array(1) { [0]=> object(stdClass)#14361 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

تفكيك الميليشيات المسلحة وفصلها عن التنظيمات الإرهابية بمعالجة الأسباب الموضوعية التي أنشأتها

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

تصنف منطقة الساحل الإفريقي من أكثر المناطق خطورة في العالم، لاسيما فيما يعرف بالمثلث الحدودي الذي يربط كل من مالي، بوركينافاسو والنيجر، حيث تنشط الجماعات الإثنية والإرهابية، وحسب مؤشر الإرهاب العالمي لسنة 2025م، فإن أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالعمليات الإرهابية في العالم، بنسبة 51 %، وقعت في منطقة الساحل. كما تحولت منطقة حوض بحيرة التشاد التي تجمع حدود أربع دول، النيجر، التشاد، نيجيريا والكاميرون إلى مركز عالمي للعمليات الإرهابية، وباعتراف الأمم المتحدة فإن المنطقة تمثل أكبر التحديات التي تواجه العصر ومحاربة الإرهاب فيها تعد اختبارًا حاسمًا لقدرة المجتمع الدولي على مواجهة هذه التهديدات.

 

تتواجد في منطقة الساحل الصحراوي ميليشيات إثنية وجماعات إرهابية مسلحة متعددة ومتناقضة، تعكس التنافس والصراع بين أكبر تنظيمين إرهابيين في العالم، تنظيم القاعدة وداعش، الذي نقل الصراع من آسيا والشرق الأوسط إلى الساحل الإفريقي، ويمثل تنظيم جماعة أنصار الإسلام والمسلمين المرتبط بالقاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى المرتبط بداعش نموذجًا لهذا التناقض بين التنظيمات الإرهابية في مالي، كما يمثل تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا المرتبط بداعش في مواجهة منافسها الجماعة السنية للدعوة والجهاد في بحيرة التشاد، نموذجًا آخر لتكوين وتفكك الجماعات الإرهابية، حيث كلاهما تشكل من الانشقاق عن تنظيم بوكوحرام الذي ينشط في شمال نيجيريا. انتشار هذه التنظيمات الإرهابية ذات الارتباطات الإقليمية والدولية أثرت بشكل واضح على الاستقرار السياسي والأمني في منطقة الساحل الإفريقي، بحيث تم تصنيفها لأربع سنوات متتالية المنطقة الأكثر عنفًا ودموية في إفريقيا بسبب الأعمال الإرهابية التي قامت بها الجماعات الإرهابية، ضد المدنيين وأفراد المؤسسات الأمنية النظامية، 55 % من مجموع القتلى في القارة الإفريقية تمركزت في منطقة الساحل، بلغ عدد الضحايا 10400 من بين 18900 قتيل.

 

 

أولًا، أسباب وتاريخ ظهور الميليشيات المسلحة في منطقة شمال وغرب إفريقيا

 

يمكن حصر الأسباب التي أدت إلى نشأة وتصاعد الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي إلى أسباب داخلية وخارجية متكاثفة فيما بينها، منها الأسباب السياسية وفشل النموذج التنموي، داخليًا، ولأسباب جيوسياسية، مرتبطة بالتحولات الأمنية الإقليمية والدولية، نتيجة النزاعات الدولية في المناطق الحيوية في العالم الإسلامي، من أفغانستان إلى منطقة الشرق الأوسط والفوضى الخلاقة التي نتجت عن التدخلات العسكرية في كل من العراق وسوريا.

 

فيما يخص الأسباب السياسية، تتعلق أساسًا بأزمة بناء الدولة المعاصرة، وتآكل شرعية النظام السياسي الذي يحتكر أدوات الإكراه القسري والقوة، بسبب عجز الأنظمة السياسية عن استيعاب المكونات الاجتماعية والقبلية والإثنية وتهميش المكونات المجتمعية الواسعة وإبعادها من المشاركة السياسية، مما نتج عنه حالة الشعور الدائم بالحرمان الاقتصادي والتنموي والهوياتي الذي تحول إلى موجات متتالية من العصيان والاحتراب القبلي والاثني في مواجهة السلطة المركزية بكل أدوات العنف، وهو ما ينعكس عنه تعدد مراكز القوة الغير شرعية بالنسبة للسلطة التي غالبًا ما تصل إلى الغلبة واحتكار السلطة بالانقلابات العسكرية أو بدعم خارجي. فإذا كانت القارة الإفريقية قد شهدت 200 انقلابًا عسكريًا، فإن ما يقارب 45 % منها وقعت في غرب إفريقيا التي يطلق عليها تسمية حزام الانقلابات العسكرية. وفي الفترة الأخيرة، عرفت ثلاث دول في الساحل انقلابات عسكرية في كل من مالي، انقلابين في 2020 و2021م، انقلابين في بوركينافاسو في 2022م، وانقلاب في النيجر 2023م.

إلى جانب فقدان الشرعية السياسية للأنظمة السياسية في منطقة الساحل، فإنها عجزت عن إيجاد نموذجًا تنمويًا تبني به المشروعية لتحقيق التجانس الاجتماعي، في ظل أكبر نسبة تزايد النمو الديمغرافي في العالم تعرفه المنطقة، وسيزيد بسرعة سنة 2025م، وفق تقديرات البنك العالمي، بالمقابل ما يقارب 80 % من السكان في الساحل الصحراوي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، مما يجعلها من أكثر المناطق فقرًا في إفريقيا، وأغلبية سكان المنطقة من فئة الشباب، متوسط العمر ما بين 15 و 19 سنة، وهو ما يشكل تحدي للدول الوطنية في الساحل من أجل إيجاد فرص العمل، من جهة، وتحييدهم عن محفزات التجنيد من قبل التنظيمات الإرهابية التي تقدم لهم إغراءات ومحفزات مادية، أو الانضمام إلى جماعات الجريمة المنظمة كخيار لمواجهة الفقر والتهميش، وفي أفضل الحالات التوجه نحو الهجرة غير الشرعية. وكلها أعباء أمنية تفوق قدرات الدول في الساحل بسبب فشل المشروع التنموي الاندماجي وعجز الأنظمة المتعاقبة على تحقيق المؤشرات الأساسية للتجانس الاجتماعي، مثل القضاء على البطالة بتوفير فرص العمل، إنجاز السكنات الاجتماعية، إدماج الشباب في التكوين المهني مع الفرص المواتية لتمويل مشاريع المؤسسات الناشئة. مما انعكس عنه تهميش المناطق البعيدة عن مركز السلطة، أدت إلى بناء تحالفات بين الإثنيات والقبائل الرافضة للسلطة المركزية والجماعات الإسلامية المسلحة التي وجدت الملاذات الآمنة في هذه المناطق، والقاسم المشترك في البيئة الحاضنة للجماعات المسلحة، أنها مناطق دائمة الاضطرابات وتتميز بحالة اللاستقرار السياسي والأمني المتجذر، بينما في الغالب ما تحوي هذه المناطق المهمشة في باطنها على موارد حيوية ذات بعد عالمي، الذهب، اليورانيوم، الألماس، التربة النادرة، مما يجعلها محل أطماع القوى الخارجية التي تستفيد من حالة اللااستقرار الدائم للإتجار غير الشرعي بهذه الموارد، وبتحالفات غير طبيعية مع جماعات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية، وهمها المشترك، تحطيم كل مقومات الدولة ومؤسساتها الأمنية، حفاظًا على مصالحها.

 

 فيما يخص الأسباب الجيوسياسية، فهي ترتبط بالبيئة الإقليمية والدولية، حيث تأثرت منطقة شمال إفريقيا وغربها بانعكاسات النزاعات الجيوسياسية لفترة ما بعد الحرب الباردة، بعودة المقاتلين الأفغان فيما يتعلق بالجيل الأول للجماعات الإسلامية المقاتلة، وهي النواة الأولى التي شكلت جيل تنظيم القاعدة في شمال إفريقيا، وعودة الجيل الثاني من المقاتلين من سوريا والعراق وهو ما انعكس على تنوع التنظيمات الإسلامية المسلحة وانشطارها ما بين التنظيمين الإقليميين، تنظيم القاعدة وداعش من خلال الولاءات ومبايعة التنظيمات الفرعية في شمال إفريقيا وغربها إلى أحد التنظيمين. ويتم التركيز في هذه الحالة على المقاتلين الأجانب وإعادة رسكلتهم في بؤر النزاعات في منطقة الساحل الإفريقي وشمال إفريقيا. في 2019م، أحصى مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة حوالي 40 ألف مقاتل من 110 دولة انضموا للجماعات الإرهابية للقتال في سوريا والعراق، وفي تلك الفترة كان الاتحاد الإفريقي يدق جرس الإنذار من خطر عودة 6 آلاف إفريقي الذي شاركوا في القتال في الشام والعراق مع تنظيم داعش إلى منطقة الساحل الإفريقي، وهو ما انعكس فعليًا، على إعادة الهيكلة التنظيمية للجماعات الإرهابية التي انضمت إلى داعش والقاعدة.

 

ثانيًا، تصنيف الجماعات الإسلامية في الساحل: قادتها، هياكلها وتنظيمها وانتشارها


تتنوع الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا وتتميز من حيث هيكلتها وتنظيمها وأيديولوجياتها وتمويلها وتسليحها واستراتيجية استخدام العنف وإدارة المعارك ضد القوات النظامية والمدنيين.

من حيث الهيكلة والتنظيم، لجأت التنظيمات المسلحة إلى عملية الاندماج والتكتل في تنظيم جامع للتكيف مع القوات النظامية والتحالفات الدولية، في حالة دولة مالي، شكلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نموذجًا لتكتل مجموعات من الميليشيات المرتبطة بتنظيم القاعدة، لتنسيق نشاطاتها والتوسع أكثر إقليميًا وتشتيت قدرات الجيش النظامي وتحالفاته العسكرية الخارجية. من أكبر الجماعات التي تشكل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، جبهة تحرير ماسينا، التي يتزعمها الإمام من إثنية البول، أمادو كوفا، والتي تتمركز في وسط مالي، ولديها القدرة على التوسع في جنوب مالي وشمال بوركينافاسو، وشكلت تهديدًا مباشرًا للسلطة المركزية، من بين أهم عملياتها العسكرية ضرب قاعدة للدرك العسكري المالي بباماكو العاصمة خلفت عدة قتلى في صفوف العسكريين مع حرق الطائرة الرئاسية، في سبتمبر 2024. كما انضمت إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، جماعة أنصار الإسلام وكتيبة حنيفا، التي تنشط عملياتيًا في شمال وشرق بوركينافاسو وتتوسع أكثر نحو الجنوب بالقرب من حدود الطوغو والبنين. وشكلت جماعة أنصار الدين بقيادة الزعيم الترقي، أياد آغ غالي، التي تأسست في سنة 2011م، الركيزة الأساسية لتنظم جماعة الاسلام والمسلمين، ونشير هنا، إلى الترابط القوي بين المطالب الإثنية والهوياتية والإسلامية للزعيم الترقي، الذي خاض نزاعات مسلحة من أجل الانفصال، كما عايش تجربة الاندماج العسكري مع النظام في باماكو، بعد تجربة المصالحة الوطنية، بمنحه منصبًا دبلوماسيًا.

 

تستمد الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية ديناميات نشاطها وانتشارها من استغلال النزاعات المجتمعية بين الإثنيات المتصارعة على الموارد والأرض، ويتضح نموذج النزاع الاجتماعي المتجذر بين المزارعين والرعاة، حيث وظفت حركة تحرير ماسينا، في شمال مالي، الشباب من إثنية البول الرعاة المتنقلين في مواجهة المزارعين من إثنية التوارق.

كما تستغل هذه الميليشيات والتنظيمات الإرهابية حالات الفراغ الأمني والمؤسساتي للتصعيد من العمليات الإرهابية من أجل بسط نفوذها الإقليمي، لاسيما بعد مرحلة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينافاسو والنيجر، حيث ارتفع عدد القتلى المرتبطين بالجماعات الإسلامية المسلحة ما بين منطقة موهون في بوركينافاسو إلى موبتي وسيغو في وسط مالي من 1038 إلى 2756، أي بزيادة نسبتها 165 بالمائة ما بين 2021 و2024م، ومثلت هذه المنطقة ثلث عدد القتلى في منطقة الساحل.

 

تنشط في هذه المنطقة جبهة تحرير ماسينا، التي بسطت نفوذها الإقليمي من وسط مالي إلى غاية منطقة موهون، وتهدد إقليم بوبو ديولاسا في جنوب غرب بوركينافاسو، التي تعد المدينة الثانية من حيث عدد السكان، بمليون و200 ألف نسمة، وبمثابة المركز الاقتصادي للمنطقة، وتهدد الحدود مع كوت ديفوار نحو غرب مالي بالقرب من غينيا.

تستند جبهة تحرير ماسينا على قاعدتها وتمركزها في وسط مالي وإقليم موهون، لتنفيذ هجوماتها العسكرية باتجاه جنوب مالي، أين يتمركز 60 % من السكان حيث مركز إنتاج القطن، الذي يشغل 20 بالمائة من السكان، وهي منطقة للصناعات التعدينية والمنجمية، أهمها معدن الذهب الذي يمثل 90 % من إجمالي إنتاج المعادن في مالي. يمثل القطن والذهب 80 % من عائدات صادرات الاقتصاد المالي، وتوسع نفوذ الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية نحو وسط وجنوب مالي يشكل الانهيار الكلي للاقتصاد المالي على ضعفه وهشاشته. والملاحظ مرة أخرى، أن الهجمات العسكرية على محيط العاصمة باماكو قد تضاعف بثلاث مرات منذ الانقلاب العسكري إلى غاية 2024م.


تحليل الخريطة الجغرافية لانتشار وتوسع الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية في الساحل، تظهر تموقعها الديناميكي في المثلث الحدودي، الذي يربط وسط مالي وغرب النيجر وشرق بوركينافاسو، لأهميتها الاستراتيجية، وضعف القوات الأمنية الوطنية في بسط سيطرتها وقوتها في هذه المناطق الحدودية الشاسعة، وضاعف من انتشارها الديناميكي الانقلابات العسكرية في البلدان الثلاثة، حيث منحت فرصة لأكبر تنظيمين في المنطقة، جماعة أنصار الإسلام والمسلمين والدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، بالتنازع على السيطرة الإقليمية على الممرات التجارية الحيوية بين واغادوغو ونيامي وباماكو، حيث يحاول في كل مرة أنصار الإسلام وكتيبة حنيفة التابعتين لأنصار الإسلام والمسلمين بسط نفوذهما على الممرات التجارية التي تربط بين واغادوغو بنيامي، التي تشكل مصدرا لتمويل تنظيماتها، وفي الوقت ذاته وسيلة لإضعاف السلطة الأمنية المركزية، بينما يحاصر تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى غرب النيجر، مستفيدة من تمركزها في إقليم ميناكا بمالي. ومنذ الانقلاب العسكري في النيجر في 2023م، تضاعف عدد القتلى ضحايا الجماعات الإرهابية بـ 66 %، حيث انتقل من 793 سنة 2023 م، إلى 1318 ضحية في سنة 2024م، وهو ما يثبت مرة أخرى استفادة الجماعات الإرهابية من حالة اللاستقرار السياسي وضعف السلطة المركزية التي تشتت جهودها في تكرار الانقلابات العسكرية بحجة مكافحة الإرهاب، بينما عجزت الأنظمة السياسية عن بناء شرعية التداول السلمي على السلطة عن طريق الانتخابات الدورية، جعلها تعيش أزمة شرعية السلطة بصفة مستدامة، ولا يبشر المستقبل القريب بتفاؤل إذا نظرنا إلى الأجندة السياسية للأنظمة العسكرية في دول الساحل الثلاثة، التي توافقت على تمديد عمر النخبة الانقلابية وشرعنة استمرارها بإلغاء الفواعل الحزبية والمجتمعية وتجميد القواعد الانتخابية، مثلًا، في مالي، تم تعيين العقيد أسيمي غويتا، الذي رقي إلى رتبة فريق، رئيسًا لمدة خمس سنوات مع تجميد الأحزاب السياسية، وهو نفس السلوك النمطي التقليدي لظاهرة الانقلابات العسكرية في إفريقيا، إلغاء الكل المجتمعي وإعادة تشكيل جبهات وتكتلات وظيفتها مساندة الفئة الانقلابية الجديدة، ثم تتحول إلى إنشاء الحزب المهيمن والمسيطر على المشهد السياسي، ويضفي هذا النوع من أنماط الحكم فك الفئة العسكرية الحاكمة ارتباطاتها مع الغرب وبناء تحالفات جديدة مع روسيا عسكريًا والصين اقتصاديًا، لسحب أية ضغوطات حول فرض المسار الديمقراطي وقضية حقوق الإنسان.


خطورة تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى المتمركز في ميناكا وسط مالي وشمال مالي، الذي انتقلت نشاطاته الإرهابية إلى غرب النيجر، تكمن في محاولات محاصرة العاصمة نيامي ومراقبة ممرات التموين الحيوية بين النيجر وشمال غرب نيجيريا. بينما وسع تنظيم أنصار الإسلام والمسلمين نشاطاته الإرهابية باتجاه غرب وجنوب غرب النيجر بزيادة عدد القتلى بنسبة 237 % في سنة 2024 م، مقارنة بسنة 2023م، وحوالي 90 % من الهجومات الإرهابية للتنظيم وفروعه في غرب إفريقيا تمركزت في منطقتين، في الحدود الشرقية لبوركينافاسو والحدود الشمالية لبنين.

فيما يخص بوركينافاسو، فإن مرحلة ما بعد الانقلاب العسكري شهدت أكبر الهجومات الإرهابية في تاريخ البلد، ما بين يونيو وأغسطس 2024م، هاجم تنظيم أنصار الإسلام قاعدة عسكرية في مانسيلا، شمال شرق بوركينافاسو، قتلوا أكثر من 100 عسكري، كما هاجموا قافلة عسكرية في الشرق خلفوا 150 قتيلًا عسكريًا وأفراد من الميليشيات المسلحة المدعومة من الحكومة، ولم يفلت المدنيون من الهجمات الإرهابية للتنظيم حيث قتلوا ما يقارب 400 مدني، في المناطق الموالية للنظام التي شكلت ميليشيات للدفاع الذاتي ضد التنظيمات الإرهابية.

 

من الواضح في تحليل الخريطة الجغرافية السياسية لانتشار التنظيمات الإرهابية أنها تستغل المناطق الحدودية، لاسيما المناطق الغابية المشتركة بين مجموعة الدول في غرب إفريقيا، مثل مركب حضيرة واي- أرلي بنجاري، الذي يجمع أقاليم البنين، بوركينافاسو والنيجر وتمتد إلى القرب من الطوغو، غانا ونيجيريا، حيث أضحى هذا المركب ملجئ للجماعات الإسلامية المسلحة منذ 2018م.

تشكل هذه المناطق الحدودية عدة محفزات للتنظيمات الإرهابية، من حيث التجنيد وتحصين مواقعها ضد القوات النظامية، كما تمثل مصدرًا مهمًا لتمويل نشاطاتها. من الناحية الأمنية، تمنح المناطق الغابية تحصينات آمنة للتنظيمات الإرهابية، خصوصًا في مواجهة الطائرات المسيرة، التي تمثل القوة الضاربة للجيوش النظامية للتكيف مع الديناميكية والحركية التي تتمتع بها التنظيمات الإرهابية. فيما يخص التجنيد، تستغل التنظيمات الإرهابية النزاعات الاجتماعية بين المزارعين والرعاة المتنقلين، بدعم الرعاة للتنقل إلى الغابات لاسيما وأن أغلب الرعاة من إثنية البول مما يسهل تجنيدها باسم التضامن الإثني ضد الإثنيات التي تفرقها النزاعات المتجذرة. كما تعتمد التنظيمات الإرهابية على تجنيد قطاع الطرق وأصحاب السوابق في سرقة المواشي في أوساط الغابات. أما المحفز المالي للاستقرار في المناطق الغابية، فهي تشكل الممرات المؤمنة للتجارة غير الشرعية والجريمة المنظمة، مثل الاتجار بالسلاح والمخدرات، وتهريب الموارد الثمينة.

 

ثالثًا: تفكيك الميليشيات المسلحة: التجربة والآفاق

 

أفضل النماذج لتفكيك الميليشيات المسلحة وفصلها عن التنظيمات الإرهابية أن يتم معالجة الأسباب الموضوعية التي ترعرعت ونشأت فيها هذه الجماعات المسلحة، وموضوعيًا سنعيد تكرار ما تقدم تفسيره من الأسباب الداخلية، التي تستوجب بناء الشرعية السياسية عن طريق الانتخابات الشعبية والمشاركة السياسية المدعومة بالمشروعية التنموية، بتوظيف الموارد الوطنية خدمة لأهداف التجانس الاجتماعي لفك أية ارتباطات ممكنة مع التنظيمات الإرهابية التي تتغذى وتستثمر في البيئات الأمنية الغير مستقرة ومن تأجيج النزاعات الإثنية لتحطيم مشروع الدولة الوطنية. وفي هذا المجال، كان الأمل قائمًا في التجربة المالية من خلال مسار الجزائر لبناء السلم والمصالحة الوطنية الذي تم توقيعه في سنة 2015م، بين السلطة المركزية بباماكو والتنظيمات المسلحة في شمال مالي المعروفة بتنسيقية حركة الأزواد التي تجمع تحالف المتمردين التوارق والعرب، وهو مشروع نموذجي بكل أبعاده السياسية والمؤسساتية، الأمنية الدفاعية والتنموية، الذي تم إلغاؤه من قبل السلطات العسكرية الانتقالية في مالي بتاريخ 25 يناير 2024م، بحجة عدم التزام الجماعات المسلحة ببنود الاتفاق. وكان الاتفاق ينص على إعادة الهندسة المؤسساتية وإدماج المقاتلين المتمردين في الجيش المالي، والتزام الجماعات المسلحة بالوحدة الإقليمية لدولة مالي مقابل تطبيق مسار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلًا عن إصلاح قطاع الدفاع والأمن بإنشاء جيش يدمج مقاتلي الجماعات المسلحة الموقعة على الاتفاق، وتكمن قوة الاتفاق في إنشاء لجنة لمتابعة تنفيذ الاتفاق بدور محوري للجزائر ومشاركة الدول أعضاء الخمسة في مجلس الأمن. قبل إلغاء الاتفاق قدم مركز كارتر، باعتباره عضو ملاحظ لتنفيذ الاتفاق، تقييمه العام لمسار الاتفاق بطريقة سلبية بحيث لم يتجاوز تطبيق بنوده إلا بنسبة 30 %، لاسيما فيما يخص البند المتعلق بنزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم، وهو ما زاد من عدم الثقة بين الأطراف الموقعة على الاتفاق، قبل أن يتم دفن الاتفاق أصلًا مع السلطة العسكرية الانتقالية، مما أدى إلى العودة إلى المربع الأمني الأول، بين سلطة عسكرية تريد بسط سيطرتها على الأقاليم الشمالية في مالي في مواجهة الجماعات المسلحة للأزواد التي تبقى متمسكة بمطالبها السياسية والأمنية والتنموية، وتنامي التنظيمات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة وداعش التي ترفض قواعد اللعبة السياسية بمشاريع أيديولوجية لا تؤمن بمفاهيم السيادة الوطنية والحدود السياسية، وهو ما تم إبرازه في الخريطة الجغرافية السياسية لانتشار ونشاط هذه الجماعات في المناطق الحدودية لدول الساحل.

وبالاستئناس بحالة التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل وعلاقاتها بالتنظيمات الإرهابية، فإن وضعية الميليشيات المسلحة في ليبيا في شمال إفريقيا ومشروع تفكيكها تخضع لنفس القواعد المجتمعية والسياسية، أي ضرورة بناء الشرعية السياسية عن طريق الانتخابات للنخبة الحاكمة لوضع حد لاستمرارية وضعية المرحلة الانتقالية التي طال أمدها وعمقت من تقسيم المؤسسات الانتقالية وتشرذمها، مع الاستفتاء على دستور يمثل العقد الاجتماعي والسياسي ما بعد مرحلة الانتخابات، حيث تشارك في وضعه الهيئات المنتخبة في البرلمان قبل عرضه على الاستفتاء الشعبي، وهذه المؤسسات الشرعية هي التي تسن القوانين التي على أساسها يتم تنظيم الجيش الوطني الليبي مع مشروع نزع سلاح وتسريح الميليشيات المسلحة وإعادة إدماجها كأفراد وليس كتنظيمات للانتهاء من المراحل الهجينة التي تتوزع فيها مهام الميليشيات بين وزارة الداخلية والدفاع وولاءها للأشخاص بدلاً من الدولة، لأن منطق الدولة المعاصرة قائم على مبدأ أساسي يختزل في مقولة، الدولة هي التي تحتكر أدوات العنف والإكراه وتستخدمها في إطار الشرعية الدستورية والقانونية.

مقالات لنفس الكاتب