لطالما كان التوافق السياسي هو السٍّمة الغالبة على العلاقات الخليجية ـ المغربية، فرغم تباعد المجالات الجغرافية، إلا أن شكل الأنظمة السياسية الحاكمة في كلا المجالين، وخصوصية المشترك الديني والتاريخي واللغوي، وكذلك طبيعة التحديات السياسية والاقتصادية التي واجهتها هذه الدول خلال الحقبة التي أعقبت تأسيس جامعة الدول العربية، جعلت العلاقات البينية تأخذ طابعاً مختلفاً عن العلاقات القائمة بين بقية الدول العربية المنضوية تحت لواء الجامعة، مُتجاوزة بذلك العوائق الجغرافية، لتمتد وتتشعب، جامعةً بين ثناياها ما هو سياسي وأمني واقتصادي أيضاً، ومُشكِّلةً بذلك استثناءً لحالة الجمود والتضاد التي طبعت العلاقات البينية لعدد من الدول العربية خلال فترات متعددة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، وكانت سبباً في إجهاض كل التجارب الوحدوية بشقيها السياسي والاقتصادي، وجعلت من المؤسسات الاقتصادية العربية مجرد بنيات مفرغة، ومن الاتفاقيات الاقتصادية آليات تشريعية مُعطلة.
لقد بات هذا الوضع الاستثنائي الذي تمثله العلاقات المغربية - الخليجية في محيط إقليمي -عربي سمته الغالبة الاضطراب والقطيعة والتوجس، موضوع عدد من الأسئلة التي تحاول تفكيك نقاط قوة هذا البناء في العلاقات الذي يجمع دول الخليج العربي بالمملكة المغربية، خاصة في بُعديه الدبلوماسي والأمني، في حين ما يزال التعاون الاقتصادي يثير بدوره أسئلة في سياق مخالف تتعلق بأسباب بطء وتيرة تطوره، على الرغم من توفر الإرادة وتطابق المواقف وتناظر الرؤى والتطلعات، وهو أمر لمسناه مرة تلو الأخرى في مناسبات عديدة، كان آخرها، البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي في دورته الخامسة والأربعين في مطلع ديسمبر الماضي، حيث شدد هذا البيان على أهمية الشراكة الاستراتيجية وعلى تنفيذ خطة العمل المشترك بين المجموعة الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي والمغرب.
سنحاول من خلال هذه الورقة، تفكيك المدخلات السياسية والأمنية ورصد آثارها في تحفيز وتيرة التعاون الاقتصادي بين دول الخليج العربي والمملكة المغربية، كما سنحاول العمل على تسليط الضوء على واقع التعاون الاقتصادي البيني في ظل السعي المعلن لبلوغ مستوى التعاون الاستراتيجي متعدد الأبعاد، دون أن نغفل الإشارة إلى ما تحقق، وما قد يتحقق مستقبلاً، وكذلك إلى العقبات التي قد تحول دون تحقيق التطلعات المسطرة وسُبل تجاوزها.
- التعاون الاستراتيجي الخليجي –المغربي: تعاون بسرعات متفاوتة
لقد جمعت الرباط بدول الخليج العربي، منذ استقلال المملكة المغربية عام 1956م، إلى حين وفاة الملك الراحل الحسن الثاني عام 1999م، علاقات مميزة خاصة على المستويين الدبلوماسي والأمني، حيث أدى التقارب بين شكل الأنظمة السياسية إلى توافق كبير في المواقف على المستويات الإقليمية والعربية والدولية؛ فعلى امتداد هذه العقود الأربعة كانت المملكة المغربية دائمة الدعم لأشقائها في دول الخليج العربي من أجل مواجهة مختلف التهديدات الأمنية وكذلك السياسية.
وفي هذا السياق، تعكس المواقف السياسية الداعمة للخليج العربي في مواجهة التهديدات الإيرانية بعد قيام ثورة الخميني أواخر سبعينيات القرن الماضي، حجم وعمق العلاقات بين الطرفين، وهي مواقف كانت وما تزال رافضة لتدخلات طهران في الشؤون الداخلية لدول الخليج العربي، كما هي رافضة لاحتلال أجزاء منه لا تزال بأيدي إيران إلى اليوم، وهو دعم امتد أيضاً خلال سنوات التسعينات لتعزيز صمود المنطقة في وجه الأطماع العراقية، حيث تطور الدعم السياسي ليصبح دعماً عسكريًا بعد احتلال الكويت سنة 1990م، وهو ذات النهج الذي سارت عليه المملكة المغربية على عهد الملك محمد السادس، حيث سُجلت مواقف عديدة أكدت من خلالها الرباط مواقفها الثابتة بدعم دول الخليج سياسياً وعسكرياً في مواجهة التهديدات الإقليمية أو الإرهابية، وهو أمر سجلناه أيضاً من خلال ردود الفعل المغربية القوية تجاه إيران التي ادعّت سنة 2009م، حقوقاً ترابية لها بمملكة البحرين، انتهت بطرد السفير الإيراني بالرباط وسحب سفير المملكة من طهران إلى حدود اليوم، كما سجلناه من خلال مشاركة المغرب في عاصفة الحزم من أجل دعم الشرعية باليمن وقطع الطريق أمام تعاظم النفوذ الإيراني بالمنطقة.
في المقابل، كان الدعم الخليجي السياسي والمالي للمغرب من أجل استكمال و حدته الترابية ثابتاً وحاسماً في تعزيز موقف المملكة المغربية خلال سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، إزاء المساعي الرامية لزعزعة استقرارها وتقويض وحدتها الترابية، وتُعد أبرز محطة في هذا المسلسل هو الدعم المالي الذي قدمته دول الخليج العربي للمملكة المغربية خلال المسيرة الخضراء والمشاركة الفعلية فيها، دون أن نغفل الحديث عن أدوار الوساطة التي قامت بها على وجه الخصوص المملكة العربية السعودية، لحل النزاع بين المغرب والجزائر سنة 1976م، والوساطة بين المغرب وموريتانيا سنة 1981م، وكذلك الوساطة مرة أخرى بين المغرب والجزائر سنة 1987م، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ يرحمه الله ـ من أجل تطبيع العلاقات بين البلدين وإعادة العلاقات الدبلوماسية بعد أن شهدت توترًا كبيراً على خلفية تطورات قضية الصحراء المغربية التي كانت سبباً في اندلاع حرب كلفت المغرب خسائر بشرية ومادية فادحة، سعت الدول الداعمة للحركة الانفصالية لجعلها حرب استنزاف اقتصادي تنتهي إلى تدمير مقومات الدولة وإحداث اضطرابات اجتماعية وتفكيك المملكة، وهو السيناريو الذي تجنبته الرباط بفضل الدعم الكبير الذي لقيته من أشقائها بالخليج.
وفي هذا الصدد وما هو جدير بالذكر، أنه خلافاً لما كان يُنتظر، لم تنعكس التوافقات السياسية بين الرباط والخليج العربي بشكل جيد على التعاون الاقتصادي، حيث ظلت الاستثمارات الخليجية في المغرب محدودة، وظلت واردات المحروقات تهيمن على المبادلات التجارية بين الجانبين، كما أن حضور العمالة المغربية في دول الخليج العربي ظل محدوداً مقارنة ببقية الجاليات القادمة من دول إسلامية أو عربية أخرى، وهو وضع ساهم فيه بشكل كبير التباعد الجغرافي، فالمواقف السياسية لا تحتاج إلى بنى تحتية للشحن والتفريغ، ولا لخطوط إنتاج أو نقل، كما لا تحتاج إلى معاهدات معقدة لتنظيمها ومؤسسات للإشراف على تنزيلها، وهو الأمر الذي يفسر التباطؤ الذي شهده التعاون الاقتصادي بين المغرب والخليج العربي إلى حدود اليوم.
من أجل تدارك هذا الوضع، وجعل التعاون الاقتصادي بين الطرفين يرتقي لتطلعات قادة وشعوب المنطقة، ويساير سرعة تطور العلاقات السياسية والأمنية، سعى المغرب ودول الخليج العربي بشكل ثنائي، ابتداء من ستينيات القرن الماضي إلى حدود اليوم إلى وضع أسس إطار تشريعي ينظم العلاقات التجارية بينها ويرتقي بها إلى مستويات استراتيجية، وهي المساعي التي أثمرت ثلاث اتفاقيات للتجارة والرسوم الجمركية وقعت مع المملكة العربية السعودية عام 1966م، وسلطنة عمان عام1982م، ودولة قطر عام 1990م، وفي ذات الصدد يمكن إدراج اتفاقية التبادل الحر بين المغرب والإمارات العربية المتحدة عام 2001م، واتفاقية التجارة مع دولة الكويت عام 2010م، بخصوص إنشاء لجنة تجارية مختلطة وتوسيع مجال المبادلات التجارية والاستثمارية، وكذلك إعلان الشراكة المبتكرة الموقعة بين المغرب ودولة الإمارات العربية المتحدة عام 2024م.
إلى جانب هذا الإطار التشريعي المغربي الخليجي، يمكن أن نورد الإطار التشريعي العربي والإسلامي الذي يكفل بدوره عدداً من الامتيازات الجمركية والتجارية لجانبين تحت مظلة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ونخص بالذكر اتفاقية تسهيل تنمية المبادلات التجارية بين الدول العربية لعام 1981م، واتفاقية الإطار للنظام التجاري التفضيلي بين الدول المنتمية لمنظمة التعاون الإسلامي الصادرة عام1993م.
وعلى الرغم من كون هذا الإطار التشريعي يفتقد لنص يجمع بين دول الخليج كتكتل اقتصادي والمملكة المغربية كشريك اقتصادي، فإنه بالإمكان أن يشكل قاعدة يُستند إليها من أجل تطوير المبادلات التجارية بين الخليج العربي والمغرب واستكشاف فرص جديدة للاستثمار المشترك، وهو الأمر الذي لم يتم بالشكل المطلوب، على اعتبار أن عوائق وتحديات أخرى كانت تحول دون تطوير التعاون الاقتصادي غير مرتبطة بالتشريعات والاتفاقيات والمعاهدات.
لقد لعب ضعف الربط البحري والجوي بين الخليج العربي والمغرب دوراً كبيراً في تقليص فرص وإمكانيات تطوير المبادلات التجارية والاستثمارات البينية، فولوج السوق الخليجية في ظل تعثر خطوط الإمداد والنقل، وارتفاع أسعار نقل البضائع، أثر بشكل سلبي على تنافسية البضائع المغربية التي كان عليها مواجهة منافسة قوية من البضائع القادمة من مصر وتركيا وجنوب شرق آسيا والصين، خاصة المنسوجات والملابس والمواد الغذائية، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أنه إلى حدود مستهل الألفية الثالثة كانت الصادرات المغربية عمومًا لا تعرف تنوعاً كبيراً، حيث أنها كانت تشتمل بالأساس على الفوسفات ومشتقاته والمنتجات الزراعية الطازجة والمصنعة، وهو أمر أيضاً ساهم بشكل كبير في تقليص القدرة التنافسية للمنتجات المغربية باستثناء الفوسفات والمواد المشتقة عنه، وهي المنتجات والمواد الخام التي ما تزال تهيمن على صادرات المغرب نحو دول الخليج العربي؛ في المقابل، ظلت معظم الواردات القادمة من الخليج العربي نحو المغرب متمركزة حول المحروقات ومشتقاتها وهو ما جعل الميزان التجاري يميل لصالح دول الخليج على اعتبار أن المملكة المغربية تستورد جل حاجياتها من المحروقات، خاصة من دول الخليج العربي، وهو ما أعطى قيمة مالية أكبر لهذه الواردات.
لقد أدى الافتقار إلى خطوط ربط بحرية مباشرة، وضعف الإطار التشريعي المنظم للتجارة والاستثمار بين المغرب ودول الخليج، وضعف الترويج المتبادل للفرص الاستثمارية، وغياب اتفاقية جامعة تحدد طبيعة العلاقات الاقتصادية وشكل الشراكة المنتظرة، إلى هزالة الحصيلة الاقتصادية مقارنة بما تم تحقيقه على المستويين السياسي والأمني، وهو الأمر الذي دعا إلى التفكير في إنشاء شكل تعاوني جديد، بُغية الارتقاء بالعلاقات البينية، خاصة الاقتصادية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
- من التعاون البيني إلى الشراكة الاستراتيجية .. ما الذي تغير؟
لقد أدى تسارع الأحداث بالمنطقة العربية، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008م، واندلاع أحداث الربيع العربي، إلى رسم ملامح خارطة سياسية واقتصادية جديدة بالمنطقة، جعلت دول الخليج العربي تقترح على المملكة المغربية والمملكة الأردنية الهاشمية إطاراً جديدًا للتعاون السياسي والأمني والاقتصادي، بموجبه يمكن للبلدين الاندماج بشكل أكبر في مجلس التعاون الخليجي عبر منحهما العضوية، وهو المقترح الذي سرعان ما تم تطويره ليأخذ شكل شراكة استراتيجية مرنة سنة 2012م، رغبة في منح فرصة للمغرب والأردن من أجل تطوير اقتصادهما وتمكينهما من تدارك التفاوت الذي كان بالإمكان أن يٌفرغ هذا المقترح من جدواه ويبعده عن تحقيق مبتغاه.
وتجدر الإشارة في هذا السياق، أن هذه الشراكة أثمرت تأسيس صندوق دعم خليجي بقيمة خمس مليارات دولار لدعم التنمية في المغرب بين 2013 و2018، كان لها دو كبير في دعم عدد من المشاريع التنموية والرفع من الجاذبية الاستثمارية للمملكة، خاصة بعض المشاريع الزراعية بشمال المغرب وإنشاء طرق سيارة وسريعة بشرقه، وإنشاء سدود مائية بمدن الراشيدية والحسيمة وثلاث مستشفيات جامعية بمدن وجدة وطنجة وأغادير، وتهيئة موانئ آسفي والناضور؛ إلى جانب إنشاء هذا الصندوق، أسفرت الاتفاقية الموقعة بين المملكة المغربية ودول مجلس التعاون الخليجي بالمنامة عام2012م، عن خطة عمل امتدت خلال الفترة ما بين 2012 – 2018م، مكنت من إعطاء العلاقات الاقتصادية بين الجانبين زخماً قوياً ازداد وهجاً بعد زيارة الملك محمد السادس للمنطقة خلال ذات السنة، وحضوره القمة الخليجية سنة 2016م.
وفي هذا الصدد جدير بالذكر أن المملكة المغربية كانت تحاول صياغة اتفاقية شراكة استراتيجية على غرار الاتفاقية التي تجمعها بالاتحاد الأوروبي عام 1996م، وهي الشراكة التي ارتقت بشكل كبير بالمبادلات التجارية المغربية الأوروبية وكذلك بالاستثمارات التي تشكل اليوم 66% من مجموع الاستثمارات الأجنبية بالمغرب، ومن أجل ذلك سعت الرباط برفقة شركائها الخليجيين إلى تحديد مجال الشراكات وتحديد الأهداف والتوجهات العامة، وتعيين آليات العمل من أجل اكتشاف وتثمين فرص الاستثمار ومجالات التعاون المشترك، وهو الأمر الذي تمت ترجمته عبر الاتفاق على عقد قمة سنوية لوزراء الخارجية وتأسيس مجلس شراكة ينعقد كل سنة وإنشاء لجان متخصصة للبث في عدد من المشاريع المرتبطة بالبيئة والطاقة المتجددة ،التعليم العالي والبحث العلمي ،الموارد الطبيعية ، الشباب و التنمية الاجتماعية ، التعاون الاقتصادي والقضائي والقانوني والثقافي والسياحي، إلى جانب عقد عدد من اجتماعات غرف مجلس التعاون الخليجي، وذلك سعياً لتطوير الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتعزيز تبادل الخبرات وزيادة حجم التبادل التجاري ورفع الحواجز الجمركية أمام البضائع المغربية والخليجية.
لقد ساههم هذا الإطار الجديد، والمؤسسات المنبثقة عنه في تحفيز التعاون الاقتصادي بين البلدين وتذليل عدد من العقبات التي كانت تحول دون الارتقاء بالتعاون الاقتصادي إلى مستوى التطلعات، وهو ما جعل المملكة المغربية تحتل الرتبة السابعة في قائمة الدول الأكثر استفادة من دعم دول الخليج، بقيمة إجمالية بلغت 3.3 مليار دولار خلال الفترة ما بين 2011 و2022م.
وعلى الرغم من هذا التحسن المطرد الذي شهده الدعم والاستثمارات الخليجية بالمغرب، إلا أن وضع المبادلات التجارية ظل عاجزاً عن مواكبة وتيرة التطور الذي شهدته مختلف أبعاد التعاون الاستراتيجي، حيث تراجع ترتيب المغرب على مستوى سُلم المبادلات التجارية من المرتبة 41 عام 2013م، إلى المرتبة 51 عام 2023م، وذلك رغم تحسن أداء الميزان التجاري وارتفاع حجم المبادلات التجارية التي قاربت ثلاثة مليارات دولار، والتي لم يطرأ تطور كبير على بنيتها، التي تهيمن عليها الملابس الجاهزة، والمنتوجات الفلاحية، والسيارات وقطع الغيار، والزيوت المعدنية، بالنسبة للصادرات المغربية، في مقابل واردات ترتكز على المواد البترولية ومشتقاتها، والبلاستيك، الألومينيوم والأجهزة الكهربائية.
لقد كان لوضع الشراكة الاستراتيجية أثر إيجابي في تحفيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، وهو الأمر الذي تؤكده الأرقام المتعلقة بالدعم والاستثمار وحتى المبادلات التجارية، غير أنه تحفيز لم يرتق بالشراكة إلى المستويات المنتظرة، ولم يُسهم في ترجمة تطلعات دول مجلس التعاون الخليجي والمغرب في الارتقاء باقتصادهم إلى مدارج الاقتصادات المٌصنعة، والتأسيس لعلاقة تكاملية بين أنظمتهم الاقتصادية، وهو الوضع الذي يطرح مرة أخرى تساؤلات بخصوص ما يجب فعله من أجل تسريع وتيرة التعاون والارتقاء به.
- تعاظم التحديات، موجب لتطوير الآليات
بالنظر إلى حجم التطلعات الاقتصادية الراهنة لكل من المملكة المغربية ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن الإطار التعاوني الحالي، على الرغم من تحقيقه لنتائج إيجابية خلال العقد المنصرم، فإنه لا يلبي حاجيات التطور والتنوع والتكامل المعبر عنها من قبل الطرفين، فالمملكة المغربية الراغبة في الانعتاق من هيمنة القطاعات الزراعية والخدماتية والساعية لتسريع الانتقال نحو اقتصاد الصناعة، تحتاج إلى إطار تعاوني أشمل وأكثر فعالية مما هو الحال عليه اليوم مع دول الخليج العربي، وهو أمر سبق أن تم تأكيده قبل سنتين حين أصدرت المملكة المغربية نسخة جديدة من ميثاق الاستثمار، بموجبها حدد قطاعات جديدة ذات أولوية، في مقدمتها الطاقات المتجددة، والصناعات الميكانيكية والفضائية، والصناعات الدوائية، والصناعات الدفاعية، وذلك وفق مقاربة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يمثل فرصة جيدة للارتقاء بالتعاون الاقتصادي بين الرباط ودول الخليج العربي إن توفرت الآليات الكفيلة بذلك، خاصة أن هذه التوجهات تتقاطع أيضاً مع تطلعات معظم دول مجلس التعاون الخليجي الراغبة في تنويع اقتصادها وتقليص هيمنة المحروقات على مشهدها الاستثماري، ناهيك عن السعي المشترك للتحول إلى اقتصادات مصدرة سواء نحو الأسواق الكلاسيكية كأوروبا وأمريكا الشمالية أو الأسواق الصاعدة كإفريقيا.
إن توافق الرؤى وتطابق التطلعات باتت تفرض على المغرب وشركائه الخليجيين، تطوير آليات العمل المشترك، بٌغية استكشاف فضاءات جديدة للتعاون، كإفريقيا، حيث يمكن للمملكة المغربية أن تشكل منصة للاستثمارات الخليجية داخل القارة، من خلال توظيف شبكة مصارفها وشركاتها للنقل الجوي والبحري ومقاولات التأمين والاتصالات وغيرها لتصريف الاستثمارات الخليجية، وكذلك من خلال فتح باب الشراكات في المشاريع القارية الكبرى كمركبات إنتاج الأسمدة وخطوط نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا نحو المغرب، وهو ما يشكل فرصة استثمارية كبرى لدول المجلس التي تستثمر اليوم أكثر من 100 مليار دولا داخل القارة، والتي تسعى لتطوير استثماراتها بشكل أكبر بالتعاون مع عدد من الدول الإفريقية كمصر وإثيوبيا والمغرب أيضاً.
لقد أسهمت أحداث الربيع العربي وما تلاها من تعاقب للأزمات الاقتصادية في التقريب بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، تقارب عزز توجه الجانبين إلى إقرار إطار استراتيجي جديد كان له وقع إيجابي على تحفيز التعاون والارتقاء به إلى مستويات مقبولة، غير أن مجال التعاون البيني ما يزال غير مستثمر بالشكل المطلوب، وهو ما يقتضي تطوير آليات ومؤسسات التعاون بالشكل الذي يستجيب للتطلعات المشتركة ويساهم في الإجابة عن التحديات الكبرى، خاصة تحديات الأمن الغذائي و الرقمنة والسيادة الطاقية والبحث العلمي وغيرها، مما يقتضي تكاثفاً للجهود من أجل إيجاد موطئ قدم اقتصادي عربي بين كبار العالم، وهو الإطار الذي يجب أن يستحدِث مؤسسات دائمة، يُعهد إليها بتتبع ومواكبة وتقييم التعاون الاقتصادي بين المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، كما يعهد إليها باستكشاف الفرص وتقديم المعطيات، ناهيك عن ضرورة تعزيز الربط البحري بين مختلف الموانئ المغربية والخليجية، بل وتأسيس شركات نقل وشحن مشترك من أجل تجاوز العائق اللوجستي، وتأسيس شركات مشتركة للاستثمار في القطاعات التكنولوجية والدفاعية، دون أن نغفل مسألة تقوية البُنية المصرفية المشتركة ورقمنة كل المساطر التجارية والاستثمارية، مع وضع سقف زمني محدد للإنجاز، وهي الإجراءات التي من شأنها تصحيح مسار التعاون والتمكين من تجاوز مكامن الخلل التي أبطأت وتيرة تطوير التعاون المشترك والارتقاء به.





