array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 207

مخاوف من تمركز قوات حميدتي في ليبيا حالة هزيمتها في دار فور مع توفر 200 طن سلاح بالمنطقة

الخميس، 27 شباط/فبراير 2025

"فيما تستعر الصراعات وتتصاعد التوترات بأنحاء العالم، يجب ألا يحيد نظرنا عن الأزمة في السودان. إن الحرب تدمر الحياة وسبل كسب العيش وأدت إلى أكبر أزمة جوع وعنف قائم على النوع الاجتماعي ونزوح"، كان هذا هو الإنذار والتنبيه الذي قدمته، أمينة محمد ، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، إلى المجتمع الدولي أثناء زيارتها إلى السودان في29 أغسطس 2024م، ورغم ذلك فإن الأمم المتحدة بكل أجهزتها من مجلس الأمن الدولي إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الأمين العام ومختلف مبعوثيه ومساعديه، وقفوا عاجزين أمام " الحرب العبثية" كما سمتها، جويس مسويا، القائمة بأعمال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية، وهي تقترح الإجراءات الواجب اتخاذها من قبل مجلس الأمن والمجتمع الدولي لوقف الحرب السودانية الداخلية التي اندلعت في منتصف أبريل 2023م، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وحذرت في حالة استمرارية عجز المجتمع الدولي من أن الكثير من الناس سيموتون ما لم يتخذ مجلس الأمن والمجتمع الدولي ككل إجراءات حاسمة، ولخصت مطالبها العملية في ثلاثة إجراءات، أولها، المطالبة بأن تمتثل أطراف النزاع في السودان لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني وقرارات مجلس الأمن، بحيث يستوجب على الأطراف الامتناع عن استهداف المدنيين والأصول المدنية والمرافق الأساسية مثل المستشفيات. ثانيًا، لا ينبغي للعالم أن يتسامح مع الفظائع التي شهدناها في غرب دارفور أو أن تتكرر في الفاشر. ثالثًا، دعوة المانحين إلى توفير الموارد الضرورية لمعالجة هذه الأزمة غير المسبوقة.

وأمام خطاب التمني والنوايا الحسنة وعجز مؤسسات القانون الدولي نتساءل عن طبيعة النزاع المسلح المستعصي حله في السودان؟ وما هي أطرافه، دوافعه، أبعاده وتداعياته؟ ولماذا يستعصي على الأمم المتحدة إيجاد تسوية سلمية ومستدامة له إلى غاية اللحظة الراهنة؟ وما هو تأثيراته على منطقة شمال إفريقيا؟ وما هي الخيارات الممكنة والمحتملة لإنهاء النزاع على المدى القريب؟

أولًا، الطبيعة المركبة والمعقدة للنزاع المسلح في السودان

يمكن أن نصنف النزاع المسلح في السودان انطلاقًا من مقاربات متعددة ومتكاملة، فهو نزاع اجتماعي متأصل أو متجذر طويل الأمد، من جهة، كما هو نزاع سياسي حول السلطة والموارد، يدرج في إطار إشكالية بناء الدولة. كما يصنف النزاع في السودان ضمن النزاعات الجيوسياسية حيث تتصارع القوى الإقليمية والدولية على الموارد ذات البعد العالمي والمجالات الحيوية التي تتمتع بها الجغرافيا السياسية للسودان. وهذه التصنيفات كلها تجعل من طبيعة النزاع في السودان تطغى عليها النظرة التشاؤمية فيما يتعلق بإيجاد تسوية أو حلًا نهائيًا للنزاع تعجز أمامه كل المنظمات الدولية والإقليمية ومجهودات الوساطات والمساعي الحميدة ذات النوايا الحسنة.

فما الذي نقصده، أولًا، بالنزاع الاجتماعي المتأصل طويل الأمد في السودان؟ هو بشكل بسيط ذلك النوع من النزاعات الذي تحركه النزاعات القبيلة والاثنية المجمدة، حيث تختزن في ذاكرتها السياسية والاجتماعية مجموعة من النزاعات العنيفة والدموية التي تخلف مآس ومجازر إنسانية يمكن إعادة إحياءها كلما توفرت الظروف المواتية، لاسيما في حالة هشاشة أو انعدام وغياب السلطة المركزية التي تحتكر أدوات العنف والإكراه الشرعي، والشعور بحالات الحرمان والتهميش بسبب القصور في السياسات التنموية الوطنية واحتكار السلطة من قبل فئة معينة على حساب المكون المجتمعي، وهو ما حذرت منه، جويس مسويا، من حالة تكرار نموذج دارفور في الفاشر ولاية شمال دارفور. حيث النزاع الاجتماعي المتأصل في دارفور حركته في البداية ملكية الأراضي وحقوق الرعي بين القبائل البدوية العربية من جهة، والمزارعين من قبائل الفور والمساليت والزغاوة، من جهة أخرى، وانتشر النزاع بتشكيل جماعات قبلية مسلحة مثل جيش تحرير السودان وجبهة العدل والمساواة في بداية 2003م، ودخولها في صدام مسلح مع السلطة المركزية في الخرطوم بحجة التهميش القبلي والاجتماعي، بين السودانيين من الأصول الإفريقية السوداء وذوي الأصول العربية، وفي ظل هذه البيئة نشأت حركة الجنجويد التي ينتمي إليها أحد الفاعلين في النزاع المسلح الراهن، محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع الذي كان متحالفًا مع نظام عمر البشير لضبط إيقاع النزاع القبلي لصالح السلطة المركزية. وعلى إثر هذه التجربة المأساوية والدموية اتهمت المحكمة الجنائية الدولية، الرئيس السابق، عمر البشير، بجريمة الإبادة وجرائم ضد الإنسانية بتهم التطهير العرقي لقبائل الفور والمساليت والزغاوة. والملاحظ في هذا النوع من النزاعات الاجتماعية المتأصلة طويلة الأمد أن اللعبة القبلية والإثنية تتقن ببراعة وبرغماتية تطبيق مقولة" عدو العدو صديق"، وهو ما حدث في سنة 2011م، عندما تحالفت حركات دارفور المسلحة مع الحركة الشعبية قطاع الشمال في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، المعادية للسلطة المركزية في الخرطوم، بعد رفضهما الانضمام إلى السودان في إطار التقسيم خصوصًا وأنهم قاتلوا إلى جانب جنوب السودان ضد الشمال. وهو تعقيد أكبر في ديناميات النزاع المسلح في السودان يصعب ضبطه. ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى عدد الجماعات المسلحة في دارفور حاليًا، يصل إلى 87 حركة مسلحة من أصل 92 حركة مسلحة في السودان مع انتشار أكثر من مليوني قطعة سلاح خارج السلطات الأمنية الرسمية، حسب تقديرات لجنة حكومية شكلت لجمع السلاح في سنة 2021م، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم حساب تسليح القوى الأجنبية لقوات الدعم السريع منذ انطلاق النزاع المسلح ضد سلطة الجيش، وهو ما يعيدنا إلى التجربة المريرة والمآسي التي خلفها النزاع في دارفور لمدة طويلة كانت حصيلته الكارثية، وفق تقديرات الأمم المتحدة، 300 ألف ضحية ونزوح ما يقارب 400 ألف لاجئ إلى مخيمات في التشاد الدولة الحدودية. والشاهدة مرة أخرى، في هذا النوع من النزاعات الاجتماعية المتأصلة طويلة الأمد أنها تتميز بتعدد مراكز القوة وتشتيتها مما يصعب من عملية التفاوض في إطار مسارات التسوية ويزيد من طول عمر النزاع واستمراريته، غالبًا ما تكون نهايته الانقسام الجغرافي والقبلي والإثني، كما يذهب إلى ذلك جماعة المقاربة الإثنو-واقعية التي تطرح خيار الانفصال كأفضل الخيارات للتسوية النهائية للنزاع. والمشهد التشاؤمي لهذا النوع من النزاعات الاجتماعية الطويلة الأمد في التجربة السودانية، حالة انفصال جنوب السودان بعد حرب طويلة وتجربة تقاسم السلطة والثروة أدت إلى تقسيم السودان إلى قسمين، وقد عزز من استدامة النزاع اللعب على ورقة الاختلاف الإثني والديني، بين البعد الإسلامي ذو الأغلبية العربية في الشمال والبعد المسيحي الإفريقي في الجنوب الذي يعود تأجيجه وتركيبه إلى فترة الاستعمار البريطاني للسودان. فإذا كان النزاع الراهن في السودان بين فاعلين عسكريين، فإن العصبية القبلية والإثتية تبقى هي السند الأقوى لاستمرارية النزاع، كما يبقى خيار انفصال دارفور مغري للكثير من الجماعات الانفصالية وهو ما يطرح واقعيًا في الساحة السودانية بالنسبة لخيارات قوات الدعم السريع في حالة فشلها الكلي في السيطرة على العاصمة الخرطوم، ويتجسد ذلك في محاولات تطويق الفاشر العاصمة السياسية والإدارية لإقليم دارفور، ويعزز هذا الخيار احتكار شركة الجنيد التابعة لقوات الدعم السريع لاستغلال الذهب في منطقة الردوم جنوب دارفور، وعلى وجه الخصوص في منطقة سنغو التي تحوي على مناجم للذهب التي تعد السند المالي واللوجستيكي لمحمد حمدان دقلو، وأحد مصادر قوته وتحالفاته الخارجية.

أما فيما يخص طبيعة النزاع في السودان من حيث مقاربة الصراع على السلطة والنفوذ وإشكالية بناء الدولة الوطنية، فإن الواقع المباشر لمرحلة ما بعد الإطاحة بنظام عمر البشير الذي استمر ثلاثة عقود(1989-2019م)، الذي غادر السلطة بعد احتجاجات شعبية في إطار موجة الربيع العربي، يؤشر إلى انتقال السودان إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي خصائصها عسيرة، فوضوية ودموية، عرفت الثنائية المتناقضة بين المكون العسكري والمدني، من جهة، وانقسامات عسكرية-عسكرية بتحالفات قبلية ومدنية. ورغم التجربة القصيرة بالاتفاق على وثيقة دستورية تعاقدية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير المدنية لإدارة مرحلة انتقالية لمدة 39 شهرًا، يتم بموجبه تشكيل المجلس السيادي تتقاسم فيه السلطة بين العسكريين والمدنيين، يتداول على رئاسة المجلس العسكري لفترة 21 شهرًا ثم ينوب عنه مدنيًا لمدة 18 شهرًا المتبقية، مع حكومة انتقالية توكل لتحالف قوى الحرية والتغيير تعيين رئيس الحكومة، على أن تنتهي هذه المرحلة الانتقالية بانتخابات شعبية لإضفاء الشرعية على مؤسسات الدولة، الرئاسة، المجلس التشريعي، الحكومة. وبمنطق تقاسم السلطة في المرحلة الانتقالية بين العسكري والمدني، فإن المناصب السيادية الأمنية، وزير الدفاع ووزير الداخلية، يعينهم العسكريون في المجلس السيادي وأعضاء الحكومة يقترحهم التحالف المدني، على أن يخصص 67 % من مقاعد المجلس التشريعي لتحالف قوى الحرية والتغيير مع إبعاد الأحزاب المرتبطة بالنظام السابق. ولم يكن يتوقع في هذه المرحلة أن كرسي القيادة العسكرية لا يمكن أن يسع قائدين بخلفية عسكرية مختلفة واحد يمثل القوات المسلحة النظامية والآخر يمثل قوات الدعم السريع سليلة حركة الجنجويد، حاولت الوثيقة الدستورية أن تجمع بين القوتين المتضادتين ضمن المؤسسة العسكرية الواحدة، وهي محاولة للقفز على حقائق التجربة التاريخية في السودان التي تثبت دور الجيش المحوري في اللعبة السياسية والانقلابات العسكرية على الأنظمة القائمة، بلغت منذ استقلال السودان 19 محاولة انقلابية نجحت 7 منها، آخرها تولي البرهان قيادة المؤسسة العسكرية والمجلس السيادي، باعتباره الرئيس الفعلي للمرحلة الانتقالية، مع خلاف كبير وجوهري يتعلق بكيفية ضم قوات الدعم السريع التي يتجاوز عدد أفرادها 100 ألف مقاتل إلى الجيش، وكيفية إدارة الجيش بعد مرحلة الضم والاندماج في مؤسسة عسكرية واحدة. حيث تمسك البرهان بفترة سنتين في عملية الدمج بينما طالب دقلو بتمديدها إلى عشر سنوات مع احتفاظ عناصره برتبهم بعد الإدماج. ومثل هذا الخلاف جوهر نسف الاتفاق الإطاري النهائي بين المؤسسة العسكرية والمجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير الذي انعقد تحت رعاية دولية في 5 ديسمبر 2022م، ضمت كل من الولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا، المملكة العربية السعودية والإمارات، فضلًا عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والإيغاد. والملاحظ كذلك، أن الاتفاق الإطاري في بنوده قد نزع السلطة والقوة  كلية من المؤسسة العسكرية في المرحلة الانتقالية، بحيث جردها من نفوذها بإخضاع القوات المساحة لرئيس دولة مدني انتقالي، وتولي رئيس الوزراء إدارة مجلس الأمن والدفاع مع منح حقيبة وزارة الدفاع لشخصية مدنية، وكان ذلك حلم النموذج الديمقراطي الغربي الليبرالي، ومثل هذا الاتفاق الإطاري فرصة تاريخية بالنسبة لقوات الدعم السريع التي تحالفت مع قوى الحرية والتغيير لتحييد الجيش النظامي على أمل إعادة ترتيب المرحلة الانتقالية لتقسيم السلطة والثروة بينهما. وحاول دقلو تغليب ميزان القوة العسكري لصالحه بسيطرته الميدانية على المواقع والبنيات الحيوية العسكرية في العاصمة الخرطوم، مما أدى إلى حرب مستمرة مع القوات المسلحة لما يقارب السنتين، حصيلتها كارثية بكل المقاييس، اعتبرتها الأمم المتحدة التي تحولت إلى صندوق بريد وسجل للكوارث والمآسي السودانية، بأنها إحدى أسوأ الكوارث الإنسانة في التاريخ الحديث، حتى التقديرات تبقى متباينة بين 20 ألف و150 ألف قتيل، 12 مليون نازح، مع تقديرات خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية لسنة 2025م، مبلغها المالي قدر بــ 4.2 مليار دولار لدعم 21 مليون شخص داخل السودان مع الحاجة إلى 1.8 مليار دولار إضافية لدعم 5 ملايين شخص معظمهم من اللاجئين في سبع دول مجاورة.

إضافة إلى الطبيعة السياسية المعقدة للنزاع المسلح في السودان والبعد الاجتماعي المتأصل، فإن البعد الجيوبوليتيكي ساهم بشكل كبير في استمرارية النزاع وتصاعده، عن طريق التدخلات الخارجية التي تغذي أطراف النزاع لدافعين أساسيين، محاولة السيطرة على الموارد واستغلال المجال الحيوي للسودان، بحيث يملك السودان نصف الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي واحتياطات هامة من الذهب واليورانيوم والنفط، نشير هنا إلى حالة الانفصال جرد السودان من 75 % من مواردها النفطية لصالح جنوب السودان، مع موقع بحري على امتداد البحر الأحمر يغري القوى الدولية للتنافس على موانئها، والشاهد على ذلك التنافس الأمريكي-الروسي-الصيني على المنطقة، حيث استطاعت روسيا أن تبرم مذكرة تفاهم لإنشاء قاعدة عسكرية بحرية روسية في مدينة بورتسودان (12 فبراير 2025م)، يتيح حرية الحركة للسفن الحربية الروسية في البحر الأحمر مع الحق في نشر 300 عسكري وأربعة سفن في القاعدة، مقابل استفادة الجيش السوداني بدعم بالأسلحة والعتاد العسكري. وهو إحياء للاتفاق السابق بين موسكو ونظام عمر البشير لسنة 2017م، حيث سبق أن صادق عليه مجلس الدوما الروسي. ويوحي هذا الاتفاق بقناعة الجيش السوداني بأن قوتها الداخلية ونفوذها الإقليمي قد يرتبط بمصالح متبادلة مع روسيا، فإلى جانب استفادتها من تعظيم قوتها العسكرية ووقف قوات فاغنر دعم خصمها في قوات الدعم السريع، فهي تبحث عن الحماية الدبلوماسية، وهذا ما سبق لموسكو أن وظفته في مجلس الأمن باستخدامها حق الفيتو ضد مشروع القرار البريطاني بحجة الدفاع عن السلطات الشرعية في السودان. وإلى جانب روسيا، فإن الصين تبقى تراقب بقاعدتها العسكرية الوحيدة في القرن الإفريقي، بجيبوتي، على أمل توسيع شراكتها المستقبلية لحماية مشروع الطريق والحرير الذي يحتاج حتمًا إلى الموانئ والممرات المائية الاستراتيجية في السودان. أما على مستوى القوى الإقليمية فإن رغبة تركيا تبقى قائمة في إنشاء قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن بالبحر الأحمر التي تم الاتفاق عليها مع نظام عمر البشير في سنة 2017م، في حين تدرك الحكومة السودانية أهمية موقعها الحيوي في إدارة النزاع وأضحى يمثل الورقة الاستراتيجية في تعاملها مع الخصوم، كما قال رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الاقتصادي ببورتسودان،" تعامل السودان وتحالفاتها ستستند على مخرجات الحرب الجارية، أي جهة وقفت مع بلاده ودعمته ستعامل معاملة الصديق، وأي متردد يقف في المنطقة الرمادية سيتم معاملته بالمثل"، وهو ما استدعى إلغاء مذكرة التفاهم  مع الإمارات العربية المتحدة، المتعلقة بإنشاء أبوظبي ميناء "أبو عمامة" على السواحل السودانية المطلة على البحر الأحمر بسبب اتهامها الرسمي بدعم خصمها قوات الدعم السريع، وهو مشروع حيوي يخص المنتجات الزراعية يرتبط بطريق بري مع الميناء الجديد تصل قيمة الاستثمار  فيه 6 مليارات دولار. وإدراكًا من الحكومة السودانية للأهمية الجيوستراتيجية للمجال البحري ومواردها فإن جبريل إبراهيم، وزير المالية السوداني، صرح بعد إلغاء الاتفاق "لن نعطي الإمارات سنتيمترًا واحدًا على شاطئ البحر الأحمر". وقد يغري هذا المشروع من جديد العملاق الصيني الذي يبقى يراقب بطريقة برغماتية التحولات السياسية والأمنية في السودان في حالة تقارب صيني مع نظام البرهان، وهو وخيار غير مستبعد.

ثانيًا: تأثيرات الحرب السودانية على شمال إفريقيا

إن طبيعة النزاع المسلح في السودان سيؤدي حتمًا في حالة استمراره وتصاعده إلى ما يعرف بالفيضان الأمني والإنساني على دول الجوار، ووفق مقاربة النزاعات الاجتماعية المتأصلة طويلة الأمد، ستكون ليبيا الدولة الأقرب في شمال إفريقيا الأكثر تأثرًا بهذا الفيضان، لقربها الحدودي مع السودان والتصاقها بطول 400 كلم في جنوبها الشرقي والجنوب، كما تتقاسم ليبيا مع السودان القرابة القبلية مع كفرة ومصاهرة ونسبًا مع قبيلتي الزوى والمجبرة، وبالامتداد القبلي فإن نموذج قبيلة الزغاوة في دارفور ذات الامتدادات في العمق التشادي، قد يحرك تسليح القبائل في حالة فشل الدولة في ضبط السلاح والحدود الرمادية، التي تنتشر فيها الجماعات المسلحة وجماعات الجريمة المنظمة التي قد تتحالف وظيفيًا وأمنيًا لاستمرار حالة الفشل الدولاتي لكسب المزيد من الغنائم، وتتجذر أكثر باعتمادها على التهريب والاتجار بالموارد الحيوية للمنطقة. ومن الناحية الأمنية، قد يتصاعد النزاع بين الحكومة السودانية مع الأطراف الفاعلة في ليبيا على خلفية اتهام خليفة حفتر، المسيطر على الجهة الشرقية لليبيا، بدعم قوات الدعم السريع وإمداده بالسلاح مع اعتماد أمني متبادل بينهما بحيث تشارك قوات حميدتي في النزاع الليبي الداخلي وتستفيد بالمقابل من الأراضي الليبية باعتبارها الملجأ اللوجستيكي لاستمرارية قوته وسيطرته على دارفور. والسيناريو التشاؤمي الذي يطرحه المراقبون الأمنيون في ليبيا هو الخوف من تمركز قوات الدعم السريع في الأراضي الليبية في حالة هزيمته العسكرية في دارفور لتتحول إلى بؤرة نزاع قبلي يزيد من حالة اللاستقرار الأمني في ليبيا، التي هي بدورها بحاجة إلى التوافق السياسي والأمني الداخلي لإتمام مسار الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات الدولة الدستورية. والخطر الأكبر الذي قد يدعم هذه الرؤية التشاؤمية تجربة انتشار السلاح في المنطقة، في فبراير 2020م، تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن ليبيا كانت تحتضن أكبر مخزون من الأسلحة غير الخاضعة للرقابة بما يقدر 200 ألف طن، تحولت بموجبه دارفور إلى سوق عامة للسلاح والذخائر. أما من الناحية الإنسانية، تشير معطيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إلى أن عدد اللاجئين السودانيين في ليبيا تجاوز 240 ألف لاجئ، في مدينة الكفرة لوحدها وصل عدد اللاجئين نفس عدد سكان المدينة الليبية أي 65 ألف لاجئ، مما يطرح قضية التكفل الإنساني والاجتماعي في بيئة ليبية هي بحاجة لبنية تحتية ومنشآت جديدة بسبب النزاع السياسي والأمني الداخلي، وصعوبة التكفل بالأمراض المعدية مثل، الملاريا. وخطر توظيف ورقة اللاجئين لخلق اضطرابات داخلية في حالة عدم التجانس الإثني والقبلي.

للتكيف الإفريقي والقوى الفاعلة مع هذه التهديدات الأمنية في السودان ودول الجوار، يستوجب العلاج السياسي كخيار عقلاني، الذي يرتكز على إرادة الأطراف الداخلية في السودان ووصولها إلى قناعة بأن مأزق الأمن الدائم القائم على الخوف المتبادل بين القوى المحركة للتغيير بمكونيها المدني والعسكري، وأن خيارات الحل العسكري للأزمات السياسية والتنموية والاجتماعية طريقها الوحيد مأزق الألم بكل أبعاده الإنسانية والأمنية الذي يعمق من نموذج الدولة الفاشلة، التي تراهن مصالحها الوطنية لتحالفات جيوسياسية إقليمية ودولية، همها الأساسي تعظيم القوة في إعادة ترتيب مكانتها في النظام الدولي بمنطق تقاسم النفوذ دون أدنى اعتبار للشعوب التي تعيش أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الواحد والعشرين. وليس صدفة أن جميع قرارات الأمم المتحدة تؤكد على أن استمرارية النزاع في السودان يعود لسبب كبير مرتبط بالتدخلات الخارجية وتدفق السلاح، وهذا ما يغري كل طرف بأنه سينتصر ميدانيًا، وخلاصة تجارب الوساطة من منصة جدة، والإيغاد، والاتحاد الإفريقي ومنصة جنيف، قدمها المبعوث الخاص للأمين العام للسودان، رمطان لعمامرة، بعد أربعة جولات للسودان وعقد 20 جلسة مناقشات غير مباشرة في جنيف مع أطراف النزاع، بقوله" نتائج الجهود التي نقوم بها لم تصل إلى الدرجة المرغوب فيها من النجاعة فيما يتعلق بإقناع أطراف النزاع بضرورة اللجوء إلى التفاوض والعمل على وقف إطلاق النار بكل أشكاله في جميع أنحاء السودان"، لأنه ببساطة، النزاعات الاجتماعية المتأصلة والطويلة الأمد تحتاج إلى أدوات وأساليب خارج المنطق الليبرالي الذي يوصف نموذج للدولة الجاهزة ويحاول تكريسه في خصوصيات اجتماعية وقبلية تتميز كلية عن المجتمعات الغربية.

مقالات لنفس الكاتب