array(1) { [0]=> object(stdClass)#14313 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 207

ضرورة استعداد البنك المركزي السوداني لإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتمويل مشروعات البنى التحتية

الخميس، 27 شباط/فبراير 2025

حدثت تحولات كبيرة في القطاع المصرفي السوداني بين التعامل بالنظام التقليدي والانتقال إلى النظام المصرفي الإسلامي ثم التحول للنظام المزدوج مع استبدال العملة والتحول إلى الدينار ثم العودة إلى الجنيه وقد تأثر القطاع المصرفي بالحرب التي نشأت في 15 أبريل 2025م، وتستمر حتى الآن مع انحصار رقعتها الجغرافية خلال الشهر الماضي وفي هذه المساحة سنلقي الضوء على القطاع المصرفي من حيث الماضي وفي ظل ظروف الحرب والرؤية المستقبلية.

تحولات في النظام المصرفي المطبق

ظل بنك السودان المركزي منذ إنشائه عام 1960م، وحتى عام 1984م، (وهو العام الذي طبقت فيه القوانين الإسلامية) يستخدم أدوات السياسة النقدية المباشرة وغير المباشرة التي تمكنه من الرقابة على الائتمان، حيث كان يتحكم في الكتلة النقدية عن طريق معدلات أسعار الفائدة وتغيير نسب الاحتياطي النقدي، والتوجيه المباشر عن طريق وضع حدود قصوى للتمويل (سقوف ائتمانية) وغيرها من الوسائل الرقابية. كما أن البنك يقوم بدوره الرقابي والإداري على الجهاز المصرفي وفقاً لقانونه والذي أجريت عليه عدة تعديلات لتواكب السياسة الاقتصادية والمالية للدولة.

بعد تطبيق النظام الإسلامي في المصارف تم إنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية بالبنك في عام 1992م، كما أن البنك استمر في أداء دوره كبنك للحكومة المركزية وحكومات الولايات والهيئات والأجهزة الحكومية وشبه الحكومية وذلك بالمساهمة في رؤوس أموالها وحفظ إدارة حساباتها المحلية والأجنبية هذا فضلاً على أنه يؤدى دوره كمقرض للحكومة ومقرض أخير للبنوك.

وقد تخلص بنك السودان المركزي من أذونات الخزانة والسندات الحكومية التي كانت تطبق عليها أسعار الفائدة ومن ثم تم إصدار سندات مالية تتوافق مع الضوابط الإسلامية وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في 2005م، تم وضع سياسات بنك السودان المركزي في إطار السياسات الاقتصادية الكلية وبالتنسيق والتشاور مع وزارة المالية والجهات المعنية وفقاً للمبادئ الأساسية لاتفاقية السلام الشامل التي نصت على تطبيق النظام المصرفي المزدوج ( إسلامي في الشمال وتقليدي في الجنوب) وإنشاء بنك جنوب السودان كفرع للبنك المركزي ليدير النافذة التقليدية في الجنوب وإصدار سياسة نقدية واحدة من بنك السودان المركزي تكون ملزمة لكل المؤسسات المصرفية والمالية واستقلالية البنك المركزي في تنفيذ سياسته النقدية.

وفي 9 يوليو 2011م، بعد انفصال جنوب السودان أصبح بنك جنوب السودان هو البنك المركزي لدولة جنوب السودان يتبع له كل فروع بنك السودان المركزي في الولايات الجنوبية سابقًا وتم تجميد العمل بالنظام التقليدي الذي كان سائداً في جنوب السودان وبالتالي تم تعديل قانون بنك السودان المركزي عام 2012م، وفي خلال الفترة الانتقالية تم تعديل القانون للعمل بالنظام المصرفي المزدوج ولم يتم التطبيق حتى الآن مع توقعاتنا باختيار معظم المصارف للعمل وفق النظام الإسلامي.

تصنيف المصارف

يتم تصنيف المصارف في السودان بشكل عام من حيث الوظائف إلى مصارف تجارية ومصارف متخصصة وتعرف المصارف التجارية بأنها مؤسسات مالية تُصنَّف ضمن القطاع المالي وتقوم بتوفير الخدمات المصرفية والمالية الأساسية من قبول الودائع ومنح التمويل وغيرها من الخدمات المالية الأخرى لجمهور المتعاملين معها. أما المصارف المتخصصة فهي عبارة عن مؤسسات مالية تقوم بالعمليات المصرفية التي تخدم تنمية قطاع اقتصادي معين (الزراعة، الصناعة، العقارات)

أما من حيث رأس المال فيتم تصنيف المصارف إلى مصارف حكومية وهي التي يساهم فيها البنك المركزي أو وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي أو الاثنان معاً بنسبة تفوق 50% أما المصارف المشتركة فهي المصارف التي يكون رأس مالها مشترك بين عدة جهات سواء كانت محلية (عام- خاص) أو أجنبية بينما المصارف الأجنبية فهي فروع لمصارف أجنبية خارجية ويبلغ عدد المصارف العاملة في السودان 38 مصرف منها 5 بنوك متخصصة اثنين منها مشتركة وثلاثة بنوك حكومية والمصارف التجارية عددها 33 مصرف منها 23 مشتركة و 9 مصارف أجنبية ومصرف واحد حكومي وعدد فروع المصارف المنتشرة في السودان 865 فرع منها 384 فرع في ولاية الخرطوم بنسبة 44.4% من إجمالي فروع المصارف مما يشير إلى تمركز فروع المصارف بالإضافة إلى رئاسات كل المصارف في ولاية الخرطوم.

القطاع المصرفي في ظل الحرب

أحد الأسباب التي جعلت القطاع المصرفي يتأثر سلباً بنسبة كبيرة وجود بنك السودان المركزي ورئاسات كل المصارف بولاية الخرطوم فضلاً عن وجود عدد كبير من فروع المصارف بها وقد بدأت الحرب بولاية الخرطوم وتوسعت لتشمل حوالي 80% من مساحة الولاية لذلك تعرض البنك المركزي وكل رئاسات البنوك ونسبة لا تقل عن 80% من فروع المصارف العاملة بالولاية لعمليات نهب وسلب وتعطل العمل المصرفي بالولاية عام ونصف تقريباً ولكن استطاع بنك السودان المركزي بالتعاون مع المصارف العاملة بالسودان إخراج الأنظمة واسترداد البيانات والانتقال إلى العمل بالعاصمة الإدارية المؤقتة بمدينة بورتسودان بعد مرور شهرين من بداية الحرب ونجح بنك السودان بالتنسيق مع المصارف في تفعيل كل التطبيقات المصرفية والربط بينها مما يسر على المواطنين شراء احتياجاتهم عبر التعاملات الإلكترونية ودفع المرتبات للعاملين في القطاع العام بالمركز والولايات وقد ساعد عمل التطبيقات المصرفية المواطنين في أماكن النزاعات والتي ليس بها مصارف عاملة أن يتلقوا التحويلات المالية وبدأت حاليًا المصارف تفتح فروعها بصورة تدريجية في المناطق التي سيطر عليها الجيش في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار.

خسائر الحرب وتراجع المؤشرات الاقتصادية

لا أحد يستطيع أن يقدر حجم الخسائر الناتجة عن الحرب وسيتم تحديدها بشكل دقيق عبر لجان فنية عقب انتهاء الحرب، ومن المتوقع أن لا تقل عن 200 مليار دولار بسبب التدمير الممنهج الذي قامت به قوات الدعم السريع للبنية التحتية والقطاعات المختلفة (الصناعي، الزراعي، التجاري، المصرفي) وقد تكون المبالغ المنهوبة من منازل المواطنين بالعملتين المحلية والأجنبية وكميات الذهب كبيرة ومفاجئة للجميع بعد أن يتم حصرها بسبب اعتياد معظم السودانيين الاحتفاظ بالأموال والذهب في المنازل في ظل ضعف الشمول المالي وأن عدد الذين لديهم حسابات مصرفية قليل جداً، وقد تراجعت قيمة العملة الوطنية من 550 جنيه مقابل الدولار قبل الحرب إلى 2500 جنيه حالياً وارتفع معدل التضخم من رقمين إلى ثلاثة أرقام وقد بلغ 250% كما ارتفع معدل الفقر والبطالة وبالرغم من تراجع هذه المؤشرات الاقتصادية إلا أن الاقتصاد السوداني لم يبلغ مرحلة الانهيار لأن السودان يمتلك موارد طبيعية ضخمة في باطن وظاهر الأرض.

تاريخ تبديل العملة في السودان

في سبتمبر من العام 1956م، قامت الحكومة السودانية بجمع العملات المصرية والانجليزية وقامت بتسليمها إلى الحكومة المصرية ثم أصدرت لجنة العملة السودانية في نفس العام عملات معدنية وورقية وفي العام 1960م، تم إنشاء بنك السودان المركزي وأصبح له الحق في إصدار العملة وفقاً لقانون إنشائه وتم تغيير العملة عام 1970م، لأسباب فنية وإدخال الوسائل التقنية الحديثة لتفادي التزوير وفي العام 1992م، تم إصدار عملة الدينار وعاد السودان لإصدار فئة الجنية مع حذف أصفار في العام 2007م.

التبديل الجزئي للعملة بنهاية العام 2024

تأخرت الحكومة السودانية كثيراً في عملية التبديل الجزئي للعملة حيث أنها جاءت بعد 20 شهرًا من اندلاع الحرب في السودان وكان يجب أن تكون خلال الأشهر الأولى من الحرب وكان بالطبع سيكون أثرها الاقتصادي في إيقاف تدهور قيمة العملة الوطنية أفضل بكثير وقد تم طباعة فئة الألف جنيه واستبدالها وعدم طباعة فئة الخمسمائة جنية وتوريد الفئتين إلى المصارف وإبقاء التعامل بفئتي 100 – 200 جنيه مع تفعيل التعامل إلكترونياً وهذا الإجراء عالج مشكلة ظلت تلازم القطاع المصرفي منذ زمن بعيد حيث أن العملة المتواجدة لدى الجمهور تشكل أكثر من 90% مقابل أقل من 10% لدى الجهاز المصرفي وهذا بالطبع كان أهم عامل من عوامل ضعف القدرة التمويلية للمصارف السودانية بجانب ضعف رؤوس الأموال المدفوعة مما يتطلب سرعة إجراءات إعادة هيكلة المصارف وطرح الخيارات إما زيادة رأس المال المدفوع أو الدمج أو الاستحواذ، عملية التبديل الجزئي ساعدت في اكتشاف العملات المزورة حيث أن النشاط التجاري ليس لدية القدرة والمعرفة لاكتشاف التزوير أما موظفي المصارف فهم مدربون على ذلك بجانب توفر الماكينات التي تكتشف التزوير كما أن إدخال الكتلة النقدية داخل الجهاز المصرفي قلل من المضاربة والتجارة في العملات مما ساعد على إيقاف تدهور قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية ومن الفوائد المهمة للتبديل تمسك المصارف وفقًا لموجهات بنك السودان المركزي بمعرفة مصدر الأموال وهذا يتماشى مع ضوابط ولوائح مجموعة العمل المالي والتي تتوافق مع القوانين واللوائح المحلية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

توقعات باستبدال كامل للعملة الوطنية

تشير التوقعات إلى أن الدولة ستقبل على خطوة استبدال العملة وإعادة النظر في التركيبة الفئوية بعد انتهاء الحرب وتأتي أهمية هذه الخطوة نتيجة غياب الفئات ( 1- 2- 5- 10- 20 – 50 جنيه ) من التداول ليس بقرار من بنك السودان المركزي بل بسبب انعدام القوة الشرائية لهذه الفئات منذ أكثر من خمسة أعوام لذلك نتوقع أن تقوم الدولة بحذف ثلاثة أصفار لاستعادة العمل بالفئات الدنيا وإجراء تبديل شامل للعملة للتقليل من الإفرازات السالبة التي ستخلفها الحرب والحد من تراجع قيمة العملة والعمل على إصدار عملة ذات مواصفات تأمينية عالية حتى لا تكون عرضة للتزوير.

ختاماً: لقد تأثر القطاع المصرفي بالسودان سلباً في ظل الحرب وبعد انتهاء الحرب يجب أن يكون بنك السودان المركزي مستعداً بالخطط والبرامج والسياسات لإعادة هيكلة القطاع المصرفي لخلق كيانات مصرفية قوية قادرة على المنافسة محلياً وإقليمياً ودولياً ويكون لديها القدرة على تمويل مشروعات البنى التحتية وفقاً لنظام التمويل متوسط وبعيد المدى مع توزيع تواجد رئاسات البنوك وفروعها بشكل صحيح بالاستفادة من أخطاء الماضي والعمل على إحداث نهضة تنموية شاملة تشمل كل الولايات.

مقالات لنفس الكاتب