تُعَد الأطراف الفاعلة غير الحكومية عاملًا رئيسيًا في عرقلة العمليات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، مما يُسهم في زعزعة استقرار الأمن الإقليمي. ولم تُحدَّد بعد آلية فعالة للتعامل مع هذه الجماعات ودمجها ضمن الأطر الحكومية الملائمة. ويزداد الوضع تعقيدًا بتأثر هذه الأطراف بالنفوذ الخارجي؛ فقد يتجسد هذا النفوذ في دعم مباشر، كما هو الحال في الدعم الإيراني لجماعة الحوثي في اليمن، أو قد يتخذ أشكالًا أقل وضوحًا ومباشرةً.
يتسم موقف الاتحاد الأوروبي تجاه جماعات الإسلام السياسي، والميليشيات المسلحة، والأحزاب الطائفية في منطقة الشرق الأوسط بالدقة والتنوع. يتشكل هذا الموقف بناءً على مبادئه الأساسية التي تدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى جانب مصالحه البراغماتية في مكافحة الإرهاب، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحد من الهجرة. كما تؤثر وجهات النظر المتباينة للدول الأعضاء على هذا النهج، مما ينتج عنه غالبًا صورة معقدة للاتحاد الأوروبي الذي يسعى إلى حماية قيمه المعيارية، مثل حرية التعبير، بالتوازي مع معالجة المخاوف الأمنية المتعلقة بالهجرة.
الاتحاد الأوروبي وتصنيف الكيانات المسلحة غير الحكومية
منذ البداية، ثمة فروق واضحة في الموقف الأوروبي تجاه هذه الكيانات. حيث تتباين مواقف الاتحاد الأوروبي حيال الجماعات الإٍسلامية التي لديها مشاركات في العملية السياسية وتدعم الإطار الديني للحكم، وفقًا للأجندة الأيديولوجية لكل منها وسلوكها السياسي. في حين أنه قد ينخرط أحيانًا مع الجماعات المحسوبة على التيار الإسلامي المعتدل مثل حزب "النهضة" في تونس أو جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، شريطة عدم مساسها بالقيم الديمقراطية، ونبذ العنف، والحفاظ على التعددية السياسية. على سبيل المثال، كان للاتحاد الأوروبي مشاركات مع حزب النهضة في تونس عقب اندلاع ثورة 2011م، وحرص على دعم التحول الديمقراطي في البلاد. في حين كانت مُشاركته مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر أكثر إثارة للجدل. فبعد ترحيبه في البداية بانتخاب الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي عام 2012م، أصبح لديه قلق متنام حيال الاتهامات بممارسة الاستبداد، ثم ساد الحذر الموقف الأوروبي عقب الإطاحة بنظام مرسي في عام 2013م، وبشكل عام، تنتاب بروكسل مخاوف إزاء التقهقر المحتمل للديمقراطية تحت مظلة حكومات تحت زعامة دينية، داعية إلى حماية حقوق الأقليات لاسيما النساء والأقليات الدينية. كما ُتخشى أن يؤول الخطاب الديني الشعبوي إلى إذكاء الاستقطاب المجتمعي والتحريض على الطائفية. ولكن ذلك لم يثنيها عن مواصلة التمييِز في المواقف بين تيار الإسلام السياسي الذي يعمل ضمن أطر ديمقراطية، والجماعات المتطرفة التي تنتهج العنف.
من خلال العدسة الأوروبية، فإن الميليشيات المسلحة هي الجماعات غير الحكومية التي تمتلك قدرات عسكرية وتنشط داخل مناطق الصراع، وتؤدي في أغلب الأحيان إلى تقويض سلطة الدولة. وهنا، يكون الاتحاد الأوروبي حريصًا على إدانة ومعاقبة الجماعات المصنفة كمنظمات إرهابية مثل الجناح العسكري لجماعة حزب الله، وحركة المقاومة الإسلامية حماس، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، والأذرع التابعة لتنظيم القاعدة. مع ذلك، قد يدعم الاتحاد الأوروبي أحيانًا الحوار مع بعض من هذه الجماعات إذا كانت لاعبًا رئيسيًا ضمن عمليات السلام، بالأخص في حالات مثل ليبيا، ولبنان، واليمن. على سبيل المثال، يميز الاتحاد الأوروبي بين الجناح السياسي لحزب الله وجناحه العسكري، واكتفى بإدراج الأخير فقط ضمن قائمة الكيانات الإرهابية عام 2013م. وهو ما يسمح بمشاركة دبلوماسية محدودة لحزب الله ضمن المنظومة السياسية في لبنان، حيث لا يزال يحتفظ بمقاعد داخل البرلمان. وفيما يتعلق بحركة حماس، برغم من تصنيف الاتحاد الأوروبي لها كمنظمة إرهابية وتقييد الاتصال الرسمي معها، إلا أن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد دعمت الاتصال غير المباشر من أجل وصول المساعدات الإنسانية أو التوسط لحل سياسي. وفي ليبيا، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى دعم عملية السلام التي ترعاها منظمة الأمم المتحدة ودعم جهود نزع السلاح، دون إغفال حقيقة وقوع العديد من الأراضي الليبية تحت سيطرة مختلف الميليشيات المسلحة. وفي كافة الحالات المُشار إليها، يلجأ الاتحاد الأوروبي لتطبيق مجموعة مختلفة من أدوات السياسة المتوفرة لديه للتعامل مع مثل هذه الجماعات. ويشمل ذلك، استخدام أنظمة العقوبات، وبناء قدرات القوات الأمنية الحكومية، إلى جانب المشاركة في جهود الوساطة لحل الصراعات عبر هيئة العمل الخارجي الأوروبية.
الأحزاب الطائفية، هي الكيانات التي تَتحدد هويتها وسياساتها وفق انتماءَاتها الطائفية- ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك: الانقسام بين السنة والشيعة، أو الانتماءات العرقية والطائفية المختلفة (على سبيل المثال، الأحزاب الكردية، والعلوية، والمسيحية). يميل الاتحاد الأوروبي إلى نبذ السياسات الطائفية باعتبارها مٌحركا للصرَاعات وانعدام الاستقرار في بلدان مثل العراق، ولبنان، وسوريا. ويدعو، عوضًا عن ذلك، إلى تبني نماذج للحكم الشمولي، وتدعيم الوحدة الوطنية، واعتماد الترتيبات الدستورية التي تحمي حقوق الأقليات. مع ذلك، لا يمكن النظر إلى هذا النهج باعتباره نهجًا مباشرًا مُستقيمًا. في بعض الحالات مثل العراق، شكلت السياسة الطائفية تحديًا كبيرًا أمام ترسيخ أقدام النظام الديمقراطي في البلاد، ولذلك يواصل الاتحاد الأوروبي تقديم الدعم للمجتمع المدني والإصلاحات الانتخابية للحد من الاستقطاب الطائفي. أما في لبنان، ربما واصل الاتحاد الأوروبي العمل مع النظام السياسي الطائفي القائم، ولكنه دعا إلى إجراء إصلاحات ترتقي بهذا النظام ليتجاوز حدود طابعه الطائفي المتجذر.
مناهج السياسة الأوروبية
بشكل عام، يدعم الاتحاد الأوروبي نزع السلاح عن الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ودمجها داخل هياكل حكومية شرعية عبر مختلف أنحاء المنطقة. ولكن نهجه في ذلك يتباين باختلاف كل دولة وفقًا للوقائع السياسية، والأمنية، والدبلوماسية المحلية. ففي لبنان، تدعم بروكسل رسميًا احتكار الدولة اللبنانية للقوة العسكرية، بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر في عام (2006م)، الذي يدعو إلى نزع السلاح عن كافة الميليشيات المسلحة. ويمارس الاتحاد الأوروبي ضغطًا سياسيًا لتعزيز القوات المسلحة اللبنانية بصفتها المؤسسة العسكرية الشرعية الوحيدة، وينعكس دعمه للقطاع الأمني من خلال تقديم التدريب، وتوفير المعدات، والتمويل لقوات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. فضلًا عن التمويل الأوروبي لمُبادرات الحوار، وبناء السلام لتعزيز الوحدة الوطنية، وتقليل الاعتماد على الجماعات المسلحة الطائفية.
على الصعيد العراقي، أبدى الاتحاد الأوروبي دعمه لدمج الجماعات المسلحة داخل هياكل الدولة، بالأخص، من خلال دمج قوات الحشد الشعبي في الجهاز الأمني العراقي تحت سلطة رئيس الوزراء خشية من أن تتسبب في تقويض سيادة الدولة والتَورط في انتهاكات حقوق الإنسان. ومن خلال "البعثة الأوروبية الاستشارية" في العراق، يقدم الاتحاد الأوروبي الدعم اللازم لإصلاح القطاع الأمني، والإدارة، والرقابة المدنية للقوات الأمنية. كما يشجع على إضافة الطابع المهني على وحدات قوات الحشد الشعبي العراقية وإجراء المزيد من المساءلة عن الانتهاكات التي تقع. تختلف المقاربة الأوروبية لقوات البيشمركة الكردية، حيث يُجري الاتحاد الأوروبي حوارًا منتظمًا مع السلطات الكردية حول إضفاء الطابع الرسمي على دور البيشمركة وتنسيقه ضمن الأطر الدستورية العراقية. لكنه ينأى بنفسه عن ممارسة ضغوط على السلطات الكردية كي تمتثل لتوجيهات الحكومة المركزية، مطالبًا بأن تتم هذه الترتيبات ضمن الإطار الفيدرالي، بما يسمح باستقلال كردي أوسع نطاقًا.
فيما يخص الشأن اليمني، دعا الاتحاد الأوروبي إلى إنهاء كافة الأعمال العدائية المسلحة، مُعربًا عن دعمه لجهود السلام الأممية. ويرى أن وجود الميليشيات المسلحة يشكل عقبة كبيرة أمام التوصل إلى سلام وبناء الدولة، كما يأمل في أن يتم تضمين عمليات تسريح الجماعات المسلحة كجزء من تسوية سياسية متفاوض عليها. يقدم الاتحاد الأوروبي أيضًا دعمه للمبعوث الأممي الخاص بالأزمة اليمنية وجهود التوصل لاتفاق وقف لإطلاق النار وتنصيب حكومة شمولية، بينما يدعو إلى إصلاح القطاع الأمني وإنشاء جيش وطني وقوات شرطية وطنية موحدين فور التوصل إلى اتفاق سلام. وبالنسبة لجماعة الحوثي، فلا يوجد اتصال مباشر بين الكتلة الأوروبية والجماعة، ويقتصر الأمر على نمط من الدبلوماسية غير المباشرة التي تتم عبر مظلة الأمم المتحدة والأطراف المحايدة.
على نحو مماثل، أعرب الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه إزاء وجود الجماعات المسلحة المتحالفة مع الحكومات المتنازعة في مدينتي طرابلس وبنغازي بليبيا، بما في ذلك الميليشيات القبلية والأيديولوجية، إذ يُعارض الاتحاد تقسيم السلطة بين الميليشيات المتناحرة، ويدعم إنشاء قوة أمنية ليبية موحدة تحت إشراف مدني. فضلًا عن تأييده لمنتدى الحوار السياسي الليبي المقام برعاية أممية واتفاقيات وقف إطلاق النار التي تدعو إلى برامج نزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج. كما يقدم الاتحاد الأوروبي دعمًا فنيًا من خلال "بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية" وبناء قدرات مؤسسات الدولة، كما قام بمعاقبة الأفراد أو المجموعات التي تقف حائلًا أمام جهود السلام. مع ذلك، لايزال التركيز منصبًا على الجهود الدبلوماسية من أجل تسهيل دمج أعضاء الميليشيات في القوات العسكرية والشرطية المعاد هيكلتها.
فيما يتعلق بسوريا، تشمل قائمة الميليشيات التي تعد مبعث قلق أوروبي تلك الموالية لنظام الرئيس السابق بشار الأسد (مثل قوات الدفاع الوطني)، وقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب بزعامة كردية، إلى جانب الجماعات الجهادية المتمركزة في معاقل المعارضة داخل البلاد. لم تحظ الميليشيات الموالية للأسد باعتراف رسمي من قبل الاتحاد الأوروبي الذي يعارض إفلاتها من العقاب فيما يتعلق بجرائم الحرب المحتملة. وفي إطار رفضه لأية حلول عسكرية، سعى الاتحاد جاهدًا للتوصل إلى تسوية سياسية بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 2254، الذي ينص على إقامة دولة موحدة تحت إشراف مدني. وينصب تركيز الاتحاد الأوروبي حاليًا على تقديم المساعدات الإنسانية، ودعم الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وتحقيق العدالة الانتقالية، بدلًا من تزعم جهود نزع السلاح المباشرة نتيجة افتقاره للنفوذ على الأرض. ويكتفي بدعم قضية نزع السلاح كجزء من عملية انتقال سياسي أوسع، وإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع، وإصلاح المنظومة الأمنية في نهاية المطاف.
بشكل عام، ينبغي أيضًا التمييز بين دور الاتحاد الأوروبي وذلك الذي يمارسه حلف شمال الأطلسي "ناتو" داخل المنطقة. فبينما ينصب تركيز الاتحاد الأوروبي في المقام الأول على المشاركة الدبلوماسية، والمساعدات الإنمائية، والحكم المدني، وسيادة القانون، يُعنى حلف الناتو بجهود إصلاح القطاع الأمني، وبناء قدرات المؤسسات الدفاعية، وتقديم التدريب العسكري. ففي العراق، على سبيل المثال، يقود حلف الناتو بعثته غير القتالية داخل البلاد، التي تُركز على تدريب قوات الأمن العراقية، وبناء قدرات المؤسسات الدفاعية، وتحسين أنظمة التعليم العسكري. أما في ليبيا، فقد أبدى التحالف الغربي استعداده للمساعدة في بناء القدرات الدفاعية، وتوحيد الجبهة العسكرية، وتدريب العناصر الأمنية على مكافحة الإرهاب. ويعد النموذج الليبي خير مثال على إمكانية التنسيق بشكل أفضل بين مشاركة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ففي حين يدعم الاتحاد الأوروبي البنية التحتية المدنية والسياسية للدولة الليبية، يمكن لحلف الناتو استكمال هذا الجهد من خلال دعم الإصلاحات الأمنية وعملية دمج الميليشيات.
الاتحاد الأوروبي والكيانات غير الحكومية المسلحة وأزمة حرية التعبير
لم تسلم الآلية الأوروبية الشاملة بشأن كيفية التعامل مع الكيانات غير الحكومية المسلحة من انتقادات بعض بلدان منطقة الشرق الأوسط لاسيما فيما يتعلق بوجود جماعات الإسلام السياسي داخل الأراضي الأوروبية. حيث تنشط العديد من الجماعات الإسلامية داخل دول أوروبا ضمن إطار منظمات المجتمع المدني الشرعية، والمعاهد البحثية، أو المنظمات الدينية، وغالبًا ما تثير أية جهود مبذولة في سبيل حظرها أو تقييد عملها جدلًا حول حرية التعبير، والأديان، وتسييس الهوية الإسلامية. بالتالي، يكون الرد الأوروبي على هذه الانتقادات ذا طابعًا دفاعيًا ومُعقدًا، تستند جذوره إلى الأسس القانونية، واعتبارات السيادة، والفهم المتباين لشكل التهديدات المٌتصورة.
من حيث الأطر القانونية وقضايا السيادة، فإن مبادئ حقوق الإنسان، وحق اللجوء، وحرية تكوين الجمعيات تعد قيمًا أساسية للاتحاد الأوروبي. وتُجادل الحكومات الأوروبية بأن الأفراد أو المجموعات يتم منحها حق اللجوء أو يُسمح لها بالعمل فقط في حال عدم انتهاكها للقوانين الأوروبية. وعادة ما يشدد المسؤولون الأوروبيون على أن النقد يجب ألا يمس استقلال المنظومة القضائية أو الحريات المدنية، وأن يتم تقييم كل حالة (مثل اللجوء، أو نشاط المنظمات غير الحكومية، أو تمويل المساجد) على أساس الاستحقاق القانوني، لا على أساس الأيديولوجية السياسية. على سبيل المثال، إذا مُنح عضو في جماعة الإخوان المسلمين حق اللجوء داخل أوروبا، فذلك لأنه تعرض لاضطهاد حقيقي واجتاز الإجراءات القانونية اللازمة، وليس لأن الاتحاد الأوروبي مؤيد لسياساته. سيفرق الاتحاد الأوروبي أيضًا بين الإسلام السياسي والتطرف العنيف، ويميز بين الجماعات الإسلامية السلمية (على سبيل المثال، الأجنحة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين) وبين المنظمات الجهادية المسلحة مثل داعش والقاعدة. تدعو أوروبا في جوهرها إلى الانخراط مع التيار الإسلامي السلمي الذي يعمل ضمن المعايير الديمقراطية، حتى وإن كانت مرجعيته الفكرية محافظة أو غير ليبرالية. وفي هذا السياق، ترفض الحكومات الأوروبية تجريم هذه الجماعات بشكلٍ شامل، مُحذرةً من أن مثل هذا النهج قد يدفعها إلى السرية أو يؤدي إلى نفور المجتمعات المسلمة.
من جانبها، ستعمل وكالات الاستخبارات الأوروبية على مراقبة عمل المنظمات الإسلامية المشتبه في ميولها المتطرفة، حتى وإن لم يتم حظرها. وتم بالفعل التحقيق مع عدد من الجماعات المحسوبة على التيار الإسلامي أو حظر عملها، أو تقييد تمويلها لاسيما بعد اكتشاف صلاتها بقوى خارجية مثل تركيا على سبيل المثال، أو نشرها التطرف بين الشباب، أو تبنيها لخطاب مُعادي للسامية أو مُناهض للديمقراطية. كما قامت فرنسا بإغلاق العديد من المساجد والجمعيات بموجب قانون" الانعزالية " الصادر عام 2021م، مستهدفة جماعات الإسلام الراديكالي المتأثرة بأجندات خارجية.
وفي الوقت الذي تُمارس دول الخليج ومصر ضغوطًا على نظيراتها الأوروبية لإدراج جماعة الإخوان المسلمين ضمن قائمة المنظمات الإرهابية وترحيل شخصيات بعينها، غالبًا ما تُقابل هذه المطالب بالرفض من قبل الاتحاد الأوروبي، لعدم توافر الأدلة الدامغة، ووجود دوافع سياسية كامنة وراء هذه الاتهامات، بجانب استشعاره خطرًا بأن يتعرض هؤلاء للتعذيب داخل دول المنشأ. في الوقت ذاته، يحافظ الاتحاد الأوروبي على تعاونه مع هذه الدول من حيث التبادل الاستخباراتي في مجال مكافحة الإرهاب، وإدارة الهجرة، والدبلوماسية الإقليمية. مع ذلك، فإن الحقيقة الأساسية هي أنه لا يوجد موقف أوروبي موحد، فبينما تتخذ فرنسا والنمسا مواقف أكثر تشددًا، وتحذران في كثير من الأحيان من تيار "الإسلام السياسي" بجانب سن قوانين تستهدف "الانعزالية الإسلامية"، تتبنى كل من ألمانيا، والمملكة المتحدة والدول الاسكندنافية مواقف أكثر مرونة تميز بين الاندماج والمخاطر الأمنية.
خلاصة القول هو أن النهج الأوروبي تجاه الجماعات الإسلامية يعكس مبادئه الأساسية مثل الحرية، والديمقراطية، وسيادة القانون، ولكن هذه المبادئ تُختبر بشكل متزايد بفعل الوقائع الجيوسياسية ومطالب حلفاء أوروبا في المنطقة. بالتالي، فإن الموازنة بين الترابط الداخلي، والتعاون الدولي، والتزامات حقوق الإنسان تقتضي قدرًا أكبر من الوضوح الاستراتيجي والمرونة المؤسسية، ونهج دبلوماسي مدروس بشكل أفضل.
وفيما يتعلق بالشأن السوري، دأب الاتحاد الأوروبي على رسم مسار وسطي من خلال إشراك هيئة تحرير الشام في المسار الدبلوماسي - ولكن دون رفع القيود الأساسية المتعلقة بالأنشطة الإرهابية؛ كما دعم الانتقال السياسي الهش في سوريا من خلال التخفيف التدريجي للعقوبات، المشروط بإحراز خطوات متقدمة في ملفي الإصلاح وحقوق الإنسان؛ ومواصلة الصمود في مكافحة الإرهاب بهدف إبقاء داعش في موقف دفاعي؛ بالإضافة إلى توفيره المساعدات من أجل إعادة الإعمار والدعم الإنساني مقابل ضمانات بألا تُستغل من جانب العناصر المتطرفة. بشكل عام، تعد مشاركة الاتحاد الأوروبي مرهونة بتوافر العديد من الشروط: من بينها قدرة هيئة تحرير الشام على بسط الوسطية والاعتدال، ودعم القوات الكردية لاستقرار البلاد، وضمان الحكومة الانتقالية لحماية حقوق الأقليات والفئات المضطهدة. وفي حال عدم الامتثال لهذه الشروط، فإن بروكسل على أتم استعداد للعودة إلى تشديد الخناق.






