array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

القرار التاريخي بحظر جماعة الإخوان لإعادة الأردن ترتيب أولوياته داخليًا وإقليميًا

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

غالباً ما تستخدم عبارة الإسلام السياسي لوصف حركات مثل الإخوان وداعش وهذه الأخيرة هي تيار ديني أصولي متشدد له استراتيجية تقوم على الاستحواذ العنيف الثوري والمحافظ، كما أن عقيدتها وأهدافها الاستراتيجية لا تمت للإسلام السياسي الكلاسيكي والتاريخي الذي ظهر وتبلور في العالمين العربي والإسلامي إثر الحرب العالمية الثانية تحت راية القومية العربية والإسلام الثوري العلماني. إذاً، الإسلام السياسي الحالي هو إعادة تكريس للسياسة، ضمن "دين سياسي" بالمعنى الذي عرّفه إميليو جنتيلي، الذي يُميّز بين مفهوم "الدين المدني" (وهو شكل من أشكال القداسة في سياق تعددي) ومفهوم "الدين السياسي" القائم على احتكار السلطة. يفضي "الدين السياسي" إلى تقديس للسياسة ذي طابع إقصائي وأصولي. هكذا، تفرض الإسلاموية السلفية المتشددة للخلافة الالتزام بأحكامها القرآنية والمشاركة في العبادات السياسية-الدينية، وتُقدس العنف كسلاح مشروع في النضال ضد الكفار، وتتخذ موقفًا عدائيًا تجاه الأديان التقليدية الراسخة، بهدف القضاء عليها، أو تسعى إلى إقامة علاقة تعايش تكافلي معها، بمعنى أن الدين السياسي يسعى إلى دمج الدين التقليدي في نظامه العقائدي الخاص، مُخصصًا له وظيفة ثانوية ومساعدة. بهذا الشكل، ومع تدمير التنوع في المجالين الديني والثقافي وُلِد نوع جديد من الأصولية الجديدة نمت وازدهرت في بيئة العولمة الخصبة لظهور مثل هذه الظواهر، لأن العولمة، كعملية تثاقف، لا تسمح بالتعايش والترابط بين الهوية الثقافية والتاريخية.

 

الإخوان المسلمون، وقفة لا بد منها

تأسست جماعة الإخوان في الإسماعيلية بمصر على يد حسن البنا في ظل الاحتلال البريطاني. وكان البنا يدعو في البداية إلى إحياء الإسلام سياسياً واجتماعياً، ثم تطور مشروع الإخوان باتجاه الدعوة لتنظيم أي مجتمع يعيش فيه المسلمون على أساس قيم الإسلام والشريعة. لقد كان مشروع الجماعة، ولا يزال، دينياً، لكنه أيضاً اجتماعي وقانوني وسياسي.

عند تأسيسها عام 1928م، كان جمهور الحركة المستهدف هم عمال الرصيف في قناة السويس، وكان هذا جزءاً من استراتيجية واسعة للحشد تراوحت من البروليتاريا إلى المثقفين المسلمين، وقد استمرت فكرة الجماعة عن الثورة الإسلامية وأسلمة المجتمع حتى يومنا هذا. وتعمل جميع الجمعيات الدينية والثقافية القريبة منهم بهذه الطريقة، أي بهدف أسلمة المجتمع الذي تتطور فيه، بما في ذلك في أوروبا، وعلى عكس ما قد يعتقده البعض فهم لا يخفون هدفهم، ويركزون على النشاطات الاجتماعية التي تروج له مثل المدارس والمستوصفات والجمعيات الخيرية.

شهدت سنوات الثلاثينيات والأربعينيات توسع الجماعة في مصر والبلدان العربية وتكوين جناح عسكري لها لعب دوراً في مقاومة الاحتلال البريطاني لكنه شارك أيضاً في أعمال العنف السياسي مثل محاولة اغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك محمود فهمي النقراشي. وفي العقود التالية شهدت علاقة الجماعة بالحكومة المصرية حالات مد وجزر فتعرضت لقمع من عبد الناصر إثر محاولة اغتياله، في حين خفف عنها الرئيس السادات القيود لمواجهة المد اليساري، لكن العلاقة ما لبثت أن توترت مجدداً، وبعد ثورة يناير استلم الإخوان مقاليد الحكم في مصر عندما فاز محمد مرسي بالرئاسة 2011- 2013م.

كان تطور الجماعة موضع عدة دراسات، ويعتبر كتاب مجتمع الإخوان المسلمون لمؤلفه ريتشارد ميتشل، المرجع الأكاديمي الرئيسي عن الجماعة حتى سنوات الستينيات، حيث رصد ميتشل تحول الجماعة من حركة إصلاحية دينية إلى منظمة سياسية، وقام بتحليل تسلسل التنظيم: الأسر، الفروع، الجهاز السري، وكيفية التجنيد. كما تناول حالات لجوء الجماعة إلى العنف، معللاً ذلك بأنه رد فعل على القمع، ورأى أن الإخوان فشلوا في التكيف مع الدولة الحديثة بسبب تمسكهم بالنموذج الشمولي الإسلامي.  بدوره حلل روبرت براينفيلد تطور الجماعة سياسياً في دراسة نشرتها Foreign Affairs عام 2007م، ركَّز فيها على فترة ما بعد 11 أيلول\سبتمبر وقارن فيها بين خطاب الجماعة في الداخل والخارج وخلص إلى أن لدى الإخوان خطاب مزدوج فهم يقدمون أنفسهم للغرب على أنهم معتدلون في حين أن خطابهم الداخلي أكثر تشدداً، ولاحظ أن الجماعة تخلت عن العنف في مصر والأردن مقابل التمثيل البرلماني، وهو أمر ستثبت عدم صحته التطورات الأخيرة في الأردن والتي ستكون موضع قراءتنا لاحقاً. 

الإخوان المسلمون ونظام البعث السوري

تأسست جماعة الإخوان المسلمون في سوريا عام 1945 م، برئاسة الشيخ مصطفى السباعي، ودخلت الحياة البرلمانية عام 1947م، وجرى حظرها عام 1952 م، إثر انقلاب الشيشكلي، لتقع المواجهة الأولى بينها وبين نظام البعث عام 1963م، ويبدأ بعدها الصراع مع نظام الأسد الأب عام 1970م، حيث حاولت الجماعة الثورة ضد نظام حافظ الأسد الذي أصدر قراراً بحظرها عام 1980م. في الواقع لم ينتشر فكر الإخوان في سوريا إلا في سنوات الثمانينيات عبر العمل الدعوي والسياسي، الذي أدى إلى نشوب الحرب بينها وبين الأسد الأب بعد تشكيل التحالف الوطني لتحرير سوريا عام 1982م.

دور المخابرات السورية في مواجهة الإخوان المسلمين (1976-1982) 

توالت الصدامات وأعمال العنف المتبادل بين الجماعة ونظام البعث لتبلغ ذروتها في فبراير عندما قامت الطليعة المقاتلة (الجناح العسكري للجماعة) باغتيال مسؤولي البعث في حماة مع عائلاتهم وأعلنت قيادة الجماعة في بيان لها تحرير المدينة وحضت المواطنين على الثورة ضد النظام الكافر. على أثر ذلك قام حافظ الأسد بإرسال وحدات من الجيش والقوات الخاصة إلى المدينة التي قطعت عنها الاتصالات وكانت المعارك في الأيام الأربعة الأولى شديدة العنف أدت إلى هدم المدينة التاريخية. ولعبت أجهزة المخابرات السورية (المخابرات العسكرية والمخابرات الجوية والأمن السياسي) تحت قيادة رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، ومحمد الخولي رئيس المخابرات الجوية، دورًا محوريًا في سحق تمرد الإخوان في حماة. كما ترافقت الحملة بعملية تطهير طائفي فأقصي ضباط الجيش والموظفين السنة عن المواقع الحساسة. وجرت عمليات اغتيال لقيادات الجماعة في الخارج مثل اغتيال ياسين السبع في العراق عام 1981م. أدت هذه الأحداث إلى تحويل سوريا إلى دولة بوليسية تسيطر فيها الأجهزة الأمنية سيطرة مطلقة. يقول فؤاد عجمي (الكاتب والباحث الأمريكي من أصول لبنانية): "ربما كانت تكتيكات وعواطف المؤمنين الحقيقيين بالإخوان المسلمين متطرفة بعض الشيء، لكنها كانت بمثابة أداة لإثارة استياء الأغلبية السنية مع ذلك "أفلتت جماعة الإخوان المسلمين من عزم النظام على سحقها لأنها تغذت على تعاطف غالبية السكان."

على إثر المجزرة غادر كبار مسؤولي الجماعة سوريا والتحقوا بالموجة الأولى من المنفيين إلى ألمانيا، أما قادة الطليعة المقاتلة ولا سيما عدنان العقلة فقد هربوا إلى الأردن والكويت وأفغانستان. حافظت الجماعة على العمل السري في سوريا حتى عام 2011م، حيث شاركت في الثورة السورية ضد حكم الأسد الابن.

الجماعة والمملكة الأردنية الهاشمية

على عكس الجار السوري، اتسمت علاقة الملكية الأردنية مع جماعة الإخوان بالتسامح، إلا أن إرادة الإخوان دخول معترك الحياة السياسية أدت بهذه العلاقة إلى البرودة وصولاً إلى القطيعة ومؤخراً الحظر، بعد أن أصدرت وزارة الداخلية الأردنية قرارًا بحظر جميع أنشطة الجماعة وإغلاق مكاتبها، مُعللة ذلك بأن بعض أعضاء الجماعة يقومون "في الخفاء" بأعمال تضر باستقرار وأمن المملكة.

في الواقع فإن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن مرَّت بتحولات جذرية منذ أحداث الربيع العربي، وكانت الجماعة التي تأسست في المملكة عام 1945 كامتداد للتنظيم في الوطن الأم، مصر، قد حافظت على طابع محافظ يتوافق مع النظام الملكي الهاشمي. ومع السماح للجماعة بالمشاركة في الحياة السياسية مع عودة الانتخابات البرلمانية عام 1989م، ظهر الجناح السياسي للجماعة "جبهة العمل الإسلامي" كأكبر قوة معارضة في الأردن مستفيداً من الخطاب الإسلامي الجاذب للطبقات المحافظة وللفلسطينيين. لعبت الجماعة في هذه الفترة دوراً مزدوجاً فشاركت في الحياة البرلمانية من جهة، ومارست الضغط الشعبوي في الشارع عبر التظاهرات والخطابات الرافضة للتطبيع مع إسرائيل من جهة أخرى؛ في نفس الفترة تفكك التنظيم إذ انقسمت الجماعة إلى معتدلين يؤيدون التعايش مع النظام، ومتشددين مقربين من حماس يطالبون بإصلاحات جذرية، كما خسرت شرعيتها الشعبية بسبب تراجع أدائها الخدمي، وارتباطها بصراعات إقليمية.

السياق التاريخي للتحالف الهاشمي-الإخواني

تاريخياً تصادمت الجمهوريات الثورية مع الأنظمة الملكية المحافظة التي رآها عبد الناصر عقبة أمام الوحدة العربية. وفي هذا المناخ، أصبح الإخوان المسلمون - الذين تعرضوا للقمع في مصر الناصرية - حلفاء طبيعيين للملكية الهاشمية فقد قدّم الإخوان أنفسهم كبديل أيديولوجي للمد القومي العلماني مقابل الحصول على حرية العمل في المجال الديني والاجتماعي، وقد منحهم الملك حسين مساحة للنشاط شملت إدارة المدارس والجمعيات الخيرية، وشبكة الدعوة والتمثيل السياسي عبر "جبهة العمل الإسلامي" (1992)، وبالفعل عمل الإخوان على كبح التحركات الناصرية في النقابات والجامعات، ومواجهة النفوذ البعثي في الجيش.

إذاً، لم تكن العلاقة بين الطرفين عدائية دائماً، فقد اعتُبرت الجماعة شريكًا خلال الصراع التاريخي بين الملكية الهاشمية والتيار الناصري في منتصف القرن العشرين، بعد أن دعا الناصريون إلى الوحدة العربية وإسقاط الأنظمة الوراثية، وهو ما تعارض مع رؤية الأردن للنظام الإقليمي وشكَّل تهديداً وجودياً للمملكة. خلال تلك الفترة، تعرض الأردن لحملات دعائية شرسة عبر إذاعة "صوت العرب" المصرية التي كانت سلاح الناصرية ضد الأردن وأداة محورية في نشر الفكر الناصري هاجمت الشرعية الملكية ودعت إلى إنشاء جمهوريات عربية موحدة. في هذا السياق، تحالف النظام الأردني مع الإخوان المسلمين مستفيدًا من شبكتهم الاجتماعية الواسعة وخطابهم الإسلامي المعادي للشيوعية وقدرتهم على تعبئة الشارع ضد التيارات العلمانية. لكن اليوم، مع انحسار المد القومي وبروز الخطر الإيراني، اختلفت أطراف المعادلة، وأعاد الأردن تعريف أولوياته الأمنية في بيئة إقليمية متقلبة، فلم يعد الإخوان حلفاءً في معركة وجودية، بل تحولوا إلى رافد محتمل لعدم الاستقرار، وعليه يعكس هذا القرار التاريخي بحظر الجماعة إعادة الأردن ترتيب أولوياته على الصعيدين الداخلي والإقليمي.

جذور الأزمة

في عام 2014 م، صدر قانون ينص على عدم تجديد ترخيص الجماعة التي رفضته وتحججت بأنها مرخصة بموجب قوانين سابقة. وفي عام 2020م، أصدرت المحكمة العليا (أعلى محكمة في البلاد) قراراً بحل الجماعة، ومع ذلك واصل الإخوان المسلمون أنشطتهم في الأردن وتغاضت السلطات عن ذلك. ورغم تسامح السلطات مع أنشطة الجماعة إلا أن علاقتها بالدولة بدأت بالتدهور بعدما سمحت الحكومة عام 2015 م، بإنشاء جماعة منشقة تُعرف بــ "جمعية الإخوان المسلمين".

الشعبية التاريخية والواقع الجديد  

تمتلك الجماعة قاعدة شعبية في الأردن منذ عقود. أما جناحها السياسي، "جبهة العمل الإسلامي"، فقد أصبح أكبر حزب في البرلمان الأردني بعد فوزه بـ 31 مقعدًا من أصل 138 في الانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر 2024م، وللجماعة عدة مكاتب في عمّان، تصدر بياناتٍ بشكل متكرر، وتنظم تجمعات تضامنية مع الفلسطينيين، خاصة منذ بداية الحرب في غزة بين إسرائيل وحركة "حماس" الإسلامية الفلسطينية.

بعد الإعلان مؤخراً عن العثور على مخابئ أسلحة ومتفجرات في عدة مدن أردنية، صرَّح وزير الداخلية الأردني أنه سيصار إلى مصادرة أصول الجماعة وحظر الترويج لأفكارها تحت طائلة الملاحقة القانونية، كما سيحظر الانضمام إليها؛ ووفقًا للسلطات الأردنية، فإن الجماعة قامت على مدى أشهر بتنظيم اجتماعات سرية لتنسيق عمليات عنيفة ضد المنشآت العسكرية والشرطية، حيث تم الكشف عن هذه الأنشطة بعد سلسلة من الاعتقالات ومصادرة أجهزة اتصالات، ووصفت وزارة الداخلية الأردنية هذه الخطط بأنها "منهجية، مدعومة من جهات خارجية، تهدف إلى تقويض الاستقرار وإضعاف الدولة".

بالمقابل نفت جماعة الإخوان المسلمين أي علاقة لها بالقضية، واصفة ما اتهم به الموقوفون بأنها "أفعال فردية" لدعم "المقاومة" الفلسطينية، مؤكدة دعمها الدائم لــ "أمن الأردن واستقراره." في نفس الوقت دعا بعض النواب، أثناء جلسة للبرلمان، إلى حظر أنشطة الإخوان المسلمين وتعليق عضوية نواب هذا الحزب في المعارضة الأردنية.

تداعيات القرار على الاستقرار

تشير سرعة الإعلان وحزم التنفيذ ولغة التصريحات الرسمية إلى أن الأردن يعتبر التهديد جديًا وشاملًا. وأن التعامل مع الإخوان المسلمين كمعارضة سياسية مشروعة لم يعد وارداً بل تحولت الجماعة إلى عدو مخرِّب. لا يمكن فهم التصعيد الأردني دون النظر إلى الصراعات الإقليمية، حيث تُعبر عمّان منذ سنوات عن قلقها من تمدد النفوذ الإيراني، ليس فقط عبر الميليشيات الشيعية على حدودها مع سوريا والعراق، ولكن أيضًا عبر التحالفات التكتيكية الإيرانية مع تيارات إسلامية سنية، بما في ذلك فصائل مقربة من الإخوان المسلمين مثل حركة حماس خصوصاً مع الضغوطات الإقليمية والدولية التي يتعرض لها الأردن منذ السابع من أكتوبر.

من جهة أخرى تطفو على السطح تساؤلات حول مدى تأثير هذا القرار على الاستقرار الداخلي الأردني، خاصة مع شعبية الجماعة التاريخية في الأردن، والدور الإقليمي الذي يلعبه الأردن في مواجهة تحالفات "المحور الإيراني-الإسلامي"، ناهيك عن مصير الجناح السياسي للجماعة (جبهة العمل الإسلامي) الذي يحتل مقاعد في البرلمان. وعلى الرغم من سياسة المملكة التقليدية القائمة على الموازنة بين القوى الإقليمية، يبدو أن الأردن قد اختار الحفاظ على أمنه في مواجهة أي محاولة للمساس به أو زعزعته من قبل أي جهة كانت، من هذا المنظور فإن قرار حظر الإخوان يرسل رسالة واضحة مفادها رفض أي اختراق داخلي من قبل قوى إقليمية معادية، والتأكيد على هيبة الدولة في مواجهة محاولات التخريب.

ربما من المفيد هنا التوقف عند العلاقة العضوية المركَّبة والمعقدة بين الإخوان والفلسطينيين.، فبعد موجتي لجوء فلسطينيتين (1948 و1967م) تغيرت التركيبة الديموغرافية للأردن مع تزايد أعداد سكان المملكة من أصل فلسطيني، ينتمي العديد منهم إلى جماعة الإخوان المسلمين مما خلق تداخلًا بين الهوية الإسلامية للجماعة والقضية الفلسطينية (خاصة عبر دعم حماس) الأمر الذي جعل من الجماعة جسراً بين النظام والشارع الفلسطيني، وفي الوقت نفسه مصدر تهديد عند حرب غزة الأخيرة. ومع بروز خطر التمدد الإيراني والمخاوف من تحول الجماعة إلى قناة لنفوذ طهران، لم تعد العلاقة التكافلية السابقة مجدية، وبرز رفض السلطات الأردنية لأي توظيف للقضية الفلسطينية ضد أمن الأردن، وعليه، لم يعد الإخوان جزءًا من الحل، بل صاروا جزءًا من المشكلة.

حظر الإخوان في الأردن وضرورات الأمن

يطرح قرار حظر الجماعة في الأردن سؤالًا جوهريًّا حول إمكانية أن يترتب عليه الدفع بأعداد كبيرة من الإسلاميين نحو العمل السري (الذي تصعب مراقبته) والتطرف (في ظل غياب منافذ سياسية شرعية والذي سينتج أجيالاً أكثر عنفاً كما حدث في مصر بعد فض اعتصام رابعة)، والتماهي مع أجندات خارجية كالتمويل الإيراني. بالإضافة إلى أنه قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين النظام والشارع وتأجيج الاحتقان الفلسطيني، كما قد يستخدم القرار كذريعة لتصعيد المظاهرات المؤيدة لغزة. بالمقابل قد يدفع القرار السلطات الأردنية إلى مزيد من التقارب مع إسرائيل وتسريع خطوات التطبيع مثل مشروع "الربط الكهربائي" لتعويض المخاطر الأمنية، خصوصاً وأن النظام يرى أن الخطر الأمني يفوق المخاطر السياسية بسبب التدخلات الإقليمية ولا سيما الإيرانية والتركية التي تستخدم الجماعات الإسلامية كأداة نفوذ، بالإضافة إلى ارتباط بعض أجنحة الإخوان بحماس التي باتت جزءًا من المحور الموالي لإيران. هذا دون نسيان التجارب المجاورة كما حدث في مصر، حيث انتقل الإخوان من صناديق الانتخاب إلى العنف بعد الإطاحة بمرسي.

إذاً، يسير الأردن على نهج مصر والسعودية والإمارات في تبني استراتيجية مكافحة الإسلام السياسي، لكن في حين قمعت مصر الإخوان بعنف عام 2013م، بعد تجربة حكم ديمقراطي فاشلة؛ وقامت المملكة العربية السعودية والإمارات بمنعهم منذ عقود كجزء من الحرب على الإرهاب؛ فقد تعامل معهم الأردن كشريك حتى الآن، لكن التهديدات الأخيرة أجبرته على تغيير استراتيجيته، والانتقال من سياسة الاحتواء إلى الإقصاء.

حول حتمية القرار

مع تصاعد التوترات الإقليمية، خصوصاً بعد حرب غزة، يبدو جلياً أن الأردن رجَّح كفة استقراره   الأمني مستنداً، خارجياً ومحلياً، على الدعم الغربي والخليجي الذي يشجع على مواجهة الإسلام السياسي، وداخلياً على الرهان على ولاء الجيش والأجهزة الأمنية.  

لكن السؤال الأكبر: هل سينجح النظام الأردني في إدارة المرحلة الانتقالية دون تفجير احتقانات داخلية؟ الإجابة تحددها قدرة الأردن على تحقيق معادلة صعبة: سحق نفوذ الجماعة دون دفع البلاد نحو الفوضى في ظل غياب بديل سياسي يمثل المعارضة الإسلامية المعتدلة.

الإجابة قد تحددها الأشهر القادمة، خاصة مع استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوترات الإقليمية.

الإخوان المسلمون وفرنسا

أواخر أيار الماضي كشفت صحيفة لوفيغارو الفرنسية عن تقرير سري بعنوان "الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا" جرى إعداده وتسليمه لوزير الداخلية الفرنسي برونو ريتايو يصف مدى تغلغل وتأثير جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا والشبكات والبنى التي أنشأتها الجماعة هناك بشكل مكيَّف مع قوانين الغرب. وبحسب التقرير فهناك 139 مكان عبادة (مسجد) إسلامي مرتبط بالإخوان المسلمين، يضاف إليهم 68 مكاناً يعتبر مقرباً من الجماعة موزعاً في 55 تقسيماً إدارياً، أي ما نسبته 7% من مجموع دور العبادة الإسلامية في فرنسا والبالغ عددها 2800. ويشير التقرير إلى وجود 280 جمعية تابعة للحركة، تعمل في قطاعات متعددة تؤثر على حياة المسلمين الدينية، والخيرية، والتعليمية، والمهنية، والشبابية، وحتى المالية. كما تلعب المدارس الخاصة، هي أيضاً، دوراً بوجود 21 مدرسة مُصنّفة على أنها مرتبطة بالجماعة 18 منها ترتبط بها ارتباطًا مباشرًا، وثلاث يُقال إنها قريبة منها، بلغ عدد طلابها 4200 طالب في العام الدراسي 2024-2025م.

أما فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، فيتحدث التقرير عن "ديناميكية" "الدعوة 2.0"، ودور "المؤثرين"، الذين "غالبًا ما يكونون البوابة الأولى لاكتشاف الإسلام، وقد أصبحوا حلقة الوصل بين الأيديولوجيات الإسلامية والشباب الأوروبيين الناطقين بالفرنسية".

وإذا تذكرنا أن المخابرات الفرنسية كانت قد اتهمت الجماعة عام 2003 م، ببناء دولة إسلامية موازية، نرى من اللافت أن يتناول التقرير تطوير الجماعة "أنظمة بيئية على المستوى المحلي" منذ تسعينيات القرن الماضي، تهدف إلى «تنظيم حياة المسلم من الولادة حتى الوفاة»، قوامها (بحسب التقرير) المسجد الذي يقدم دروسًا في التربية القرآنية، ومتاجر مجتمعية أو أنشطة رياضية منفصلة عن المسجد، مع السعي إلى دخول مجال التعليم الخاص»، ويعتبر التقرير الرحلات، والتنمية الشخصية، ومساعدات التوظيف، أو مواقع التعارف، كلها جزءًا من مجموعة الأنشطة. كما يسلط التقرير الضوء على دور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتزايد عدد الأنشطة المعادية للصهيونية داخل المساجد منذ هجمات 7 أكتوبر، نتيجة الغضب العارم بسبب أعداد الشهداء الكبيرة الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية. وقد أعلن قصر الإليزيه أنه يسعى إلى توعية الجمهور العام والمسؤولين المحليين بشأن "خطر هذا التغلغل الإسلامي وكيفية عمل هذه الظاهرة."

كلمة أخيرة حول مستقبل جماعات الإسلام السياسي في المنطقة

لا ريب أن مستقبل الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط يكتنفه الغموض والتعقيد مع تغير العوامل العديدة التي تؤثر فيه ويتعلق بها، فمن جهة تنكفئ الحركات الإسلامية في بعض البلدان ويضعف تأثيرها، في حين يزداد نفوذ حركات أخرى بسبب التغيرات الجيوسياسية أو السخط الشعبي. وفي حين يأفل نجم الإخوان في الأردن وقبلها مصر والإمارات، يزداد نفوذ حماس إثر حرب غزة كما تبرز حركات إسلامية أخرى في مواجهة الحركات اليهودية المتشددة.

في الواقع فإن مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة مرهون بقدرته على التكيف مع المتغيرات، ومقدار تلبيته لحاجات الشعوب وتطلعاتها خصوصاً أن هذه الأخيرة لم تعد تقدِّم الدين على الخدمات الأساسية والحقوق المدنية.

من غير المرجح أن تختفي الحركات الإسلامية تماماً لكنها قد تتحول بفعل القيود والملاحقات إلى أحزاب محافظة ذات صبغة دينية، وقد شهدنا حالات تكيُّف للإسلام السياسي مع اللعبة الديمقراطية ومشاركته في الحكم، كما في تركيا التي حكمها حزب العدالة والتنمية لعقود، شريطة القدرة على التعامل مع التحديات وإرساء التوازنات مع المؤسسات العلمانية أو العسكرية.

من نافلة القول أنَّ الحركات المرتبطة بالإرهاب مثل داعش أو القاعدة ستظل مستهدفة لكن فروعها المحلية ربما يجري احتواءها بموجب صفقات أمنية.ش

مقالات لنفس الكاتب