array(1) { [0]=> object(stdClass)#14313 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 209

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل نفوذها الإقليمي: تقليص هذا النفوذ أو إعادة ترميمه أو الانكفاء على الداخل

الأربعاء، 30 نيسان/أبريل 2025

تمّر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة تحوّل يمكن أن تنتهي إلى إعادة تشكيلها على مستوى وحداته وعلاقاته وتوازنات القوة فيه.وعلى الرغم من أن فكرة الشرق الأوسط الجديد فكرة قديمة وتكرّر طرحها من أكثر من ثلاثين عامًا كلما كانت المنطقة على موعد مع أحداث كبرى، إلا أن هذه الفكرة لم تكن أقرب للتحقّق على أرض الواقع أكثر منها في الفترة الحالية. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل منها، أن العالم لم يتجّه بعد إلى التعددية القطبية على الرغم من الرهانات السابقة على الصعود الروسي، والصيني، والأوروبي وبعض القوى الإقليمية البازغة كالهند والبرازيل، فلقد أتت الحرب الأوكرانية لتقلّص من قدرة روسيا وكذلك الاتحاد الأوروبي على التأثير في مجريات السياسة الدولية، ومازالت الصين بعيدة عن الانخراط السياسي دع عنك العسكري في صراعات المنطقة. من جهة أخرى فإن تزامن حكم اليمين شديد التطرّف في كلٍ من الولايات المتحدة وإسرائيل كرّس منطق تغيير الواقع باستخدام القوة المفرطة بغّض النظر عن القانون الدولي،هذا أخذًا بعين الاعتبار أن ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية تختلف بشكلٍ كبيرٍ عن ولايته الأولى كما يتضّح من استباحته بعض دول العالم وأجزاء من الشرق الأوسط على وقع التهديد.من جهة ثالثة جرت مياه كثيرة من تحت جسور الشرق الأوسط منذ عملية طوفان الأقصى، فعلى مدار أكثر من عام ونصف حدث تغيّر كبير في موازين القوة في المنطقة،وتراجع المحور الذي يضم سوريا وإيران والجماعات المدعومة منها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق مقابل اتساع نطاق نفوذ إسرائيل وتركيا مع احتمالات الصدام بين هاتين الدولتين.أما عن غياب المشروع العربي فمن غير الموضوعية ردّه إلى عملية طوفان الأقصى، فانكفاء الدول الوطنية على ذواتها وانشغالها بالحفاظ على حدودها القائمة في مواجهة خطر التفكيك أسبق بكثير من تاريخ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م، لكن العدوان الإسرائيلي على غزّة كان الحدث الأكبر الكاشف لغياب هذا المشروع العربي.ومن المفهوم أن كون حركات المقاومة التي تصّدت لمواجهة إسرائيل تنتمي إلى الإسلام السياسي المختلَف معه حول رؤيته لشكل نظام الحكم وحدود الدولة. إلخ، والتي ترتبط بإيران ذات المشروع الإقليمي التوسَعي-هو من الكوابح التي حالت دون تبلوّر موقف عربي واضح وحاسم وفعّال، إلا أن هذا لا يبرّر التغاضي عن المخاطر الجسيمة للمشروع الصهيوني.

 

أخذًا في الاعتبار المقدمة السابقة، تحاول هذه الورقة أن تدرس السيناريوهات المحتملة لتموضع إيران على خريطة الشرق الأوسط الجديد، لكن يسبق ذلك بالضرورة تحليل السياق الإقليمي الحالي الذي تتحرّك فيه إيران.

 

أولًا: عناصر السياق الإقليمي الراهن 

من منظور التركيز على إيران يمكن القول أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تميّز السياق الإقليمي الراهن الذي تتحرّك فيه، وتلك هي الحدّ من تأثير حلفاء إيران، ومخرجات العدوان الإسرائيلي على غزّة، والدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل. وفيما يلي معالجة هذه العناصر الثلاثة بالترتيب:

  1. الحدّ من تأثير حلفاء إيران
  • بقدر ما حرصت إيران منذ عام ١٩٧٩م، على التقارب مع القليل من الدول العربية التي تقترب من خطها السياسي،فإنها لم تلبث أن راهنَت على حركات الإسلام السياسي بعد أن برز دورها في إطار ظاهرة الفاعلين المسلّحين من غير الدول التي تنامت عالميًا لأسباب مختلفة.وبينما اتسّمت عضوية الدول العربية في المحور الإيراني بالتذبذب،كان هناك ثبات أكبر في عضوية الحركات السياسية.مثّلت سوريا العضو العربي الدائم في المحور الإيراني،أما الدول الأخرى مثل قطر والجزائر وليبيا والسودان فلقد دخلَت وخرَجت وبالعكس وفق ظروفها السياسية.وفيما يخصّ حركات الإسلام السياسي فإنه باستثناء حركة حماس التي اضطربَت علاقة إيران بها لفترة بسبب موقف إيران الداعم لنظام بشّار الأسد، فإن حزب الله اللبناني استمّر هو الحليف الدائم لإيران،كما أن التنظيمات السياسية الشيعية العراقية التي نشأَت في إيران أو التي لاذت بها في ظل حكم صدّام حسين حافظَت على علاقتها الوثيقة معها إلى أن انبثق الحشد الشعبي من رحم الحرب على داعش وأصبحت بعض مكوّناته قريبة جدًا من إيران،ومن قبل أن يستولي الحوثيون على صنعاء ويتحوّلوا إلى جماعة أنصار الله كانت تربطهم علاقة وثيقة بإيران..

 

بالتدريج أخذ تأثير هؤلاء الحلفاء يتراجع ويضعف، وكانت البداية مع حزب الله عبر استهداف إسرائيل بنيته العسكرية وحاضنته الشعبية، واغتيال قياداته من الصفيّن الأول والثاني وصولًا إلى الأمين العام للحزب نفسه بشخصيته المحورية في التشبيك مع الحلفاء الآخرين في فلسطين وسوريا والعراق.انعكس إضعاف حزب الله على الداخل اللبناني بتراجع الحزب إلى شمال نهر الليطاني وتجفيف مصادر دعمه، وبالحد من تأثيره على عملية صنع القرار السياسي.لكنه انعكس بشكل أوضح على الخارج اللبناني من خلال تفكيك مفهوم وحدة الساحات عبر إفقاد حركة حماس إسناد حزب الله،وتوقّف هجمات الحشد الشعبي،وبدء القصف الأمريكي العنيف ضد الحوثيين.ثم جاء تغيير النظام في سوريا.

 

  • مع هروب بشّار الأسد إلى روسيا في ٨ ديسمبر ٢٠٢٤م، وتولّي أبو محمد الجولاني-أحمد الشرع لاحقًا-الحكم في سوريا، انقلبَت التوازنات الداخلية رأسًا على عقب، فلقد خرجَت إيران من الساحة السورية التي كانت أحد أهم اللاعبين فيها على مدار ثلاثة عشر عامًا، وخرجَت معها الجماعات التي استقدمتها من أفغانستان وباكستان. وفُرضت الرقابة على المعابر الحدودية بين سوريا ودول جوارها العربي والتي كانت تُستخدم في تهريب المال والسلاح والمقاتلين للحركات المدعومة من إيران. أما الحدود اللبنانية-السورية فقد خيّم عليها التوتّر وصولًا إلى المواجهة العسكرية بين الفصائل المسلّحة التابعة لنظام دمشق وبين الجيش اللبناني.على صعيد آخر انفرط عقد محور استانة المكوّن من روسيا وإيران وتركيا والذي تولّى معالجة بؤر الصراع في سوريا منذ عام ٢٠١٧م، وذلك بينما تنامى النفوذ التركي بفعل العلاقات الوطيدة لأنقرة مع حكّام دمشق الجدد، كما تمدّدت إسرائيل في داخل العمق السوري بشكل غير مسبوق.

 

واستكمالًا لنقطة العلاقات الروسية-الإيرانية، فإن أولوية حل القضية الأوكرانية بالنسبة للرئيس بوتين انعكسَت على ضعف موقفه من التطورات التي أدّت لسقوط نظام بشّار الأسد.كما أنها انعكسَت أيضًا على التنسيق مع الإدارة الأمريكية بخصوص الملّف النووي الإيراني باتفاق الطرفين على"ألّا تكون إيران في وضع يسمح لها بتدمير إسرائيل".وهذا وإن كان لا يعني أن روسيا تؤيد توجيه ضربة عسكرية أمريكية/إسرائيلية ضد المنشآت النووية بل إنها ترفضه بشكلٍ معلنٍ، إلا أنه يعني أن روسيا لن تحارب مع إيران إذا ما تعرّضت للهجوم.وفي نفس السياق يدخل موقف الحليف الصيني.

 

  1. مخرجات العدوان الإسرائيلي على غزّة

 

  • أدّى تطوّر حرب غزّة إلى الضغط على حركة حماس من الداخل بالتوازي مع الضغط عليها من الخارج وذلك بفقدانها دعم إيران وباقي أطراف محور المقاومة كما سبق توضيحه عاليًا.وتمثّل الضغط من الداخل في استنزاف القدرات العسكرية والبشرية للحركة بفعل امتداد زمن الحرب.فمع أن الحركة استطاعت أن تحافظ على تماسكها التنظيمي رغم الاغتيالات السياسية التي طاولت قياداتها الرئيسية،إلا أن هجماتها الصاروخية المضادة ردًا على الهجمات الإسرائيلية تراجعت،وهو أمر متوقّع.ويمكن أن نلحظ ذلك بوضوح في أعقاب انقلاب إسرائيل على اتفاق وقف إطلاق النار في مارس الماضي وعودتها للعدوان على سكان القطاع.ومع وجود خطر حقيقي يتمثّل في تهجير سكان غزّة أو جزء كبير منهم،فإن هذا ينذر بتصفية القضية الفلسطينية وتكرار التجارب التاريخية التي مرَ بها العالم أي اقتلاع السكان الأصليين من أراضيهم وإحلال شراذم المستوطنين مكانهم.

 

  • بالنسبة لإيران كما بالنسبة لتركيا فإن القضية الفلسطينية مثّلت دائمًا مصدرًا من مصادر الشرعية السياسية لكلٍ منهما في المحيط الإسلامي،مع اختلاف ملحوظ بين الحالتين الإيرانية والتركية بالنظر إلى اختلاف طبيعة علاقة كل دولة من هاتين الدولتين مع إسرائيل.وبالتالي فإن دعم إيران للقضية الفلسطينية ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة الإسلامية كان يمثّل أحد دروع حماية النظام الإيراني من أي عدوان إسرائيلي محتمل،إذ كان بوسع إيران دائمًا أن تلوّح بقدرتها على إشعال جبهات المواجهة مع إسرائيل.أما وأن الوضع في غزّة وأيضًا في الضفة الغربية يمّر بمرحلة فارقة من منظور التطوّر التاريخي للقضية الفلسطينية،فإن هذا يرتّب آثارًا كارثية على المنطقة بأسرها،وفي ما يخصّ إيران بالتحديد فإنه يحرمها من أحد أهم أوراق الضغط التي كانت تستخدمها.

 

٣. الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل

 

أ. تعّد إدارة الرئيس ترامب في ولايتها الأولى وبشكل أوضح في ولايتها الثانية هي الإدارة الأمريكية الأكثر انحيازًا لدولة إسرائيل على الإطلاق.فمن نقل السفارة الأمريكية للقدس والاعتراف بضمّ إسرائيل للجولان في الولاية الأولى،إلى إطلاق مبادرة"ريڤييرا الشرق الأوسط" لوضع يد الولايات المتحدة/إسرائيل على غزّة بعد تهجير سكانها، والسكوت على تدمير إسرائيل للجيش السوري واحتلال المزيد من الأراضي السورية واللبنانية في الولاية الثانية.وبالمثل فإن هذه الإدارة هي الأكثر تشددًا مع إيران،فمن الانسحاب من الاتفاق النووي عام ٢٠١٨م، والعمل على تصفير الصادرات النفطية الإيرانية واغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني خلال الولاية الأولى،إلى تصعيد سياسة الضغوط الاقتصادية القصوى ضد إيران وتوسيع نطاق العقوبات المفروضة على كل كيان يشارك في تهريب النفط الإيراني فضلًا عن كل مسؤول إيراني أيًا كان موقعه يتورّط في هذا التهريب و/أو يتهّم بممارسة الإرهاب خلال الولاية الثانية.

 

  • أما فيما يخص موقف الإدارة الأمريكية من توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني، فلا زالت الإدارة تقيّم هذه الخطوة وتداعياتها المحتملة على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط عمومًا وفي منطقة الخليج خصوصًا.ومعلوم أن الرئيس ترامب تعهّد في حملته الانتخابية لولايته الثانية بألا يسمح لإيران بحيازة سلاح نووي، وأن بعض مستشاريه تحت تأثير الرغبة الإسرائيلية القوية لبنيامين نتنياهو يحرضون على البديل العسكري.هذا كله معلوم،لكن ترامب عرض في مارس الماضي على إيران التفاوض على اتفاق جديد في غضون شهرين على عدة بنود تشمل تفكيك برنامجها النووي وليس فقط تجميده وتتطرَق لبرنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي، وأنذرها بقصف غير مسبوق في حال تعثّر المفاوضات.ومعنى هذا أن هناك فرصة لكن مشروطة لإفلات إيران من المواجهة العسكرية، وهناك جهود إقليمية من جانب سلطنة عمّان والمملكة العربية السعودية بالأساس لتجنّب هذه المواجهة العسكرية.والخلاصة أن درجة استجابة الإدارة الأمريكية للضغوط الإسرائيلية في هذا الملف تتميّز بحدّ أدنى من الرشادة.

 

ثانيًا: سيناريوهات المستقبل بالنسبة للنفوذ الإيراني

 

على ضوء تحليل عناصر السياق الإقليمي الذي تتحرّك فيه إيران، يمكن الحديث عن ثلاثة سيناريوهات أساسية تخصّ مستقبل نفوذها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وتلك هي سيناريو تقليص هذا النفوذ، وسيناريو إعادة ترميمه، وسيناريو انكفاء إيران على الداخل، وفيما يلي تناوُل لكلٍ من هذه السيناريوهات بالترتيب:

١. سيناريو تقليص نفوذ إيران الإقليمي 

أ. المزيد من تضييق الخناق على الحلفاء، فمن جهة يعّد الحوثيون هم الجماعة الوحيدة المدعومة من إيران التي ماتزال ترفع شعار وحدة الساحات والتي أعادت إدارة الرئيس ترامب وضعها على قائمة التنظيمات الإرهابية. واتساقًا مع هذا التطوّر الأخير وفي نفس اتجاهه يتعرّض الحوثيون لهجمات أمريكية بالغة العنف منذ ١٥ مارس الماضي، وهي الهجمات التي تتجاوز الأهداف التقليدية للهجمات الأمريكية السابقة في ظل إدارة بايدن والتي كانت تركّز على منصّات إطلاق الصواريخ والمنشآت النفطية-إلى اغتيال القيادات العسكرية والسياسية للجماعة. وعلى الرغم من أن المعلومات حول هذا الموضوع يكتنفها غموض كبير، لكن اتساع نطاق الهجمات الأمريكية من حيث المساحة الجغرافية، ونوعية الأهداف، وشدّة القصف التي وصفها ترامب بـ "القوة المميتة"-كل هذا من الممكن أن يؤدي إلى خسائر فادحة على جانب الجماعة.أكثر من ذلك فإن تهديد ترامب لإيران من الاستمرار في دعم الحوثيين قد دفع بها إلى سحب مستشاريها العسكريين من صنعاء تاركةً الجماعة وحدها في مواجهة الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة. 

 

ومن جهة أخرى، توجد تحركات داخل الكونجرس الأمريكي بهدف إنهاء وجود الجماعات الشيعية المدعومة من إيران وليس فقط إضعافها، ودون الاكتراث بالضوابط الذاتية التي وضعتها تلك الجماعات على تحركاتها  منذ تفجيرات البيچرز.ومن بين هذه التحركات مشروع قانون يحمل عنوان"قانون تحرير العراق من إيران"،قدّمه النائب الجمهوري چو ويلسون بالاشتراك مع النائب الديمقراطي چيمي بانيتا في شهر مارس الماضي لإنهاء النفوذ الإيراني في العراق خلال ستة أشهر،وذلك  من خلال حلّ -ما يسميه مشروع القانون بالميليشيات الإيرانية- وعلى رأسها الحشد الشعبي، ووقف المساعدات الأمنية للحكومة العراقية لحين استبعاد عناصر هذه الميليشيات من مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني العراقية على كشف الانتهاكات التي تمارسها الميليشيات.كما عقدَت لجنة الدراسات الجمهورية بالكونجرس مؤتمرًا صحفيًا في ٢ أبريل الماضي لطرح مبادرة تحمل عنوان"فرض أقصى قدر من الضغط:محاسبة إيران"،وتحت مظلة هذه المبادرة يوجد العديد من مشروعات القوانين التي تستهدف إنهاء وجود الجماعات المدعومة من إيران في لبنان واليمن وأيضًا في العراق.

 

  • قبول إيران بالحدّ من نفوذها الإقليمي لإنجاح التفاوض مع الولايات المتحدّة، فلقد سبق القول إن الرئيس الأمريكي أمهل المرشد الأعلى الإيراني مهلة لا تزيد عن شهرين لتنفيذ عدة مطالب من بينها: وقف نشاطها الإقليمي الداعم للحركات المتطرفة. وجاءت هذه المطالب في الرسالة التي وجهها ترامب إلى خامنئي عن طريق الإمارات. ومع أن إيران تتمسّك بتركيز عملية التفاوض على برنامجها النووي، وتؤكّد دائمًا على أن موضوع السياسة الخارجية الإيرانية من الموضوعات السيادية، إلا أن هذا لا يمنع أن تقبل إيران تخفيف تحركاتها داخل إقليم الشرق الأوسط إذا كان المقابل هو تفادي ضربة عسكرية موجعة لمنشآتها النووية. ومن المعلوم أن إيران دولة شديدة البراجماتية تلجأ في الأزمات إلى اتخاذ قرارات غير متوقعة وقد تتناقض مع منطلقاتها الأيديولوجية. وهناك العديد من الأمثلة ذات الصلة، بدءًا باستيراد السلاح الأمريكي في ذروة الحرب العراقية-الإيرانية والاصطفاف مع الشيطان الأكبر في الحرب الأفغانية ثم في الحرب على تنظيم داعش، مرورًا بالوقوف إلى جانب أرمينيا ضد أذربيچان في النزاع على إقليم ناجورنو كاراباخ ثم اتخاذ موقف الحياد بين الطرفين مع تغيّر موازين القوة، وانتهاءً بالتخلّي عن نظام بشّار الأسد وانتقاده بسكلٍ لاذع بعد فراره للخارج.

 

ج. تأثير الأزمة الاقتصادية الطاحنة،وذلك أن خدمة النفوذ الإقليمي الإيراني تسببَت في إرهاق الاقتصاد الإيراني المتعَب أصلًا بسبب سلاسل العقوبات متعدّدة المصادر والأهداف المفروضة عليه.ومع عودة إدارة ترامب إلى البيت الأبيض أعيد تفعيل سياسة الضغوط القصوى على إيران التي اتبعها في ولايته الأولى بل ولجأ إلى تشديدها.وفي هذا الخصوص تتوالى الإجراءات التي تهدف إلى غلق كل منافذ تصدير النفط الإيراني للخارج مع تهديد الدول التي تشتريه بفرض ضرائب باهظة على صادراتها إلى الولايات المتحدّة،والاتجاه إلى إلغاء  الاستثناءات الممنوحة لدول قليلة جدًا كالعراق من العقوبات المفروضة على استيراد سلع معينة من إيران كالكهرباء،وهو ما حدا بموقع كردستان ٢٤ إلى وصف السياسات الأمريكية الحالية تجاه إيران بأنها تمثّل"عهدًا جديدًا من الردع".ومن الجدير بالذكر أن قيمة العملة الإيرانية تدهورَت بشكل غير مسبوق في مواجهة الدولار، إذ يفيد أحدث التقارير عن الوضع الاقتصادي الإيراني في شهر مارس الماضي إلى أن الدولار الواحد أصبح يعادل نحو ١٠٥ آلاف تومان، مع ارتفاع معدّل التضخّم إلى قرابة ٤٠٪؜.وبالتالي فحتى لو لم تكن إيران راغبة في تقليص نفوذها الإقليمي فإنها قد تضطّر إلى ذلك بسبب سوء الوضع الاقتصادي.

 

٢. سيناريو انكفاء إيران على الداخل

 

يختلف الانكفاء على الداخل عن تقليص النفوذ في نقطة جوهرية هي أن الانكفاء على الداخل يعني العزلة عن العالم الخارجي والتركيز على تنمية الذات، أما تقليص النفوذ فهو يعني الاحتفاظ بحد أدنى من التأثير الخارجي مع ترشيد هذا التأثير بحيث لا يقود لعدم استقرار سياسي. ومع أن إيران كدولة ذات تاريخ إمبراطوري لم تعرف الانكفاء على داخلها وارتبطَ تماسكها كدولة متعددة القوميات والديانات والمذاهب بقدرتها على تقوية وضعها الإقليمي، فإن سيناريو الانكفاء قد يكون واردًا في حالات ثلاث.

  • الهزيمة العسكرية الفادحة نتيجة هجوم عسكري أمريكي-إسرائيلي يُوّجه ضد المنشآت النووية ومصافي النفط ومؤسسات الدولة، ويطال رؤوس النظام السياسي، ويتسبب في حالة من الفوضى الداخلية. ومن المؤكّد أن إيران إذا هوجمت سوف ترّد، ووسائل ردّها أو نقاط قوتها معروفة وهي الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقوات البحرية، إلا أن حدود تأثير هذه الوسائل تتوقّف على بعض التفاصيل التي تتعلّق بحجم الهجوم، وتوقيته وما إذا كان مفاجئًا أم لا، ودرجة توفّر المعلومات الاستخباراتية التي تسهّل الوصول إلى الأهداف المقصودة داخل إيران، ومدى تماسك الجبهة الداخلية.

 

  • تنفيذ المخطّط الإسرائيلي الخاص بخلق الشرق الأوسط الجديد الذي يقوم على مجموعة من الدويلات الطائفية والقومية الصغيرة، وهناك بالفعل محاولات إسرائيلية معلنة للتقارب مع الدروز والأكراد وحتى العلويين في سوريا بأشكالٍ مختلفة تبعًا لطبيعة كل جماعة ومدى قدرة إسرائيل على التغلغل في داخلها. وبالتالي تتراوح أشكال التقارب ما بين توفير الحماية العسكرية، وتقديم عروض العمل والتوظيف في السوق الإسرائيلية، وصولًا إلى مساندة حق تقرير المصير.هذا التصوّر الإسرائيلي للشرق الأوسط الجديد يؤثّر سلبًا على إيران من زاويتين.الزاوية الأولى هي إنعاش المطالب الانفصالية عند الأقليات العرقية والدينية وما أكثرها في المجتمع الإيراني.أما الزاوية الثانية فهي تفكيك الدول التي كانت من الناحية التقليدية ساحات للنفوذ الإيراني مثل لبنان والعراق مما يحرم إيران من فرصة ترميم نفوذها فيها.وفي هذا السياق يمكن التذكِرة بالاجتماع الذي عقدته مجموعة تطلق على نفسها مجموعة المحافظين الجدد خلال شهر مارس الماضي في بيت مري بجبل لبنان، وقيامها بتخيير الدولة اللبنانية ما بين اعتماد الشكل الفيدرالي للدولة كخيار سياسي رئيسي لمسيحيي لبنان وبين اللجوء لخيارات أخرى مفهوم أنها تلويح بالانفصال. كما نذكّر بالاستفتاء على حق تقرير مصير الأكراد في سبتمبر عام ٢٠١٧م، ونتيجته الكاسحة. والمثالان يعنيان أن هناك بيئة مواتية للانفصال تنتظر دعمًا من الخارج والدعم الإسرائيلي موجود.

 

ج. تحرّك شعبي واسع عابر للطبقات والأقاليم والمكوّنات الإيرانية تحت تأثير الضغط الشديد للأزمة الاقتصادية الخانقة.ولقد حذّر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية من احتمال عبث القوى الخارجية بالداخل الإيراني في الخطبة التي ألقاها بمناسبة عيد الفطر الأخير، ما يعني وعيه بأن إحكام الخناق الاقتصادي وغير الاقتصادي على إيران يمكن أن يؤدي لانفجار موجة من الغضب الشعبي، هذا علمًا بأن المرشد الأعلى لا يعفي الشعب من مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي بسبب إقباله على شراء الذهب والعملات الأجنبية.وحتى الآن يتمتع الحرس الثوري الإيراني بالقدرة على قمع المظاهرات الشعبية والحركات الاحتجاجية،لكن في حال اتسع نطاق الرفض الداخلي بشكل يخرج عن السيطرة فإنه إما أن يؤدي لإسقاط النظام أو يقود إلى انزلاق البلاد إلى حرب أهلية.

 

٣. سيناريو إعادة ترميم النفوذ الإقليمي

 

أ. يمكن أن تلعب إيران على تناقضات الداخل في ساحات نفوذها التقليدية من أجل العمل على إحياء هذا النفوذ.وكمثال فإن استمرار إسرائيل في الاعتداء على لبنان مع عدم قدرة الجيش اللبناني على وقف هذا الاعتداء يحرج الرئيس جوزيف عون ويوجد المبرّر لتمسّك حزب الله بسلاحه.ومن المفهوم أن هناك قرارًا دوليًا بحصر السلاح في يد الدولة،لكن في الوقت نفسه فإن عدم تمكين الدولة من أداء دورها في حماية حدودها ومواطنيها يقود إلى تفريغ هذا القرار من محتواه.وفي العراق فإن الاعتداء على الأقلية العلوية في الساحل السوري أضفى قوة على منطق الحشد الشعبي العراقي في الاحتفاظ بسلاحه وعدم الاندماج في الجيش. 

كما أن من الوارد أن تبني إيران على بعض مظاهر نفوذها في ساحات أخرى كالساحة السودانية مثلًا وتحاول تطويرها، وهناك تقارير تشير إلى قيام إيران بإرسال السلاح للجيش السوداني لمواجهة قوات الدعم السريع.ومعلوم أن العلاقات الدبلوماسية الإيرانية-السودانية قد استؤنفت في عام ٢٠٢٣م، بعد أن تم قطعها في عام ٢٠١٤م، بسبب اتهام إيران بمحاولة نشر التشيّع في السودان.

 

  • قد يؤدي انتعاش الإرهاب مجددًا إلى انخراط إيران في الجهود الدولية لمواجهته،وهو ماسبق أن حدث بالفعل بعد سقوط مدينة الموصل بيد داعش.ومثل هذا التطوّر قد يؤدّي إلى تخفيف الضغط الخارجي على إيران ما يعطيها فرصة لالتقاط الأنفاس والعمل على إعادة بناء نفوذها الإقليمي.ومن المعلوم أن هناك بؤرًا للإرهاب في بعض ساحات النفوذ الإيراني السابقة والحالية يمكن أن تشكّل مصدرًا أساسيًا لتهديد الاستقرار السياسي في أي وقت،وهذه البؤر منها الكامن كما هو الحال في مدينة طرابلس اللبنانية بتأثير صعود الحركات السنيّة المتطرفة في الجوار السوري المباشر،ومنها النشط كما هو الحال في العراق حيث يطّل تنظيم داعش برأسه من حين لآخر وينفّذ هجمات إرهابية.

 

ج. يمكن أن يؤدي التصعيد في العلاقات التركية-الإسرائيلية داخل الساحة السورية إلى إفساح المجال لإعادة تموضع إيران في الساحة السورية خصوصًا إذا طال أمد هذا التصعيد وتحوّل إلى مواجهة عسكرية بين الطرفين.ومع أن هذا الاحتمال يبدو مستبعدًا بحكم المصالح المشتركة بين كلٍ من تركيا وإسرائيل، إلا أنه ليس مستحيلًا. وتتمثّل خطورة هذه المواجهة في أنها قد تؤدي لاستدراج الجماعات المدعومة من تركيا إلى الانخراط فيها وهو ما يضيف أسبابًا جديدة لأسباب عدم الاستقرار السياسي المتعددة في سوريا.

مقالات لنفس الكاتب