مع طي صفحة نظام الأسد السوداء، تستعد سورية للدخول في مرحلة جديدة بعد الثامن من ديسمبر 2024م، مرحلة فيها خارطة معقدة من التحديات والاستحقاقات الوطنية وتحمل معها بذات الوقت العديد من المخاوف والمهددات التي تفتح البلاد على طيف واسع من السيناريوهات سواء تلك الدافعة باتجاه الاستقرار من خلال التشاركية والتكاتف الوطني أو تلك المهددة بتعزيز معطيات الاستقرار من خلال الدخول في أتون موجة عنف متعددة الأوجه وتنذر بالتشظي والتقسيم، ولعل الرغبة الأولية (سواء الدولية أو المجتمعية ) بتعزيز ديناميات الاستقرار في سورية تشكل إطاراً مهماً لإطلاق التعافي، واستعادة مكانة سورية في محيطها العربي والإسلامي، وإعادة بناء الدولة على أسس التنمية.
بالطبع، تحديات سورية الجديدة مركبة ومعقدة لاسيما أنها ورثت سنوات طويلة من النزاع تركت آثارًا عميقة على مختلف الأصعدة، بدءًا من انهيار الدولة والبنية التحتية والاقتصادية إلى تدمير النسيج الاجتماعي مروراً باستنزاف الجغرافية ومواردها وسياسات التهجير الممنهجة في هذه المرحلة، لذا تفترض هذه المقالة أن مبدأ التشاركية هو المعيار الذي من شأنه أن يصون السياسات الوطنية في المرحلة الانتقالية من جهة أولى، وينقذ البلاد من الأخطار المحدقة والمهددة للسلم الأهلي من جهة ثانية، ويوفر عناصر النجاح لكافة البرامج الوطنية التي ستعمل على مواجهة التحديات بمختلف الصعد من جهة ثالثة. ويؤمن انخراط إقليمي ودولي إيجابي مع الإدارة السورية الجديدة من جهة أخيرة.
لا يقتصر التحدي على استعادة الأمن الداخلي والسيادة الوطنية، بل يمتد إلى تعزيز العلاقات الإقليمية والدولية، رفع العقوبات الاقتصادية، وتفعيل مشاريع تنموية قادرة على إحداث نقلة نوعية في حياة الشعب السوري، وعليه فإن سوريا ( إدارة – مجتمع ) تحتاج في المرحلة الانتقالية إلى رؤية شاملة وخارطة طريق متكاملة تركز على الأولويات الوطنية، بدءًا من استعادة الأمن ووحدة الأراضي، وإطلاق عملية سياسية تعزز الشرعية السياسية الداخلية، ووصولًا إلى إعادة الإعمار، عودة اللاجئين، والعمل على تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية لدعم الانتقال نحو دولة مزدهرة ومستقلة.
أولًا: أولويات الأمن والضبط المحلي وتعزيز السيادة
منذ لحظة سقوط بشار الأسد الذي حرص على تفكيك الجيش والأمن قبل هروبه وهاجس الأمن وصون التراب الوطني واحتكار الدولة للعنف هو التحدي الوجودي الأبرز الذي يواجه تفاعلات المشهد السوري الداخلية والخارجية وللوصول إلى ذلك ينبغي الدفع باتجاه:
- جيش وطني موحد يحتكر السلاح
كغاية استراتيجية تتطلب سلسلة من الخطوات التي قد تمتد لسنوات، فإن استعادة السيادة الكاملة على كافة الأراضي السورية هي الخطوة الأبرز لإعادة بناء الدولة. ويتطلب ذلك بناء جيش وطني موحد/ حيادي، ويمثل السوريين كافة، ومجهز ليقوم بدوره في حماية الحدود وضمان الأمن الداخلي. وتشمل إعادة هيكلة الجيش تحسين تدريبه واحترافيته، مع ضمان إخضاعه لسلطة مدنية منتخبة تُشرف على عمله وفق القوانين الوطنية والدولية.
- عمليات الدمج والاستيعاب
كخطوة ابتدائية في المرحلة الراهنة فإن دمج واستيعاب المجموعات والفصائل المسلحة هو الخطوة الأهم وهو ما لا يتم عادة بسهولة كبيرة ويتطلب تفاهمات متنوعة تتعامل مع هواجس تلك المجموعات وتقاطعها مع الشرط الوطني، حيث يجب على الدولة أن تعمل على وضع خارطة طريق زمنية بأدوات تحفيزية تبدأ بنزع السلاح من جميع الجماعات، مع تقديم برامج تأهيل للعناصر التي يمكن إدماجها في المؤسسات العسكرية أو المدنية، لضمان عودة الاستقرار وتوحيد السلطة في يد الدولة. وسيشكل عامل التشاركية عاملاً دافعاً لجعل برامج الدمج والاستيعاب أكثر نجاعة.
- بناء أجهزة الأمن في سورية
وتنطلق من ضرورات حماية الوحدة الوطنية السورية. وحماية حدود سورية والعمل على إبقاء سورية موحدة بغض النظر عن شكلها سواء أكان بسيطاً أم مركباً والحد من عمليات التسليح وسحب السلاح من الفصائل غير المنضوية تحت سلطة الدولة. والعمل على تحقيق أمن المنشآت الحكومية والخاصة والحفاظ على مؤسسات الدولة. إضافة إلى حماية برامج مكافحة الإرهاب والتطرف والغلو. وصيانة خطط العدالة الانتقالية ومنع عمليات الانتقام من الأقليات وحمايتها. وينبغي أن يتم التركيز على:
- الفصل التام للأجهزة الأمنية عن تجاذبات السياسة بشكل كامل، بما يمنع التحزّب داخل هذا القطاع،
- تحسين طرق تقديم الخدمات الأمنية والعدلية، للمواطن السوري، وتقديم التدريب الاحترافي وفرض التطور على جميع العاملين في القطاع الأمني على أن يشمل هذا التدريب مجالات حقوق الإنسان والمواطنة، بالإضافة إلى المهارات التقنية والفنية ووضع إطار قانوني واضح لتحديد اختصاصات الأجهزة الأمنية وفقاً للمعايير والاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان.
- إنشاء أنظمة إدارة ورقابة ومساءلة فعّالة للأجهزة الأمنية، بحيث يحق لتلك الجهات الرقابية الاطلاع على الوثائق التي تكشف الأداء المهني والوطني للمؤسسة الأمنية، وفق معايير الأداء المهني عالي المستوى.
- تأسيس جهاز معلوماتي كفء، منوط به حماية الأمن الداخلي، وذلك شريطة أن يواكب هذا الجهاز متطلبات التحول الديموقراطي، وأن يخضع لمختلف وسائل الرقابة (تشريعية، قضائية، شعبية، مجتمعية، ذاتية).
- مكافحة الإرهاب ومنع عودة داعش
رغم تنامي مهددات الإرهاب وتعدد مستويات خطورته على المشهد السوري وضرورات الاستقرار ، إلا أن خصوصية البنية السورية وطبيعة تطور مستويات الصراع التي شهدتها جغرافيته، يجعل هذه الظاهرة بحاجة إلى إدراك لأسبابها كافة، سواءً المتصلة بالصراع ومفرزاته أم المتعلقة بالتراكمات التاريخية، ولعل التعامل مع الإرهاب كظاهرة صلبة تتمثل في تنظيم عسكري أو خلايا نائمة يتطلب حسماً عسكرياً وأمنياً، إلا أن استراتيجية المكافحة والمواجهة تفرض ضرورة توازي الأدوات العسكرية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، وذلك بحكم تنوع الدوافع والعوامل المفضية للتطرف والغلو بمختلف أشكاله (سواء الديني أم الأيديولوجي أم القومي)، لذا فالشرط اللازم للبدء في مكافحة الأجسام كافة، التي تنتهج العنف والإرهاب كوسيلة لبسط السيطرة والنفوذ هو بدء الممارسة السياسية وفق قواعد الإصلاح والتشاركية.
- إدارة مخيم الهول ومعالجة ملفاته الأمنية
فمخيم الهول كأزمة إنسانية وأمنية إذ يضم الآلاف من الأشخاص المرتبطين بتنظيم داعش يمثل تحديًا كبيرًا للدولة السورية. يجب على الحكومة تولي مسؤولية هذا الملف لضمان معالجته بشكل شامل. تشمل هذه الجهود:
- نقل إدارة المخيم إلى الدولة السورية بالكامل.
- إنشاء محاكم وطنية ذات شرعية دولية لمحاكمة الأفراد المرتبطين بالتنظيمات الإرهابية.
- تنفيذ برامج إعادة تأهيل للأطفال والنساء، مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم.
ثانيًا: خارطة طريق سياسية تستند على مبادئ العدالة الانتقالية
لا شك بأن التفاعل السياسي الداخلي هو المحرك الرئيسي نحو الاستقرار وكلما كانت بوصلته التشاركية فإنه سيمضي نحو تحقيق الأهداف المرجوة لمرحلة ما بعد الأسد، إلا أنه يتطلب ابتداءً سياسات إقليمية تعزز "دوافع الاستقرار في سورية" وهذا يتطلب في أمرين:
- تحقيق التوازن الإقليمي: تعزيز العلاقات مع الدول العربية وتركيا يمثل عاملًا حيويًا لتحقيق الاستقرار الداخلي في سوريا. التعاون مع هذه الدول يمكن أن يسهم في تمويل مشاريع التنمية، دعم الجهود الأمنية، وتخفيف الضغط على سوريا في مواجهة التحديات الإقليمية.
- الخروج من محور الممانعة: يجب أن تتبنى سوريا سياسة خارجية متوازنة ومستقلة تُركز على تحقيق مصالحها الوطنية، بعيدًا عن المحاور الإقليمية التي أثقلت كاهلها في الماضي. الخروج من محور الممانعة الذي تقوده إيران يمثل فرصة لإعادة التوازن للعلاقات الإقليمية والدولية.
ومن جهة محلية فيشكل التأطير الدستوري الآمن هو الخطوة الأبرز في تشكيل الملعب السياسي والمدني في سورية الجديدة، ويمكن تفنيد الخطوات الواجب اتباعها في هذا الصدد وفقاً لأدناه
- الإعلان الدستوري كأساس للمرحلة الانتقالية
إطلاق عملية سياسية شاملة يبدأ بوضع إعلان دستوري مؤقت، يشكل الإطار القانوني لإدارة المرحلة الانتقالية. الإعلان الدستوري يجب أن يتضمن تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات واسعة لإدارة شؤون البلاد، مع وضع جدول زمني لكتابة دستور دائم يعكس تطلعات الشعب السوري.
هذا الدستور يجب أن يقوم على التشاركية التوافقية التي تضمن تمثيلًا عادلًا لكافة المناطق والمكونات السورية. ويجب أن تُجرى انتخابات حرة ونزيهة بإشراف دولي لضمان مصداقية العملية السياسية.
- تمثيل متوازن للمناطق والمكونات
عقد مؤتمر وطني شامل يمثل جميع السوريين هو الخطوة الأولى نحو بناء شرعية سياسية داخلية. يجب أن يعتمد التمثيل في المؤتمر على التوزيع الجغرافي والسكاني للمناطق السورية، مع ضمان عدم اللجوء إلى المحاصصة الطائفية أو الحزبية.يجب أن تسبق المؤتمر حوارات مجتمعية على المستويات المحلية، تهدف إلى بناء الثقة بين المكونات المختلفة، وإعداد أجندة وطنية شاملة تناقش القضايا الأساسية، مثل إعادة بناء المؤسسات، التنمية الاقتصادية، وإعادة الإعمار.
- التوازن بين المركز والأطراف
لضمان استقرار طويل الأمد، يجب إعادة النظر في توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والمحافظات. يجب منح السلطات المحلية صلاحيات واسعة لإدارة شؤونها اليومية، مع ضمان عدالة توزيع الموارد بين كافة المناطق. وفي الوقت ذاته، يجب أن تبقى الصلاحيات السيادية، مثل الدفاع والسياسة الخارجية، بيد الحكومة المركزية لضمان وحدة الدولة.
- المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية
المصالحة الوطنية هي ركيزة أساسية لإعادة بناء المجتمع السوري. لا يمكن تحقيق الاستقرار دون معالجة آثار النزاع الذي أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي وترك جروح عميقة في وجدان الشعب. يجب أن تُطلق الحكومة السورية برنامجًا شاملاً للمصالحة يشمل حوارًا مجتمعيًا واسعًا، يتيح لكل السوريين المشاركة في إعادة بناء وطنهم. كما تحقيق العدالة الانتقالية يمثل خطوة أساسية نحو المصالحة الوطنية. العدالة الانتقالية لا تعني فقط محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال النزاع، بل تشمل أيضًا ضمان تعويض الضحايا وإعادة تأهيل المجتمعات المتضررة. إنشاء هيئة مستقلة للتحقيق في الجرائم وتوثيقها، مع ضمان محاكمات عادلة وشفافة، هو أمر حيوي لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ثالثاً: الاستحقاقات الاقتصادية والتنموية
وهي استحقاقات مركبة ومعقدة، إلا أنها أبرز ما ينطلق من ضرورة تحرير الموارد وتوفير أدوات سياسات التنمية ويمكن تحديدها في الآتي:
- التحدي الاقتصادي ورفع العقوبات
واحدة من أكبر العوائق التي تواجه سوريا اليوم هي العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والتي تعرقل جهود إعادة الإعمار والتنمية. يجب على القيادة السورية أن تعمل بشكل مكثف على رفع العقوبات الدولية من خلال تقديم التزامات واضحة بالإصلاح السياسي والاقتصادي. رفع العقوبات ليس فقط مسألة اقتصادية، بل هو ضرورة إنسانية لتحسين حياة ملايين السوريين الذين يعانون من نقص الموارد والخدمات.
- تعزيز الشراكات المالية الإقليمية
التعاون الاقتصادي مع الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، يمثل فرصة كبيرة لدعم جهود إعادة الإعمار. هذه الدول تمتلك الموارد المالية والخبرة اللازمة لتمويل مشاريع تنموية كبرى في سوريا. تعزيز هذه الشراكات يمكن أن يشمل:
- إقامة مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة، النقل، والزراعة.
- تقديم اعتمادات مالية للمشاريع الإنتاجية الكبرى، مثل إعادة تشغيل المصانع والمزارع التي تعرضت للدمار خلال الحرب.
- تشجيع الاستثمارات الخليجية في قطاعات البنية التحتية والسياحة، مما يعزز من فرص العمل والتنمية الاقتصادية.
- مشروع وطني لإعادة الإعمار
إعادة الإعمار ليست مجرد عملية لإصلاح ما دُمر، بل هي فرصة لإعادة بناء الدولة من الأساس. يجب أن تكون هذه العملية شاملة وطويلة الأمد، تشمل إصلاح البنية التحتية الأساسية مثل الطرق، شبكات الكهرباء والمياه، المدارس، والمستشفيات. في الوقت نفسه، يجب أن تركز خطط إعادة الإعمار على تعزيز التنمية المستدامة من خلال إطلاق مشاريع ضخمة تعزز الاقتصاد الوطني.
- عودة اللاجئين إلى وطنهم
عودة اللاجئين هي جزء أساسي من إعادة بناء سوريا. لتحقيق ذلك، يجب توفير بيئة آمنة ومستقرة في مناطق العودة، مع ضمان تقديم الخدمات الأساسية وفرص العمل. التعاون مع الدول المضيفة مثل تركيا، لبنان، والأردن سيكون ضروريًا لضمان عودة آمنة ومستدامة.
سوريا كمدخل وفرصة للتعافي المحلي والإقليمي
يمكن أن تكون سوريا الجديدة نموذجًا لدولة خرجت من نزاع مدمر، لتصبح عنصرًا فاعلًا في تحقيق الاستقرار الإقليمي. تحقيق هذا الهدف يتطلب التزامًا من القيادة السورية والشعب السوري بالمضي قدمًا رغم التحديات الهائلة. سوريا التي كانت عبر التاريخ مركزًا ثقافيًا وحضاريًا، يمكنها أن تستعيد هذا الدور إذا ما استثمرت في مواطنيها، واستعادت ثقة المجتمع الدولي، وأعادت تموضعها كدولة قوية ومستقلة في قلب المنطقة.
المستقبل في يد السوريين أنفسهم. عبر خطوات ثابتة وعمل دؤوب، يمكن لسوريا أن تتحول من ساحة للصراع إلى نموذج للأمل، ومن أزمة إلى فرصة للتعافي والتنمية. بإرادة الشعب ودعم الأصدقاء، يمكن لسوريا أن تبدأ فصلًا جديدًا مليئًا بالسلام والازدهار. متمسكة برسائل وسياسات محورية تفيد في دعم محركات الاستقرار، نعيد شملها في الآتي:
- تعزيز الشرعية السياسية والمصالحة الوطنية بعيدًا عن المحاصصات الطائفية أو السياسية. ولا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي دون تحقيق مصالحة وطنية شاملة، تداوي جراح الماضي عبر آليات العدالة الانتقالية، محاسبة الجناة، وتعويض الضحايا. المصالحة ليست مجرد أداة قانونية، بل هي أساس لإعادة بناء مجتمع موحد يتجاوز الانقسامات التي مزقته لسنوات.
- الأمن والسيادة كأساس للاستقرار: فالأمن هو المفتاح لأي تقدم سياسي أو اقتصادي. توحيد السلطة العسكرية في يد جيش وطني يمثل جميع السوريين هو حجر الأساس لضمان سيادة الدولة واستعادة وحدة الأراضي. تحقيق الاستقرار الأمني أيضًا يشمل التعامل مع التهديدات المستمرة، مثل خطر عودة داعش، عبر خطط طويلة الأمد تشمل المكافحة الأمنية والتدخل التنموي في المناطق الأكثر هشاشة. وإصلاح الأجهزة الأمنية وبناء الثقة بين المواطنين والدولة هو ضرورة ملحة. الشعب السوري يحتاج إلى مؤسسات أمنية تحميه وتحترم حقوقه، وليس أجهزة تُستخدم لقمعه. هذه الثقة ضرورية لفتح صفحة جديدة بين الدولة وشعبها.
- إطلاق مشروع اقتصادي وتنموي شامل: فالاقتصاد السوري الذي دمرته الحرب يحتاج إلى استراتيجية متكاملة تعالج الأزمات العاجلة، مثل البطالة والفقر، وتوفر حلولًا طويلة الأمد لإعادة بناء الاقتصاد. رفع العقوبات الدولية يمثل خطوة حيوية لتحرير الاقتصاد السوري من القيود التي تعيق قدرته على التعافي. هذه الخطوة يجب أن تكون مصحوبة بإجراءات داخلية لتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، لضمان أن تُستخدم الموارد المتاحة بكفاءة لتحقيق التنمية. ومن المهم هنا إشراك دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا في تمويل مشاريع اقتصادية كبرى، مثل إعادة بناء المصانع والمزارع، وتنشيط التجارة الإقليمية، سيُسهم في خلق فرص عمل ودفع عجلة الإنتاج. هذه الشراكات الإقليمية يجب أن تكون قائمة على مبدأ الربح المتبادل، بما يعزز الروابط الاقتصادية بين سوريا وجيرانها.
- إعادة الإعمار وإدارة ملف اللاجئين فإعادة الإعمار ليست فقط إعادة بناء للبنية التحتية المدمرة، بل هي أيضًا إعادة بناء المجتمع. يجب أن تكون مشاريع الإعمار شاملة وطويلة الأمد، تُركز على تحسين جودة حياة المواطنين في جميع المناطق، خاصة المناطق الأكثر تضررًا من النزاع. عودة اللاجئين السوريين هي جزء لا يتجزأ من هذا المشروع الوطني. هذه العودة يجب أن تكون آمنة وكريمة، تضمن توفير الخدمات الأساسية وفرص العمل، مع برامج تأهيلية تدمج العائدين في عملية التنمية. التعاون مع الدول المضيفة لتنظيم العودة بشكل تدريجي ومستدام سيُسهم في تحقيق هذا الهدف.
- تعزيز العلاقات الإقليمية والدولية: فسوريا الجديدة بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تُركز على مصلحتها الوطنية. الخروج من محور الممانعة، الذي قاد إلى عزلة سوريا عن محيطها العربي، يمثل خطوة ضرورية لإعادة بناء علاقاتها مع الدول العربية وتركيا. تعزيز الشراكات مع دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها السعودية، يمثل فرصة لإعادة إدماج سوريا في المنظومة الإقليمية، وتحقيق توازن استراتيجي يُبعدها عن النفوذ الإيراني الذي عمّق أزماتها. في الوقت نفسه، تحتاج سوريا إلى نهج دبلوماسي جديد مع القوى الدولية. بناء علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على شراكات متوازنة مع روسيا والصين، يمكن أن يدعم جهود إعادة الإعمار ويضمن تدفق المساعدات والاستثمارات.
- معالجة القضايا الإنسانية المعقدة كملف مخيم الهول وأمثاله من القضايا الإنسانية والأمنية يشكل تحديًا يتطلب تعاونًا داخليًا ودوليًا. تسلم الدولة السورية لإدارة هذه المخيمات، مع دعم دولي لإعادة تأهيل الأفراد القاطنين فيها، سيكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة الأمن والاستقرار. إنشاء محاكم وطنية ذات شرعية دولية لمحاكمة المشتبه بهم، وتنفيذ برامج إعادة تأهيل للأطفال والنساء، سيمثل خطوات رئيسية في معالجة هذا الملف الشائك.
- بناء دولة حديثة شاملة للجميع سوريا الجديدة يجب أن تكون دولة حديثة تُلبي تطلعات شعبها، قائمة على سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتمكين المرأة والشباب ليكونوا جزءًا من مستقبل البلاد. هذه الدولة يجب أن توفر مساحة لجميع مكوناتها ومناطقها، بحيث يشعر كل مواطن بأنه شريك في بناء الوطن، لا تابعًا لنظام مركزي أو فصيل معين.
ختاماً مع دخول سوريا مرحلة جديدة بعد الثامن من ديسمبر 2024م، تبرز الحاجة الملحة إلى رؤية وطنية شاملة تستند إلى معالجة أزمات الماضي، واستثمار الفرص الحالية، والتخطيط لبناء مستقبل مستدام. هذه المرحلة ليست مجرد فرصة لإنهاء آثار النزاع، بل تمثل بداية لمسار جديد يعيد بناء الدولة السورية على أسس تعزز شرعيتها داخليًا ودورها إقليميًا ودوليًا.






