array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 206

موقف السعودية والكويت الموحد تجاه حقل الدرة يستقطب الدعم الدولي ويعزز موقعهما مقابل إيران

الخميس، 30 كانون2/يناير 2025

لا يعد الخلاف بين السعودية والكويت من جهة وإيران من جهة أخرى حول حقل "الدرة" جديداً، بل إنه متجدد باستمرار. وربما يعكس هذا الخلاف تحديداً إحدى السمات الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية بشكل عام، والرؤية التي تتبناها طهران إزاء العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي على نحو خاص.

إذ تحرص إيران باستمرار على الاحتفاظ بما يمكن تسميته "نقاط خلاف" مع دول المجلس، يمكن أن تستخدمها في حالتي توتر وتحسن العلاقات مع الأخيرة في آن واحد. ففي الحالة الأولى، تمثل هذه الخلافات إحدى أدوات الضغط التي تحاول إيران أن تستخدمها في إدارة هذا التوتر، وهو ما يبدو جلياً في الخطوات التي تتخذها إزاء الملفات الخلافية عندما يتصاعد هذا التوتر في علاقاتها مع إحدى دول المجلس.

وفي الحالة الثانية، تعد هذه الخلافات آلية تسعى من خلالها إيران إلى توسيع هامش الخيارات وحرية الحركة المتاحة أمامها، واستيعاب أية تجاذبات سياسية داخلية بين القوى والمؤسسات المختلفة حول اتجاهات العلاقات مع دول المجلس، والتي لا تحظى دائماً بإجماع داخلي، في ظل السياسة الراديكالية التي تتبناها بعض تلك القوى والمؤسسات.

وقد بدا لافتاً على سبيل المثال، أن إيران أعادت افتعال الخلاف حول حقل "الدرة" -الذي تطلق عليه "آرش" -رغم إدراكها أنه يمثل حقلاً مشتركاً تعود ثرواته إلى كل من السعودية والكويت فقط، بالتوازي مع تحسن علاقاتها مجدداً مع بعض دول مجلس التعاون الخليجي.

إذ أبرمت اتفاق بكين لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع السعودية، في 10 مارس 2023م، وبدأت بعض دول مجلس التعاون في اتخاذ قرارات لرفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي مع طهران مجدداً، على غرار الإمارات والكويت، بعد أن كانت قد قامت بتخفيضه تضامناً مع السعودية، بعد الاعتداء على السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران ومشهد في بداية يناير 2016م.

فبعد أقل من خمسة أشهر على هذا الاتفاق، قال وزير النفط الإيراني (السابق) جواد أوجي، في 30 يوليو 2023م، أن إيران "تتمسك بحقوقها في حقل آرش"، مضيفاً: "إن لم تكن هناك رغبة في التوصل إلى تفاهم أو تعاون، فإن إيران سوف تقوم بتأمين حقوقها".

هنا، فإن ثمة ملاحظتين رئيسيتين يجب أخذهما في الاعتبار: الأولى، أن تصريحات الوزير الإيراني لا تتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، والتي تشير إلى أن إيران هي العقبة الأساسية التي تواجه تسوية هذا الملف الخلافي، خاصة أن كلاً من السعودية والكويت سبق أن عرضتا ترسيم الحد الشرقي للمنطقة المغمورة المقسومة بين السعودية والكويت كطرف تفاوضي واحد مقابل الطرف الإيراني، باعتبار أن ذلك يمثل الآلية الأساسية التي يمكن من خلالها حسم هذا الملف الخلافي، وهو ما تماطل إيران باستمرار في الرد عليه بشكل إيجابي.

والثانية، أن الموقف السعودي - الكويتي المشترك في هذه القضية حظي بدعم خليجي واضح، بدا جلياً في البيان الذي صدر عن قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت بالكويت في أول ديسمبر 2024م، والذي نص على أن "حقل الدرة يقع بأكمله في المناطق البحرية للكويت، وأن ملكية الثروات الطبيعية في المنطقة المغمورة المقسومة المحاذية للمنطقة المقسومة السعودية – الكويتية بما فيها حقل الدرة بكامله، هي ملكية مشتركة بين السعودية والكويت فقط، ولهما وحدهما كل الحقوق لاستغلال الثروات الطبيعية في تلك المنطقة، مع الرفض القاطع لأى ادعاءات بوجود حقوق لأى طرف آخر".

أهمية الموقف الجماعي الخليجي

هذا الدعم الخليجي الذي يحظى به الموقف السعودي -الكويتي في الخلاف حول حقل "الدرة" مع إيران يكتسب أهمية وزخماً خاصاً، لاعتبارات رئيسية ثلاثة: أولها، أنه يعزز الموقف السعودي -الكويتي في مواجهة الادعاءات الإيرانية، ويؤكد لإيران أن هناك ظهيراً خليجياً داعماً لكل من الرياض والكويت في هذا الصدد، وهو المسار الذي دائماً ما تحاول إيران تجنبه في إدارة علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي.  

وثانيها، أنه يوجه رسالة مباشرة إلى طهران مفادها أن السياسة التي تتبناها بصفة دائمة وتقوم على تفكيك الموقف الخليجي، وإدارة العلاقات مع دول المجلس على أساس فردي لن تحقق نجاحاً في هذا الصدد، باعتبار أن هناك إصراراً من جانب الرياض والكويت على تبني موقف تفاوضي مشترك وطرح وجهة نظر واحدة في مواجهة المزاعم التي تسعى طهران إلى ترويجها.

وثالثها، أنه يؤكد لإيران أيضاً أنه لا مجال لتقديم تنازلات لها في هذا الملف تحديداً، على نحو قد يساهم في تشكيل قوة ضغط أكبر ربما تساعد لاحقاً، في حالة توافر ظروف إقليمية مختلفة، في إجراء تغيير في السياسة الإيرانية إزاء هذا الملف تحديداً.

 

رؤية طهران

 

لا يبدو أن إصرار إيران على افتعال الخلاف حول حقل "الدرة" مع كل من السعودية والكويت يعود فقط إلى الثروات الطبيعية التي يحتويها الحقل، حيث يصل احتياطي الغاز القابل للاستخراج، حسب التقديرات، إلى نحو 200 مليار متر مكعب. ومن المتوقع، وفقاً لهذه التقديرات، أن ينتج الحقل نحو مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي و84 ألف برميل من المكثفات يومياً.

إذ أن إيران تأتي في المرتبة الثالثة على مستوى العالم من حيث احتياطات النفط (208.6 مليار برميل)، والثانية على مستوى العالم من حيث احتياطات الغاز (33 تريليون قدم مكعب). كما أنها تشترك مع قطر في أكبر حقل غاز في العالم، وهو حقل "بارس الجنوبي"، والذي يبلغ احتياطي الغاز فيه 51 تريليون متر مكعب، ويصل مستوى الاستخراج اليومي منه إلى حوالي 1.2 مليار متر مكعب.

من هنا، يمكن القول إن إصرار إيران على افتعال هذا الخلاف يكتسب أبعاداً سياسية واقتصادية في آن واحد، حيث تسعى إيران عبر ذلك إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها في:

  • امتلاك أوراق ضغط ضد دول المجلس: تسعى إيران بصفة مستمرة – كما ذكر سابقاً -إلى امتلاك أوراق ضغط يمكن أن تستخدمها ضد دول مجلس التعاون الخليجي، حتى خلال الفترات التي يتسع فيها نطاق التعاون وتتحسن العلاقات الثنائية بين إيران والدول الست. وهنا، فإن ذلك يعود في المقام الأول إلى أن هناك ملفات خلافية أخرى دائماً ما تبرز بين الحين والآخر، على غرار الرفض الخليجي المستمر للتدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المجلس، فضلاً عن الدعم الخليجي التقليدي للمقاربة التي تتبناها الإمارات إزاء قضية الجزر الثلاثة المحتلة من قبل إيران: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى.

ودائماً ما تتضمن بيانات القمم والاجتماعات الخليجية بنوداً ترتبط بالعلاقات مع إيران، والقضايا الرئيسية الخاصة بها، على غرار دعوة إيران إلى الالتزام بمبادئ حسن الجوار، والبرنامجين النووي والصاروخي وغيرها، فضلاً عن ملفي الجزر الإماراتية وحقل الدرة، وهو ما ترد عليه إيران باستمرار بتأكيد عدم تغير سياستها إزاء هذه الملفات، حتى وإن كانت في الوقت نفسه تحرص على تأكيد استمرار تمسكها بالسعي نحو تحسين العلاقات مع دول المجلس، بل إنها تتخذ في بعض الأحيان خطوات تصعيدية للرد على ذلك.

فقد أشارت طهران أكثر من مرة إلى إمكانية إقدامها على القيام بتنفيذ عمليات التنقيب والحفر في حقل "الدرة"، حيث قال مساعد الرئيس الإيراني للشؤون القانونية محمد دهقان، في 8 مارس 2024م، أن إيران سوف تبدأ في عمليات الحفر في الحقل في حالة ما إذا بدأت الكويت أيضاً.

ومثّلت هذه التصريحات رداً من جانب طهران على ما جاء في البيان الصادر عن اجتماع مجلس وزراء خارجية دول مجلس التعاون في الرياض، في 3 مارس 2024م، والذي تضمن بنداً خاصاً بحقل الدرة، جدد التأكيد على دعم المقاربة التي تتبناها السعودية والكويت في هذا الملف تحديداً.

فضلاً عن ذلك، فإن إيران تمعن في تعزيز حضورها على مستويات مختلفة، لاسيما العسكري، في الجزر الإماراتية الثلاث، حيث أعلن قائد القوة البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري، في 5 سبتمبر 2024م، أن إيران قامت بتعزيز قواتها الدفاعية في الجزر الثلاث.

وهنا، فإن هذه الخطوات التصعيدية التي تتخذها إيران في هذا الصدد ترتبط أيضاً بنجاح الإمارات في استقطاب دعم بعض القوى الدولية للمقاربة التي تتبناها في هذا الملف، على غرار الصين.

فقد كانت التحركات العسكرية التي تقوم بها إيران في الجزر، في قسم منها، رداً على البيان الإماراتي – الصيني الذي صدر عقب الزيارة التي قام بها رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى بكين، في بداية يونيو 2024م، والذي جاء فيه أن الصين تعبر عن دعمها لمساعي دولة الإمارات للتوصل إلى حل سلمي لقضية الجزر الثلاث، وذلك من خلال المفاوضات الثنائية وفقاً لقواعد القانون الدولي، ولحل هذه القضية طبقاً للشرعية الدولية.

  • تبني سياسة "تقسيم الأدوار": وهي سياسة مستقرة تحرص إيران على اتباعها في إدارة علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية. وربما يؤشر ذلك إلى حالة "الازدواجية" أو "الإثنينية" التي تتسم بها التفاعلات التي تجري داخل إيران على المستويات المختلفة، والتي تبدو جلية في المزاوجة بين "الحرس الثوري" و"الجيش"، و"الإصلاحيين" و"المحافظين"، و"الجمهورية" و"الإسلامية"، وغيرها.

هذه الازدواجية تبدو أكثر وضوحاً في المواقف التي تتخذها إيران إزاء العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي. ففي الوقت الذي تسعى بعض الحكومات الإيرانية المتعاقبة، مثل حكومتي إبراهيم رئيسي (قتل في حادث تحطم مروحية خلال زيارة له إلى محافظة أذربيجان الشرقية في 19 مايو 2024م)، ومسعود بزشكيان، إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، باعتبار أن ذلك يمثل إحدى الآليات التي تستند إليها إيران في تقليص حدة الضغوط والعقوبات التي تفرضها الدول الغربية عليها بسبب اتساع نطاق الخلافات العالقة بين الطرفين، تمعن بعض المؤسسات النافذة في نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على غرار الحرس الثوري، فضلاً عن بعض التيارات السياسية، ولاسيما تيار المحافظين الأصوليين المتشدد، في اتخاذ بعض الخطوات أو الإدلاء ببعض التصريحات التي من شأنها أن تؤثر على مستوى العلاقات مع تلك الدول أو تضع حدوداً للتحسن الذي طرأ على تلك العلاقات خلال العامين الماضيين.

وقد بدا ذلك جلياً، على سبيل المثال، خلال فترة التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، كأحد تداعيات عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها "كتائب القسام" – الذراع العسكرية لحركة حماس – داخل مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر 2023م، وما تلاها من حرب إسرائيلية في قطاع غزة، ثم لبنان.

إذ اندلعت مواجهات عسكرية مباشرة بين إيران وإسرائيل للمرة الأولى، منذ تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م. وقد بدأت هذه المواجهات عندما قامت إسرائيل بقصف القنصلية الإيرانية في دمشق، على نحو أسفر عن مقتل 7 من قادة الحرس الثوري في مقدمتهم قائد فيلق القدس في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي، في أول أبريل 2024م، على نحو دفع إيران إلى شن هجمات بواسطة صواريخ وطائرات من دون طيار ضد إسرائيل في 13 من الشهر نفسه، ردت عليها الأخيرة بهجوم على قاعدة جوية في محافظة أصفهان بعد ذلك بستة أيام.

وتجددت المواجهات بين الطرفين، عندما شنت إيران هجمات صاروخية ضد إسرائيل في أول أكتوبر 2024م، رداً على قيام الأخيرة باغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله برفقة نائب قائد فيلق القدس عباس نيلفروشان، وقبلهما رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في قلب العاصمة طهران، وهو ما ردت عليه إسرائيل بشن هجمات واسعة النطاق في 26 من الشهر نفسه.

قبل هذه الهجمات الأخيرة تحديداً، بدا لافتاً أن إيران وجهت تهديدات مباشرة إلى كل القوى الإقليمية والدولية المعنية بما يجري في المنطقة، ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي، مفادها أن استهداف إسرائيل لمنشآتها النفطية سوف يستتبعه هجوم على منشآت نفطية في دول عديدة بالمنطقة، وذلك بهدف ممارسة ضغوط على تلك القوى من أجل منع إسرائيل من توسيع نطاق هجماتها واستهداف تلك المنشآت، خاصة في ظل الأهمية المتزايدة التي تبديها تلك القوى لاستمرار تدفق الطاقة من المنطقة إلى العالم، لاسيما بعد تراجع إمدادات الطاقة الروسية إلى الدول الأوروبية ثم وقفها على خلفية استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية التي اندلعت في 24 فبراير 2022م.

كما هدد الحرس الثوري، في 9 أكتوبر 2024م، وقبل نحو أسبوعين من الهجمات الإسرائيلية، باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، بما فيها القوات الأمريكية الموجودة في منطقة الخليج العربي. وقبل ذلك بثلاثة أيام، أشار قائد القوات البحرية في الحرس الثوري علي رضا تنكسيري إلى إمكانية إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز، الذي يحظى بأهمية خاصة على المستويين الإقليمي والدولي، حيث يمر عبره (21 مليون) برميل نفط يومياً بما يمثل 21% من الاستهلاك العالمي للوسائل النفطية.

  • تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية: رغم أن إيران دولة غنية بالثروات الطبيعية، لاسيما النفط والغاز، إلا أنها تواجه أزمة اقتصادية قوية، لم تنجح الإجراءات العديدة التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة في احتواء تأثيراتها. وتبدو هذه الأزمة واضحة في ظاهرة انقطاع الكهرباء التي تعاني منها إيران حالياً، رغم حلول فصل الشتاء، على نحو أدى إلى إغلاق المؤسسات الحكومية والتعليمية والمنشآت الاقتصادية بشكل متكرر. وربما تتفاقم هذه المشكلة مع حلول فصل الصيف وتزايد الاستهلاك المحلي للكهرباء، في ظل الارتفاع المستمر في درجات الحرارة.

وتعود تلك المشكلة إلى انهيار البنية التحتية الإيرانية بسبب العقوبات المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، التي سبق أن انسحبت من الاتفاق النووي في 8 مايو 2018م، وأعادت فرض تلك العقوبات في 7 أغسطس من العام نفسه. وقد أشارت تقديرات عديدة إلى أن العجز في كميات الغاز التي تحتاجها إيران للتعامل مع تلك الظاهرة يصل إلى 350 مليون متر مكعب يومياً.

وقد أنتجت هذه العقوبات تداعيات مباشرة خصمت من قدرة إيران على تطوير القسم الخاص بها من حقل بارس الجنوبي الذي تشترك فيه مع قطر. إذ أبرمت المؤسسة النفطية الوطنية الإيرانية، في 4 يوليو 2017م، عقداً بقيمة 5 مليارات دولار لتطوير المرحلة الحادية عشر من الحقل، مع كل من شركة "توتال" الفرنسية و"سي إن بي سي" الصينية. إلا أن إعادة فرض العقوبات الأمريكية دفع الشركة الفرنسية، في 20 أغسطس 2018م، أي بعد نحو أسبوع فقط من إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على اتخاذ تلك الخطوة، إلى الانسحاب من الصفقة تجنباً للتعرض لهذه العقوبات. ورغم أن الشركة الصينية حلت محل نظيرتها الفرنسية، حيث حصلت على كامل حصتها في الصفقة، إلا أنها اضطرت بدورها للانسحاب منها، في 6 أكتوبر 2019م، بسبب التعقيدات الإدارية والمشكلات الحكومية الأخرى في إيران.

من هنا، لا يمكن استبعاد أن يكون من ضمن أهداف إيران لافتعال الخلاف حول حقل "الدرة" المشاركة في الثروات التي يمتلكها والعوائد التي يمكن أن تنتج عن ذلك، على نحو يفسر إصرار إيران على تقسيم ثروات الحقل بين الدول الثلاث، رغم أنه ملكية مشتركة لكل من السعودية والكويت فقط.

4ـ مأزق الخيارات المحدودة: تواجه إيران في إدارة هذا الخلاف مع كل من السعودية والكويت ما يمكن تسميته بـ "مأزق الخيارات المحدودة. إذ يحظى الموقف السعودي – الكويتي المشترك بدعم خليجي وإقليمي واضح. كما أن إصرار إيران على عدم الاستجابة لمطالب السعودية والكويت بترسيم الحدود البحرية باعتبار أن ذلك يمكن أن يساهم في حسم الخلاف، يضعف موقفها بشكل أكبر.

ويمكن تفسير إصرار إيران على عدم ترسيم الحدود البحرية في ضوء اعتبارين: أولهما، أن إبقاء الخلاف حول ترسيم الحدود البحرية قائماً يتوافق مع حسابات إيران التي دائماً ما تحاول استغلال ذلك في إدارة علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة في حالة بروز خلافات بين إيران وبعض تلك الدول. وثانيهما، أن الاستجابة لترسيم الحدود يمكن أن يدعم موقف الإمارات في قضية الجزر الثلاثة المحتلة من جانب إيران.

إذ تدعو الإمارات باستمرار إلى تسوية الخلاف حول ملف الجزر إما عبر التفاوض الثنائي مع إيران أو من خلال التحكيم الدولي. وقد حظيت هذه المقاربة بدعم خليجي وإقليمي ودولي واضح، بدا جلياً في تأييد قوى دولية عديدة – وبعضها يؤسس علاقات قوية مع إيران -مثل روسيا والصين واليابان، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لهذه المقاربة، على نحو فرض تداعيات سلبية على العلاقات بين إيران وتلك القوى خلال المرحلة الأخيرة.

5ـ التحذيرات السعودية والكويتية من خطورة البرنامج النووي: كانت السعودية والكويت في مقدمة دول مجلس التعاون الخليجي التي أطلقت تحذيرات عديدة من خطورة إمعان إيران في تخفيض مستوى التزاماتها في الاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع مجموعة "5+1" في 14 يوليو 2015م. كما أنها كانت من أوائل الدول التي دعت إلى إشراك مجلس التعاون في المفاوضات التي تجري حول هذا الملف تحديداً، باعتبار أن التداعيات الاستراتيجية التي يمكن أن يفرضها أي مسار محتمل لهذا البرنامج تؤثر بشكل مباشر على أمن ومصالح دول المجلس.

ومن دون شك، فإن هذه التحذيرات والدعوات لا تتوافق مع حسابات إيران، التي دائماً ما تبدي تحفظات إزاء إشراك دول مجلس التعاون الخليجي في المفاوضات التي تجري مع القوى الدولية، رغم أن هذه القوى كلها من خارج المنطقة. ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن يكون جزءاً من حرص إيران بصفة مستمرة على افتعال الخلاف حول حقل "الدرة" مرتبطاً، في قسم منه، بمحاولاتها الرد على تلك التحذيرات والدعوات.

خاتمة

على ضوء ذلك، يمكن القول إن حرص السعودية والكويت على تبني موقف واحد مشترك تجاه هذا الملف الخلافي مع إيران يكتسب أهمية وزخماً خاصاً، لاسيما خلال المرحلة الحالية. وربما يساهم ذلك خلال الفترة القادمة في استقطاب دعم دولي لهذا الموقف يمكن أن يعزز موقع الدولتين مقابل إيران، خاصة في ضوء تزايد اهتمام القوى الدولية بتعزيز علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، على المستويات المختلفة، الاقتصادية والسياسية والأمنية، في ظل الموقع الاستراتيجي الهام الذي تحظى به هذه الدول.

وتشير المواقف التي تتخذها بعض القوى الدولية، مثل الصين وروسيا، إلى أنها بقدر ما كانت حريصة على تعزيز علاقاتها مع إيران، فإنها كانت حريصة في الوقت نفسه على توسيع هامش الخيارات وحرية الحركة المتاحة أمامها في التعامل مع ملفات خلافية عالقة بين إيران وبعض الدول، ومن بينها بعض دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما يمكن استثماره من أجل تعزيز الموقف السعودي – الكويتي إزاء هذا الملف الحيوي على المستوى الدولي خلال المرحلة القادمة.

مقالات لنفس الكاتب