لم يمض سوى بضعة أشهر من عودة الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض حتى كان العالم على موعد مع سلسلة من الصدمات الكبرى. وذلك بعدما قررت الإدارة الأمريكية إجراء تغييرات جذرية في البنية الأساسية التي شكلت النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية. حتى الآن، ركزت مبادرات ترامب على مجالات الدفاع، والعلاقات السياسية، والتجارة. ويبدو أن الرؤية التي تتبناها إدارة ترامب تقوم على أساس أن النظام الحالي لإدارة الشؤون العالمية يفقد الولايات المتحدة ريادتها الاقتصادية والتكنولوجية. وبالتالي، فإن هناك حاجة لإعادة صياغة الروابط الاقتصادية والسياسية الأمريكية بهدف إعادة تشكيل نظام عالمي يمنح واشنطن نفوذاً أكبر على الساحة الدولية.
يُظهر الرسم البياني رقم (1) تحولًا جغرافيًا سريعًا في المشهد التجاري العالمي. ففي حين كانت الولايات المتحدة تحتل موقع الشريك التجاري الرئيسي لمعظم دول العالم عام 2000م، كانت الصين لا تزال قوة تجارية إقليمية تقتصر علاقاتها التجارية بشكل أساسي على البلدان المُتاخمة لحدودها وبعض دول القارة الإفريقية. وبحلول عام 2024م، عكست البيانات تناقضًا صارخًا؛ حيث أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيسي لغالبية دول العالم، فيما اعتمدت واشنطن على التجارة داخل أمريكا الشمالية والوسطى وكذا شرق أوروبا وغربها. وبالعودة لعام 2000م، كانت التجارة الأمريكية قد بلغت مستوىً قياسيًا بنحو 2000 مليار دولار، مقابل 474 مليار حققتها الصين. وبحلول عام 2024م، استطاع المارد الصيني التفوق على غريمه الأمريكي مُسجلًا 6163 مليار دولار، مقابل 5333 مليار دولار للولايات المتحدة. فيما سجل الفائض التجاري للصين في العام ذاته مليار دولار، مقابل ارتفاع عجز الميزان التجاري الأمريكي إلى 1.2 مليار دولار.
على ما يبدو أن الاستراتيجية التي بدأتها الولايات المتحدة وأوروبا إبان تسعينيات القرن الماضي بشأن إسناد إنتَاجهم الصناعي لشركات عاملة داخل الصين، والتركيز على تقديم الخدمات على المستوى المحلي قد ألحق الضعف بالمنطقتين، اقتصاديًا وتكنولوجيًا. وخلفت هذه الاستراتيجية أثرًا عميقًا على الصعيد التكنولوجي: بعدما تمكنت بكين من إحداث ثورة داخلية لمنتجاتها دون الاعتماد على الابتكارات الغربية.
الرسم البياني (1)
ا. الشؤون الدفاعية: الولايات المتحدة تُعيد روسيا للسَاحة العالمية ... التأثير المُعاكس لسياسات كيسنجر
فيما يتعلق بالشؤون الدفاعية، أجرى ترامب تغييرًا جذريًا في الموقف الأمريكي حيال الحرب في أوكرانيا. في البداية، نفى ترامب أن تكون روسيا هي من أشعل فتيل الحرب ثم راح يتفاوض مباشرة مع موسكو على اتفاق سلام بمعزل عن أوروبا وأوكرانيا. ورغم أن هذه المبادرة لم تُفضِ حتى الآن لاتفاق وقف إطلاق النار أو معاهدة سلام، إلا أن تهميشها للقوى الأوروبية قد كشف عن صدع في بنية التحالف عبر المحيط الأطلسي تُنذر بتبعَات وخيمة على مستقبله. لطالما كان حلف شمال الأطلسي “الناتو" التحالف العسكري الرئيسي للغرب منذ عام 1945م، ويبدو أن الرئيس ترامب يتجه لاعتماد نمط من العمل الأحادي على صعيد الاستراتيجيات العسكرية والدبلوماسية. فيما لايزال الصراع الأكبر داخل التحالف يتمحور حول الإنفاق الدفاعي. على مدى عقود، ظلت أوروبا معتمدة على الحماية الأمريكية. وفي ضوء الافتراضية المطروحة سلفًا، فقد أوضحت الولايات المتحدة بما لا لبس فيه أنها لن تعوض الفجوة في الإنفاق الأوروبي من ميزانيتها الخاصة. تفاعل الأوروبيون مع هذا التحول في الموقف الأمريكي بزيادة إنفَاقهم العسكري بنحو 800 مليار يورو. وأصبحت ألمانيا، تلك القوة العسكرية الأوروبية التي أُلزمت بحل قواتها العسكرية في أعقاب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، مضطرة الآن لإعادة تسليح نفسها، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر دول أوروبا التي اعتمدت على الإنفاق العسكري الأمريكي للدفاع عن نفسها. في حين أن الحرب المستمرة رحاها داخل أوكرانيا واحتمالات أن تطال تحركات بوتين بلدان أوروبية أخرى في المستقبل، جعلت هذه القضية المُلحة في سباق مع الزمن (وروسيا).
الأثر الثاني المترتب على استراتيجية ترامب يتمثل في وقف التعامل مع روسيا على أنها كيان معتدي يستوجب عزله على الساحة الدولية، وبات ينظر إليها الآن باعتبارها شريكًا رئيسيًا في التوصل لاتفاق سلام مع الولايات المتحدة. مما يثير التساؤلات حول أسباب هذا التحول. في عام 1972م، وضع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر استراتيجية دقيقة لمجابهة الاتحاد السوفيتي. اتبعت واشنطن حينها استراتيجية للتودد إلى الصين تُوجت بزيارة نيكسون إلى بكين وتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. مما ألقى بظلال سلبية على الروابط بين بكين والاتحاد السوفيتي وبالتالي إضعاف نفوذ الأخير. وعلى ما يبدو أن الرئيس ترامب يسعى لعكس مسار هذه العلاقة ثلاثية الأضلاع: فمن خلال التودد لروسيا، يهدف الرئيس ترامب إلى إضعاف نفوذ الصين، التي يعتبرها حاليًا خصمه الاستراتيجي. على مدار الأعوام القليلة الماضية. وقعت بكين وموسكو سلسلة من المعاهدات تهدف لإرساء أساس شراكة استراتيجية بين البلدين. حيث ضخت بكين المليارات من الدولارات في بناء مصفاة بشرق روسيا لتكرير النفط الموجه لسوُقها المحلية، والسماح لروسيا ببيع نفطها رغم العقوبات الغربية المفروضة. يُعد هذا مثالا على الدعم الصيني الحذر لروسيا في حربها على أوكرانيا. من ثم، فإن التوجه الأمريكي للتفاوض المباشر مع روسيا يخول واشنطن إمكانية التفاوض على سلسلة من التنازلات الأخرى التي تمنحها مزايا استراتيجية في نزاعها أمام الصين.
الرسوم الجمركية
قررت الإدارة الأمريكية في عهد الولاية الثانية لدونالد ترامب رفع الرسوم الجمركية على دول العالم أجمع بشكل أحادي. الهدف الرئيسي لترامب هو مواجهة الصين، الذي يزعم إساءة استخدامها لمكانتها واستفادتها بشكل غير عادل من وصولها إلى السوق الأمريكية. وقد تباين معدل الزيادات المقررة في الرسوم الجمركية باختلاف الدول والمناطق حول العالم. حيث تواجه دول أمريكا اللاتينية زيادة قدرها 10%. وعلى الرغم من التبعات السلبية المباشرة على المنطقة اللاتينية جراء هذه الزيادة تحديدًا، إلا أن شبح الركود العالمي يظل التهديد الأكبر لاقتصادات القارة، مُقترنًا بانخفاض أسعار مواد الطاقة والمنتجات المعدنية، والسلع الغذائية. حيث تعتمد غالبية هذه الدول على العائدات من تصدير بعض هذه السلع ومن المتوقع أن تعاني من تراجع الأسعار عالميًا.
ونظرًا إلى أن التطورات المحيطة بهذا القرار لا تزال تتكشف، يُقدم هذا التقرير عرضًا موجزًا ومُتبصرًا للأزمة. إذ يعد ارتفاع العائد على سندات الخزانة الأمريكية مؤشرًا على تراجع الثقة بالعملة الأمريكية الدولار. في حين أن عمليات البيع للسندات الأمريكية دفعت ترامب للإعلان عن تعليق مؤقت لتطبيق الرسوم الجمركية. وأصبحت الحرب التجارية مقتصرة على الاقتصادين الأكبر عالميًا: الولايات المتحدة والصين، بعد قرار كل منهما رفع الرسوم الجمركية بنسبة 145% و125% على التوالي. في الوقت الذي تتجاوز قيمة سندات الخزانة الأمريكية التي تحتفظ بها الصين سقف 700 مليار دولار. ولايزال الفصل الختامي لهذه الأزمة العالمية المُقلقة لم يكتب بعد.
الهجرة وعمليات الترحيل: الانعكاسات على دول أمريكا اللاتينية
تعد الهجرة وعمليات الترحيل ظاهرتين مختلفتين تنذر التدابير الأمريكية المُتخذة بشأن كل منهما بعواقب وخيمة على دول قارة أمريكا اللاتينية: يمكن تقسيم الهجرة الوافدة من دول أمريكا اللاتينية للولايات المتحدة إلى فئتين: الأولى هم من يصلون سيرًا على الأقدام عبر الحدود المشتركة، وقد شهدت زيادة مطردة غالبيتها من دول القارة الجنوبية، والفئة الأخرى هم من يأتون جوًا. تختلف ظاهرة الترحيل عن الهجرة في أن معظمهم ليسوا مواطنين أمريكيين، ولكنهم استطاعوا التواجد داخل الأراضي الأمريكية ويخضعون لأَوامر الترحيل النهائي على قوائم الجمارك وشؤون الهجرة. وفي بعض الحالات، يكون للمُرحلين أيضًا سجل جنائي أو صلة بمجموعات نشطة في الجريمة المنظمة داخل الولايات المتحدة.
يوجد لدى الولايات المتحدة 11 مليون مهاجر غير شرعي، 62% منهم يأتون من أربع دول في أمريكا اللاتينية: المكسيك، وغواتيمالا، والسلفادور، وهندوراس. يوضح الرسم البياني (2) العدد المطلق والنسب المئوية للتغيرات في أعداد المهاجرين من أمريكا الجنوبية إلى الولايات المتحدة بين عامي 2010 و2022. تهدف مبادرات تشديد الرقابة على الحدود المكسيكية وبناء الجدار إلى الحد من الهجرة سيرًا على الأقدام.
الرسم البياني 2. عدد المهاجرين من أمريكا الجنوبية إلى الولايات المتحدة (2010-2022)
|
نسبة التغيير بالمائة (2010- 2022) |
2022 |
2010 |
الدول |
|
45.5% |
3,971,000 |
2,730,000 |
إجمالي المهاجرين من دول أمريكا الجنوبية |
|
45.8% |
928,000 |
637,000 |
كولومبيا |
|
262.8% |
668,000 |
184,000 |
فنزويلا |
|
82.1% |
619,000 |
340,000 |
البرازيل |
|
16.9% |
518,000 |
443,000 |
الإكوادور |
|
10.1% |
472,000 |
429,000 |
بيرو |
|
8.2% |
287,000 |
265,000 |
غيانا |
|
14.5% |
196,000 |
172,000 |
الأرجنتين |
|
21.4% |
111,000 |
91,000 |
تشيلي |
|
8.8% |
86,000 |
79,000 |
بوليفا |
|
6.3% |
53,000 |
50,000 |
أورجواي |
|
18.7%- |
33,000 |
41,000 |
دول أمريكا الجنوبية الأخرى |
من المرجح أن تتباطأ أعداد المهاجرين من ذوي الدخول المنخفضة للولايات المتحدة عبر مضيق دارين في بنما مع توجه معظمهم صوب جنوب القارة ووجهات مختلفة حول العالم. ومن بين الآثار السلبية الأخرى المحتملة، زيادة معدلات الجريمة المنظمة المرتبطة بالاتجار بالمهاجرين.
خلال العامين الأخيرين لإدارة الرئيس الأمريكي السابق جون بايدن وبشكل متزايد في عهد إدارة ترامب الثانية، بدأت الولايات المتحدة تبني سياسة نشطة لعمليات الترحيل إلى دول مثل البرازيل، وكولومبيا، والمكسيك، والسلفادور، وغواتيمالا، وغيرها. ويوضح الرسم البياني (3) عدد عمليات الترحيل لمواطني دول أمريكا اللاتينية حتى (نوفمبر 2024م -أي قبل تنصيب ترامب).
الرسم البياني (3): عدد المقيمين غير الأمريكيين المدرجين على قائمة المعنيين بالترحيل من الولايات المتحدة حسب بلد المواطنة
|
المجموع |
بلد المواطنة |
|
110 |
أنتيغوا وباربودا |
|
1,148 |
الأرجنتين |
|
426 |
جزر البهاما |
|
151 |
بربادوس |
|
899 |
بيلزي |
|
1,366 |
بوليفيا |
|
38,677 |
البرازيل |
|
1,137 |
تشيلي |
|
27,388 |
كولومبيا |
|
2,116 |
كوستاريكا |
|
42,084 |
كوبا |
|
104 |
دومينكا |
|
12,699 |
جمهورية الدومينيكان |
|
31,252 |
الإكوادور |
|
203,822 |
السلفادور |
|
149 |
غرينادا |
|
253,413 |
غواتيمالا |
|
1,236 |
غيانا |
|
32,363 |
هايتي |
|
261,651 |
هندوراس |
|
5,120 |
جاميكا |
|
252,044 |
المكسيك |
|
8 |
مونتسيرات |
|
45,995 |
نيكارغوا |
|
662 |
بنما |
|
197 |
بروجواي |
|
13,769 |
بيرو |
|
68 |
سانت كيتس ونيفيس |
|
202 |
سانت لوسيا |
|
127 |
سانت فنسنت والغرينَادين |
|
137 |
سورينام |
|
1,197 |
ترينداد وتوباغو |
|
365 |
أورغواي |
|
22,749 |
فنزويلا |
ونظرًا إلى أن بعض الأشخاص المُرحلين لديهم سجل جنائي، فثمة خطر أكبر من تنامي عدد العصابات الإجرامية التي يتم ترحيل أفرادها من الولايات المتحدة إلى دول أمريكا اللاتينية، مُعيدة للأذهان واقع السلفادور إبان تسعينيات القرن الماضي، حينما بدأت العصابات المُرحلة تُدير عمليات هيمنة للجريمة المنظمة التي استمرت نحو عشرين عامًا.
وتعد التجربة التشيلية مثالًا بارزًا على ذلك. فخلال الفترة ما بين عام 2011 إلى عام 2018م، رفعت تشيلي عدد سكانها من حاملي جنسية هايتي من 1600 إلى 180 ألف نسمة. في حين نما عدد سكانها من المهاجرين الفنزويليين إلى 800 ألف، لتُشكل المجموعتان فقط نحو مليون نسمة من بلد يصل تعداده السكاني إلى 17 مليون نسمة. وبخلاف الغالبية العظمى من المهاجرين التي تنتمي للطبقة العاملة، نظمت الجماعة الفنزويلية تشكيلًا إجراميًا عرف باسم" ترين دي أرَاغوا" الذي بدأ عملياته داخل البلاد، فيما تدهورت الأوضاع الأمنية وتضاعفت معدلات الانتحار بين المواطنين التشيليين. لذلك، تمثل الاضطرابات المحتملة المقترنة بعودة أعداد مهولة من المهاجرين على فترات زمنية قصيرة تحديًا كبيرًا لدول القارة اللاتينية. وسيكون للسياسات الأمريكية في هذا الشأن انعكاسات تقتضي من دول المنطقة إدارتها بعناية فائقة تجنبًا لمخاطر لن تحمد عقباها.
- دروس مُستلهمة من مفاوضات قناة بنما
مع بدايات القرن العشرين، حصلت الولايات المتحدة على حق بناء قناة بنما وعقب الانتهاء من عمليات البناء في عام 1914م، بدأت واشنطن في تحصيل جميع العائدات الخاصة برسوم العبور والخدمات التي تقدمها القناة. وخلال حقبة السبعينات، خاضت واشنطن حلقة جديدة من المفاوضات مع حكومة بنما تُوِجَت بموافقة الرئيس جون كارتر على إعادة المنطقة وانتقال إدارة القناة إلى دولة بنما، نتيجة العديد من مشكلات الأمن الداخلي وموجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد. وفي ضوء هذا السياق، قرر كارتر عام "1977” نقل سلطة إدارة القناة إلى حكومة بنما، بينما تم الانسحاب الأمريكي الفعلي من الأراضي البنمية أواخر حقبة التسعينيات.
منذ ذلك الحين، تدار القناة بموجب معاهدة الحياد الموقعة بين جون كارتر والحكومة البنمية في عام 1977م، والتي تنص على عدم وجود أي شكل من أشكال التمييز حول القناة. أي أنه يتعين على جميع السفن سداد نفس قيمة الرسوم، فيما عدا الاستثناء الوحيد الخاص بالسفن القادمة من كولومبيا، التي قد تحصل على امتياز بسداد رسوم تفضيلية. في الوقت ذاته، تتمتع السفن التابعة للبحرية الأمريكية بتسهيلات عبور، أي أنها ليست في حاجة للانتظار لعبور القناة، لكنها ملزمة بسداد نفس قيمة رسوم المنفعة التي تسددها السفن الأخرى. ذلك إلى جانب البند المتبقي من المعاهدة السابقة، الذي يمنح الولايات المتحدة صلاحية التدخل، حتى وإن كان عسكريًا، إذا واجهت العمليات التشغيلية بالقناة خطرًا محدقًا.
وفي ديسمبر الماضي، أدلى الرئيس ترامب بتصريح مفاده أن القناة تخضع لتأثير صيني كبير. وأشار إلى التكاليف المرتفعة التي تتكبدها سفن البحرية الأمريكية لعبور القناة، واعتبر ذلك غير عادل في ظل الضمانة العسكرية الأمريكية لحماية القناة. وألمح إلى وجود نشاط صيني ملحوظ في المنطقة، مؤكدًا على ضرورة استعادة الولايات المتحدة سيطرتها على القناة لتقليل النفوذ الصيني وخفض النفقات التي تتحملها السفن الأمريكية. وتدعم تصريحات الرئيس الأمريكي النقاش الدائر حول عدم التزام بنما بالمعاهدات من خلال السماح بالتدخل الصيني.
يتولى الصينيون مهمة تشغيل محطة ميناء تُديرها شركة " موانئ بنما" التابعة لمجموعة "سي كيه هاتشيسون" التي تتخذ من إقليم هونغ كونغ مقرًا لها، والتي كانت متواجدة حتى في عهد إدارة الولايات المتحدة لقناة بنما. حصلت الشركة على امتياز خاص بإدارة مينَاءين يقعان عند مدخلِي القناة، في المحيطين الأطلسي والهادئ. وكانت الشركة لاتزال في ذلك الحين تابعة لمستعمرة بريطانية. لكنها ظلت تُباشر عملها حتى بعد عودة إقليم هونغ كونغ إلى السيادة الصينية. يُشار إلى أن مجموعة "هاتشيسون"، تُدير حوالي 43 ميناء حول العالم، بما في ذلك عمليات داخل الولايات المتحدة. وقد شهدت الأوضاع تطورًا سريعًا خلال الفترة ما بين ديسمبر 2024 ويناير 2025م، فمع تولى ترامب الرئاسة، كانت بنما أولى المحطات الخارجية لوزير خارجيته السيناتور ماركو روبيو. وفي ضوء هذه الزيارة، عقد الوزير الأمريكي اجتماعًا ثنائيًا مع نظيره البنمي، أعقبه إعلان بنما الانسحاب من مبادرة طريق الحرير، والتلويح بالحد من أية استثمارات صينية مستقبلية في البنية التحتية للبلاد.
حدث مهم آخر ذو صلة، هو الإعلان عن بيع شركة "هاتشيسون" حصتها في موانئ بنما عبر اتفاق لشركة "بلاك روك" العملاقة لإدارة الأصول الأمريكية. فبرغم من أن 10% من حصة الموانئ مملوكة للدولة البنمية، إلا أن المجموعة الصينية كانت تستحوذ على الحصة الأكبر بنسبة 90%. وجاء الإعلان عن بيعها هذه الحصة لمُستثمر أمريكي، ليُثير ردود فعل قوية من قبل الحكومة الصينية، وبالأخص بعد تصريحات ترامب بأن هذا القرار يعيد للولايات المتحدة سيطرتها على القناة. في المقابل، أعلنت الحكومة الصينية عزمها ملاحقة مسؤول الشركة الصينية في هونغ كونغ المتورط في عملية البيع وفتح تحقيق في الممارسات الاحتكارية.
من المقرر أن يتم التوقيع قريبًا على هذه الاتفاقية، حيث يسعى مسؤول الشركة في هونغ كونغ للمضي قدمًا في الإجراءات دون إشراك الشركات الصينية بشكل مباشر تفاديًا لمواجهة أية عراقيل داخلية. وعلى الرغم من أن الشركة الصينية تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، فإن نطاق الصلاحيات القانونية للحكومة الصينية يظل محدوداً في منع إتمام الاتفاق، على عكس الوضع في البر الرئيسي الصيني. ونتيجة لذلك، لم تجد بكين سبيلاً سوى التلويح بفرض عقوبات قد تعرقل تنفيذ الاتفاقية، لكنها لن تتمكن في نهاية المطاف من إلغائها. يوضح هذا المثال كيف تجسدت تصريحات الرئيس ترامب بشأن ضرورة استعادة الولايات المتحدة السيطرة على قناة بنما في تحركات عملية، تمثلت في الدخول في مفاوضات تهدف إلى تقويض النفوذ الصيني المتزايد في مناطق الموانئ المُحيطة بهذا الموقع الاستراتيجي. وعلى الرغم من أن هذه المفاوضات، التي قد تبدو غير متكافئة، قد لا تنطبق بالضرورة على صراعات القوى العظمى، إلا أنها تسلط الضوء على الكيفية التي يمكن بها لتحركات واشنطن في دول أخرى أن تعزز نفوذها في مواجهة الصعود الصيني.






