تزامن العام المنصرم (2024م) مع مرور عشرين عاماً على إقامة منتدى التعاون العربي الصيني، وهي مناسبة لتقييم مسيرة هذا المنتدى الذي شكل منعطفًا مهمًا في تاريخ العلاقات العربية الصينية، فقد جاء تأسيس هذا المنتدى بين جامعة الدول العربية وجمهورية الصين الشعبية في وقت تزايد فيه الاهتمام الدولي بالقارة الآسيوية، ولم تكن الجامعة العربية بمنأى عن هذا المنحى، حيث عملت على تنويع شراكاتها الدولية، بالتوجه أيضًا نحو الشرق، وذلك من خلال تعزيز التعاون مع الدول النافذة في القارة الآسيوية، ومن أبرزها الصين. وبالمقابل فإن متطلبات النهضة الصناعية التي شهدتها الصين خلال العقود الأخيرة، والتي جعلت منها أكبر مُصنع وأكبر مُستهلك في العالم، أملت على هذه القوة الكبرى الصاعدة ضرورة تعزيز التعاون مع العالم العربي، ذي الموقع الاستراتيجي الهام والزاخر بثروات طبيعية وبشرية كبيرة.
لقد أُعلن عن تأسيس المنتدى خلال زيارة الرئيس الصيني السابق "هو جينتاو" إلى مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في 30/1/2004م؛ ثم جرى التوقيع على إعلان المنتدى خلال الاجتماع الوزاري الأول للمنتدى الذي عقد بالقاهرة يوم 14/9/2004م، وذلك من طرف كل من السيد/ عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، والسيد/ لي تشاو تشينغ وزير الخارجية الصيني الأسبق. وبهذا دخل التعاون الجماعي العربي الصيني مرحلة جديدة حيث شكل المنتدى إطاراً مؤسسياً مهما للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشؤون الدولية بين الصين وجامعة الدول العربية بدولها الأعضاء الـ 22. ومنذ ذلك الحين استمر المنتدى في عقد اجتماعاته وفعالياته بانتظام ودون انقطاع، وحقق منجزات هامة في مختلف مجالات التعاون المتفق عليها.
وقد لعبت دول الخليج، إلى جانب باقي الدول العربية، دورًا مهمًا في تطوير هذا المنتدى والارتقاء بآلياته التي تشعبت وتطورت حتى بلغت مستوى القمة، وذلك بعقد أول قمة مشتركة في تاريخ العلاقات بين الطرفين، وهي قمة الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية التي استضافتها المملكة العربية السعودية بتاريخ 9 ديسمبر 2022م.
وسوف أحاول في هذا المقال تسليط الضوء بإيجاز حول مسيرة منتدى التعاون العربي الصيني خلال العشرين عامًا الماضية (أولًا)، ودور دول الخليج العربي في هذا المضمار(ثانيًا)، ثم استعراض بعض العوامل التي أسهمت في نجاح تجربة هذا المنتدى (ثالثًا)، وذلك على النحو التالي:
أولًا: قراءة تقييمية في مسيرة منتدى التعاون العربي الصيني:
وفقًا للمادة الأولى من إعلان منتدى التعاون العربي الصيني، يهدف المنتدى إلى إثراء مقومات العلاقات العربية الصينية وتوطيد وتوسيع التعاون العربي الصيني على مختلف المستويات وفي كل المجالات، وإقامة مستوى جديد من علاقات الشراكة يتميز بالتكافؤ والتعاون الشامل؛ وتعزيز التشاور والتنسيق في الشؤون الدولية والمحافل الدولية لتعزيز التضامن وتبادل الآراء حول القضايا الإقليمية والدولية؛ وتعزيز التعاون بين الجانبين في مختلف المجالات.
ويقوم المنتدى على احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية، ومبادئ التعايش السلمي، وعلى السعي إلى تحقيق السلام والأمن الدوليين باتباع الوسائل السلمية في حل النزاعات الدولية، ونبذ استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وتكريس مبدأ المساواة في السيادة والاحترام المتبادل لاستقلال الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتتمثل الآلية الرئيسية للمنتدى في عقد اجتماع عادي على مستوى وزراء خارجية الدول العربية والصين، وبحضور الأمين العام لجامعة الدول العربية، مرة كل سنتين، وعقد اجتماع على مستوى كبار المسؤولين سنويًا، بالإضافة إلى عقد اجتماعات دورية للمعنيين والخبراء في عدة مجالات، وذلك بالتناوب بين الصين وإحدى الدول العربية، بغرض تعزيز التعاون بين الجانبين، وتبادل الآراء حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ووفقًا لذلك، عقدت في إطار المنتدى عدة اجتماعات على مختلف المستويات (10 دورات على المستوى الوزاري، و19 دورة على مستوى كبار المسؤولين، وعشرات الدورات على مستوى الخبراء)، وشهدت تلك الاجتماعات حضورًا وازنًا ومشاركة فعالة من كل من الدول العربية والصين، كما تمكن الجانبان من إقامة أكثر من 20 آلية وإطارًا للتعاون في إطار هذا المنتدى، شملت مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والتنموية.
وصدرت عشرات الوثائق عن اجتماعات وآليات المنتدى المختلفة على مدى العشرين عامًا الماضية، ومن بينها على سبيل المثال البيانات الختامية والبرامج التنفيذية التي تصدر عن الاجتماعات الوزارية للمنتدى كل عامين، والوثائق التي صدرت عن القمة العربية الصينية الأولى وهي: إعلان الرياض، ووثيقة الخطوط العريضة لخطة التعاون الشامل بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية، ووثيقة تعميق الشراكة الاستراتيجية العربية الصينية من أجل السلام والتنمية. هذا بالإضافة إلى العديد من مذكرات التفاهم الفرعية بشأن آليات التعاون في المجالات القطاعية المختلفة الاقتصادية، والاجتماعية، والإعلامية وغيرها.
- في المجال السياسي والاستراتيجي:
يتعزز التعاون السياسي والاستراتيجي العربي الصيني باستمرار، وتتنامى الثقة المتبادلة بين الجانبين، انطلاقاً من التاريخ العربي الصيني الطويل من العلاقات الودية ومواقف الدعم المتبادلة لقضاياهما الحيوية وإدراك شواغلهما الأساسية.
وفي هذا الإطار، وبعد ست سنوات فقط من إنشاء المنتدى، قرر الجانبان الانتقال إلى مرحلة علاقات التعاون الاستراتيجية وذلك بالتوقيع خلال الدورة الرابعة للاجتماع الوزاري للمنتدى التي عقدت في تيانجين بالصين (مايو عام 2010م)، على وثيقة "الإعلان المشترك لإقامة علاقات التعاون الاستراتيجي القائمة على التعاون الشامل والتنمية المشتركة في إطار منتدى التعاون العربي الصيني"، وقد أكد هذا الإعلان على العمل على تكثيف الحوار الاستراتيجي والتشاور، ومواصلة تبادل الدعم في القضايا المتعلقة بالمصالح الحيوية للجانبين، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، وتبادل الخبرات في مجال تعزيز الحكم الرشيد وتحقيق التنمية، وتوظيف مزايا التكامل الاقتصادي بين الجانبين، ودعم الحوار بين الحضارات، وتعزيز المنتدى وتفعيل آلياته.
كما أقام الجانبان آلية للحوار السياسي الاستراتيجي على مستوى كبار المسؤولين، منذ عام 2014م، وهي آلية منبثقة عن "الخطة التنموية العشرية للمنتدى 2014-2024 م" التي اقترحتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وصدرت عن الدورة السادسة للاجتماع الوزاري للمنتدى عام 2014م، في بكين، وبموجبها تعقد اجتماعات الحوار السياسي الاستراتيجي خلال الدورات السنوية لاجتماع كبار المسؤولين للمنتدى.
وقد أشار معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد أحمد أبو الغيط إلى البعد الاستراتيجي للعلاقات العربية الصينية في كلمته أمام القمة العربية الصينية الأولى، بقوله: "إن انعقاد أول قمة عربية ــ صينية يعكس المستوى الرفيع الذي بلغته علاقات الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين .. كما يعد تتويجًا لمسار طويل من النجاح الذي حققه منتدى التعاون العربي الصيني منذ تأسيسه ..".
القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط:
لعب منتدى التعاون العربي ــ الصيني دورًا مهمًا في توفير الدعم الدبلوماسي والسياسي للقضية الفلسطينية، وفي هذا الإطار تحتل هذه القضية دومًا الأولوية في المناقشات بين الجانبين، وتأخذ الحيز الأكبر في المفاوضات حول الإعلانات والبيانات المشتركة الصادرة عن المنتدى، ومن ثم التوصل إلى التوافق على صياغات مهمة تصب في صالح القضية، وتؤكد على ثوابتها، بما في ذلك التأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967م.
وقد أكد الجانب الصيني في مناسبات عدة تأييده المستمر لجهود الشعب الفلسطيني من أجل استرجاع حقوقه الوطنية المشروعة، وعلى الدفع بعملية السلام إلى الأمام على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومبدأ الأرض مقابل السلام، ومبادرة السلام العربية. وما فتئت الصين تقدم مساعدات إنسانية للشعب الفلسطيني؛ كما عبرت مرارًا عن موقفها الرافض لسياسة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتؤكد على ضرورة التوصل إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية استنادًا لحل الدولتين. كما دعمت الصين المسعى الفلسطيني والعربي لحصول فلسطين على صفة عضو دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012م، وتدعم حاليًا المطلب الفلسطيني والعربي بمنح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة.
وفي عام 2013م، طرح الرئيس الصيني/ شي جين بينغ الرؤية الصينية ذات الأربع نقاط حول القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط، كما أكد خلال زيارته التاريخية لمقر جامعة الدول العربية في عام 2016م، على أن بلاده تدعم بكل حسم وحزم عملية السلام في الشرق الأوسط، وقيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على حدود عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية. وفي كلمته أمام القمة العربية الصينية الأولى، قال الرئيس الصيني بأنه: "لا يمكن أن يستمر الظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني إلى أجل غير مسمى، ولا تجوز المساومة على الحقوق الوطنية المشروعة...".
وفي مايو 2024م، صدر عن الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني بيان خاص مشترك بين الصين والدول العربية بشأن القضية الفلسطينية، مما شكل دعمًا دبلوماسيًا هامًا للقضية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها جراء الحرب المدمرة في غزة؛ كما تلعب الصين دورًا في الدفع بجهود المصالحة الوطنية الفلسطينية، حيث استضافت في يوليو 2024م، نحو 14 فصيلًا فلسطينيًا لإجراء مباحثات والتوقيع على "إعلان بكين" بشأن المصالحة الفلسطينية .. وما فتئت الصين تدعو إلى عقد مؤتمر دولي للسلام بمشاركة أوسع ومصداقية أكثر وفاعلية أكبر، ووضع جدول زمني وخارطة طريق لتنفيذ "حل الدولتين".
لقد كانت المواقف الصينية الداعمة للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة وفي غيرها من المحافل الدولية، وكذا المساعدات الإنسانية الصينية المقدمة للشعب الفلسطيني ولوكالة الأونروا، محل تقدير من الجانب العربي الذي ما فتئ يعرب عن تطلعه إلى أن يستمر هذا الدعم وذلك التأييد، ويثمن دور جمهورية الصين الشعبية ومواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية.
القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك:
القضايا العربية والأزمات الإقليمية حاضرة باستمرار على أجندة المنتدى، حيث يتم التأكيد على إيجاد حلول سياسية لتلك القضايا والأزمات بما يحفظ وحدة الدول العربية وسيادتها وسلامة أراضيها. بما في ذلك الأزمات في كل من سوريا، والسودان، ولبنان، وليبيا، واليمن، والتدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية للدول العربية، والجزر الإماراتية الثلاث المحتلة، والأمن المائي العربي، وغير ذلك. كما لعبت الصين دورًا مهمًا في حلحلة الأزمة بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونجحت في الوساطة بين البلدين وذلك من خلال رعايتها لاتفاق بكين الموقع في 10/3/2023م، والذي مكن من إعادة العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتر والقطيعة.
وبالمقابل أكدت جامعة الدول العربية في العديد من المناسبات على تمسكها بموقفها الداعم لمبدأ الصين الواحدة، وبأن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين، وعلى معارضة استقلال تايوان، والتأكيد على عدم إقامة علاقات رسمية أو أي تواصل رسمي معها، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية للصين.
وبالإضافة إلى القضايا الإقليمية، تشهد اجتماعات المنتدى أيضًا تبادل وجهات النظر حول القضايا المطروحة على الساحة العالمية، بما في ذلك تلك المتعلقة بـ: مكافحة الإرهاب، وعدم الانتشار النووي، وإصلاح الأمم المتحدة، والتغيرات المناخية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، وحوار الحضارات، وغيرها.
- في المجالات الاقتصادية:
شهد التعاون الاقتصادي العربي ــ الصيني تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، استنادًا إلى مبادئ المنفعة المتبادلة والكسب المشترك، وحرصًا على تعزيز التجارة والاستثمار، والدفع بالتنمية الاقتصادية. وقد أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للعالم العربي، وتضاعف حجم التبادل التجاري بين الجانبين أكثر من عشر مرات منذ إنشاء المنتدى، حيث انتقل من 36.7 مليار دولار في عام 2004م، إلى نحو 400 مليار دولار عام 2024م، وهذا مؤشر ذو دلالة هامة على الأثر الإيجابي لآليات التعاون المشترك (ومن بينها آليات المنتدى) على نمو واتساع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدول العربية لاسيما دول الخليج والصين، وإن كان بعض المراقبين يرون أن النسبة الأغلب من تلك المبادلات هي تجارة نفطية ويرجح أن تكون مرتبطة بارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية (إذ تزود الدول العربية الصين بنحو نصف احتياجاتها من النفط الذي تستورده من الخارج).
وقد نجحت آليات المنتدى في تعميق التعاون بين الجانبين في المجالات الاقتصادية، ومن بين تلك الآليات على سبيل المثال: مؤتمرات رجال الأعمال والمستثمرين العرب والصينيين، والخبراء في مجالات الطاقة، والبيئة، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وأمن البيانات وتكنولوجيا المعلومات، ونقل التكنولوجيا والابتكار، والبنية التحتية.
ومن جهة أخرى تعزز التعاون بين الجانبين في ظل مبادرة "الحزام والطريق"، التي طرحها الرئيس الصيني في عام 2013م، كإحدى المبادرات الاستراتيجية الكبرى في القرن الحادي والعشرين، والتي تهدف إلى تعزيز الروابط التنموية والإنسانية بين الدول الواقعة على طول طريق الحرير القديم. وقد انضمت كافة الدول العربية إلى هذه المبادرة، كما أن الجامعة العربية تعد من أولى المنظمات الإقليمية التي أصدرت وثيقة مشتركة مع الصين في إطارها (عام 2018م). ويمكن القول إن لتلك المبادرة انعكاسات إيجابية على البرامج التنموية العربية، حيث أقيم في إطارها (وفقًا لمصادر صينية) أكثر من 200 مشروع، تشمل السكك الحديدية، والطرق السريعة، والموانئ، وشبكات الكهرباء، والأقمار الصناعية، والطاقة، والمناطق الصناعية، بالإضافة إلى مشاريع التعاون في المجال الثقافي والعلمي وغيرها من المشروعات التنموية على امتداد الوطن العربي الكبير.
وعلاوة على ذلك، اتفق الجانبان في القمة العربية ــ الصينية الأولى على بذل الجهود الممكنة لبناء مجتمع صيني عربي ذي مصير مشترك في العصر الجديد، والأخذ بعين الاعتبار والتقدير المبادرات المطروحة من الجانب الصيني في مجال الأمن العالمي، والتنمية العالمية، والتأكيد على تعزيز التبادل بين الصين والدول العربية في مختلف الأبعاد والمستويات، وتضافر الجهود لمواجهة التحديات التنموية المشتركة، وتعزيز المواءمة بين "الحزام والطريق" والرؤى التنموية للدول العربية.
- في المجالات الاجتماعية والثقافية والإنسانية:
نجحت آليات المنتدى الخاصة بالتعاون في المجالات الاجتماعية في تعميق التواصل الثقافي والتبادل الإنساني والحضاري بين الجانبين العربي والصيني خلال العشرين عامًا الماضية، بما في ذلك من خلال عقد أنشطة وفعاليات مثل: مهرجانات الفنون العربية والصينية، وندوات الحوار بين الحضارتين العربية الصينية، والمؤسسات الفكرية العربية والصينية؛ والتعاون المثمر في مجال الصحة (لاسيما خلال فترة جائحة كورونا)؛ كما امتد التعاون ليشمل عدة مجالات كالمرأة، والشباب، والصداقة العربية ـ الصينية، والمدن، والتعليم والبحث العلمي، والنشر، والترجمة، والمكتبات والمعلومات، والإعلام، وتنمية القدرات وتطوير الموارد البشرية. وتعقد تلك الآليات اجتماعاتها بانتظام وبشكل دوري بالتناوب بين الصين والدول العربية.
هذا مع العلم بأن هناك بعض مجالات التعاون لا تزال تحتاج إلى بذل مزيد من الجهود لتفعيلها ووضع الآليات الملائمة لها، ومن بينها: السياحة، والرياضة، والصناعة، والابتكار والتكنولوجيات الحديثة، والتنمية الريفية ومكافحة الفقر، وإقامة المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة، والسياسات السكانية، والتعمير والإسكان، والتنمية المستدامة.
ثانيًا: دور دول الخليج في إطار منتدى التعاون العربي ـ الصيني:
شاركت دولة الخليج بفعالية في مختلف أنشطة المنتدى، ولعبت دورًا هامًا في تعزيز آلياته، كما أبانت عن التزام راسخ تجاه هذا المنتدى على مدى العشرين عامًا الماضية.
وكان للمملكة العربية السعودية دور ريادي في هذا الإطار حيث استضافت أول قمة عربية ــ صينية في تاريخ العلاقات بين الجانبين، وقد وُصفت هذه القمة بأنها أكبر حدث دبلوماسي عربي-صيني، ٍ وكانت قمة ناجحة سواء من حيث الحضور رفيع المستوى والمشاركة الفعالة للقادة العرب والرئيس الصيني، أو من حيث مخرجاتها (الوثائق الثلاث التي سبقت الإشارة إليها). من جهة أخرى، وفي يونيو 2023م، استضافت المملكة الدورة العاشرة لمؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين وشهدت مشاركة مئات من رجال الاعمال والمستثمرين من الجانبين، وبلغت قيمة العقود التي تم التوقيع عليها خلال هذه الدورة نحو 10 مليارات دولار. وسبق للمملكة كذلك أن استضافت مؤتمرات وفعاليات أخرى للمنتدى في مجالات من بينها الطاقة، والحوار بين الحضارات، والمرأة، والمكتبات والمعلومات.
ومن جهتها استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة اجتماع كبار المسؤولين والحوار السياسي الاستراتيجي على مستوى كبار المسؤولين عام 2019م، واجتماعات في مجالات مثل الحوار بين الحضارات، وحماية البيئة، ورجال الأعمال والاستثمار.
أما مملكة البحرين فقد استضافت الدورة الثالثة للاجتماع الوزاري للمنتدى عام 2008م، والدورة الثانية لندوة التعاون العربي الصيني في مجال الإعلام عام 2010م، كما أكدت قمة البحرين العربية على مواصلة تعزيز العلاقات العربية مع جمهورية الصين الشعبية من خلال التاكيد على عقد القمة العربية الصينية الثانية عام 2026م، في الصين، وهو ما من شأنه أن يشكل دفعة جديدة ومهمة لتلك العلاقات، ويعطى قوة واستمرارية لمنتدى التعاون العربي الصيني، تزيد من فعاليته وترتقي بآلياته ومؤسساته، خاصة في ضوء النجاح الذي حققته القمة العربية الصينية الأولى بالمملكة العربية السعودية.
واستضافت دولة قطر الدورة السابعة للاجتماع الوزاري للمنتدى عام 2016، وعدد من اجتماعات على مستوى كبار المسؤولين، وكذلك الدورة السادسة لندوة الحوار بين الحضارتين العربية والصيينية.
وأبدت دولة الكويت التزامها تجاه المنتدى سواء من خلال المشاركة رفيعة المستوى في فعالياته السابقة، واستضافتها للدورة الثالثة لاجتماع الخبراء في مجال المكتبات والمعلومات، أو من خلال إبداء رغبتها في استضافة القمة العربية الصينية الثالثة في عام 2030م، والدورة الــ 13 للاجتماع الوزاري للمنتدى.
ومن جهتها شاركت سلطنة عمان بفعالية وبوفود رفيعة المستوى في كافة اجتماعات المنتدى.
قضايا الخليج ومنتدى التعاون العربي الصيني:
قضايا وشواغل الخليج العربي حاضرة دائما في اجتماعات المنتدى فقد نصت الوثائق الصادرة عن هذه الاجتماعات على "التأكيد على دعم كافة الجهود السلمية بما فيها مبادرة ومساعي دولة الإمارات العربية المتحدة للتوصل إلى حل سلمي لقضية الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى من خلال المفاوضات الثنائية ووفقًا لقواعد القانون الدولي، ودعم حل هذه القضية وفقًا للشرعية الدولية"، كما تضمنت أيضًا "التأكيد على أهمية أن تكون علاقات التعاون بين الدول العربية والجمهورية الإسلامية / الإيرانية قائمة على مبدأ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، واحترام مبدأ استقلال الدول وسيادتها ووحدة أراضيها، وحل الخلافات بالطرق السلمية وفقاً لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها". وفي هذا السياق أعرب الجانب العربي عن تقديره للدور المهم الذي لعبه الجانب الصيني في الدفع بتحسين العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران.
وهناك حرص على إبراز مكانة دول الخليج وإسهاماتها في مختلف القضايا المطروحة على الصعيد الدولي مثل: الحوار بين الحضارات والثقافات، ومعارضة الإسلاموفوبيا بكافة أشكالها، وتعزيز ثقافة التسامح، ومكافحة الإرهاب، وتداعيات التغير المناخي، حيث تمت الإشارة في وثائق المنتدى على سبيل المثال إلى مبادرات دول الخليج في هذا الصدد، فقد تضمن إعلان الرياض مثلًا التأكيد على "دعم المبادرات الرامية إلى تحقيق التنمية الخضراء، بما في ذلك مبادرة المملكة العربية السعودية للشرق الأوسط الأخضر، ومبادرة الصين بشأن طريق الحرير الأخضر"، كما نصت وثائق المنتدى على الترحيب باستضافة دولة الإمارات العربية المتحدة لفعاليات الدورة 28 COP لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، والترحيب بالمبادرات والنتائج الإيجابية لهذا المؤتمر.
هذا ونصت وثائق المنتدى كذلك على استكمال المفاوضات بشأن منطقة التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون لدول الخليج العربية في أقرب وقت ممكن، وذلك من أجل رفع مستوى التحرير والتسهيل للتجارة بين الصين والدول العربية.
هناك إذا حرص مشترك من كل من دول الخليج والدول العربية وكذلك الصين على مواصلة استضافة مختلف أنشطة وفعاليات المنتدى في المستقبل، وهذا يؤشر على توافر الإرادة السياسية لدى الجانبين، والتزامهما المستمر تجاه منتدى التعاون العربي الصيني، مما يشكل دافعًا مهمًا لمسيرة هذا المنتدى الناجح.
ثالثًا: من أسباب نجاح تجربة المنتدى:
يرجع نجاح المنتدى، في تقديري، إلى تضافر عوامل من بينها ما يلي:
- توافر الإرادة السياسية لدى الجانبين .. وهو ما يتبدى من خلال الحرص المشترك على المضي قدماً في مسيرة المنتدى والارتقاء بالعلاقات العربية الصينية إلى آفاق أرحب.
- الالتزام في التنفيذ والتدرج في التطوير .. وأعني بذلك الالتزام من قبل كلا الطرفين بتنفيذ بنود البرامج التنفيذية ووثائق المنتدى المختلفة، وانتهاج المسلك التدريجي في توسيع المنتدى وتطوير آلياته.
- المرونة والتكيف مع المستجدات .. فعلى سبيل المثال وبسبب جائحة كورونا (في عام 2020م وما بعده) تعطلت العديد من المنتديات الأخرى، غير أن منتدى التعاون العربي الصيني استمر في عقد أنشطته وفعالياته دون انقطاع (عبر تقنية الفيديو كونفرانس).
- الحوار والتوافق كوسيلة .. وهذا يتجلى من خلال مخرجات اجتماعات المنتدى، وحرص الجانبين على التوافق في الرأي والتوصل إلى رؤية مشتركة بشأن القضايا ذات الاهتمام، وبفضل ذلك تمكن المنتدى من القيام بدوره في تعزيز الحوار والتنسيق الاستراتيجي بين الجانبين.
- التعاون والتنمية كهدف .. ذلك أن هذا المنتدى هو منتدى للتعاون بين طرفين ولا يستهدف أطرافًا ثالثة، وإنما هو إطار مهم يرمي لبناء شراكة استراتيجية عربية صينية تقوم على قاعدة رابح – رابح، وتروم تحقيق التنمية والمنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة. ومن هنا يأتي انفتاح المنتدى على مختلف المبادرات والرؤى التنموية لكل من الصين والدول العربية.
خاتمـة:
يمكن القول إن منتدى التعاون العربي الصيني نجح خلال العشرين عاماً الماضية في نقل العلاقات العربية الصينية من الشكل التقليدي إلى مستوى جديد من التعاون الجماعي المؤسسي الشامل، الأمر الذي جعل منه تجربة رائدة في التعاون الدولي، وقد انعكس ذلك على حجم التبادل التجاري بين الطرفين الذي تضاعف أكثر من عشر مرات، وزاد كذلك حجم الاستثمارات المتبادلة، كما توطدت التبادلات الإنسانية والروابط الثقافية والحضارية بين الشعبين العربي والصيني.
وبذلك تتعزز ثقة الطرفين بالمستقبل وبالمضي قدمًا نحو إقامة شراكة استراتيجية عربية صينية شاملة ومتطورة تتلاءم مع المتغيرات المعقدة التي تشهدها الساحة الدولية، ولعل استمرار مسيرة المنتدى بنجاح يتطلب إيلاء مزيد من الدعم لهذا الإطار التعاوني، وفقًا للأسس التي قام عليها، وبلورة رؤية مستقبلية مشتركة، تأخذ في الاعتبار المصالح المشتركة للجانبين، وتجعل من هذا المنتدى الجماعي قيمة مضافة حقيقية للعلاقات الثنائية الجيدة التي جمعت تاريخيًا بين الصين والدول العربية.





