على مدى العقود الأربعة الماضية، كثيرًا ما تردد حديث قادة سياسيين ومحللين عن "شرق أوسط جديد". وغالبًا ما كانت هذه النُذُر تأتي على لسان مصادر إسرائيلية أو شركاء إسرائيل داخل أمريكا. وفي عام 1982م، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الحين أرييل شارون، عن رؤيته لـ “شرق أوسط جديد"، حيث تتولى حكومة مارونية موالية السلطة في لبنان، مع إقامة "دولة" فلسطينية داخل الأردن بعد أن يتم تهجير الفلسطينيين والقضاء على منظمة التحرير الفلسطينية. وفي أعقاب التوقيع على اتفاقيات "أوسلو"، وضع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز تصوراً لشرق أوسط جديد، يعمل فيه الشباب الفلسطيني والإسرائيلي سويًا بالشركات التكنولوجية الناشئة، دون مُطالبة إسرائيل بتحريك ساكن لمخاطبة المطالب الفلسطينية. ثم أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر، حربه العالمية على الإرهاب، متطلعًا إلى سقوط الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط الجديد وصعود أنظمة ديمقراطية. ومع اجتياح تسونامي الربيع العربي بلدان المنطقة، صاغت واشنطن مجدداً تصوراً لبزوغ نظام ديمقراطي-ليبرالي في المنطقة. فيما تجدد الحديث الإسرائيلي عام 2020م، عن "شرق أوسط جديد"، بعد قبول بعض البلدان العربية بتطبيع علاقاتها مع تل أبيب فيما يعرف بـ “اتفاقيات إبراهام".
الرابط المشترك بين كافة الرؤى الإسرائيلية-الأمريكية أن جميعها مُضللة، تخدم مصالح ذاتية، وبعيدة عن الواقع. فقد كُتب لهذه الرؤى الموت قبل أن تبصر الحياة، بسبب قيامها على فرضية واهمة بأنه يمكن تحقيق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط دون حل القضية الفلسطينية. وليس مستغرباً أن تفضي هذه الأحلام الواهية لمزيد من الحروب، والقتل، والدمار. مع ذلك، يبدو أن هذه الملحمة المحزنة من الفشل المستمر لم تترك أثرًا في تل أبيب، في ظل مواصلة بنيامين نتنياهو حديثه عن نشأة "شرق أوسط جديد". مُشيرًا، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر من العام الماضي -إلى خريطتين-إحداهما أسماها " الخريطة المباركة"، والتي تظهر وجود روابط سياسية، واقتصادية، ولوجستية بين إسرائيل وأصدقائها من العرب، وأخرى وصفها بـ “الخريطة الملعونة"، تضم خصوم إسرائيل وهم إيران، وسوريا، ولبنان، والعراق، واليمن. في حين لم تأت أي من الخريطتين على ذكر أي شيء يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة. فلم تقدم رؤية رئيس الحكومة الإسرائيلية شيئاً يذكر للمشاركة، والتوافق، والاستقرار، والسلام الإقليمي-على النقيض، فإن ما نراه في شرق أوسط جديد بعيون نتنياهو، ما هو إلا تأكيداً على مبدأ القوة الغاشمة لقوى عنصرية معادية لكل ما هو أجنبي ساعية لبسط هيمنتها من خلال استخدام آلة الحرب، والتهجير الجماعي، والإبادة الجماعية.
وفي ظل الدمار بالمنطقة نتيجة الهجمات العسكرية الإسرائيلية الممتدة من دمشق إلى غزة، ومن بيروت إلى طهران، تتكشف نوايا إسرائيل؛ حيث أصدر وزير الخارجية الإسرائيلي خارطة جديدة لما يُسمي بـ “إسرائيل العظمى" متضمنة أجزاء من الأردن، ولبنان، وسوريا، والتي من المفترض أنها تجسد مملكة إسرائيل القديمة. هذا الاستفزاز المُتعمد من الجانب الإسرائيلي لا يستند إلى أساس تاريخي، وليس مفاجئاً أنه أشعل فتيل تظاهرات رأت فيها محاولة فجة لإنكار الهوية الفلسطينية والمطالبة بدولة ذات سيادة. ورغم تفاخر نتنياهو بأن انتصارات إسرائيل العسكرية، أدت إلى تغيير ميزان القوى بالمنطقة لسنوات مقبلة، إلا أن ذلك لم يثر إبهار المراقبين: في مقالها الافتتاحي، أشارت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية إلى "المعاناة التي لا توصف للشعب الفلسطيني في قطاع غزة ولبنان"، وسلطت الضوء على الاتهامات الموجهة لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية، مشددة على أن أمن إسرائيل لن يتحقق سوى من خلال إعلاء السلام.
وفي مقَاله بموقع " ميدل إيست آي"، رأى الكاتب سانسوم ميلتون أن الحرب الإسرائيلية أعادت تشكيل المنطقة، ولكن ليس على النحو الذي يعتقده نتنياهو: موضحًا أن الحرب في غزة عززت " حسًا أكثر عمقاً بالوحدة داخل الشارع العربي". داعيًا الدول العربية للاستجابة لهذه المشاعر الجياشة واستعادة دورها الفعال والزخم في إعادة تشكيل مستقبل المنطقة". وهو ما عبر عنه المحلل المقيم في أمريكا جيمس زغبي، مُشيرًا إلى أن "الشرق العربي أضحى غارقًا في حالة من الفوضى ــ ضعيفًا، مُتشرذمًا، مفتقرًا إلى بوصلة، محاصرًا في دوامة الصراعات، فاقدًا القدرة على تقرير مصيره".
وهو ما دفع مجلس التعاون الخليجي لأن يأخذ على عاتقه الاستجابة بشكل قوي وفعال لهذه الأحداث.
رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي
في 28 من مارس 2024م، أعلن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي “الرؤية الخليجية للأمن الإقليمي". وتعد هذه هي المرة الأولى في تاريخ المجلس التي يتم فيها صياغة رؤية خليجية استراتيجية مشتركة بإجماع كافة الدول الأعضاء. ومن الواضح أن هذه الرؤية نشأت في كنف الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني المستمر والدمار الذي ألحقته بجيران مجلس التعاون الخليجي العرب. وخلال عرضه، وصف الأمين العام للمجلس الرؤية بأنها "ليست مجرد التزام سياسي، بل هو التزام أخلاقي نلتف حوله جميعًا". وتستند الرؤية على احترام مبادئ "المصير المشترك والأمن غير القابلة للتجزئة". ومن هذا المنطلق، فإنها تفوض دول المجلس للقيام بدور الوساطة لحل الخلافات من خلال المفاوضات، والقنوات الدبلوماسية، والحوار". كما أنها تمنح مكانة مركزية لجهود تسوية القضية الفلسطينية على أساس "حل الدولتين"، وتؤكد أن عرقلة الحل العادل لهذه القضية "عامل رئيسي في زعزعة استقرار المنطقة"، ويشجع على "انتشار التطرف، والكراهية، والعنف، إقليميًا ودوليًا".
تخاطب الرؤية العديد من القضايا الأخرى ذات طابع أمني وهي كالآتي:
- شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل.
- مكافحة الإرهاب والتطرف.
- تعزيز الأمن السيبراني ومكافحة الجريمة الإلكترونية.
- ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.
- الحفاظ على الأمن المائي وحرية الملاحة.
- الدفاع عن الموارد الاقتصادية الحيوية، وخلق فرص استثمارية، وتنفيذ مشروعات طموحة وابتكارية.
- السعي إلى حلول فعالة لمعالجة أزمة تغير المناخ.
- مجابهة التحديات التي تواجه المياه والأمن الغذائي.
وأشار نائب الأمين العام للشؤون السياسية، عبد العزيز العويشق، إلى أن الرؤية وضعت دول مجلس التعاون في قلب إطار الأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط من خلال السعي إلى تجهيزها للاضطلاع بهذا الدور عبر منح الأولوية لتعزيز قدراتها المحلية من أجل" ردع المخاطر ومصادر التهديد المحدقة بأمنها وسلامة أراضيها". كما ألزمت دول مجلس التعاون نفسها ببناء شراكات استراتيجية لضمان أمن إمدادات الطاقة، والأمن المائي، ومنع انتشار الأسلحة". ووصف مركز "تريندز للبحوث والاستشارات"، الذي يتخذ من الإمارات مقرًا له، الرؤية الخليجية بأنها "دعوة واضحة لعصر جديد من الدبلوماسية والسلام في منطقة الخليج" من شأنها أن تشكل "الديناميكيات الجيوسياسية" في المنطقة وتقدم "منارة أمل للتعايش السلمي والتعاون" على المستويين الإقليمي والعالمي.
كما تعد مبادرة مجلس التعاون للأمن الإقليمي علامة رائدة في تاريخ المجلس الذي ظل على مدار فترات طويلة عازفًا عن تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين أعضائه-حتى أن ميثاقه التأسيسي لم يتضمن أي إشارة أو ذكر لهذا النمط من القضايا. ورغم أن المجلس عكف خلال حقبة الألفية الثالثة على وضع اللمسات الأخيرة على معاهدة الدفاع المشتركة وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة، واعتبر المحلل جون -لو سمعان أن الرؤية الخليجية " علامة فارقة على صعيد مسيرة التماسك والترابط الاستراتيجي لمجلس التعاون ". وبالنظر إلى كونها أول وثيقة للمجلس تصوغ رؤية مشتركة تتعلق بالأمن الإقليمي، فليس من قبيل الصدفة أنه تمت صياغتها بعناية وحذر-دون تسمية دول بعينها والاكتفاء بالإشارة إلى بواعث القلق دون الإسهاب في تناولها، ما دفع بعض النقاد للقول بأن الوثيقة جاءت مستفيضة في صيغتها البلاغية وغير مرجح أن تصبح مسودة لعمل خليجي فعال. مع ذلك، سيجد هؤلاء المشككين أن كثيرًا من شكوكهم تمت بالفعل مخاطبتها ضمن الوثيقة الختامية الصادرة عن قادة مجلس التعاون الخليجي خلال القمة 45 للمجلس في الكويت في ديسمبر الماضي. حيث فتحت هذه القمة آفاقًا جديدة في تعريف دور هذه المنصة للتعاون الإقليمي، ومسؤولياتها والتزاماتها. وقد أجمع قادة دول المجلس على أهمية " توحيد مواقف الدول الأعضاء ضد كافة التحديات" وتأكيد التزامها حيال استقرار المنطقة وأمنها بهدف تعزيز التعاون والروابط بين مواطني الدول الخليجية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة".
ما يفوق ذلك أهمية، هو تقديمهم شرح واف ومفصل عن حجم المخاوف القائمة والمصالح المستهدفة. بالتالي، تضمنت الوثيقة نحو 20 فقرة مُكرسة لاستعراض المحاور المختلفة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وإدانة أعمال العنف الإسرائيلية باعتبارها جرائم إبادة جماعية وعقاب جماعي للشعب الفلسطيني. بالمثل، خصصت الوثيقة ما يقرب من 15 فقرة لمخاطبة القضايا المرتبطة بإيران؛ احتلالها للجزر الإماراتية الثلاثة، والتأكيد على دعم الكويت في نزاعها أمام إيران على ملكية حقل الدرة النفطي. إلى جانب مطالبة طهران بالالتزام بـ “مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، والتوقف عن التدخل في شؤون الدول، وحل النزاعات سلميًا". وفي خطوة تعكس تحسنًا في العلاقات مع طهران، انتقدت الوثيقة تصاعد وتيرة التوترات الإقليمية من خلال الهجمات الصاروخية التي تعرضت لها إيران (دون ذكر إسرائيل بشكل مباشر).
تضمنت الوثيقة أيضًا عرضًا مستفيضًا للعديد من القضايا الإقليمية والعالمية: اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، والسودان، وليبيا، والمغرب، وأفغانستان، والصومال، والحرب في أوكرانيا. فيما أشارت إلى الحوار الاستراتيجي والاجتماعات الوزارية المشتركة التي عقدها المجلس في عام 2024م، مع العديد من البلدان بما في ذلك: الصين، وروسيا، والولايات المتحدة، والبرازيل، والهند، واتحاد البنلوكس، ودول الشمال الأوروبي الخمس، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، فضلاً عن المفاوضات التجارية التي أجراها مع كل من تركيا، وكوريا الجنوبية، ونيوزلندا.
تعكس رؤية مجلس التعاون للأمن الإقليمي والوثيقة الصادرة عن القمة الأخيرة وحدة المجلس، وخطواته الواثقة، ووعيه بحجم التحديات الناجمة عن الهزة التي يتعرض لها النظامين الإقليمي والعالمي، بجانب حرصه على الاضطلاع بدور بنَاء مُستمد مما وصفته الرؤية، ب “المكانة الدينية والثقافية للدول الأعضاء، وأهميتها الجيوسياسية والاقتصادية المحورية، وموقعها المركزي وسط أهم الممرات البحرية، ودورها الرائد في تسوية الأزمات السياسية والاقتصادية إقليميًا وعالميًا". يعد هذا المستوى الذي حققه مجلس التعاون الخليجي من الوحدة، والثقة في النفس، والزخم، نتاج عملية تطور استمرت على مدار 5 أعوام أو ما يقرب من ذلك، وهو ما سيتم تناوله خلال الفقرات التالية:
التمسك بـ التعددية القطبية
إن الأساس الذي قامت عليه رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي والبيان المشترك المفصل الصادر عن القمة المنعقدة في ديسمبر الماضي، تم الإعداد له من خلال توسع دول المجلس شرقًا في علاقاتها الاقتصادية وروابط الطاقة لديها، ومع اكتسابه المزيد من الثقة، تَعززت الاستقلالية الاستراتيجية لمجلس التعاون الخليجي في النظام الناشئ متعدد الأقطاب. وقد انعكس الجنوح الخليجي المتزايد صوب الشرق، مع تحول أنماط التجارة الخليجية صوب آسيا. وقد بدأ ذلك مع نمو صادرات الطاقة إلى الأسواق الآسيوية بالتزامن مع تحقيق الولايات المتحدة وكندا اكتفاءً ذاتيًا من الإنتاج النفطي ومؤشرات تراجع الطلب في غرب أوروبا نتيجة التحول صوب مصادر الطاقة الخضراء. واليوم، يبلغ إجمالي الواردات الآسيوية من صادرات النفط والغاز الخليجيين 70%: حيث تستورد الصين 20%، وجنوب آسيا (بما في ذلك الهند) 15 %، فيما تصل الواردات اليابانية 15 %، وتبلغ واردات رابطة دول آسيان وكوريا الجنوبية مجتمعة 10 %.
ومن المرجح أن يستمر هذا النمط، على مدى العقدين المقبلين على أقل تقدير، وسط توقعات بأن تصبح الهند أكبر مصدر للطلب العالمي على النفط بحلول عام 2030م. وبينما قد تتمكن الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية من تقليص وارداتها الهيدروكربونية إلى حد ما، تظل الخطوات الفعلية في مسيرة التحول صوب الطاقة الخضراء غير محسومة بعد، بما يوحي باستمرار قوة الطلب على مصادر الطاقة التقليدية. وينطبق ذلك بشكل خاص على إمدادات الغاز الطبيعي المتوقع أن تكون الوقود الرئيسي في مسار التحول الطاقي. بالتالي، من المتوقع أن يتضاعف معدل الطلب الصيني على الغاز الطبيعي إلى 700 مليار متر مكعب بحلول عام 2050م، مقارنة بــ 360 مليار متر مكعب في عام 2021م، وتشير التقديرات إلى أن معدل استهلاك منطقة آسيا -المحيط الهادئ للغاز الطبيعي بشكل عام سيقفز من 600 مليار متر مكعب في 2021م، إلى 1600 مليار متر مكعب بحلول 2050م.
تنعكس بيانات الطاقة المُشار إليها عبر أنماط التجارة أيضًا، حيث أصبحت الصين حاليًا شريكًا رئيسيًا لمجلس التعاون. وخلال عام 2021م، استحوذت الصين على حوالي 12% من التجارة المتبادلة للإمارات، مع بلوغ التجارة غير النفطية 58 مليار دولار، ويعد المجلس أكبر شريك تجاري إقليمي للهند: حيث شكلت تجارته مع الهند ما بين عامي 2022 و2023م، نحو 16% من إجمالي حجم تجارة الأخيرة، مقارنة بنحو 11.6% مع الاتحاد الأوروبي. ويدعم التحسن في العلاقات التجارية والطاقة بين دول المجلس وآسيا استثمارات كبيرة ثنائية الاتجاه، وخاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون
يتزامن توجه دول المجلس نحو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشرق، مع توسع نطاق المشاركة في كل من مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، اللتين تمثلان قوى اقتصادية صاعدة خارج نطاق الدول الغربية. حيث يشكل أعضاء مجموعة بريكس 30% من المساحة اليابسة للكرة الأرضية، و45% من تعداد سكان العالم، و37% من الناتج المحلي العالمي الإجمالي، و18% من التجارة العالمية. وفي أعقاب انعقاد قمة "بريكس " بمدينة جوهانسبرغ في أغسطس 2023م، تم الترحيب بانضمام كل من السعودية، والإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا كأعضاء بالتكتل.
وتقدم "بريكس" لمجلس التعاون العديد من الفرص الجذابة:
أولًا، تشكل المكانة المركزية لمجموعة بريكس على مستوى اقتصاد الطاقة العالمية موضع جذب لمجلس التعاون، حيث يمثل أعضاؤها 43 % من الإنتاج العالمي من النفط و32 % من الغاز الطبيعي، بينما يمثلون أيضًا 38 % من واردات النفط الصينية والهندية.
ثانيًا، بلغت حصة دول بريكس في التجارة العالمية من السلع 40% خلال عام 2022م، مع نمو ملحوظ للتجارة البينية بين الدول الأعضاء بالمجموعة. على سبيل المثال، شهدت التجارة الروسية تحولًا متناميًا صوب الصين والهند، في أعقاب العقوبات الغربية المفروضة على موسكو على خلفية حربها على أوكرانيا.
ثالثًا، قدم بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس والبنك الآسيوي للبنية التحتية والاستثمار الذي تقوده الصين، والذي يضم السعودية والإمارات كجهات مساهمة، ائتمانًا يزيد عن 71 مليار دولار لمشروعات متنوعة في مجالات: البنية التحتية، والصحة العامة، والطاقة النظيفة.
رابعًا، يمكن أن يلعب بريكس دورًا في التشجيع على المعاملات غير الدولارية ودعم العملات الرقمية، مستفيدًا من مكانة أعضائه كمُصدرين ومستوردين للسلع. فضلًا عن سلة الاحتياطيات التي يزخر بها والتي يمكن الاستعاضة بها عن حزم دعم صندوق النقد الدولي في مساندة الدول التي تعاني أزمات مالية.
خامسًا، أنشأت مجموعة بريكس الموسعة "شراكة حول الثورة الصناعية الجديدة" و"مركز الكفاءات الصناعية" لتعزيز الابتكار والتعاون في التقنيات الناشئة مثل: الطاقة النظيفة والرقمنة والذكاء الاصطناعي.
وتعتبر منظمة شنغهاي للتعاون أحد أبرز التكتلات الأخرى التي يتعاون معها مجلس التعاون. وتضم المنظمة التي أنشأتها الصين عام 2001م، كلًا من روسيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، والهند، وباكستان، وإيران. فيما تم منح كل من السعودية، والإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت صفة شركاء في الحوار، إلى جانب تركيا ومصر. ويمثل ذلك امتدادًا رئيسيًا لمشاركة مجلس التعاون في أوراسيا، بما يضع حجر الأساس لما يصفه الأكاديميان الصينيان دي غانغ وفانكسي بأنه "تشكيل مجتمع آسيوي شامل في العصر الحديث".
تضفي هذه المشاركة الحديثة قيمة للجانبين. فبينما ينعم مجلس التعاون وأعضاء المنظمة بعلاقات تجارية كبيرة، تفتح مشاركته الموسعة مع دول أوراسيا آفاقًا جديدة للاستثمار والمشاركة في مشروعات الربط اللوجيستي. بينما، يظل المجال الأمني زاخرًا بالآفاق والإمكانات المثيرة التي لم تستكشف بعد-بخلاف المخاوف التقليدية المتعلقة بالتطرف، والإرهاب، والاتجار في المخدرات، والأسلحة، لقضايا مثل التعاون في دعم منظومة الأمن الآسيوي الأوسع نطاقًا كجزء من نظام ناشئ متعدد الأقطاب. كذلك، تتيح الشراكة مع "بريكس " و"شنغهاي" سبلًا لتمكين مجلس التعاون من تنويع مشاركاته الدبلوماسية والاقتصادية، وممارسة دور نشط في إعادة كتابة قواعد الأنظمة العالمية، بل وحتى تشكيل هياكل الحكومة الجديدة بدلا من المؤسسات الغربية التي ظلت على مدار العقود السبعة الماضية تتحكم في شكل التفاعلات الدولية.
ثانيًا، تتيح هذه التكتلات لمجلس التعاون إمكانية تجاهل روابطه الأمنية التقليدية مع القوى الغربية، والتأكيد على استقلاليته الاستراتيجية من خلال سعيه لتوسيع التعاون مع الشركاء البارزين في مناطق جغرافية مختلفة مثل الصين، والهند، وروسيا، مع الحفاظ على علاقات متبادلة المنفعة مع الغرب.
ثالثًا، يساعد تنوع المشاركات الاستراتيجية في تعزيز التعددية القطبية ونبذ التركيز الذي تقوده الولايات المتحدة على نظام حرب باردة جديد يسعى لإجبار الدول للانحياز إلى معسكر دون الآخر.
الشراكة الخليجية-الهندية
بينما يخطو مجلس التعاون تجاه مسيرة الاضطلاع بدور موحد وبنَاء في المنظومة السياسية والاقتصادية العالمية، يمكن أن تصبح الهند شريكًا مهمًا في هذا المسعى. حيث تمتد العلاقات الهندية مع المنطقة إلى آلاف السنين. وظلت مستمرة دون انقطاع، مع تطورها للاستجابة للاحتياجات والقدرات المتغيرة لدى الجانبين. وعلى مدى القرون الماضية، أصبحت الهند مصدرًا رئيسيًا للمواد الغذائية، والمنسوجات، وغيرها من عناصر الحياة لدول المنطقة. فضلًا عن بروزها خلال أوائل القرن العشرين كمقصد للوفود الطلابية، والسياحية الخليجية، والسياحة العلاجية. وتدريجيًا، تحولت الهند، منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى مستورد رئيسي لإمدادات الطاقة الخليجية ومُوردًا للقوى العاملة الماهرة. والآن، يتواجد نحو تسعة ملايين هندي يعملون بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث يشكلون أكبر جالية مهاجرة في كل دولة من دول مجلس التعاون منفردة، فضلًا عن وجودهم على كافة درجات السلم الاقتصادي. وأصبح الهنود شركاءً في شركات التكنولوجيا الناشئة داخل بلدان مجلس التعاون، حتى أن العديد منهم أسس مشروعاته الخاصة بمليارات الدولارات، أيضًا تفاعل كبير بين قطاعي الشركات الهندي والخليجي، مع استثمارات متبادلة في مجالات الطاقة، والبنية التحتية، والصناعة، والتكنولوجيا.
في عام 2010م، أكدت الهند السعودية على شراكتهما الاستراتيجية، التي باتت تشمل الآن كافة دول مجلس التعاون الخليجي. ومنذ عام 2015م، بذل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي جهدًا كبيرًا في سبيل تعزيز الروابط من البلدان الخليجية من خلال الحرص على التفاعلات الشخصية المنتظمة مع قادة دول المجلس، وإضفاء الطابع المؤسسي على منصات الحوار والتعاون، ومراقبة التقدم في المجالات السياسية، والأمنية، والاقتصادية عن كثب. وقد دعمت هذه المبادرات جهود التعاون المتعدد الأطراف عبر المشاركة في تكتلات دولية مثل بريكس ومنظمة شنغهاي ومجموعة "آي تو يو تو" (التي تضم كل من أمريكا، وإسرائيل، والإمارات، والهند)، بخلاف مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط بين آسيا وأوروبا عبر شبه الجزيرة العربية. كما أسست الهند شراكة ثلاثية مع فرنسا والإمارات تركز على تعزيز الأمن الملاحي والتعاون في مجال التكنولوجيا.
الآفاق المستقبلية
ساهم إضافة محتوى أمني ودفاعي ثري في تعزيز العلاقات التقليدية بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي تشمل أبعادًا متعددة في مجالات الطاقة، والاقتصاد، والتفاعل بين المجتمعات. فأصبح هناك تفاعلات منتظمة بين دول مجلس التعاون والقوات المسلحة وأجهزة الأمن الهندية، فضلًا عن التدريبات المتكررة التي تعزز الألفة المتبادلة والقدرة على العمل المشترك. وتخضع هذه الشراكات الاستراتيجية لإشراف القادة الوطنيين، ووزراء الخارجية، ومُستشاري الأمن القومي.
تجدر الإشارة إلى أنه حتى وقت قريب كانت العلاقات الهندية ـ الخليجية تقتصر على المستوى الثنائي؛ أي أنه في الوقت الذي تنعم نيودلهي بعلاقات وثيقة، ومتنوعة، وجوهرية مع كافة دول مجلس التعاون الخليجي منفردة، فإنها لم تكن تتعامل مع مجلس التعاون الخليجي كمجموعة متكاملة سوى من خلال التعاملات غير الرسمية مع الترويكا الخليجية (الثلاثي الرئاسي لمجلس التعاون الخليجي) على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد تم تصحيح هذا الإغفال في سبتمبر العام الماضي، حينما أكد وزير الشؤون الخارجية الهندي د. سوبرامانيام جاي شانكار، خلال لقائه مع وزراء خارجية مجلس التعاون -على أهمية المجلس باعتباره الجوار الممتد للهند، مؤكدًا على ضرورة تأسيس هذه الشراكة على ثلاثة مبادئ “الشعوب، والازدهار، والتقدم". وقد اُختتم اللقاء بالإعلان عن خطة عمل مشتركة تمتد لأربعة أعوام، تمنح الأولوية للتعاون الأمني في مجالات الدفاع، والتدريبات العسكرية، والتعاون الصناعي. كما حدد الاجتماع مجالات أخرى للتعاون -الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وطرق التجارة الاستراتيجية والأمن البحري، والأمن السيبراني. وعلى هذا النحو، فإن خطة العمل المشتركة مع الهند تكمل رؤية مجلس التعاون للأمن الإقليمي، بالنظر إلى أن الأخيرة تركز على أهمية بناء دول المجلس " علاقات استراتيجية وتأسيس شراكات إقليمية ودولية" من أجل تحقيق الأمن، والاستقرار، والسلام في المنطقة. وقد أكدت مشاهد الموت المروعة والدمار الذي عصف بمنطقة الشرق الأوسط على مدار العام الماضي أن المنطقة موطن لبعض القضايا المهمة المستعصية التي تحدت جهود الوساطة الدولية ومحاولات التسوية، كونها تعتبر حاسمة في تحديد الهويات والدفاع عنها وعن مصالح الشعوب المتناحرة. فإن ثمانية عقود كاملة من العداء، والصراعات، وإراقة الدماء لم تجلب الأمن والرخاء لأي من الأطراف الفاعلة، بل كانت كفيلة لضمان أن كل مواجهة تُرسي أساسًا لمواجهة أخرى مقبلة أكثر دمارًا وهلاكًا.
وفي ضوء الرؤى الجديدة التي أصبحت تشكل ملامح المشاركات الهندية-الخليجية والتعاون بين الجانبين وتشجع على مزيد من التقارب الاستراتيجي، تم تمهيد الطريق من أجل تعاون مثمر بين الجانبين لتحقيق الاستقرار في المنطقة عبر بناء الثقة المتبادلة بمرور الوقت، والعمل نحو بناء سلام مستدام. وفي إطار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والصراع الفلسطيني -الإسرائيلي تحديدًا-عين على مجلس التعاون والجانب الهندي، بالتنسيق مع شركائهما في المنطقة، اتباع نهج من أربع مراحل كما يلي:
إدارة الصراع: يستدعي ذلك وقفًا فوريًا لأعمال العنف، وتبادل الأسرى الفلسطينيين والرهائن الإسرائيليين، وتوافر المساعدات الإنسانية، وعودة النازحين إلى أوطانهم. ويمكن أن تشهد هذه المرحلة انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة ونشر قوات حفظ سلام. ومع تسهيل الولايات المتحدة سبل التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، يتسنى لمجلس التعاون والهند إلى جانب الشركاء الآخرين تزعم جهود حفظ السلام والإغاثة.
حل النزاع: قد يتطلب الأمر تبني نهج جديد حيث تتولى السلطة الفلسطينية، بعد إصلاحها، إدارة الأراضي المحتلة على أن تركز مهمتها الرئيسية على إعادة تأهيل المجتمع الفلسطيني في غزة تحت إشراف دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية، وتنمية الحياة الاقتصادية القابلة للاستمرار، مع السماح لإسرائيل بالوصول إلى احتياطيات الغاز البحرية في غزة، وتنمية مصائد الأسماك والسياحة.
المرحلة الثالثة: يقتضي إعادة تعريف العلاقات بين فلسطين والكيان الإسرائيلي مستوى عال من الثقة المتبادلة، مع التخلي عن المواقف المتصلبة ذات المحصلة الصفرية. وبإمكان دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة المملكة العربية السعودية، والإمارات، وقطر، أن تلعب دورًا تيسيريًا رئيسيًا، مع حضور أمريكي نشط يضمن المصالح الأمنية للطرفين.
المرحلة الرابعة: ربما تشهد تخفيفًا لحدة المخاوف الإسرائيلية الكامنة تجاه إيران، مع إمكانية تحقيق تكامل بين الدولتين ودول الجوار ضمن إطار أمني إقليمي شامل. ونظرًا إلى المواقف المترسخة والمشحونة عاطفيًا بين الخصوم الرئيسيين، قد يستغرق الأمر جهدًا دبلوماسيًا مطولًا بما يختبر مدى التزام ومرونة رعاة عملية السلام ومواردهم.
وإذا ما وضعنا في الحسبان المذابح المستمرة، وبقاء الحكومة اليمينية المتطرفة الإسرائيلية في السلطة، فضلًا عن الشعور بنشوة الانتصار في البلاد، والعداء العميق بين إيران وإسرائيل (المدعومة من الولايات المتحدة)، قد يبدو مسار العمل المذكور أعلاه غير واقعي ومندفعًا. ولكن من يدري؟ فكما يقول جلال الدين الرومي: "أحيانًا تمنحنا عتمة الكهف الباردة فسحة الضوء الذي ينير لنا السبيل “. / "أحيانا تمنحنا عتمة الكهف الباردة شقاً من النور ليرشد خطانا"






