لم تمضِ سوى ساعات قليلة على اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع برعاية سعوديّة، حتى أعلن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) هجومًا إعلاميًا لاذعًا ضد الرئيس السوريّ، متّهماً إيّاه بنقض "ملة إبراهيم" واستبدالها "باتفاقيات إبراهام"، وتنفيذ رغبات أمريكيّة تهدف إلى التخلص من المقاتلين الأجانب.
وفي افتتاحية لها هاجمت صحيفة "النبأ" الناطقة باسم التنظيم هؤلاء المقاتلين، معتبرة أنهم تجاهلوا تحذيرات قادة التنظيم، وأنهم سيدفعون الآن ثمن ذلك. وقد أثارت بعض الشروط التي قدّمها ترامب للشرع، ولا سيما ما يتعلق بمنع عودة "داعش" وترحيل المقاتلين الأجانب، غضب التنظيم ودفعه إلى استئناف عملياته العسكرية، ما يهدد استقرار سوريا، ويؤثّر سلبًا على علاقاتها الإقليمية والدولية.
ردّ حكوميّ سريع وخطّة لإعادة دمج المقاتلين
في خطوة عملية تجاوباً مع المطالب الأمريكية، أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة عن مهلة عشرة أيام للمجموعات المسلحة الصغيرة للالتحاق بوزارة الدفاع. وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة توحيد القوى العسكرية ضمن مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية.
بالتزامن مع هذا الإعلان اندلع اشتباك بين قوات الأمن السورية ومجموعة تابعة لتنظيم الدولة في محافظة حلب، في أول مواجهة مباشرة بين الطرفين منذ إسقاط النظام السابق. العملية التي نُفّذت بتنسيق مشترك بين مديرية أمن حلب وجهاز الاستخبارات، جاءت بعد إعلان ترامب رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وبعد خمسة أشهر من إسقاط النظام السوري الذي طالما اتهم واشنطن بدعم "داعش" عبر قاعدة التنف على المثلث الحدودي مع العراق والأردن.
وبعد انتهاء المهلة التي حددتها وزارة الدفاع أُعلِنَ عن انضمام 100 فصيل إلى وزارة الدفاع، منهم 20 فصيلاً انضموا بعد مهلة الأيام العشرة التي منحتها الوزارة مؤخراً لجميع الفصائل كي تنضم إليها، وواضح من المهلة المحددة لانضمام الفصائل المسلحة إلى وزارة الدفاع الناشئة حديثها بضباطها وعناصرها، حجم التحديات التي تواجهها الدولة السورية الجديدة والصعوبات التي يتوجب عليها تذليلها وصولاً إلى بناء جيش وطني من المفترض أن يشكل حالة مختلفة تمامً ا عن الجيش السابق..
ولا تزال البادية السورية تشكّّل بؤرة ساخنة وخطراً كامناً، حيث تنتشر فيها خلايا التنظيم وتحتفظ بنقاط ارتكاز يمكن استخدامها للضغط على الحكومة السورية الجديدة. ورغم أنّ قوى محلية ودولية قضت على "داعش" في مناطق واسعة.. إلا أنّ التنظيم لا يزال يمتلك وجودًا في جنوب وشمال نهر الفرات إلى جانب خلايا نائمة في محافظات مختلفة بما فيها عمق الريف الدمشقيّ، الأمر الذي يؤكّد سعي التنظيم لإحداث الفوضى وإشعال الحرب مجدداً في عموم الجغرافيا السورية.
وقد أحبطت الأجهزة الأمنية محاولة تفجير في مقام السيدة زينب مطلع العام الجاري، كانت ستؤدي إلى فتنة طائفية في حال نجاحها. كما وقع تفجير بسيارة مفخّخة في مركز للشرطة بمدينة الميادين بمحافظة دير الزور، وأكدت التحقيقات مسؤولية التنظيم عنه.
الانفجار المحتمل ومصير القادة الأجانب
أعلن الرئيس الشرع عن مبادرة لمعالجة ملف المقاتلين الأجانب، بما في ذلك تسليم الأسرى لتنظيم "قسد" تحت إشراف الدولة السورية، ومنح بعض القادة الأجانب رتبًا عسكرية في الجيش الجديد، وهو ما أثار انتقادات حادة من عدد من الدول العربية والغربية، واعتُبرت خطوة استفزازية تهدف إلى تفخيخ الجيش الجديد ومؤسسات الدولة الناشئة.
في افتتاحية معنونة بـ "على عتبة ترامب" اتهمت "صحيفة النبأ" القائد السابق للجبهة الإسلامية "الجولاني" بخيانة الدين وبيع التنظيمات المسلحة مقابل مكاسب سياسية، ودعت المسلحين الأجانب إلى الالتحاق بـ "سرايا الأرياف والأطراف" محذرة من أن يصبحوا أوراقًا يحرقها "الجولاني" لنيل الرضى الدوليّ ضمن صفقات دولية.
الميليشيات وخطر تفكّك الدولة
يخطئ من يظن أن سقوط النظام السابق كان نهاية للصراعات، بل على العكس فإن انهياره قد فتح الباب أمام تناحر فصائل متعددة مدعومة من قوى إقليمية، لكل منها أجنداتها ما يجعل غياب السلطة المركزية في سوريا تهديدًا إقليميًا ودوليًا.
كما أنّ عودة الجماعات المتطرفة وتموضعها مجددًا على الأرض، خصوصًا مع انسحاب القوات الأجنبية سيزيد من فرص نشوء صراعات دامية على النفوذ وتغيير خارطة القوة الداخلية.
تُعدّ الفصائل المسلحة التهديد الأكبر لمستقبل الدولة السورية، إذ إنها تعمل خارج إطار المؤسسات الرسمية، وتتنافس على النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، مما يقوّض وحدة الدولة ويهدد بانهيارها في حال عدم ضبطها بعقلانية وتعاون داخلي وخارجي.
ورغم سعي السلطة السورية الجديدة لمعالجة هذا الملف، فإن قراراتها تلقى انتقادات واسعة، لا سيما تعيين الرئيس “الشرع” 49 شخصية برتب عسكرية رفيعة معظمهم من “هيئة تحرير الشام”، بينهم ستة أجانب بينهم “أويغور” وترك وأردنيون ومصريون، وهو ما أثار استهجاناً داخليًا ودوليًا بسبب عدم امتلاكهم الجنسية السورية وارتباط بعضهم بتهم إرهاب في بلادهم.
وطالت الانتقادات أيضًا تجاهل الضباط المنشقين المؤهلين، الذين لم يُعد أيّ منهم للخدمة، ما اعتبره مراقبون مثل العقيد المنشق مالك الكردي دليلاً على استمرار ذهنية الفصائل وضعف التحوّل نحو فكر الدولة، خاصة أن إعادة الضباط تشترط تزكية من “هيئة تحرير الشام”، ما يثير شكوكًا في نوايا السلطة الجديدة.
في المقابل حاول وزير الدفاع طمأنة الرأي العام بتأكيده أن قيادة الجيش ستضم ضباطًا منشقين وقادة فصائل، وأن عملية دمج الفصائل في وزارة الدفاع بدأت بالفعل، وستليها مراحل تنظيم الرتب والهويات العسكرية والتدريب، في خطوة تهدف إلى ضبط الوضع العسكري، وتفادي خطر تغوّل الفصائل الذي قد يقود البلاد إلى الانقسام أو الاقتتال الداخلي.
الاحتراب المجتمعي ونتائجه الكارثية
وربما تكون الأحداث التي شهدها الساحل السوري في آذار 2025م، وما شهده ريف دمشق من اشتباكات مسلّحة وعنف، وما تلاه من حملات تجييش وتحريض طائفي وهجرة آلاف الطلاب إلى محافظاتهم، يوضح مدى هشاشة الوضع الداخلي، ذلك أن خطر الفصائل المسلّحة المتطرّفة لا يقتصر على الصدام المسلّح وإنّما يمتدّ إلى الإعلام والتعليم والثقافة، ما يهدّد السلم الأهليّ ويشتّت جهود الدولة في الحفاظ على التنوّع والاختلاف الطبيعي في سوريا، وهو الخطر الذي دفع الرئاسة السورية لتشكيل لجنة وطنيّة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل وكشف الأسباب والظروف والملابسات التي أدّت إلى وقوع تلك الأحداث، والتحقيق في الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون ورجال الأمن والجيش، وتحديد المسؤول عنها، وهو ما تمّ تحديده لاحقاً في قرار مجلس الاتحاد الأوروبي رقم (CFSP) 1110/2025م، الصادر بتاريخ 28 مايو 2025م، والذي أضاف بالأسماء إلى قائمة العقوبات، محمد حسين الجاسم (أبو عمشة) قائد ميليشيا فرقة سليمان شاه، سيف بولاد أبو بكر قائد ميليشيا فرقة الحمزة، فرقة سليمان شاه، فرقة الحمزة، فرقة السلطان مراد، وجاء في نصّ القرار أن هؤلاء الأفراد والكيانات مسؤولون عن ارتكابات مخالفات جسيمة لحقوق الإنسان تتمثل بالقتل التعسّفي للمدنيين والتعذيب والتهجير القسري والاستهداف الطائفي ضد أبناء الطائفة العلوية. التي غدت على قناعة أن التهديد الذي تتعرض له لم يكن من قوى الامن العام في سوريا وإنما من هذه الفصائل غير المنضبطة، تماما كما هو الحال بالنسبة لمقاتلي داعش وعوائلهم في مخيم الهول في ريف الحسكة الذي أصبح وجوده يشكّل خطراً كبيراً على سوريا ودول الجوار. والذي يضمّ خمسة وثلاثين ألف شخص معظمهم من عوائل تنظيم "داعش"، ويخضع لحراسة أمريكية كردية مشتركة. وقد أطلقت قوات سوريا الديمقراطية نداءات متكررة للمجتمع الدولي للمساعدة في إعادة عوائل التنظيم إلى دولهم، وتفكيك المخيم خشية أن يتحول إلى منبع جديد للتطرف يعيد إحياء التنظيم بقوة أكبر مما سبق.
المقاتلون الأجانب والموقف الأمريكي المتناقض
يبدو أن الاضطراب والتناقض المسيطر على الساحة العسكرية الجديدة انعكس تناقضاً على الآراء والقناعات الأمريكية خصوصاً والغربية عموماً، فبعد التأكيدات الأمريكية على ضرورة التخلص من المقاتلين الأجانب في سوريا قال المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس باراك: "إن الولايات المتحدة وافقت على خطة طرحتها القيادة السورية الجديدة للسماح لآلاف المتشددين الأجانب الذين كانوا في السابق ضمن المعارضة بالانضمام للجيش الوطني، شريطة أن يحدث ذلك بشفافية، وتنص الخطة التي تحدثت عنها وكالة رويترز بتاريخ 2/6/2025م، على انضمام نحو 3500 مقاتل أجنبي معظمهم من الإيغور من الصين والدول المجاورة إلى وحدة مشكلة حديثاً، وهي الفرقة 84 من الجيش السوري الناشئ، والتي سيكون عمادها من المقاتلين الإيغور إضافة إلى السوريين، ويبدو أن الموافقة الأمريكية على ضم المقاتلين الأجانب إلى صفوف الجيش السوري الجديد، جاءت بعد نقاشات معمقة لإيجاد حل لهذه المعضلة إلى أن نجح أصحاب الفكرة القائلة بأنه من الأفضل إبقاء هؤلاء المتشددين ضمن مشروع للدولة بدلاً من إقصائهم وما يمكن أن يشكله هذا الإقصاء من إفساح للمجال أمامهم بالانضمام إلى تنظيم الدولة، ورفد التنظيم بمزيد من المقاتلين والانغماسيين أصحاب الخبرة الكبيرة في القتال وزعزعة أنظمة الحكم، لهذا كان لا بدّ من الاستفادة من إخلاصهم المطلق للإدارة السورية الجديدة، وهو ما يمكن أن يستفاد منه لاحقاً في محاربة تنظيم الدولة في سوريا، لا سيّما وأن الصراع بين التنظيم ونظام الحكم الجديد في دمشق دخل مرحلة خطيرة بعد استهداف تنظيم الدولة لقوة عسكرية في محافظة السويداء في 30/5/2025م، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الجنود، وفق بيان تنظيم الدولة الذي تبنى العملية، واصفاً ما قام به عناصره باستهداف آلية تابعة لقوات النظام السوري المرتد في محافظة السويداء، وهو ما يعني تحولاً خطيراً في الفكر والسلوك الداعشي تجاه القوات الجديدة في سوريا، بعد الطلب الأمريكي خلال لقاء "ترامب /الشرع"، بضرورة محاربة تنظيم الدولة وضربه بيد من حديد، ولعل المقاتلين الأجانب من الإيغور والشيشان والأوزبك وغيرهم، هم الأعرف بهذا التنظيم والأكثر صلابة وجراة في مواجهته، وبالتالي فمن الممكن جداً أن يكون هذا القبول الأمريكي بإدخال المقاتلين الأجانب من الإيغور وغيرهم في صفوف الجيش السوري الجديد، هو خطوة عملية أولى باتجاه إعلان الحرب على التنظيم من خلال مقاتلين أشداء يمتلكون الخبرة والمعرفة الكبيرة بتكتيكات التنظيم واستراتيجياته، وهو ما ينسجم مع الطرح الأمريكي بضرورة تقديم الدعم والإسناد للإدارة السورية الانتقالية في تفكيك الحصار والتسليح والتدريب مقابل تشكيل قوة مؤهلة لمطاردة تنظيم الدولة، باعتباره العدو الأبرز اليوم لمشروع الرئيس أحمد الشرع ورفاقه وفق بعض التصريحات الأمريكية،
لاسيما بعد الحملة المنظمة والممنهجة على نظام حكمه في سوريا، حيث نشرت بعض المنصّات السورية والأردنية ومواقع التواصل الاجتماعي رسالة للشيخ أبي محمد المقدسي يقول فيها: “لا نقول لكم إدعموا الجولاني ولا ندعوكم لتكونوا من جنده وأنصاره ولا نقول لكم بتقوية نظامه الممتنع عن تحكيم الشريعة بل حلوا محله إن قدرتم وحكموا شرع الله فهذا الواجب وما لم تقدروا أو عجزتم فلا تسهلوا لأخبث منه وتعينوه على أن يحل محله"، وهي الرسالة الأولى من قيادي بهذا الحجم يدعوا فيها الفصائل الأكثر تشددا للانقلاب والثورة على حكم الرئيس الشرع ونظامه في سوريا، وهو تهديد حقيقي يتمثل بالخلايا الداعشية المنتشرة في كامل الجغرافيا السورية والتي بدأت تنشط في بعض القرى والمدن والمحافظات السورية، وهناك عدة ظروف وعوامل قد تساعد على إحياء فكر التنظيم، مثل توجه السلطة نحو البعد الوطني والابتعاد عن الشعارات الإسلامية، وعلاقاتها المعقدة مع الغرب ودول المنطقة، ومحاولات النأي بالنفس عن القضية الفلسطينية، وسياستها مع الأقليات والتي سيجد من خلالها التنظيم مبررات للتجنيد واستعادة النشاط واستقطاب الساخطين على الإدارة الجديدة.
من غير أن يلغي هذا المخاوف من صناعة أزمة وتوجيهها في الداخل السوري عنوانها الرئيس حظر تنظيم الدولة، لا سيما بعد إعلان المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس باراك، أن بلاده بدأت تقليص وجودها العسكري في سوريا، وأنها تريد إغلاق كل قواعدها هناك باستثناء واحدة، مؤكداً "أن سوريا لا تزال تواجه تحديات أمنية كبيرة تحت قيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع".
وإذا كان البعض يرى في دمج المقاتلين الأجانب، وخاصة الإيغور في صفوف الجيش السوري الجديد ضمانة لوجود مقاتلين أكثر ولاء وتفانياً في الدفاع عن النظام الجديد، فإنّ البعض يرى في هذه الخطوة تهديدا مستقبليًا لبعض الدول والحركات والجماعات المختلفة معهم عقديًا وأيديولوجيا، بل إن قبول الولايات المتحدة الأمريكية لخطوة الدمج هذه ربما يكون خطوة باتجاه تشكيل قوة عسكرية أكثر تنظيمًا واحترافًا يمكن أن تقوم من خلالها بالضغط على بعض الدول التي لاتتفق مع السياسات الأمريكية في العالم وعلى رأسها الصين، ولهذا فإن حكومة " تركستان الشرقية" في المنفى، حذرت من دمج المقاتلين الإيغور في الجيش السوري الجديد، وأبدت مخاوفها الكبيرة والمشروعة من استغلالهم في صراعات بالوكالة وخدمة أجندات أجنبية من خلال الترتيبات المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وأكدت حكومة " تركستان الشرقية"في بيانها الذي أصدرته بعد قرار الدمج أنّ آلاف الإيغور جرى استدراجهم إلى سوريا عبر ذرائع زائفة، ضمن عمليات منسقة شاركت فيها أجهزة الاستخبارات الصينية والتركية، حيث تم استخدامهم كأدوات في حروب إقليمية بالوكالة، لخدمة مصالح قوى أجنبية داعية في الوقت نفسه إلى ضرورة فصل هؤلاء المقاتلين "السذج" عن قيادتهم المتطرفة، والعمل على نزع تطرفهم وإعادة تأهيلهم إستنادًا إلى مبادىء الإسلام الأصيلة والوطنية التركستانية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم بعد الموافقة الأمريكية على انضمام المقاتلين الأجانب إلى صفوف الجيش السوري الجديد هو: "هل ينجح هذا التكتيك بإنهاء قنبلة داعش الموقوتة التي تهدد سوريا والشرق الأوسط خصوصاً، أم أنها بداية لزرع قنابل جديدة في المنطقة وتفخيخها بمزيد من المقاتلين الأجانب المتمرسين بالعمل العسكري وضرب الاستقرار".
دور التحالفات العربية والإقليمية والدولية في نفوذ الجماعات المسلحة
إذا كانت التحالفات العربية والإقليمية بين بعض الأنظمة والنظام السوري السابق قد لعبت دورًا محوريًا في نشوء وتزايد نفوذ الجماعات المسلحة، فإنّ التحالفات العربية والإقليمية والدولية الجديدة يمكن أن تلعب الدور الأهمّ في الحدّ من نفوذ هذه الميليشيات والفصائل المسلحة، ومنعها من إشعال النار مجدّدًا في البيت السوري الداخلي، وربما إعادة إذكائها بين الدول العربية والإقليمية وبين الدولة السورية الجديدة، وهو ما دفع تركيا وسوريا والعراق والولايات المتحدة الأمريكية إلى تشكيل لجنة لمناقشة مصير مقاتلي تنظيم داعش في معسكرات الاعتقال شمال شرق سوريا.
كما أنّ هشاشة البنية السورية وتضخم حجم الفصائل المسلحة في المناطق الحدودية يُهددان العلاقات بين الدول المتجاورة. إذ تُظهر الفصائل المسلحة في سوريا خطرًا مماثلاً. لا سيّما وأنّ هذه الفصائل، مثل داعش وغيرها، غير متجانسة وتستغل الانقسامات الدينية والعرقية، ما يؤدي إلى اضمحلال الدولة. فضلاً عن أنّ اعتماد الدولة على هذه الفصائل يخلق عقدًا اجتماعيًا هشًا قائمًا على القمع مقابل الأمن، مما يُشعل الفتن ويُهدد استمرارية الدولة.
إضافة إلى أنّ نشاط هذه الفصائل يُغذي التشظي في الهويّة السوريّة، حيث تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الفتن والشعارات الطائفية، التي تُلهب المجتمع وتُضعف الهُويّة الوطنية. هذا الوضع يتطلب تدخلًا دوليًا وإقليميًا لمنع تحول سوريا إلى ساحة صراع دائم، خاصة مع تأثير الفصائل على دول الجوار مثل لبنان، حيث يُهدد تهريب السلاح استقراره، والعراق الذي يواجه عودة خلايا "داعش".
الجهود السعودية ورفع العقوبات الأمريكية عن سوريا
ولعل الجهد الإيجابي الذي بذله سمو الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد في المملكة العربية السعودية، برفع العقوبات الأمريكية عن الشعب السوري يمثل فاتحة خير لجميع أبناء سوريا للبدء بعملية إعادة الإعمار، التي لا يمكن أن تبدأ قبل رفع العقوبات الشاملة عن الشعب السوري. وهو ما أكده "والي أدييمو" نائب وزيرة الخزانة الأمريكية في 7 يناير 2025 م، عند الإعلان عن تخفيف بعض العقوبات، حيث قال: "إنّ نهاية حكم بشار الأسد الوحشي والقمعي المدعوم من روسيا وإيران توفّر فرصة فريدة لسوريا وشعبها لإعادة البناء"، وهذا يعني شراكة حقيقية في عملية البناء وإعادة الإعمار التي لا تتحقّق دون القضاء على المعوقات وعلى كل ما يهدّد الأمن والسلم الأهلي بين جميع المكوّنات السورية، ويأتي على رأس هذه التهديدات وجود الفصائل والميليشيات المسلّحة على الأراضي السورية، كما أنّ تحقيق الأمن والأمان على أراضي الجمهورية العربية السورية يتطلب قطع الدول الإقليمية وعلى رأسها تركيا تمويلها لهذه التنظيمات والمساهمة في منعها من الانتشار مجدداً خارج الحدود السورية، ولايمكن أن يتمّ هذا إلّا من خلال تعزيز التنسيق الأمني والعسكري مع بعض الدول للوصول إلى تسويات أمنية وعسكرية واقتصادية تحافظ على مصالح الجميع وتحمي استقلال الدول المحيطة بسوريا، بعيدًا عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي منها.. وهذا يعني بالضرورة الحد من نفوذ الفصائل المسلحة المتفلّتة ليكون الجميع تحت مظلة المؤسسة العسكرية الرسمية، بما فيها الفصائل العسكرية الكردية والفصائل المسلحة في السويداء وغيرها من المناطق ذات الحضور العرقي والطائفي، التي تخشى على وجودها وحقوقها الدينية والثقافية في ظل وجود ميليشيات لا تخضع للدولة ولا لضوابط المؤسسات العسكرية.
دمج المكونات العرقية والطائفية في الدولة والمؤسسة العسكرية
إنّ تخليص الجيش والدولة السورية من المقاتلين الأجانب وإنهاء الوجود الفصائلي المسلح، إضافة إلى دمج المكونات (الكردية، العلوية، الدرزية) وغيرها في هيكل الدولة والمؤسسة العسكرية يشكّل عامل أمان لجميع المكوّنات السورية، فإنّه يسهم بعلمنة المؤسسة العسكرية ويجعلها كافلة لحقوق المواطن مهما كانت طائفته أو إثنيته، كما يعزز السلم الأهلي في البلاد الذي كان مهدداً وجودياً بسبب الفتن والاقتتال الطائفي.. كما أن هذا الاندماج يعزز الوحدة والتماسك الاجتماعي، ويقوي بنية الدولة وعلاقاتها مع دول الجوار بما يضمن توازن القوى على المستويين العربي والدولي، وهو ما تحرص عليه الدول العربية والإقليمية، وهذا ما دفع الرئيس التركي لمطالبة الحكومة السورية بالتركيز على اتفاقها مع "قسد" والعمل على دمجها في الجيش، وتسوية المعسكرات التي تديرها شمال شرق سوريا، أما "تنظيم الدولة" فإن هزيمته والقضاء عليه هو الحلّ الوحيد أمام الحكومة السورية وهو ما أكّد عليه "توماس باراك" السفير الأمريكي في تركيا خلال لقائه مع الرئيس الشرع في اسطنبول، حيث كان محور الزيارة التي قام بها الشرع إلى تركيا في شهر أيار 2025م، والتي كان الهدف منها وضع الخطوط العريضة للقضاء على "داعش" وتفاصيل تنفيذ الاتفاق مع "قسد" ولا سيما الشق المتعلق بالاندماج في صفوف الجيش السوري والدولة الجديدة.
التحديات الوجودية للحكومة السورية الحالية
ختامًا تواجه الحكومة السورية الحالية تحديات وجودية كبيرة، أبرزها ضبط الفصائل العسكرية والسلاح المنفلت، الذي يشكل خطرًا كبيراً على السلم الأهلي وفرض هيبة الدولة والقانون، ووحدة النظام وتماسك المؤسسة العسكرية وانسجامها. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بحل الفصائل المسلحة وتذويبها في مؤسسة عسكرية واحدة قادرة على بناء جيش وطني حقيقي يفي بالتزاماته الداخلية والخارجية، ويحقق ما قطعه على نفسه الرئيس السوري "أحمد الشرع" من تعهدات في لقاءاته مع الزعماء العرب والدوليين، خاصة أولئك الذين ساهموا في رفع العقوبات عن سوريا مقابل شروط تحقق الرغبات العربية والغربية التي تتعارض حاليًا مع مصالح بعض الفصائل والميليشيات التي أسهمت في إسقاط النظام السابق.
إن تحقيق الاستقرار في سوريا لن يتم إلا بالاعتراف بالتنوع الاجتماعي والسياسي والعرقي والديني في مؤسسات الدولة كلها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، وهو الأساس في تحقيق العدالة والمساواة بين مكونات الشعب السوري، ويسهم بشكل فعال في تحقيق التوازن على مختلف الأصعدة.
5 ـــ مقترحات وحلول
1- دمج الفصائل المسلحة:
- إنشاء لجان مشتركة بين الحكومة السورية وقوات "قسد" لتسريح المقاتلين السوريين الأكراد ودمجهم في الجيش الوطني.
- وضع برامج تأهيل نفسية واجتماعية للمقاتلين المحليين الراغبين بترك الخدمة العسكرية والاندماج في المجتمع.
2- التعامل مع المقاتلين الأجانب:
- التنسيق مع تركيا وغيرها من الدول لإعادة المقاتلين إلى بلدانهم بضمانات قانونية تمنع ملاحقتهم.
- نقل المقاتلين الأجانب الرافضين للعودة إلى بلدانهم والمتزوجين من سوريات من مراكز القوة العسكرية إلى أدوار مدنية، مع إبعادهم عن مناطق الاحتكاك الطائفي.
3- إدارة مخيم الهول:
- تشكيل فريق دولي بقيادة الأمم المتحدة لإعادة عوائل داعش إلى دولهم مع تفكيك المخيم الذي يضم 35 ألف شخص ويُعد قنبلة موقوتة.
4- دعم دولي وعربي:
- تعزيز التنسيق الأمني بين سوريا ودول الجوار لقطع تمويل الفصائل المسلحةالخارجة عن سيطرة الدولة.
- تقديم الدعم الاقتصادي والفني للحكومة السورية لإعادة الإعمار وفرض هيبة الدولة بعد حلّ الفصائل المسلّحة وترحيل المقاتلين الأجانب أو إيجاد حلول لهم.
5- حماية التماسك الاجتماعي:
- إطلاق حملات توعية للحد من التحريض الطائفي والعرقي وتجريمه.
- ضمان تمثيل عادل لجميع المكونات السورية في المؤسسات العسكرية والمدنية.
الخاتمة
سوريا الانتقالية اليوم على مفترق طرق خطيرة، فإما أن تنجح في إبعاد الفصائل الأجنبية المسلحة عن صفوف الجيش الجديد، ودمج الفصائل المحلية والمنضبطة للإسهام في بناء سوريا الجديدة تحت مظلة دولة مدنية تحقق العدالة بين جميع أبنائها، لتحقيق الاستقرار الأمني والمجتمعي، ومنعها من الانزلاق إلى حرب أهلية تهدد المنطقة بأسراها، أو أن تسمح للأجانب بالانضمام رسميا إلى صفوف الجيش الناشىء وهو مايعني تشكيل جيش هجين واستبعاد مكونات من أبناء الشعب السوري من صفوفه، مع كل مايحمله هذا من مخاطر عسكرية ومجتمعية على مستقبل الدولة والشعب.
إنّ الدعم العربي والدولي بقيادة السعودية والولايات المتحدة وتركيا يُعد حجر الزاوية في دعم الحكومة السورية، كما أن إعادة الإعمار ودمج الفصائل في مؤسسة عسكرية موحدة، ومعالجة قضية المقاتلين الأجانب ومخيم الهول هي خطوات حاسمة في تحقيق الاستقرار وهذا يتطلب الاعتراف بالتنوع العرقي والديني والسياسي، وضمان المساواة بين مكونات الشعب السوري. فهل تستطيع سوريا تجاوز هذه التحديات، أم سيظل شبح الفوضى يخيم على مستقبلها؟






