array(1) { [0]=> object(stdClass)#14361 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 207

مسارات حل المعضلة السودانية: أمنى / عسكريـ اجتماعي ـ سياسي وتشكيل حكومة كفاءات انتقالية وإعادة البناء والإعمار

الخميس، 27 شباط/فبراير 2025

يشهد السودان كدولة تحديات جسام تهدد أمنه واستقراره، ووحدته واستقلاله وسلامته الإقليمية، في ظل صراعات وانقسامات داخلية بين مكونات المجتمع السوداني بما في ذلك المكونات العسكرية والأمنية التي تتجسد في كيانات عسكرية نظامية وأخرى غير نظامية، يدور بينها صراع محتدم على السلطة والثروة والسيطرة والنفوذ. تتعزز هذه الصراعات وتلك الانقسامات بأدوار وتدخلات متباينة لقوى إقليمية ودولية قد تدفع في اتجاه يتسق مع مواجهة تلك التحديات على نحو إيجابي وبناء، وقد تدفع في اتجاه عكسي قد يعمق من حدة تلك التحديات وعلى نحو غير موات. تعددت مبادرات إقليمية ودولية من جانب دول أو من جانب منظمات إقليمية ودولية، ولم يتمكن أي منها من تجاوز هذه التحديات على النحو الذي يحافظ على السودان أمنه واستقراره وشيوع السلام في أرجائه، بل وعلى وحدته وسلامة أراضيه.

 الأهميــــة الاستراتيجيـــــة للســــودان:

 يحتل السودان موقعًا استراتيجيًا فريدًا في شرق القارة الإفريقية بإطلالة على البحر الأحمر حيث قناة السويس الشريان المائي الحيوي الرابط بين قارات العالم القديم الثلاث ـ أوروبا وآسيا وإفريقيا ـ، وهو أمر يبرز أهمية موقع السودان في مجال الأمن في البحر الأحمر، وفى المجال الاقتصادي والتجاري لدول الجوار السوداني وخاصة الدول المغلقة، فضلًا عن الاهتمام الإقليمي والدولي بالموانئ السودانية لأغراض اقتصادية /استثمارية أو لأغراض أمنية عسكرية. كما يمر بالسودان نهر النيل (دولة ممر أو مصب)، وهو أمر له أهميته باعتباره الشريان المائي الحيوي كرافد أساسي للحياة والوجود لشعبي ودولتي مصر والسودان، وخاصة مع تعاظم أهميته مؤخرًا في مجالي الأمن المائي والغذائي وأمن الطاقة.

 تتعدد ـ بجانب ما تقدم ـ أي رابطة كل من البحر الأحمر، ونهر النيل بين مصر والسودان، روافد العلاقات بين البلدين بتأثير ثوابت الجغرافيا ووقائع التاريخ، والعلاقات الاجتماعية والوشائج الثقافية، لتتجسد بتفاعلاتها روابط استراتيجية حيوية، أبرزها الأمن القومي المتبادل، والمصالح المشتركة القائمة والتكامل الاقتصادي المأمول. لقد تماثلت هوية السودان مع نظيرتها المصرية في ثلاثية عربية إفريقية، ذات بعد ديني إسلامي معتدل ( بالإضافة إلى بعد متوسطي بالنسبة لمصر)، وإن كان يغلب على هيكل الشعب السوداني القبلية (ما بين الإفريقية والعربية، وما بين الرعاة والمزارعين)، والجهوية، وما بين تعدد المجموعات الدينية، (ما بين الإسلام والمسيحية / وغير الدينية في جنوب السودان). وهي أمور تجسد في مجملها أحد مكونات وأسباب الصراع في السودان وخاصة في ولايات الأطراف السودانية، حيث يتمحورـ الصراع ـ حول الماء والكلأ والأرض (حيث ثروات على السطح وفى الباطن).

من ناحية أخرى، اكتسب موقع السودان أهمية بالغة لدول الجوار السوداني (سبع دول من بينهم ثلاث دول ساحلية مصر، ليبيا، إريتريا، وأربع دول مغلقة هي جنوب السودان / إثيوبيا / إفريقيا الوسطى / تشاد) بينهما تداخل قبلي ونزاعات حدودية. وهي أمور في المجمل تثير أبعادًا وتداعيات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية في أطر العلاقات بين السودان ودول الجوار العربية الإفريقية / والإفريقية / فضلًا عن دول الجوار العربي الخليجية الواقعة والممتدة على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر والخليج / (السعودية / الإمارات / قطر).

  يمتلك السودان، وهو ثالث أكبر دولة في إفريقيا، ثروات طبيعية تعدينية وزراعية وحيوانية  وبحرية هائلة، خاصة وأن معظم نتاج تلك الثروات  سلع استراتيجية حيوية تحظى بطلب ضخم ومطامع من قوى ودول إقليمية ودولية ، حوالى 1550 طن احتياطي من الذهب / 93 طن معدن نفيس / 1500 طن احتياطات فضة / 1،4 مليون طن يورانيوم ، 80  % من الإنتاج العالمي للصمغ العربي 30 % من الإنتاج العالمي من السمسم / 200  مليون فدان  صالح للزراعة / 115 مليون فدان مراعى طبيعية ، 300 مليار متر مكعب أمطار على السودان/ 110 ملايين رأس ماشية /  42 ألف طن أسماك سنويًا .

هكذا يبدو السودان برؤية استراتيجية، دولة محورية في إطار الأمن القومي العربي والإفريقي بمفهومه الواسع، سواء من حيث تعدد مجالاته، ليشمل الأمن المائي والأمن الغذائي وأمن الطاقة بجانب مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتعامل مع النازحين واللاجئين والهجرة غير الشرعية، سواء من حيث مناطق جواره الإقليمي ـ الدول العربية، منطقة القرن الإفريقي، منطقة شرق إفريقيا / منطقة البحر الأحمر، منطقة الخليج، منطقة الجوار الإفريقي للسودان. يتجسد مجمل ما تقدم في عضوية السودان على المستوى الإقليمي بالجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، وفي منظمات إقليمية فرعية هي مجلس الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر / منظمة الايجاد، وفى ارتباط بمنظمات دولية أبرزها وأهمها الأمم المتحدة بمنظوماتها المتعددة.

كما يبدو ذو أهمية استراتيجية لقوى ودول عظمى تقليدية لمصالح ذات أبعاد أمنية واقتصادية حيوية (الولايات المتحدة / روسيا / الصين / ومؤخرًا الهند) في إطار الصراع الدولي على النفوذ والسيطرة والهيمنة، والتكالب على الثروات الطبيعية خاصة تلك ذات الأهمية الاستراتيجية، بل ولقوى إقليمية مستحدثة تركيا إيران السعودية الإمارات قطر

تقديــــر الأوضـــــاع في الســـــودان:

يشهد السودان منذ ثورة ديسمبر 2018م، صراعًا سياسيًا محتدمًا بين مكونات المجتمع السوداني  ، وصراعًا عسكريًا محتدمًا بين طرفي المكون العسكري أي القوات المسلحة والدعم السريع،  في ظل دور لقوى إقليمية وأخرى دولية تسعى لتأمين مصالحها الاستراتيجية بالدرجة الأولى في خضم هذا الصراع، مع تنامي التوجه نحو التصعيد على نحو أصاب العاصمة الخرطوم، بتدمير للبنية التحتية ولمؤسساتها الخدمية، وتزايد في أعداد القتلى والجرحى، وتعاظم أعداد النازحين واللاجئين، فضلاً عن امتداد الصراع  المسلح إلى ولايات سودانية أخرى ( دارفور / النيل الأزرق / جنوب كردفان / الشرق ) . تتضاعف المخاوف من انهيار الأوضاع في السودان على نحو تتهدد معه وحدة السودان وسلامة أراضيه، وتسود حالة من الفوضى، وعلى نحو أيضا تمارس معه تلك التطورات تأثيرات سلبية على أمن واستقرار دول الجوار المباشر خاصة، ومنطقة الجوار الإقليمي العربي والإفريقي عامة.

 طرحت دول ومنظمات إقليمية ودولية مبادرات لتسوية الأزمة السودانية، وقفت جميعها عند حد المطالبة بوقف إطلاق النار لاعتبارات تتعلق بالأوضاع الإنسانية المتدهورة، ولكن لم تصب أي منها نجاحًا، باستثناء مبادرة سعودية أمريكية عقدت مباحثاتها  بالوكالة BY PROXY  في جدة  أي محادثات عن قرب (غير مباشرة ) بين ممثلي طرفي المكون العسكري (القوات المسلحة والدعم السريع) ، لم تتجاوز نتائجها بالإعلان في 12 / 5 / 2023م، عن اتفاق مبادئ يتعلق بتأمين الأوضاع الإنسانية في إطار ما تتضمنه المواثيق والقوانين والاتفاقات الدولية في هذا الصدد، مع التأكيد على وحدة السودان واستقلاله وسلامته الإقليمية، وبتقدير أنها خطوه تتلوها خطوات أخرى تتعلق بهدنة ووقف إطلاق النار بآلية للمراقبة، واستئناف العملية السياسية بشمولية أكبر لقوى وأحزاب المكون المدني، وشمولية  أكبر للشركاء الإقليميين والدوليين لتيسير العملية السياسية.

 عرض وتحليل لتطورات الأوضاع في السودان منذ حكم البشير:

 عانى السودان طوال فترة نظام حكم البشير (ثورة الانقاذ 1989م) ـ وهو نظام وليجارك عسكري ديكتاتوري مرتبط عضويًا بالحركة الإسلامية الإخوانية ذات الاتجاهات المتطرفة ـ من أوضاع داخلية وخارجية كادت أن تدفع السودان في مجمله إلى أن يصبح دولــــة هشــــة أو فاشلة. على المستوى الداخلي، أوضاع سياسية متأزمة، اقتصادية متدهورة، انتهاكات لحقوق الإنسان متنوعة / طالت البشير باتهامه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وحديث عن اتهامه بارتكاب جرائم إبادة جماعية في إطار حروب وصراعات دامية اقترن بها نزوح ولجوء أعداد ضخمة من النازحين واللاجئين (ولايات دارفور / جنوب كردفان / النيل الأزرق / الشرق)، وانفصال جزء من أرض الوطن بما عليه من ثروات بشرية وطبيعية. (جنوب السودان).  على المستوى الخارجي، عزل السودان عن محيطية الإقليمي والدولي، فقد توترت علاقاته مع بعض دول الجوار مصر / ليبيا / جنوب السودان بعد انفصاله عن الدولة الأم .وتراوحت علاقاته ما بين التحسن وعدمه مع الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة / إدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب / تضخم الدين الخارجي وتعذر اسقاطه / عقوبات اقتصادية / المطالبة بمحاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية / ملف متضخم لحقوق الإنسان أمام المنظمة الدولية للأمم المتحدة في جنيف / الارتباط بمنظمات ونظم حكم ذات توجهات متطرفة.

 انتفض الشعب السوداني في ثورة شعبية ديسمبر 2018م، بقيادة قوى الحرية والتغيير التي كانت تتشكل آنذاك من أحزاب وقوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني وحركات مسلحة كظهير سياسي يمثل نسبة كبيرة من الشعب السوداني. اسقطت الثورة نظام البشير تحت شعار حرية عدالة سلام، وإقامة نظام حكم مدني ديمقراطي عبر انتخابات حرة نزيهة. أي اسقاط نظام قائم على رؤية فلسفية للإسلام السياسي، وتبنى التوجه نحو نظام قائم على رؤية فلسفية لحكم مدني ديمقراطي. بدأت مرحلة انتقالية بموجب وثيقة دستورية 2019م، بشراكة بين المكون المدني المشار إليه، ومكون عسكري ساهم في إنجاح الثورة (يضم القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع). تأسست الشراكة للمكونين على الشرعية الثورية، وشرعية الأمر الواقع على التوالي مع تقاسم قيادة فترة المرحلة الانتقالية بدءًا بالمكون العسكري.

قام المكون العسكري في  أكتوبر 2021م، بانقلاب على هياكل السلطة الانتقالية، لينفرد بالسلطة مبررًا ذلك  بانقسام  قوى الحرية والتغيير وانسحاب مجموعة المجلس المركزي  من المكون المدني لتفقد تلك القوى شرعية تمثيلها لغالبية الشعب السوداني في هيكل السلطة الانتقالي ، وبقيت المجموعة الأخرى معه "  الكتلة الديمقراطية "، فضلًا عن تنامى مشكلة الشرق ربطًا باتفاقية سلام جوبا بين الحكومة وحركات الكفاح المسلح  (2021م) ، حيث ترى قياداته أنه تم تهميش دورها وتمثيلها في اتفاق السلام، وإهمال استحقاقاتها في السلطة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الدولة.

انتفاضة الشــعب السوداني ودور الأمم المتحـــدة:

انتفض المجتمع السوداني في مظاهرات واحتجاجات شعبية عارمة ضد الانقلاب وتبلورت مطالبه في إقامة حكم مدنى ديمقراطي خالص وابتعاد المؤسسة العسكرية عن الشأن السياسي بل والنشاط الاقتصادي ( غير المرتبط بالأمن والدفاع )، بادرت الأمم المتحدة بتعيين مبعوث للأمم المتحدة  "فولكر بيرتس " ليتولى عملية ( تسهيل ) تيسير FACILITATE حوار سوداني / سوداني بين كافة الأطراف السودانية بما في ذلك  المكون العسكري ، مع  إقصاء حزب المؤتمر الوطني، وتمحور الهدف الرئيسي حول التوصل إلى توافق وطني شامل بين مكونات المجتمع السوداني لإقامة نظام حكم مدنى ديمقراطي بموجب انتخابات شفافة ونزيهة، عقب فترة انتقالية لحكومة مدنية خلال تلك الفترة.  تأسست تلك المبادرة على خلفية قرار أممي سابق بإيفاد بعثة للأمم المتحدة لدعم عملية التحول الديمقراطي في السودان استجابة لطلب عبد الله حمدوك رئيس الوزراء آنذاك، لتكتسب المبادرة بذلك شرعية دولية في إدارة الأزمة والتوصل لتسوية بشأنها. انضم إلى الأمم المتحدة كل من الاتحاد الإفريقي والايجاد ليصبحا معًا آلية ثلاثية، كما انضمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة البريطانية ودولة الإمارات والسعودية كآلية رباعية مع الآلية الثلاثية، أعلن المكون العسكري انسحابه من العملية السياسية، أمام ضغوط المجتمع المدني السوداني التي تجسدت في تواصل المظاهرات والاحتجاجات المطالبة بإبعاده عن الحياة السياسية تحت شعار الدعم السريع للدمج أو الحل، والجيش للثكنات، ليتيح فرصًا أفضل أمام الآليات المشار اليها للتوصل إلى توافق وطني أشمل بين المكون المدني.

خلصت جهود الآليات المشار إليها إلى اتفـــاق إطاري تم إبرامه بين قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي والمكون العسكري وذلك في ديسمبر 2022م، على أن تتم معالجة قضايا خمس جوهرية عبر ورش عمل متخصصة هي العدالة / والعدالة الانتقالية / واتفاق سلام جوبا / وقضية الشرق / والإصلاح الأمني والعسكري.

6 ـ تقييــم لمخرجـــــات العمليــــة السياسيــــة:

 يعد الاتفاق الإطاري جزئي، بفشله في توسيع نطاق المشاركة من عناصر أخرى من المكون المدني ليحتكر السلطة في هياكل المرحلة الانتقالية، وربما بوضع متميز أيضًا حال تشكيل هياكل السلطة في إطار الانتخابات التي ستجرى عقب المرحلة الانتقالية. ويعد مرحليًا ، بضرورة استكمال العملية السياسية باتفاق سياسي نهائي بعد معالجة القضايا الخمس  العالقة  (وهو الأمر الذى تعثر ولم يتحقق ).سعت القاهرة مع دعمها للاتفاق الإطاري توسيع دائرة  " التوافق الوطني " ، وتوصلت عبر دور ميسر مع قطاع عريض من المجتمع السوداني تشكيل مجموعة الكتلة الديمقراطية (وثيقة القاهرة للتوافق السياسي )، وليتم إجراء حوار مع مجموعة الاتفاق الإطاري، لكن تعذر تحقيق ذلك لموقف الأخيرة المشار إليه .تفجرت الأوضاع الحالية في السودان  بما انتهت إليه العملية السياسية من مخرجات سلبية حيث تنامت معارضة وتحفظ قوى وأحزاب سياسية ، سواء لاحتكار المجلس المركزي لهياكل السلطة الانتقالية وبترجيح احتكاره أيضًا لهياكل نظام الحكم المدني الديمقراطي المنشود عبر الانتخابات المرتقبة، سواء للفشل في معالجة القضايا الخمس العالقة على النحو المقبول، فضلًا عن ـ وهو الأهم ـ، وضعية قوات الدعم السريع ككيان مستقل عن القوات المسلحة في مرتبة وتبعية أعلى في هيكل السلطة الانتقالية  ( تتبع رئيس الوزراء) ،وبأن تتم عملية دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة في عشر سنوات، في ازدواجية غير مسبوقة للتواجد بين مؤسسة عسكرية عريقة وكيان مستحدث كميليشيات، خاصة وأن قيادات الأخيرة وممارسات قوات الدعم السريع ذات تاريخ وحاضر سيء السمعة ومدان شعبيًا وإقليميًا ودوليًا في إطار المواثيق والقوانين الدولية الإنسانية ذات الصلة  .وقد بدا واضحًا أن قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، قد أضحت الحاضنة السياسية لقوات الدعم السريع، وأن قوات الدعم السريع هي الحاضنة العسكرية لقوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، في وقت لا تمثل فيه تلك القوى أغلبية الشعب السوداني حيث لا تتجاوز 30% من المجتمع السوداني.

خامسًا: ـ تقريــــر للتطورات الجارية في الســــــودان:

1 ـ على الرغم من أنه يمكن اختزال المشهد السياسي في ظل الصراع الدائر حاليًا سياسيًا وعسكريًا في مجموعات أربع، مجموعة الاتفاق الإطاري / المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير ،والتي تحولت إلى ما يسمى بمجموعة تقدم بقيادة حمدوك في ارتباط واضح مع الدعم السريع مما أفقدها كثيرًا من الشعبية، وتعزز هذا الفقد بما تحظى به من احتضان كل من إثيوبيا وكينيا للمجموعة وكلاهما دعيا إلى التدخل الخارجي في السودان ( هما أعضاء في الايجاد وتسببا في انقسام الايجاد بصدد مبادرتها في معالجة الأزمة السودانية خاصة وأن السودان جمد عضويته بها إثر ذلك ولأسباب أخرى ) /  مجموعة القاهرة للتوافق السياسي / الكتلة الديمقراطية /ومجموعة رافضة متشددة، الحزب الشيوعي، حزب البعث، أحزاب أخرى، ولجان مقاومة / ومجموعة المكون العسكري  ومحورها القوات المسلحة، قوات الدعم السريع، حركات الكفاح المسلح / الأجهزة الأمنية . هذا الاختزال مع أهميته إلا أنه لا يجسد الواقع على الأرض بشكل كامل، إذ أن مكونات المجتمع السوداني من كتل وأحزاب وأطياف سياسية ذات بعد جهوي وأثنى وعرقي وديني ...شهدت انقسامات وانشقاقات داخلية في كل منها على نحو تجاوز أعدادها أرقام يصعب حصرها بدقة. هذا فضلًا عن أن بقايا نظام البشير ذو التوجهات الإسلامية لم يزل له تواجد على الأرض وفى مفاصل الدولة ومن بينها القوات المسلحة، وهو الأمر الذي بدا كأنه يدعم تلك القوات في مواجهة قوات الدعم السريع.  

 يدور الصراع بين مكونات المجتمع السوداني، وكذا بين طرفي المكون العسكري، ويحمل الصراع في طياته اتساع نطاقه ليتحول إلى حرب أهلية تهدد وحدة السودان وسلامة أراضيه، ويطال بتداعياته أمن واستقرار دول بالجوار خاصة ودول بالإقليم عامة، بل إن بولايات الأطراف قوى تتبنى توجهات ونزعات انفصالية استقلالية بدعم من ميليشياتها المحلية.

تتواجد قوى إقليمية وأخرى دولية في إطار هذا الصراع، تقف وراء طرف وتدعمه في مواجهة طرف أو أطراف أخرى لمصالح ذاتية لا تتسق ومصالح الشعب السوداني ومؤسسات دولته الوطنية. حظيت قيادة الدعم السريع بدعم قوى إقليمية (عربية وإفريقية) ودولية في إطار مخرجات الاتفاق الإطاري في مواجهة قيادة القوات المسلحة على خلفية دور لوحدات من الدعم السريع في أزمات أمنية تواجه بعضًا منها، أو مصالح اقتصادية من تهريب وتجارة الذهب، أو ارتباطات ذات طبيعة أمنية عسكرية داخلية مع قوى خارجية أو ارتباطات أمنية مع إسرائيل في مجال الاستخبارات وأجهزة أمنية مرتبطة بهذا المجال والتدريب عليها. تأسست تلك العلاقات على امبراطورية عسكرية سياسية اقتصاديه لعائلة حميدتي المنتمي لقبيلة عربية في دارفور ( ارتبط من خلالها بميليشيا الجنجويد وبقيادتها ومنها جاء الدعم السريع)، بينما تبنت القوات المسلحة السودانية توجهًا بأن الدعم السريع ميليشيا انقلابية متمردة، يتعين القضاء عليها وهو توجه حظي بتوافق شعبي في مواجهة الدعم السريع الذى صنف مؤخرًا كميليشيا ارهابية وفرضت عقوبات على قياداته، وتحظى القيادة السياسية السودانية بدعم من قوى إقليمية ودولية لعل من أبرزها مؤخرًا تركيا وإيران، وأن فرض مؤخرًا عقوبات هامشية على قيادات القوات المسلحة. يشير الوضع الميداني على الأرض إلى أن ما حققه الدعم السريع من مكاسب وسيطرة في البداية وحتى وقت ليس ببعيد، بدأ في التراجع بقوة وخاصة في العاصمة الخرطوم وبعض الولايات، أبرزها الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، وأنه في معارك الفاشر عاصمة إقليم دارفور تعثر في تحقيق أي تقدم بل منيت قواته بخسائر فادحة.

.سادسًا: ـ فرص وآفاق تسوية الأزمة السودانية:

واقع الأمر ترتبط هذه الفرص وتلك الآفاق عضويًا باحترام خيارات الشعب السوداني، الذي يستهدف إقامة نظام حكم مدني ديمقراطي. لقد تعثرت كافة المبادرات التي طرحت من دول أو منظمات إقليمية أو دولية لقصر عناصرها على وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية، دون التطرق إلى فرص وآفاق تسوية الأزمة السودانية عبر مسار سياسي ومسار لإعادة البناء والإعمار. في التقدير، ومن واقع مجمل ما تقدم ومن تطورات الأزمة السودانية، أن على قوى المجتمع السوداني التوافق على مبادرة مجتمعية سودانية خالصة ملامحها الرئيسية:  

 حوار سوداني / سوداني يتسم "  بمبدأ الشمولية "   " سواء لكافة مكونات المجتمع السوداني دون إقصاء " ، لوأد حالات الانقسامات الداخلية، وما يتمحور حولها من محاولات استقطابات إقليمية ودولية ،وصولًا إلى "توافق وطني قومي " حول مسارات  المبادرة ،  /"سواء بشمولية  كافة الدول والمنظمات الإقليمية والدولية " المعنية بالشأن السوداني بوضعية المراقب (أو الميسر عند المقتضى )، / " سواء  بشمولية المبادرة على مساراتها الأربعة المختلفة " على أن تكون عبر مؤتمر جامع شامل تحت رعاية أقرب دول الجوار السوداني الأكثر فاعلية وحرصًا على أمن السودان ووحدته وسلامته الإقليمية وهما مصر والسعودية .

وتتضمن المبادرة، مبادئ أساسية، المحافظة على وحدة السودان وسلامته الإقليمية، عدم التدخل في الشأن الداخلي، احترام مبادئ ثورته المجيدة، المؤسسة العسكرية هي الوحيدة المنوط بها حماية الدولة والشعب والحفاظ على وحدته وتحقيق أمنه واستقراره. وتتضمن أيضًا ما توافق عليه الشعب السوداني، تسليم السلطة لحكومة كفاءات مستقلة مدنية انتقالية فور التوافق على تشكيلها، نأي المؤسسة العسكرية عن الشأن السياسي والاقتصادي، بناء جيش وطني مهني قومي واحد يعبر عن كل مكونات المجتمع السوداني، دمج وحل ميليشيات الدعم السريع وأي ميليشيات أخرى خلال الفترة الانتقالية ، فك أي ارتباط بين أي من الأحزاب والقوى السياسية مع أي مكون عسكري، استعداد القوى والأحزاب السياسية لانتخابات حرة ونزيه وشفافة في نهاية الفترة الانتقالية، والتي يمكن لقيادات الدعم السريع بعد دمجه أو  حلة أن يشارك في الانتخابات حال تحوله لحزب سياسي او الانضمام لأي من القوى السياسية ،  ربطًا بأن يتم خلال الفترة الانتقالية وضع مشروع دستور دائم عبر لجنة دستورية قانونية تتبع الإجراءات المعروفة في مثل هذه الحالات لعرضه على استفتاء شعبي.

وتشمل المسارات الأربعة، مسار أمنى عسكري، يتعلق بوقف إطلاق النار بشكل دائم وشامل ، في كافة ربوع السودان، وما يرتبط به من ترتيبات لإنفاذه طوعًا أو جبرًا ./ مسار اجتماعي  إنساني والمحافظة على التراث السوداني، ويتعلق بمعالجة شاملة للأوضاع الإنسانية والاجتماعية بما في ذلك مكافحة خطاب الكراهية في الداخل والخارج وتوفير ممرات آمنه مع تحديث البنية التحتية ،/ مسار سياسي، ويتعلق بالتوافق على تشكيل هياكل السلطة الانتقالية لفترة في حدود عامين، وتشكيل حكومة كفاءات مدنية انتقالية تتولى إدارة شؤون البلاد ، مع عدم أحقية من يشغل منصبًا في تلك الهياكل أو في الحكومة ، الترشح في الانتخابات القادمة / مسار إعادة البناء والإعمار ، ويتعلق بالبدء من الآن في وضع خطط وبرامج وترتيبات في هذا الصدد وخاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية والمؤسسات الوطنية .

مقالات لنفس الكاتب