array(1) { [0]=> object(stdClass)#14244 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 209

استراتيجيات ترامب لتحقيق أهدافه: التلاعب بالعقول التفاوض المتقدم وعقد الصفقات

الأربعاء، 30 نيسان/أبريل 2025

تُعد منطقة الشرق الأوسط وأحدة من أهم المناطق الحيوية في العالم، حيث تمتلك كافة مقومات المناطق الاستراتيجية من حيث الجغرافيا والجغرافيا السياسية والثروات الطبيعية، كما يمكنها أن تُشكل تهديدًا للدول العظمى إذا منعت عنها تلك المقومات ولذلك أصبحت المنطقة جاذبة للمشاريع والأطماع الدولية، مما دفع الدول العظمى لاتباع سياسات تُمكنها من التواجد و ديمومة البقاء في تلك المنطقة من خلال التحايل على القانون الدولي وشرعنة تلك السياسات سواء بحجة مكافحة الإرهاب، أو مكافحة القرصنة أو فرض عقوبات على دول ترعى الإرهاب أو حماية دول من مخاطر دول أخرى أو حماية الملاحة الدولية و غيرها من الحُجج والمبررات.

كان لاستخدام سلاح النفط في حرب أكتوبر 1973م، و غلق المضايق والممرات البحرية الأثر البالغ في لفت انتباه الدول العظمى إلى أهمية التواجد في المنطقة والسيطرة على مواردها ومضائقها وممراتها المائية لتأمين طرق التجارة العالمية وضمان وصول النفط إلى الشركاء في أوروبا و تأمين مرور الأساطيل العسكرية الأمريكية والغربية بحرية كاملة ولتحقيق هذا التواجد عملت تلك الدول على خلق حالة من عدم الاستقرار السياسي و الأمني مما يستدعي حضورها لإعادة الاستقرار وإنشاء قواعد عسكرية لحماية دول المنطقة من المخاطر والتهديدات ولذلك تم صناعة الخصوم وشيطنتهم، وافتعال الأزمات سواء داخل الدولة أو بين الدول وبعضها، وصناعة الانقسامات والانشقاقات المذهبية والقبلية والعرقية والجهوية و دعم الثورات والجماعات المسلحة وتشجيع الإرهاب والجريمة المنظمة وتغير الأنظمة والإتيان بأنظمة جديدة تخدم مشاريعها.

أهمية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية

من يتحكم في الشرق الأوسط (حلقة الوصل بين الغرب والشرق) يتحكم في العالم كونه مصدر رئيسي للطاقة وموقعه الجيواستراتيجي وتأثيره على الاستقرار الدولي و على المنافسة بين القوى الكبرى، ولذلك تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على ديمومة التواجد في منطقة محورية للسياسة الأمريكية كالشرق الأوسط للحفاظ على مصالحها الحيوية سواء في الإقليم أو على المستوى الدولي، فالشرق الأوسط يُعد مصدرًا رئيسيًا للطاقة العالمية يمتلك 48% من احتياطات النفط الدولية و 40% من احتياطات الغاز الطبيعي و هذه الثروات لا بديل عنها في الاقتصاد العالمي, ولذلك تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على التواجد بجوار منابعه واستمرار تدفقه إلى الأسواق العالمية والسيطرة على تلك الأسواق لاسيما الأوروبية منها والتحكم في أسعاره العالمية كما أن الشرق الأوسط هو مركز الثقل للنقل البحري وبه أهم المضايق والممرات المائية في العالم (مضيق هرمز، باب المندب قناة السويس، جبل طارق) و لذلك تُعد أهميته الجيوسياسية أكبر وأعمق بكثير من أهميته الجغرافية كما أن حدوث أى نوع من التؤترات فيه يوثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي.

الشرق الأوسط سوق جيد للمنتجات والخدمات والصناعات العسكرية الأمريكية وعلى الرغم من أن حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط محدود نسبياً (88 مليار دولار) ويمثل نسبة 1.2% من إجمالي التجارة الأمريكية البالغة أكثر من 7 تريليونات دولار إلا أن الولايات المتحدة حريصة على التواجد فيه لأغراض جيواستراتيجية واقتصادية ودينية كما أنها تسعى لزيادة حجم استثماراتها خاصة مع دول الخليج وجذب مزيد من الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة الأمريكية التي لديها بالفعل حجم استثمارات ضخمة.

ولذلك خضعت المنطقة لتنافس كبير بين القوى العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين فضلاً عن وجود تنافس إقليمي حاد على النفوذ بين إسرائيل وإيران وتركيا وتسببت حالة عدم الاستقرار والصراعات في الشرق الأوسط في إنتاج وظهور فواعل من غير الدول مثل الجماعات المسلحة والجماعات الإرهابية ولذلك وظفت الولايات المتحدة تلك التفاعلات لتدشين قواعد عسكرية لها وإرسال أساطيلها البحرية للمنطقة لحماية مصالحها والحفاظ على الاستقرار.

مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" في الذهنية الأمريكية

يشكل مشروع "الشرق الأوسط الجديد" أحد الركائز الرئيسة في السياسة الخارجية الأمريكية لتحقيق الهيمنة على المنطقة ومواردها وحماية المصالح الأمريكية ومصالح إسرائيل والعمل على هيمنة الأخيرة على الإقليم عبر تفكيك دوله وإعادة ترتيب المنظومة الإقليمية من جديد بما يخدم المصالح الغربية والإسرائيلية، مع تجاهل مصالح شعوب المنطقة.

مشروع الشرق الأوسط هو فكرة تناولتها الأدبيات السياسية القديمة ربما ولدت في توقيت ميلاد فكرة إسرائيل في أواخر القرن التاسع عشر ووضعها في قلب المنطقة العربية بحيث تفصل العربي الإفريقي عن العربي الآسيوي لدوافع استعمارية وانتشر استخدام مصطلح "الشرق الأوسط" كثيراً من قبل القوى الاستعمارية الغربية عقب الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية وظهور الوعي القومي العربي.

ترسخت فكرة مشروع "الشرق الأوسط الجديد" في الذهنية الأمريكية أثناء فترة الحرب الباردة وتطورت أشكالها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي بحيث يضم الشرق الأوسط الجديد جغرافياً العالم العربي والإسلامي من المحيط الأطلنطي غرباً ومروراً بدول الساحل الإفريقي المسلم وحتى باكستان وأفغانستان ووسط آسيا شرقًا كما يضم إيران وإسرائيل وتركيا ودول وسط آسيا.

 وبالفعل كانت لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها في المنطقة الأثر البالغ في تهيئة المنطقة لتنفيذ المشروع وكانت أهم المحطات فيه هو الحرب الأمريكية على أفغانستان والعراق وثورات الربيع العربي وشيوع الإرهاب في المنطقة ثم حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي تقوم بها إسرائيل حالياً وبدعم أمريكي على غزة والضفة وجنوب لبنان والاستيلاء على أراضٍ في الجنوب السوري.

وللأسف تلك السياسات قد تُساعد على تفكيك دول المنطقة وتقسيمها من خلال صراعات داخلية مذهبية وعرقية وقبلية إلى أن تصبح دويلات صغيرة متناحرة مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة مع القضاء على فكرة المقاومة بشكل كامل وتقويض أي تيار سياسي يعارض المشروع وفرض النفوذ الإسرائيلي بالقوة على دول المنطقة وفرض حل إسرائيلي على الفلسطينيين.

مراحل صناعة الشرق الأوسط الجديد

 مرت صناعة "الشرق الأوسط الجديد" بثلاث مراحل رئيسية كالتالي:

المرحلة الأولي "تمهيد المنطقة أو الميدان"

 عقب نكسة 67 عملت الولايات المتحدة الأمريكية علي تهيئة "الميدان " والسيطرة عليه فقد نجحت في طرد الاتحاد السوفيتي من مصر و افغانستان و دول أخرى، كما سهلت بمشاركة الغرب نجاح الثورة الإسلامية في إيران و زرع "البعبع" الإيراني ذات الأيدولوجية الدينية الذى يسعى لتصدير الثورة الإسلامية لدول المنطقة و تهديد جيرانه من العرب ثم دعم الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت 8 سنوات استُنفذت فيها طاقة البلدين وعُطلت برامج التنمية وهى من شجعت على غزو العراق للكويت و فرض عقوبات على العراق لتعزيز الوجود العسكري الغربي بالمنطقة و تغير الصراع من عربي فارسي إلى سني شيعي.

المرحلة الثانية "المقاربات العسكرية "

عقب أحداث 11 سبتمبر قامت الولايات المتحدة الأمريكية باحتلال أفغانستان والعراق ورسخت تواجدها الفعلي على الأرض بالقرب من منابع النفط سواء في الخليج أو آسيا الوسطي من خلال عمليات عسكرية عنيفة وقد أطلق المحللون على هذه المرحلة "الماكرو" MACROأى المقاربة الكبرى، وفيها تواجدت القوات الأمريكية على الأرض وكثفت من قواعدها العسكرية وأساطيلها البحرية بالقرب من المضايق والممرات المائية تحت حجج ومبررات كثيرة.

المرحلة الثالثة وهي إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية

وجاءت هذه المرحلة لفرض الهيمنة الأمريكية على المنطقة وطرد المنافسين الدوليين لها (الصين روسيا إيران الاتحاد الأوروبي) و تعزيز نفوذ إسرائيل و توسيع مجالها الحيوي، ومحاولة القضاء على " المقاومة" بمفهومها الشامل وفى هذه المرحلة شهدت المنطقة أحداث مؤلمة غيرت من شكل خريطة الشرق الأوسط، كان أهمها الربيع العربي و تفكك بعض دوله و انقلابات عسكرية في الساحل الإفريقي وشيوع الإرهاب وإنشاء تحالف دولي لمحاربته، ثم حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في غزة والضفة الغربية والتوغل في الجنوب اللبناني بعد تدمير قدرات حزب الله و كذلك الجنوب السوري بعد خلع بشار الأسد و تحالف امريكي ضد نشاط " الحوثيين" وعسكرة أمام باب المندب و البحر الأحمر، وسميت تلك المرحلة "بالميكرو".

المصالح الأمريكية من صراعات الشرق الأوسط

ـ تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على خلق حالة من التوتر وعدم الاستقرار السياسي والأمني وتعزيز صراعات مسلحة محدودة مع القيام بإدارة تلك الصراعات وتوجيهها ومحاصرتها وليس إنهائها دون دخول المنطقة في "فوضي" لتحقيق ما يلي:

1ـ تغير هوية المنطقة وإعادة صياغتها جغرافياً وسياسياً واجتماعياً ومذهبياً ثم إقامة ترتيبات أمنية وسوق  مشتركة وفق مشروع سياسي استعماري جديد لخدمة المصالح الأمريكية و مصالح الحليف الاستراتيجي لها" إسرائيل".

2ـ تقويض الطموحات الصينية في المنطقة خاصة الاستثمارات الضخمة في مجالات البنية التحتية والطاقة.

3ـ الحد من التواجد الروسي والذي استغل حالة الفراغ الأمني عقب ثورات الربيع العربي وتواجد بقوة في سوريا وليبيا والسودان ودول الساحل الإفريقي.

4ـ ضمان استمرار السيطرة على ثروات المنطقة من نفط وغاز وثروات طبيعية ومضايق وممرات مائية وضمان عدم توظيفها من قبل دول المنطقة لتهديد الغرب.

5ـ الحيلولة دون إنشاء تحالفات إقليمية من دول المنطقة ضد المصالح الأمريكية والغربية خاصة بين المملكة العربية السعودية والتي لديها أكبر احتياطي نفط، وإيران التي تمتلك مخزونًا هائلًا من النفط والغاز، ومصر وتركيا يمتلكان أكبر جيوش متطورة.

6 ـ فرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة من خلال تحقيق النصر الكامل لإسرائيل ضد قوة المقاومة الوطنية وتدمير أذرع إيران المسلحة وتهذيب سلوك إيران وإضعافها لصالح إسرائيل.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والشرق الأوسط

الرئيس ترامب يُعد واحداً من أكثر الشخصيات المُثيرة للجدل على الساحة السياسية الأمريكية، اشتهر بمواقفه الشعبوية والحمائية والانعزالية القومية التي أثرت على السياسة الأمريكية، لا توجد لديه خطوط سياسية حمراء ولا إحترام لقيم إنسانية، أو لتاريخ الأمم وسيادتها يتحدث بغطرسة وكبرياء ويهدد بالقوة للاستيلاء على أراضي الغير، و بالعقوبات والرسوم الجمركية ينتمي إلى جناح اليمين المحافظ داخل الحزب الجمهوري و لديه علاقات واسعة مع المسيحيين الإنجيليين ومع اللوبي اليهودي ومع اليمين المتطرف الإسرائيلي كما أن مُعظم  أعضاء إدارته الحالية من المتشددين.

ترامب حريص وبشدة على تقديم دعم لإسرائيل غير محدود لأسباب مُتعددة أهمها علاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية و كونها دولة وظيفية تحقق مصالح أمريكا في منطقة الشرق الأوسط، كما إنه حريص على إرضاء اللوبي اليهودي صاحب النفوذ الكبير على دوائر صنع القرار الأمريكي والداعم له في الانتخابات الرئاسية كما أن دعم ترامب لإسرائيل له بُعد ديني قوي مستتر مرتبط بالعقيدة البروتستانتية المسيحية الصهيونية التي تؤمن وبشدة بالنبوءات التوراتية والتي تؤمن بنزول السيد المسيح بعد عودة اليهود إلى أرض الميعاد فضلًا عن كراهية الترامبين للإسلام بصفة عامة.

ترامب يتبني فكر استعماري عنصري قديم، فهو مُلهم بالقاعدة الأمريكية التقليدية البروتستانتية ـ الأنجلو سكسونية  “WASP”التي تُميز الجنس الأبيض القادم من غرب أوروبا على باقي الأجناس الأخرى، لذلك فهو رافض لتواجد المهاجرين من أصول لاتينية على الأراضي الأمريكية يرى أنهم يُشكلوا خطر على الهوية الأمريكية كما يرتكز في سياساته الخارجية على فكرة المركزية الأمريكية والتوسعية "أمريكا أولاً" ولذلك يسيطر عليه مبدأ " مونرو" الذى يرى أن من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية هي السيطرة على الجزء الغربي من الكرة الأرضية " الأميركتين".

أثارت عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مخاوف وقلق من تبنيه سياسات أكثر تشددًا وحدة عن فترته السابقة خاصة فيما يتعلق بملفات حساسة وشائكة مثل الأطماع الإسرائيلية في المنطقة وتطلعات إيران لامتلاك السلاح النووي ونزاع الصحراء الغربية مع دولة المغرب وأطماع المنافسين الدوليين والإقليميين على الشرق الأوسط.

مفهوم الشرق الأوسط عند ترامب

تصريحات ترامب بشأن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والاستيلاء عليها ليست ارتجالية ولا عفوية ولا هي فكرة طارئة من باب الهُراء السياسي لكنه بالفعل يعبر عن رغبة حقيقية للاستيلاء عليها وتقديمها إلى إسرائيل ولقد طرح رغبته في طرد الفلسطينيين من غزة والأردن فترة رئاسته الأولى فيما عُرف وقتها بــ "صفقة القرن" إلا أن المنطقة العربية لم تستوعبها ولذلك رُفضت وبشدة حتى من قبل الفلسطينيين أنفسهم.

يرى ترامب الشرق الأوسط منطقة صفقات تجارية و عسكرية واستثمارات، و لذلك يتعامل مع ملفات المنطقة بمنظور برجماتي و تجاري مبني على المصالح قصيرة الأمد بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية لديه هوس بجمع المال عن طريق التهديد والابتزاز وعقد صفقات تجارية وعسكرية و يرغب في تقليل الوجود العسكري الأمريكي وإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي وتبني سياسة النفط مقابل الحماية يسعي لإعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط من خلال الضغط على بعض الدول للتطبيع مع إسرائيل وتنفيذ ما تبقى من "صفقة القرن" التي تنحاز لإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية.

وفيما يتعلق بالملف الإيراني، يرى ترامب أن إيران هي العدو الرئيسي له ولإسرائيل في المنطقة، ففي فترته الأولى انسحب من الاتفاق النووي في 2018م، وفرض عليها عقوبات اقتصادية عنيفة استهدفت قطاع النفط والبنوك، واغتيل "قاسم سليماني"، ودعم عمليات إسرائيلية داخل سوريا ولبنان لضرب منشآت عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وفى التقدير أنه سوف يمارس على إيران أقصى درجات الضغط والابتزاز السياسي، من خلال التهديد العسكري المستمر وفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية، وربما إعطاء ضوء أخضر لإسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية محدودة تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية، ثم الحديث عن صفقة أمريكية إيرانية بشروط أمريكية خالصة، تتناول تنازل إيران عن برنامجها النووي والصاروخي، والتنازل عن دعمها لفصائل مسلحة موالية لها.

"الجيوبوليتيك" ونظرية "المجال الحيوي" عند ترامب ونتنياهو

يؤمن كل من نتنياهو وترامب بنظرية توسع وتمدد الدولة خارج حدودها الجغرافية والحاجة إلي تفعيل ما يسمي بالمجال الحيوي" أو الحاجة إلى مجال تفريغ الفائض البشري حتى تتناسب مع القوة الحقيقية للدولة وهى النظرية التي صاغتها المدرسة الجيوبوليتيكية برئاسة الجنرال والجغرافي الألماني" كارل هاوس هوفر" والتي ساهمت في تشكيل الفكر النازي تجاه التوسع خارج حدود الدولة لتشمل أراضي تتناسب مع متطلباتها الجغرافية أى مساحتها الجغرافية اللائقة بها وتتناسب مع قوتها العسكرية والتكنولوجية لتنمو وتبقى ولو وراء الحدود و هذا ما أشار إليه ترامب عندما تحدث أن مساحة إسرائيل صغيرة جداً في الشرق الأوسط و في تصريح آخر أشار إلى أن مساحة إسرائيل والشرق الأوسط مثل القلم الصغير والمنضدة الكبيرة.

ضيق الرقعة الجغرافية لدى إسرائيل و عدم امتلاكها عمق استراتيجي وقلة عدد سكانها و بُعد المسافة بينها وبين أصدقائها ووجودها في قلب عالم يرفض وجودها الاستعماري و هشاشة اقتصادها الذى يعتمد على المساعدات وعقيدتها الدينية الانعزالية، كل ذلك جعلها تتبنى استراتيجية "الحدود الآمنة" و نظرية "المجال الحيوي" والتي أضحت فكرة مركزية في العقلية الإسرائيلية وتؤمن إسرائيل أن مجالها الحيوي لا يتوقف عند دول المواجهة فقط، بل يتخطى إلى أكثر من ذلك ليشمل العالم الإسلامي بما فيه إيران وتركيا وباكستان و دول أوسط آسيا شمالاً وشرقاً أو ما يسمى بـ "الشرق الأوسط الجديد".

كما أن "المجال الحيوي" لدى إسرائيل يستند إلى أيديولوجية دينية وهي عقيدة إسرائيل الكبرى في أرض الميعاد والتي يسعي اليمين المتطرف إلى توظيف الظروف الدولية والدعم الأمريكي الغير محدود لتنفيذ هذا المشروع والاستيلاء على الحد الأقصى من أراضي الغير.

ومن جهة أخرى نجد أن ترامب يؤمن وبشدة بنظرية المجال الحيوي لـ " هاوس هوفر" ويريد توسيع الأراضي الأمريكية أيضاً لتضم كندا ويستولي على خليج المكسيك وقناة بنما وجزيرة جرين لاند التابعة للدنمارك.

 استراتيجيات ترامب لتحقيق أهدافه خاصة في الاستيلاء على غزة

 ترامب لديه أهداف استعمارية متطرفة وخارج نطاق المنطق، ويجرمها القانون الدولي وهو يعلم ذلك تماماً...! لكنه يسعي لتمرير خطته من خلال استراتيجيات متعددة، أهمها

استراتيجية التلاعب بالعقول

هو نوع من التأثير الذى يهدف إلى تغير نظرة أو سلوك الآخرين من خلال تكتيكات خبيثة و خادعة و خفية تضع اهتمامات الشخص المتحكم كأولوية على حساب الآخرين ولذلك تعتمد استراتيجية ترامب على تحويل قضية تهجير شعب فلسطين من أرضه، من قضية مرفوضة تماماً وخارج نطاق المنطق إلى قضية قابلة للنقاش، إلى اعتبارها أحد السيناريوهات الواقعية لإنقاذ الشعب الفلسطيني من سوء الكارثة الإنسانية و في مرحلة أخرى يطلب من الطرف الآخر" العرب" تقديم بدائل أخرى واقعية، ثم مرحلة البحث عن أفضل الأماكن البديلة لغزة والمناسبة لاستقبال الفلسطينيين وهذه الاستراتيجية تُستثمر أيضاً لتشتيت الرأي العام العالمي بعيداً عن جرائم إسرائيل في غزة والضفة.

استراتيجية التفاوض المتقدمة وعقد الصفقات

و هي استراتيجية تفاوضية متقدمة تقوم فيها إدارة ترامب برفع سقف التفاوض إلى أعلى درجة ثم المساومة عليه بدلًا من تحديد حد أدني للمزايدة ثم يقوم مساعديه بالإعلان عن أن طلب التهجير هو عرض أولي فقط ويطلب من الدول العربية طرح عرض بديل للمقترح، ثم يتم رفضه من قبل إسرائيل والولايات المتحدة مع وضع عراقيل وشروط تعجيزية وبهذا يضع الدول العربية في موقف المدافع والمفاوض الذى يطرح البدائل و يتحمل المسؤلية الكاملة عن غزة و معاناة شعبها وإعادة إعمارها، وبالتالي إعفاء إسرائيل وأمريكا من أي مسؤولية جنائية تتعلق بتدمير غزة وقتل شعبها لاسيما وأن التدمير مُتعمد وممنهج من قبل إسرائيل وبسلاح أمريكي.

 ترامب والقضية الفلسطينية

الموقف الأمريكي يتماهى مع الرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى تقزيم القضية الفلسطينية وتحصرها في الحديث على غزة فقط، لفصل ملف غزة عن مجمل القضية الفلسطينية ومستقبل الدولة دون معالجة القضية من المنظور الأشمل المتعلق بالتسوية السياسية للصراع الفلسطيني / الإسرائيلي ولذلك لا توجد نية لدى الولايات المتحدة ولا للغرب لتقديم أى مكاسب حقيقية للفلسطينيين ولا حتى أي مُحفز للسلطة الفلسطينية للقيام بأي دور مستقبلي في اليوم التالي للحرب.

إسرائيل تسوق لفكرة أن ما يحدث من تدمير وممنهج في قطاع غزة هو للقضاء على "حماس" وليس على المدنيين وهذا يتماهى مع الموقف الغربي الذي يستهدف أن تخرج إسرائيل من الحرب منتصرة على المقاومة مهما ارتفعت التكلفة الإنسانية والبشرية، ولذلك نجد الولايات المتحدة الأمريكية الداعم لإسرائيل وفى نفس الوقت الراعي للوساطة لا تمانع من معاقبة الفلسطينيين بالحصار والتجويع والتخويف وطرد الفلسطينيين خارج أراضيهم وتحويل غزة إلى "ريفيرا" تقدم هدية لإسرائيل.

الخلاصة

1 ـ استراتيجية ترامب سواء في التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية غير واضحة وليست مبنية على نظريات سياسية، ولذلك من المُبكر التنبؤ بنتائج سياساته ومستقبلها حتى نرى ردود الفعل الداخلية والدولية، فعلى المستوى الداخلي نجد أن استمرار ترامب في تفكيك الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية ورفضه للقيم الأمريكية قد يُنذر بعدم استقرار الأوضاع في الداخل الأمريكي، وعلى مستوى السياسة الخارجية فإن استمراره في سياساته التصادُمية يمكن أن تخلق تحالفات مناهضة للمصالح الأمريكية.

2 ـ مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ثابتة ولا تتغير سواء بوجود الديمقراطيين أو الجمهوريين ولذلك سوف نجد أن سياسة ترامب في فترته الثانية ما هي إلا استكمالًا لفترته الأولى ولكن بشكل آخر وبالتالي سوف يسعى لتحقيق مصالح بلاده في الشرق الأوسط أولاً و دون التزامات أو تحمل مسؤولية وتعظيم المكاسب الجيوسياسية والاقتصاديةً ثم تحقيق مصالح إسرائيل و مطالب اليمين المتطرف الإسرائيلي فيما يتعلق بطموحاته وتفعيل المجال الحيوي الإسرائيلي وتعزيز تفوقها العسكري والتكنولوجي وإنشاء تحالف عربي إسرائيلي ضد إيران مع الاستمرار في الضغط على باقي الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل.

3 ـ الولايات المتحدة الأمريكية حريصة في الحفاظ على أمن وكيان دولة إسرائيل وما يقتضي ذلك من توسيع مجالها الحيوى خارج حدودها حتى ولو على حساب أراضي عربية وتفتيت دول الجوار الإسرائيلي إلى دويلات صغيرة متناحرة مبنية على أسس عرقية ومذهبية ولذلك فهي لم ولن تقدم مقاربات ناضجة لوقف الصراعات في المنطقة ولن تكون عامل مساعد في حلها ولا حتى التخفيف من تأثيراتها بل ستكون سببًا في تأجيجها واستمراريتها.

4 ـ النظام السياسي العربي غير قادر على التكيف مع التطورات التي حصلت في المنطقة كما أن صراعات المنطقة عمقت الخلافات العربية وشكلت محاور عربية مختلفة وأصبحت كل دولة لها مشروعها السياسي المنفرد التي تسعى من خلاله لتحقيق مصالحها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لاسيما وأن مشروع الشرق الأوسط الجديد لم يتحقق إلا من خلال شُركاء لأمريكا في الشرق الأوسط مقتنعين به وداعمين له ويحقق لهم مصالح تتعلق باستقرار دولهم .

5 ـ أكدت الحرب الروسية الأوكرانية على مكانة وأهمية النفط والغاز في ميزان القوة العالمية والولايات المتحدة تعلم تمامًا أنه لا غنى عن الوقود الأحفوري في مجال توريد الطاقة وهو ما يدفعها إلى تثبيت حضورها بالقرب من منابع النفط وتجارته والتحكم في إمداداته للسوق العالمي، ولذلك سوف يظل الشرق الأوسط محل اهتمام الاستراتيجية الأمريكية لفترة على الرغم من الصعود المتزايد لأهمية إقليم"الإندوباسفيك" في مواجهة الصين.

6 ـ الولايات المتحدة الأمريكية سوف تسمح للصين وروسيا بلعب أدوار محدودة في الشرق الأوسط من خلال صفقة...! شريطة الحفاظ على المصالح الأمريكية في أماكن كثيرة من العالم، واتباع أمريكا سياسة "الاحتواء" التي مارستها سابقاً مع الاتحاد السوفيتي أو سياسة "الاحتواء المزدوج" الذي مارستها مع العراق وإيران.

مقالات لنفس الكاتب