يمكن تعريف "العلاقات البينية الخليجية" بأنها: العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بجوانبها المختلفة، التي تربط فيما بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (الإمارات، البحرين، السعودية، عمان، قطر، الكويت) .... أي: علاقات كل من هذه الدول الست– بهذا المعنى- بغيرها من الدول الخمس الأخرى. لقد أدت أحداث وتطورات، ودوافع متصاعدة الخطورة، إلى قيام ما يمكن أن نسميه بـ "السياسة التعاونية الخليجية"، والتي يمكن تعريفها بأنها: سياسات التقارب والتعاون التي أخذت الدول الست المذكورة تنتهجها تجاه بعضها البعض، منذ سنة 1971م، (تاريخ استقلال البحرين وقطر والإمارات) حتى الآن (2025م) والتي تمخضت (في عام 1981م) عن قيام "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، كانعكاس لتلك السياسات، وتدعيماً وتجسيداً لها.
وأهم ما دفع لنشوء هذه السياسات التعاونية هو:
- نجاح الثورة الإيرانية في الإطاحة بشاه إيران، وقيام "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" (عام 1979م) واتخاذ هذه الجمهورية سياسات عدائية نحو دول المجلس.
- تزايد الصراع الدولي والمناورات حول منطقة الخليج.
- نشوب الحرب العراقية – الإيرانية (1979-1988م) وتهديدها لدول الجوار.
- تصاعد التوتر في المنطقة جراء الاعتداءات الصهيونية على الأمة العربية.
****
أما أهم تطورات هذه السياسة (التعاونية) منذ قيامها، فيمكن إيجازه فيما يلي:
- – قيام عدة هيئات (منظمات) مختلفة، للانصهار في عدة جوانب، في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، اعتبارا من بداية السبعينات.
- – قيام "مجلس التعاون" في مايو سنة 1981م.
- – إبرام "الاتفاقية الاقتصادية الموحدة" في 11/11/1981م، وفي إطار مجلس التعاون.
- – إنشاء قوات خليجية موحدة (قوات "درع الجزيرة") وتجميعها ابتداء من سنة 1985م، وفي إطار مجلس التعاون أيضاً.
- - التضامن فيما بين دول مجلس التعاون من ناحية، وبين هذه الدول وقوى المجتمع الدولي من ناحية أخرى، لتحرير الكويت من الاجتياح العراقي، الذي وقع يوم 2/8/1990م.
إضافة إلى تصاعد الترابط البيني، منعكساً في: تزايد الصلات البينية – الخليجية، وتزايد درجة وثوقها وتلاحمها، نسبة إلى الفترة السابقة على قيام "السياسة التعاونية الخليجية"، عام 1971م.
ومهما قد يحصل من خلافات، فإن طبيعة العلاقات الأزلية فيما بين شعوب وحكومات هذه الدول، سرعان ما تضغط لإعادة المياه إلى مجاريها، والأمور إلى نصابها... فلا شك أن هناك رغبة شعبية خليجية عارمة وواضحة في استمرار ودعم السياسة التعاونية الخليجية. ورغم اختلاف "استجابة" الحكومات لهذه الرغبة، من دولة لأخرى، إلا أن كل هذه الحكومات تحاول أن تستجيب لهذا التطلع الشعبي، وتحاول تلبية هذه الرغبة، أو تلبية شيء منها – على الأقل.
****
وما زال مجلس التعاون الخليجي محط آمال قادة وشعوب الدول الست الأعضاء فيه، والتي ترتبط ببعضها بأوثق الروابط. فلا توجد مجموعة من الدول، في الوقت الحاضر، يربط فيما بينها كل روابط: العرق، اللغة، الدين، الجوار، التاريخ، التقاليد. إضافة إلى المصالح المشتركة، والأخطار المشتركة، التي تحيط بها كلها، وتستهدفها كلها. والمملكة العربية السعودية، وهي الشقيقة الكبرى لهذه الدول، تحرص كل الحرص على أن تكون العلاقات فيما بين هذه الدول على ما يرام، متسمة بالقوة والصلابة والديمومة، في إطار مجلس التعاون الخليجي. وهذا ما أكده سمو الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ـ حفظه الله ـ، مرارًا وتكرارًا.
وتقوم السياسة التعاونية على مبادئ قيمة، تضمن الالتزام بها مصلحة جميع المعنيين. وفى مقدمة هذه المبادئ: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء بمجلس التعاون، والتضامن لمكافحة الإرهاب، واتخاذ موقف خليجي موحد تجاه الحركات الإرهابية، إضافة لمنع الحملات الإعلامية المسيئة، ومراعاة حسن الجوار. وهي مبادئ ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وبقية القوانين الدولية. ويتم التأكيد على هذه المبادئ دائمًا. وهناك تطلع لتفعيل "هيئة تسوية المنازعات" التابعة لمجلس التعاون الخليجي، والتي يكفل تطبيق نظامها حل الخلافات التي قد تنشأ مستقبلاً فيما بين الدول الأعضاء، فور نشوئها.
****
ومعروف، أن تكوين مجلس التعاون الخليجي، يتضمن: "المجلس الأعلى"، أي السلطة العليا التشريعية في المجلس. وهو مكون من رؤساء الدول الست الأعضاء، وينعقد مرة في العام، في اجتماع دوري عادي. ويمكن أن يعقد اجتماعًا طارئًا في أي وقت، وعند الضرورة. والمجلس الأعلى يضع السياسات التي يسير عليها مجلس التعاون. وهناك "المجلس الوزاري"، وهو مكون من وزراء خارجية الدول الأعضاء. وينعقد 4 مرات في العام، في اجتماعات عادية. ويمكن أن يعقد اجتماعًا طارئًا في أي وقت، إن اقتضت الظروف ذلك. وهو بمثابة السلطة التنفيذية للمجلس. وهو يمهد لمؤتمر المجلس الأعلى، ويضع جدول أعماله. إضافة إلى "هيئة تسوية المنازعات"، كسلطة قضائية، و"الأمانة العالم" كسكرتاريا.
وقد عقد المجلس الأعلى اجتماعه الخامس والأربعين، يوم 1 ديسمبر 2024م، بقصر بيان، برئاسة الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، وصدر عنه البيان الختامي، محتويًا على 154 قرارًا هامًا، منها ما يلي:
- أشاد المجلس الأعلى بنتائج القمة العربية والإسلامية غير العادية، التي استضافتها المملكة العربية السعودية، بتاريخ 11 نوفمبر 2024م، والتي أكدت على مركزية القضية الفلسطينية، والدعم الراسخ للشعب الفلسطيني لنيل حقوقه.
- رحب المجلس بنجاح أعمال القمة العالمية للحكومات (2024م) المنعقد في مدينة دبي.
- هنأ المجلس الأعلى الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب بالفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وأكد على تطلعه لتعزيز العلاقات التاريخية بين أمريكا ودول المجلس.
- اعتمد المجلس وثيقة السياسة التشريعية لمجلس التعاون.
- أكد المجلس الأعلى على ضرورة تعزيز العمل المشترك، لتعظيم أثر جهود ومبادرات دول المجلس في العمل المتعلق بتحولات الطاقة، والتغير المناخي.
وغير ذلك، مما لا يتسع المجال هنا لسرده. وما تم الاتفاق عليه، وسجل في البيان المشترك، ينم عن مراعاة المجلس لتطورات الأحداث، والتأكيد على ضرورة التضامن والتعاون، لخدمة المصالح المشتركة لدول المجلس، ودرء الأخطار المشتركة التي تواجهها.
يرى كثير من علماء السياسة أنه يستحسن للدول الناشئة، وحديثة الاستقلال، التزام الحياد، والعمل على تنمية ذاتها، بالتعاون، والتكتل، مع الدول الشقيقة والقريبة لها، باعتبار ذلك هو الطريق السياسي السليم. ومجلس التعاون الخليجي يتبع هذه السياسة، ويؤكد عليها في كل نشاطه. وهذا يحسب لقادة دول المجلس.
****
والآن، وبعد قمة الكويت، وحدوث "مستجدات" كبيرة معروفة، على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، يطرح المراقبون المعنيون عدة تساؤلات وجيهة، بشأن مستقبل "مجلس التعاون لدول الخليج العربية". وإزاء ذلك يمكن القول: إن هناك ثلاثة احتمالات ستصبح على إحداها هذه المنظمة، أو المجلس، في المدى المنظور، ألا وهي:
- استمرار المجلس على ما هو عليه، وعلى درجة التعاون (المتدنية) التي هو عليها الآن ... واستمراره كـ "كونفدرالية"، وبالتالي، انعدام أي أثر تنموي جماعي تعاوني يذكر له ... كما هو حاله منذ ولادته.
- الانهيار، ولقاء نفس مصير "مجالس" التعاون العربية المصغرة الأخرى ... وبخاصة: الاتحاد العربي المغاربي، ومجلس التعاون العربي...
- التطور، والتحول إلى منظمة اتحادية إقليمية أكثر تماسكًا... وتلعب دوراً إيجابياً وملموساً في حياة شعوب الدول الأعضاء ... وتسهم في تنميتهم، في شتى المجالات، في إطار من التعاون الوثيق، الذي يكرس لخدمة المصالح (الحقيقية) المشتركة لهذه الشعوب.
****
ونعتقد أن الاحتمال الأول هو الأقرب للحصول، في المدى القريب... رغم أن كثيرًا من الأحوال السياسية الكبيرة بالمنطقة لم تبق على ما كانت عليه. وقد يحصل الاحتمال الثاني، إن دبت خلافات حادة – لا سمح الله - بين بعض الدول الأعضاء، لسبب أو لآخر ... وهو أمر يبدو غير محتمل الآن. أما الاحتمال الثالث، فهو المأمول. ولكن حدوثه مرتبط بحصول تغيرات إيجابية في ومن هذه الدول.






