array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 210

3 سيناريوهات تواجه الدول العربية و6 منها تواجه تأثيرًا كبيرًا و5 تتعرض لتأثيرات محدودة

السبت، 31 أيار 2025

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي، عادت السياسات الحمائية إلى الواجهة بقوة مع بدء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كرّس جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي والاقتصادي لإعادة تشكيل موازين التجارة الدولية. وقد بلغت هذه التوجهات ذروتها فيما بات يُعرف إعلاميًا بـ "يوم التحرير" في الثاني من أبريل 2025م، حيث أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا، في مرسوم تنفيذي غير مسبوق، بفرض تعريفة جمركية عالمية بنسبة 10% على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، إلى جانب تعريفات تصل إلى %50 على واردات من دول محددة تعاني معها أمريكا من عجز تجاري كبير، في خطوة تعكس تحولاً جذريًا في السياسة التجارية الأمريكية نحو مزيد من الحمائية والانغلاق. وقد تم تحديد تاريخ 5 أبريل لبدء تطبيق هذه الرسوم على كافة الدول، بينما يبدأ تطبيقها على الدول المستهدفة بشكل مباشر في 9 أبريل، متجاهلًا بذلك عددًا من اتفاقيات التجارة الحرة، باستثناء اتفاقية الولايات المتحدة–المكسيك–كندا (USMCA) التي بقيت محصنة نسبيًا، حيث ستحافظ السلع المتوافقة معها على معدل تعريفة صفرية، بينما ستخضع السلع غير المتوافقة لتعرفة جمركية بنسبة 25%.

هذا القرار، الذي تم تبريره بـ "حالة طوارئ اقتصادية وطنية"، استند إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 (IEEPA، والذي يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة للتدخل في السياسة التجارية حين يعتقد أن الأمن القومي مهدد. وبموجب هذا التوجه، تُركت مدة سريان الرسوم مفتوحة، إلى حين إعلان الرئيس بأن "التهديد للأمن القومي الأمريكي" قد زال.

ورغم اللهجة التصعيدية التي ترافقت مع الإعلان، قامت إدارة ترامب بتعديل جزئي للموقف بعد أيام قليلة، حيث قررت تجميد الزيادات في الرسوم الجمركية الخاصة بالدول المحددة لمدة 90 يومًا، باستثناء الصين، التي رُفعت الرسوم على وارداتها إلى %145، في تصعيد حاد قد يُعيد للأذهان أجواء الحرب التجارية الكبرى بين القوتين الاقتصاديتين. وعلى إثر هذه الخطوة، علّق الاتحاد الأوروبي أيضًا إجراءاته الانتقامية في محاولة لإفساح المجال أمام مفاوضات محتملة.

وتشير هذه التحولات إلى إعادة إنتاج جديدة للنزعة الحمائية في النظام التجاري الدولي، مع أصداء تعيدنا إلى قانون "سموت-هاولي" لعام 1930م، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كأحد العوامل المساهمة في إشعال فتيل الكساد الكبير عبر إثارة سلسلة من الإجراءات الانتقامية حول العالم. واليوم، ومع إعادة تدوير الأدوات الحمائية في ظرف عالمي أكثر ترابطًا وتعقيدًا، تزداد المخاوف من أن تؤدي هذه السياسات إلى تفاقم الركود التجاري، وتعميق التوترات الجيوسياسية، وزيادة تقلبات الأسواق العالمية.

شكل رقم (1): التطور التاريخي لمعدل التعريفات الجمركية الأمريكية إلى غاية 9 أبريل 2025

المصدر: صندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أبريل 2025.

وفي هذا السياق، تبرز الدول العربية، كأطراف متأثرة غير مباشرة بهذه السياسات، بحكم ترابطها مع الاقتصاد العالمي عبر بوابات التجارة، والطاقة، وسلاسل التوريد. وتُثير هذه المستجدات أسئلة جوهرية حول مستقبل هذه الدول في ظل نظام تجاري عالمي آخذ في التشظي، وعن مدى قدرتها على الصمود أو حتى الاستفادة من التحولات الجارية، إن أحسنت إدارة الأزمة ووجهتها نحو إعادة بناء شراكات اقتصادية أكثر تنوعًا وتكاملًا إقليميًا ودوليًا.

حرب التعريفات الجديدة ومسارات التجارة الدولية: نحو كساد عالمي

مع إعلان التعريفات الجمركية الأمريكية الجديدة في 2 أبريل، عاد شبح الحرب التجارية ليخيم مجددًا على الاقتصاد العالمي، وسط مؤشرات متزايدة على اختلالات حادة في تدفقات التجارة الدولية وارتفاع مخاطر الكساد العالمي. فبحسب أحدث توقعات صندوق النقد الدولي الصادرة في أبريل 2025م، فإن تأثير هذه الرسوم بدأ يظهر سريعًا في المؤشرات الكلية. حيث يتوقع الصندوق تباطؤ النمو العالمي، الذي كان متوقعًا أن يبلغ 3.3% لعامي 2025 و2026م، وتم تعديله هبوطيًا ليصل إلى %2.8 في 2025 و3.0% في 2026م، أي بانخفاض إجمالي قدره 0.8 نقطة مئوية، وهو ما يجعله أدنى بكثير من المتوسط التاريخي للنمو (3.7% بين 2000 و2019م).

ومن المتوقع أن يكون الاقتصاد الأمريكي أبرز المتأثرين بهذا التباطؤ، حيث من المتوقع أن يتراجع النمو في الولايات المتحدة إلى %1.8 في 2025م، وهو انخفاض حاد بنسبة 0.9 نقطة مئوية مقارنة بتوقعات صندوق النقد في يناير. ويعزى هذا التراجع إلى تصاعد التوترات التجارية، وانخفاض الزخم الاستهلاكي، وتزايد الشكوك السياسية. أما في منطقة اليورو، فقد تم تخفيض النمو إلى %0.8 فقط، وسط تراجع في الثقة الاستثمارية وركود في سلاسل التوريد.

في المقابل، ستتأثر الاقتصادات الناشئة والنامية بدرجات متفاوتة. فبينما يُتوقع أن ينخفض النمو فيها إلى %3.7 في 2025م، و3.9% في 2026م، فإن الدول الأكثر تضررًا ستكون تلك المنخرطة مباشرة في النزاع التجاري مع الولايات المتحدة، وعلى رأسها الصين، التي بدأت بالفعل في مواجهة ضغوط على صادراتها وسعر عملتها.

ورغم التباطؤ في النمو، فإن التوقعات تُظهر أن التضخم سيبقى مرتفعًا، نتيجة انتقال تكاليف الرسوم الجمركية إلى المستهلك النهائي. فوفقًا لصندوق النقد، سيبلغ التضخم العالمي %4.3 في 2025م، و3.6% في 2026م، مع ارتفاع ملحوظ في الاقتصادات المتقدمة، مقابل انخفاض طفيف في بعض الاقتصادات النامية.

شكل رقم (2): أحدث توقعات النمو والتضخم في العالم وأهم الاقتصادات

المصدر: صندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أبريل 2025.

والأخطر من ذلك، أن صندوق النقد يشير إلى سيناريو بديل أكثر تشاؤمًا، يتمثل في رفع إضافي للرسوم الجمركية بمقدار 10 نقاط مئوية على كافة الواردات غير السلعية، من وإلى الولايات المتحدة. في هذا السيناريو، سيؤدي الإجراء إلى انخفاض الناتج العالمي بنسبة 0.3% خلال 3 سنوات، مع ارتفاع التضخم العالمي بـ 0.4 نقطة مئوية سنويًا، وتراجع حجم التجارة العالمية بنسبة تقترب من 2%.

وقد يتفاقم هذا السيناريو في حال تزايد عدم اليقين السياسي أو حدوث اضطراب واسع في الأسواق المالية، مما يؤدي إلى أزمة ثقة عالمية تُضعف إنفاق الأسر والشركات، وتهدد بزعزعة استقرار النظام النقدي العالمي.

كما ارتفعت التحذيرات من مؤسسات دولية بشأن مستقبل التجارة العالمية، في ظل ما وصفته منظمة التجارة العالمية بأنه "انعكاس سلبي في مسار التجارة الدولية" قد يقود إلى كساد تجاري عالمي. وبحسب التقرير الأخير الصادر عن المنظمة، فإن الرسوم الأمريكية ستؤدي إلى تراجع التجارة العالمية للسلع بنسبة 0.2% في عام 2025م، بعدما كانت التقديرات السابقة تشير إلى نمو إيجابي بنسبة 2.7%، ما يعكس انهيارًا مفاجئًا في آفاق النمو التجاري العالمي.

ويمكن وصف العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة بأنها دخلت مرحلة "فكّ ارتباط" (Decoupling) حقيقي، حيث يُتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى انخفاض التبادل التجاري بين القوتين بنسبة تتراوح بين 81% و91%، وفي حال عدم استثناء قطاعات مثل الهواتف الذكية. ويعتبر هذا المسار "مقلقًا للغاية" لما له من آثار اقتصادية وجيوسياسية بعيدة المدى.

وتشير بيانات المنظمة إلى أن الرسوم الجمركية الأمريكية، لا سيما في قطاعات استراتيجية كصناعة السيارات والصلب ستزيد من حالة الغموض بشأن مستقبل النظام التجاري العالمي، ما دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها التجارية، واتباع خطوات مماثلة للرد على واشنطن، الأمر الذي ينذر بمزيد من التدهور.

شكل رقم (3): مسار نمو التجارة العالمية في ظل توقعات ارتدادات الرسوم الجمركية الأمريكية

المصدر: منظمة التجارة العالمية، أبريل 2025.

كما تشير توقعات منظمة التجارة العالمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيتراجع من %2.8 إلى 2.2% في عام 2025م، في حال استمر الوضع على ما هو عليه. وفي السيناريو الأسوأ، حيث تتزايد سياسات الحماية التجارية عالميًا وتترافق مع تصاعد الشكوك، من المحتمل أن ينخفض النمو العالمي إلى 1.7 % فقط، وهو ما يعادل مستوى "ما قبل الكساد".

ونتيجة لهذه التوترات، من المتوقع أن تقوم الصين بإعادة توجيه صادراتها نحو أسواق خارج أمريكا الشمالية، حيث تشير التوقعات إلى زيادة صادراتها بنسبة تتراوح بين 4% و9% إلى مناطق أخرى في عام 2025م. وقد تغيّر "إعادة التموضع" هذه خريطة التجارة العالمية، ولكنها قد تستغرق وقتًا طويلًا لخلق بدائل مستدامة للأسواق الأمريكية.

ويحذّر تقرير المنظمة من أن " اللايقين في السياسة التجارية" أصبح عاملاً مساهماً بحد ذاته في تباطؤ النمو، حيث يؤدي إلى تراجع ثقة الأعمال، وضعف الاستثمار، وتأجيل قرارات التوسع التجاري. وبحسب التقرير: "تُعد درجة قدرة الشركات على التكيف مع حالة الغموض، العامل الحاسم في تحويل زخم النمو الاقتصادي في 2024م، إلى نمو مستدام في السنوات المقبلة".

شكل رقم (4): كيف يؤثر عدم اليقين في السياسة التجارية على التجارة والنمو العالمي في عام 2025 في ظل أربعة سيناريوهات (بالنقاط المئوية)

المصدر: منظمة التجارة العالمية، أبريل 2025.

المنطقة العربية في قلب العاصفة: بين التحديات والفرص

في خضم تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها، تدخل المنطقة العربية في دائرة التأثير غير المباشر ولكن العميق، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من النظام الاقتصادي العالمي، ومرتبطة به من خلال علاقات تجارية واستثمارية متشابكة، سواء عبر تصدير المواد الأولية، أو استيراد السلع الاستهلاكية والتجهيزية.

وخضعت الدول العربية كغيرها لتعريفات ترامب الجمركية، التي أعلن عنها في الثاني من أبريل. وقد يؤثر ذلك عليها بشكل مختلف. حيث أن بعض الدول العربية، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، خضعت للحد الأدنى من هذه التعريفات (10%)، وهذه الدول ليست من بين الدول التي تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري كبير معها. في حين دولًا أخرى ستتأثر بشكل أكثر حدة، من بينها الأردن (20%)، الجزائر (30%)، العراق (39%)، سوريا (41%)، ليبيا (31%) وتونس (28%). هذا التفاوت في الرسوم لا يعكس حجم العلاقات التجارية الفعلية مع الولايات المتحدة.

الجدول رقم (1): عجز/فائض الميزان التجاري الأمريكي مع بعض الدول العربية سنة 2024 (بالمليار دولار)

الدولة

العراق

الجزائر

الأردن

تونس

لبنان

البحرين

السعودية

عمان

الكويت

قطر

المغرب

مصر

الإمارات

العجز/الفائض

-5,7

-1,4

-1,3

-0,6

0,3

0,4

0,4

0,6

0,7

1,9

3,9

3,5

19,5

المصدر: مكتب الإحصاء الأمريكي.

 وبتتبع العلاقات التجارية العربية على مدى العقدين الماضيين، تشير البيانات إلى تراجع كبير في الصادرات العربية إلى السوق الأمريكية، حيث انخفضت من 91 مليار دولار في 2013م، (تمثل 6% من إجمالي صادرات الدول العربية) إلى 48 مليار دولار في 2024م، (تمثل 3.5% فقط). ويُعزى هذا التراجع بالأساس إلى انخفاض واردات الولايات المتحدة من النفط الخام والمنتجات البترولية، في ظل اكتفائها الذاتي. ومع ذلك، حافظت الولايات المتحدة على فائض تجاري دائم مع المنطقة منذ عام 2015م، بلغ حوالي 20 مليار دولار في 2024م، ما يعني أن المنطقة العربية تستورد من الولايات المتحدة أكثر مما تصدّر إليها، وهو ما يُضعف من وجاهة فرض رسوم عقابية ضدها.

وبينما شهدت الصادرات غير النفطية العربية إلى الولايات المتحدة نموًا من 14 مليار دولار في 2013م، إلى 22 مليارًا في 2024م، إلا أن الإجراءات الجديدة تهدد بوقف هذا التقدم، بل وقد تتسبب في إعادة رسم الخريطة التجارية الإقليمية، وتدفع نحو تنويع الشراكات الاقتصادية بعيدًا عن السوق الأمريكية. حيث أن هذه الرسوم ضربة مباشرة للصادرات غير النفطية من الدول العربية، حيث تم استثناء قطاعات محددة مثل الطاقة، النحاس، الأدوية، وأشباه الموصلات، في حين أصبحت صادرات هامة أخرى كـالمنسوجات، الأسمدة، الكيماويات، الألومنيوم والإلكترونيات خاضعة للتعريفات الجديدة، مما يلغي فعليًا الامتيازات التفضيلية التي كانت ممنوحة في إطار اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية مع كل من البحرين، الأردن، المغرب وسلطنة عمان. والأسوأ من ذلك أن المناطق الصناعية المؤهلة (QIZs) في مصر والأردن لم تُعفَ من الرسوم، رغم ما كانت تتمتع به من معاملة خاصة منذ عقود.

الشكل رقم (5): تطور التبادل التجاري وهيكل الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة بين 2012 -2024

 

المصدر: اعتمادًا على بيانات الإسكوا، أبريل 2025.

 

وتجدر الإشارة إلى أن معظم الدول العربية لا تعتمد بشكل كبير على السوق الأمريكية، باستثناء الأردن، التي استفادت تاريخيًا من الوصول التفضيلي للسوق الأمريكية، خاصة في القطاعات التي تُدرج مكوّنات إسرائيلية. أما مصر والمغرب، فقد واجهتا صعوبات في تحقيق استفادة مماثلة، رغم توقيع اتفاقيات مماثلة.

وتشير التوقعات إلى أن تصعيد الرسوم الجمركية الأمريكية سيؤثر على الدول العربية عبر ثلاث قنوات رئيسية: أولها، الخسائر المباشرة في التجارة نتيجة انخفاض النفاذ إلى السوق الأمريكية وتراجع الطلب من شركاء رئيسيين كالاتحاد الأوروبي والصين؛ وثانيها، الآثار الاقتصادية الكلية غير المباشرة الناجمة عن تباطؤ النمو العالمي، ما قد يؤدي إلى تراجع أسعار النفط، ويضعف الصادرات والاستثمار؛ وثالثها، التحولات طويلة الأجل في سلاسل القيمة العالمية (GVCs)، حيث تعيد الشركات الدولية تنظيم خطوط الإمداد وفقًا للاعتبارات الجيوسياسية الجديدة.

وتبعًا لمستوى انكشاف الدول العربية على السوق الأمريكية، تتفاوت حدة التأثير. فستواجه ست دول عربية تأثيرًا كبيرًا، وهي: البحرين، مصر، الأردن، لبنان، المغرب وتونس، حيث تُشكّل صادراتها إلى الولايات المتحدة أكثر من 5% من إجمالي صادراتها، مع تسجيل الأردن النسبة الأعلى (%25)، ما يجعلها الأكثر تضررًا.

أما خمس دول أخرى، من بينها الجزائر، عُمان، قطر، السعودية، والإمارات، فستتعرض لتأثيرات محدودة، لا تتجاوز فيها الصادرات المتأثرة نسبة 5%. ومع ذلك، يُتوقع أن تتأثر سوق إعادة التصدير في الإمارات التي تبلغ نحو 10 مليارات دولار بسبب الرسوم المفروضة على الدول المصدّرة الأصلية، ما يزيد من عمق الأثر غير المباشر.

ويمكن رسم ثلاثة سيناريوهات ممكنة أمام هذه الدول في ضوء التطورات الجارية:

  1. السيناريو السلبي: تفاقم حالة الركود العالمي، واستمرار ارتفاع تكاليف الواردات، ما يؤدي إلى تراجع في معدلات النمو، وزيادة البطالة، وارتفاع التضخم، خاصة في ظل ضعف القدرة الإنتاجية الداخلية لمعظم هذه الاقتصادات. في هذا السياق، قد تتراجع الاحتياطات النقدية وتتزايد الضغوط على العملة المحلية، مما يهدد بالعودة إلى برامج تقشف قاسية.
  2. السيناريو الحذر: تبني سياسات دفاعية لتقليل الانكشاف، كفرض قيود على بعض الواردات، أو تعزيز دعم المنتجات الوطنية. هذا النهج قد يخفف من الأثر المباشر، لكنه لن يُحدث تحوّلًا هيكليًا، وسيظل رهين الظروف الخارجية.
  3. السيناريو الإيجابي التحويلي: استثمار الأزمة كفرصة لتغيير النمط الاقتصادي، من خلال تنويع الشركاء التجاريين (كالانفتاح على الصين، والدول الناشئة، ودول البريكس)، ودعم الصناعات المحلية، وتحقيق تكامل إقليمي عربي لتعزيز سلاسل التوريد، وتوسيع السوق الداخلية.

مسارات بديلة: من التعاون العربي إلى الانفتاح على التكتلات الصاعدة

الأزمة الحالية، رغم خطورتها، تفتح الباب أمام إمكانيات واعدة إذا ما أُحسن استغلالها. فإعادة ترتيب التجارة العالمية قد تمنح الدول العربية فرصة لتصبح بديلًا صناعيًا لبعض الشركات التي تنقل إنتاجها من الصين، أو لتلعب دورًا لوجستيًا في شبكات التوريد بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.

كما تجد الدول العربية نفسها مدفوعة بالبحث عن مسارات بديلة تضمن قدراً أكبر من الاستقلالية، وتقلل من الانكشاف المفرط على الأسواق التقليدية المتأثرة بالصراعات التجارية، خاصة بين الولايات المتحدة والصين. حيث بات من الضروري التفكير في تحولات استراتيجية تعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية العربية وفق منطق أكثر تنوعًا وتكاملًا.

أول هذه المسارات، وأكثرها إلحاحًا، يتمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي العربي–العربي عبر تسهيل التبادل التجاري، وتحسين البنية التحتية الإقليمية، وتنسيق السياسات الاقتصادية، كتفعيل أطر مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاتحاد الجمركي الخليجي، واتفاقية أغادير.  مما يسمح بخلق كتلة اقتصادية متكاملة قادرة على الصمود، ومنافسة نسبيًا في النظام التجاري الجديد.

فرغم توفر قاعدة بشرية وموقع جغرافي استثنائي، لا تزال معدلات التبادل التجاري بين الدول العربية محدودة ولا تتجاوز 10% من إجمالي تجارتها الخارجية. هذا يعني أن هناك فرصة كبيرة لإعادة هيكلة السوق العربية ككتلة اقتصادية داخلية، عبر إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وتحسين شبكات النقل، وتوحيد المواصفات والمعايير، بما يعزز من فرص التصنيع المشترك والاكتفاء الذاتي في بعض القطاعات الحيوية كالأدوية، الأغذية، والطاقة المتجددة. كما أن تعزيز التعاون العربي-العربي هذا يتطلب إرادة سياسية ومرونة استراتيجية في التعامل مع الشركاء الدوليين، بعيدًا عن منطق التبعية الاقتصادية.

وفي موازاة ذلك، يبرز خيار الانفتاح على التكتلات الاقتصادية الصاعدة مثل البريكس (BRICS) ودول الآسيان (ASEAN)، التي تمثل اليوم محورًا رئيسيًا في إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. ويمكن للدول العربية أن تدخل في شراكات متوازنة مع هذه القوى، لا سيما الصين والهند وإندونيسيا والبرازيل، من خلال اتفاقيات استثمارية، أو الانخراط في آليات تمويل بديلة مثل بنك التنمية التابع للبريكس، بما يتيح تنويع مصادر التمويل والاستثمار، وتخفيف التبعية للدولار الأمريكي والمؤسسات الغربية التقليدية.

ومن الخيارات الواعدة كذلك، إعادة تفعيل التعاون الأورو-متوسطي، الذي ظل يعاني من الجمود السياسي، رغم الإمكانات الاقتصادية الهائلة. فدول شمال إفريقيا تُعد بوابة طبيعية للأسواق الأوروبية، ويُمكن تطوير شراكات إنتاج مشترك في مجالات كالهيدروجين الأخضر، الصناعات الرقمية، والتعليم العالي، في إطار متوازن يحترم خصوصية الطرفين.

وأخيرًا، يفرض الواقع الجديد ضرورة إعادة التفكير في هيمنة الدولار على النظام المالي العربي، خاصة مع التقلبات النقدية الحادة والتضخم المستورد. ويمكن التوجه نحو تنويع سلال العملات في التجارة والاستثمار، وتشجيع التسويات الثنائية أو الإقليمية بالعملات المحلية أو البديلة، على غرار ما تسعى إليه بعض دول البريكس. كما يُمكن بناء سلاسل إمداد إقليمية مرنة، تعزز الأمن الغذائي والصناعي العربي، وتقلل من التعرض للصدمات الدولية.

في المجمل، لا تقتصر الاستجابة العربية للأزمة التجارية العالمية على الدفاع، بل يُمكن أن تتحول إلى فرصة استراتيجية لإعادة تموقع اقتصادي عالمي، شرط وجود إرادة سياسية، وخطط تكاملية واقعية، وآليات تمويلية متجددة تدعم هذا التحول البنيوي.

 

بين التكيّف والتحوّل

تكشف الحرب التجارية العالمية، التي فُتحت جبهتها مجددًا عبر الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة، عن هشاشة النظام التجاري الدولي، وتُبرز المخاطر التي تواجهها الاقتصادات النامية، وعلى رأسها المنطقة العربية. فالانكشاف الاقتصادي، وارتفاع الاعتماد على الواردات، وتباطؤ سلاسل الإمداد، جميعها عوامل تُفاقم من أثر الأزمات الخارجية، وتضع الدول العربية أمام مفترق طرق بين التكيّف السلبي والتحوّل الاستراتيجي.

في المقابل، تُمثل الأزمة فرصة نادرة للاقتصادات العربية لإعادة ترتيب الأولويات وبناء اقتصادات أكثر مرونة واستقلالًا. ويكمن الحل في تعزيز التعاون العربي-العربي، وبناء سلاسل إنتاج وتوريد إقليمية، والانفتاح المدروس على التكتلات الصاعدة مثل البريكس والآسيان، دون إهمال البعد الأورو-متوسطي. كما يُعد تنويع الشركاء الماليين وتقليل الاعتماد على الدولار أحد مفاتيح تقليل المخاطر المستقبلية.

وعلى صعيد آخر، من المهم الانخراط بفعالية في حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة، سواء ثنائيًا أو ضمن أطر متعددة الأطراف، لضمان الحفاظ على فرص النفاذ إلى السوق الأمريكية، والسعي للحصول على استثناءات تفضيلية ضمن اتفاقيات التجارة الحرة الحالية أو عبر قنوات تفاوضية بديلة. وينبغي لدول مثل الأردن والمغرب إعادة تقييم شروط اتفاقياتها الثنائية لتجنب تآكل التفضيلات التجارية.

وبالنظر إلى إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، يجب أن تسعى الاقتصادات العربية لاقتناص فرص الاندماج في الممرات التجارية الجديدة، من خلال الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية، وملاءمة الأطر التنظيمية، وتعزيز مرونة سوق العمل.

وأخيرًا، يتطلب الوضع الراهن تعزيز الاحتياطيات المالية واستحداث آليات تمويل مرنة لمواجهة تقلبات التجارة العالمية. ويشمل ذلك، جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتعبئة التمويل المحلي، وتسريع تنويع الصادرات، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات، مع الاندماج الأعمق في سلاسل القيمة الإقليمية.

مقالات لنفس الكاتب