفي إطار سعيها لتنويع شراكاتها، تُولي دول المجلس اهتماماً خاصاً بتعزيز العلاقات مع دول آسيا الناشئة، وخاصة دول الآسيان، التي تُعتبر سوقاً واعداً يضم اقتصادات سريعة النمو. وتسعى دول المجلس إلى تعزيز التعاون التجاري والاستثماري مع هذه الدول، خاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والسياحة، من خلال عقد القمم والاجتماعات المشتركة التي تُناقش قضايا التعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي.

وشهد يوم 20 أكتوبر 2023م، انعقاد أول قمة مُشتركة بين رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون الخليجي، تحت شعار "مستقبل مُستدام من خلال شراكة إبداعية". وتضمّن البيان الختامي المُشترك للقمة مجموعة واسعة من المواضيع والمجالات لتعزيز التعاون، تتراوح بين التعاون السياسي وتعزيز الأنشطة التجارية والاستثمارية، وصولًا إلى تشجيع التواصل بين الشعوب والأنشطة الثقافية. ومع ذلك، لم يأتِ البيان الختامي قاطعًا في تحديد الإجراءات أو الالتزامات المُستقبلية. فمعظم بنوده مفتوحة، تدعو إلى تشجيع واستكشاف وتحديد فرص زيادة التفاعل. وتتمثل المجالات التي يظهر فيها التزام أقوى بالتعاون بشكل أساسي في الجوانب المُتعلّقة بالتجارة، حيث يسعى الطرفان إلى تعزيز العلاقات التجارية بين المنطقتين ودعم النظام التجاري الدولي. وليس من المُستغرب أن يكون التركيز الرئيسي للقمة ونتائجها مُنصبًا على العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية.

ومن وجهة نظر مجلس التعاون الخليجي، أعرب وزير الخارجية السعودي عن وجهة نظر مفادها أن مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا هما من أهم المجموعات الاقتصادية في العالم وأن المزيد من التعاون من شأنه أن يعزز مواقفهما ويدعم النمو العالمي. ويرى ملك البحرين أن خطة التعاون المشترك تشكل آلية لتحقيق أقصى قدر من الفوائد من التعاون بين المناطق، وخاصة فيما يتصل بفرص التجارة والاستثمار. وأوضح رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة أن القمة تأتي في وقت مهم في الشؤون العالمية ومن الضروري متابعة "الفرص العديدة" التي يوفرها المزيد من التعاون بين المناطق.

ولا تغفل دول المجلس أهمية تعزيز التعاون مع الدول العربية الشقيقة، حيث تُعتبر المنطقة العربية عمقاً استراتيجياً واقتصادياً هاماً. وهناك العديد من الاتفاقيات الثنائية والجماعية التي تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري بين الدول العربية، مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. وقد ساهمت هذه الاتفاقية في زيادة حجم التبادل التجاري بين الدول العربية، وإن كانت لا تزال دون الطموحات المرجوة، حيث تواجه بعض التحديات في تطبيقها بشكل كامل، مثل اختلاف الأنظمة الجمركية والإجراءات الإدارية بين الدول الأعضاء. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن حجم التبادل التجاري البيني العربي يمثل نسبة ضئيلة من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية، حيث تتراوح هذه النسبة بين 10% و15% وفقًا لتقديرات مُختلفة. وهذا يُشير إلى وجود إمكانات كبيرة غير مُستغلة لتعزيز التجارة البينية بين دول الخليج وبقية الدول العربية.

وعلى سبيل المثال، وفقًا لبيانات صندوق النقد العربي، بلغ حجم التبادل التجاري البيني العربي أكثر من 100 مليار دولار في عام 2023م، وتهيمن دول الخليج العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على ما يفوق 50% من هذا التبادل.  ومع ذلك، يُلاحظ أن هذا الرقم يُمثّل نسبة صغيرة مُقارنة بحجم التجارة العالمية للدول الخليجية والعربية، التي تُقدّر بأكثر من تريليون دولار. ويُشير هذا إلى ضرورة تذليل العقبات التي تُعيق نمو التجارة البينية العربية، مثل تحسين البنية التحتية للنقل واللوجستيات، وتوحيد الإجراءات الجمركية، وتسهيل حركة رؤوس الأموال والأيدي العاملة بين الدول العربية.

إلى جانب التعاون مع الدول العربية، تُولي دول مجلس التعاون الخليجي اهتمامًا خاصًا بتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية، خاصة في مجالات الاستثمار والزراعة والبنية التحتية. ويأتي هذا الاهتمام في إطار رؤية استراتيجية تُدرك أهمية القارة الإفريقية كشريك اقتصادي واعد، لما تتمتع به من موارد طبيعية غنية وسوق استهلاكية كبيرة. وتُساهم الصناديق السيادية الخليجية، مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز أبو ظبي للاستثمار، بدور فاعل في دعم التنمية الاقتصادية في القارة الإفريقية من خلال مبادرات استثمارية ضخمة في قطاعات مُختلفة، مثل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والزراعة، والتصنيع.

وفي العام الماضي، أعلنت شركات في دول مجلس التعاون الخليجي عن 73 مشروعًا للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا بقيمة تزيد على 53 مليار دولار، حيث تُركّز هذه الاستثمارات على قطاعات حيوية تُساهم في خلق فرص العمل وتحسين البنية التحتية في الدول الإفريقية. فعلى سبيل المثال، استثمرت الصناديق السيادية الخليجية في مشاريع للطاقة المتجددة في دول إفريقية، مثل مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بهدف توفير مصادر طاقة نظيفة ومُستدامة. كما استثمرت في مشاريع للبنية التحتية، مثل بناء الموانئ والطرق والسكك الحديدية، بهدف تحسين الربط بين الدول الإفريقية وتسهيل حركة التجارة والاستثمار.

إضافة إلى ذلك، تُولي دول مجلس التعاون الخليجي اهتمامًا بتعزيز التعاون الزراعي مع الدول الإفريقية، بهدف تحقيق الأمن الغذائي للطرفين. وقد تم توقيع اتفاقيات للتعاون الزراعي بين دول المجلس وبعض الدول الإفريقية، بهدف تبادل الخبرات والتكنولوجيا في مجال الزراعة، وتشجيع الاستثمارات الزراعية المُشتركة.

وأبعد من الشراكات التقليدية، تشهد العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول أمريكا اللاتينية تطورًا ملحوظًا، مدفوعةً برغبة الطرفين في تنويع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، واستكشاف فرص جديدة للنمو. وتتميز هذه العلاقات بتكامل اقتصادي يُركّز على إمكانات واعدة للنمو خلال السنوات القادمة. ويُشكّل التوافق بين أهداف التنويع الاقتصادي التي تسعى إليها دول مجلس التعاون الخليجي، واحتياجات أمريكا اللاتينية للاستثمارات الأجنبية، أرضية خصبة لإقامة شراكات مُثمرة تعود بالنفع على الطرفين. وتبرز ثلاثة مجالات رئيسية كنقاط ارتكاز استراتيجية لهذه العلاقة المُتنامية، وهي: الطاقة والموارد، ولا سيما المعادن الحيوية؛ والأمن الغذائي والزراعة؛ والبنية التحتية والنقل. وتضطلع صناديق الثروة السيادية الخليجية بدور محوري في دفع عجلة هذه الاستثمارات، حيث يتناسب نهجها الاستثماري طويل الأجل على نحو خاص مع المشهد الاقتصادي في أمريكا اللاتينية.

وفيما يتعلق بالتجارة، تتمركز صادرات دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا اللاتينية في قطاعات الفوسفات والألمنيوم والنفط، وهي مواد خام أساسية تُستخدم في الصناعات اللاتينية. في المقابل، تستورد دول المجلس من أمريكا اللاتينية منتجات مثل خام الحديد والمنتجات الزراعية، وعلى رأسها اللحوم والحبوب والسكر والقهوة، وهي سلع أساسية لتلبية احتياجات السوق الخليجية. وتُعدّ البرازيل الشريك التجاري الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي في أمريكا اللاتينية، تليها المكسيك والأرجنتين. وتُهيمن المنتجات الزراعية على الصادرات البرازيلية إلى دول الخليج، حيث شكلت أكثر من 70٪ من الصادرات في عام 2022م، عناصر مثل اللحوم والحبوب، ما يُؤكد أهمية أمريكا اللاتينية في تعزيز الأمن الغذائي لدول مجلس التعاون الخليجي. أما على صعيد الاستثمار، فقد بدأت دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، في تعزيز حضورها الاستثماري في أمريكا اللاتينية. وفقًا لأحدث البيانات المُتاحة في عام 2022م، استحوذت الإمارات العربية المتحدة على 77٪ من إجمالي استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في أمريكا اللاتينية بين عامي 2016 و2021م، والتي بلغت 4 مليارات دولار، بينما ساهمت المملكة العربية السعودية بنسبة 22٪ وقطر بنسبة 1٪.

وتُشير التوجهات المُستقبلية إلى توسع كبير في الاستثمارات الخليجية في أمريكا اللاتينية. فقد عقد صندوق الاستثمارات العامة السعودي مؤتمرًا في ريو دي جانيرو بالبرازيل في يونيو 2024م، بهدف تعزيز وتوسيع روابط الاستثمار في أمريكا اللاتينية، مع التخطيط لاستثمار 15 مليار دولار في البرازيل وحدها. وقد بدأ صندوق الاستثمارات العامة الاستثمار في البرازيل منذ عام 2016م، مُركّزًا بشكل كبير على استثمارات الأمن الغذائي، ولكنه يُخطط الآن للتوسع في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة وحتى كرة القدم الاحترافية. ويُركّز الصندوق بشكل خاص على استثمارات البنية التحتية للطاقة المتجددة في أمريكا اللاتينية لتشغيل ثورة الذكاء الاصطناعي في نصف الكرة الجنوبي. ويأتي هذا الاهتمام المُتزايد لصندوق الاستثمارات العامة في أعقاب جولة قام بها وزير الاستثمار السعودي إلى سبع دول في أمريكا اللاتينية في أغسطس 2023م"بهدف استكشاف الفرص لتعزيز وتعميق الشراكات الاستثمارية" في قطاعات التعدين وتجهيز الأغذية والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والترفيه والأدوية والتكنولوجيا الحيوية.

بلاك شك، يُساهم هذا التنوع في الشراكات لدول مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير في تحقيق الاستقرار الاقتصادي لدول المجلس، من خلال تقليل الاعتماد على شريك تجاري واحد، والاستفادة من الفرص المتنوعة التي تُتيحها الأسواق والتقنيات والخبرات المختلفة، وتعزيز القدرة التنافسية لاقتصادات دول المجلس في الأسواق العالمية. فمن خلال بناء جسور التعاون مع مختلف دول العالم وتكتلاته الاقتصادية، تُرسخ دول المجلس مكانتها كقوة اقتصادية فاعلة تُساهم في بناء مستقبل اقتصادي عالمي مُزدهر.

مقالات لنفس الكاتب