array(1) { [0]=> object(stdClass)#14244 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

التدخل الخارجي يدافع عن مصالحه في إفريقيا ويعطل برامج تفكيك الميليشيات

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

خلال العقدين الماضيين، تزايد العنف السياسي في منطقة شمال وغرب إفريقيا، حيث أسفرت الاشتباكات والمواجهات بين القوات الحكومية والميليشيات المحلية والجماعات المتمردة والمنظمات المتطرفة عن مقتل العديد من المدنيين وازدادت حدة الصراعات عنفًا، لا سيما في المناطق الحدودية، حيث تعاني سلطة الدولة والبنى التحتية من تصدع واختلالات أمنية وقصور واضح للحكومات في فرض سلطتها وحماية سيادة بلدانها.

يمكن اعتبار أن السمة الأبرز للحالة الصراعية في منطقة شمال وغرب إفريقيا، تكمن في كون أن هذه الصراعات تتداخل فيها العديد من الجهات ذات الأجندات المتباينة، كما أن العلاقات المعقدة والمركبة بينها تخلف عواقب وخيمة تنعكس سلبًا على أليات تسوية النزاعات ونطاقها الجغرافي، لا سيما مع وجود تقاطعات واضحة بين الجماعات المتطرفة وشبكة الجريمة المنظمة العابرة للقارات. لا يمكن فهم الجماعات والميليشيات المسلحة والعنيفة بمعزل عن أسباب نشأتها والعلاقات التي تجمع فيما بينها؛ ومخزونها الأيديولوجي والعقدي والتنظيمي. فهي جزء من شبكة صراعات متداخلة يصعب فهم بعضها دون النظر للصورة الشاملة، وقد أصبح الصراع أكثر انتشارًا ويتجاوز الحدود الوطنية، ويتسبب في   عدم استقرار العديد من الدول، كما تُعقّد طبيعة الصراعات العابرة للحدود دور الحكومات في حل وتسوية الصراعات وبالتالي صعوبة تفكيك الميليشيات وحلها.

لا شك أن تهاوي فكرة الحدود لدى معظم الجماعات والميليشيات المتمردة، تؤسس لجغرافية مضطربة للعنف، حيث يمكن لهذه الجماعات أن تعمل في بلد ما وتستخدم بلد آخر كملاذ آمن للتدريب والتجنيد، مما يُنشئ علاقات متباينة مع القوات الحكومية المجاورة سعياً وراء أجندتها السياسية في دولة أخرى. ولهذا، فإن فهم العلاقات المعقدة بين الأطراف الفاعلة، وكيفية تطورها مع مرور الوقت، يُعزز آفاق الاستقرار السياسي في المنطقة على المدى الطويل.

نحاول من خلال هذه الورقة متابعة دينامية تحرك وانتشار الميليشيات والمرتزقة الأجانب في منطقة شمال وغرب إفريقيا خاصة في ليبيا ومنطقة الساحل، وكيف يمكن صد هذه الموجات الإرهابية والعناصر المسلحة وجماعات الجريمة المنظمة، وتداعيات موجات الهجرة غير الشرعية وما تحمله من مخاطر على هذه المنطقة وتأثير الدعم الخارجي لهذه الميليشيات ومدى تبعيتها لدول أخرى ذات أجندات خاصة، وتأثير التمويل والتسليح الخارجي، وما هي السيناريوهات المحتملة لوضع حد لظاهرة التهديدات غير التقليدية في منطقة شمال وغرب إفريقيا.

أولًا: السياق التاريخي والأيديولوجي لانتشار الميليشيات المسلحة

لقد أبان واقع الإرهاب الدولي أن عمليات مماثلة، من قبيل مقتل أسامة بن لادن قائد تنظيم القاعدة في مايو 2011م، ثم إبراهيم عواد محمد إبراهيم علي محمد البدري السامرائي الملقب بأبي بكر البغدادي قائد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، في أكتوبر 2019م، لم تمنع من تنامي النشاط للإرهاب الدولي، طالما توفرت للتنظيمات الإرهابية الظروف والشروط المواتية لتجاوز مقتل هؤلاء القادة، وهو ما يمكن توقعه بعد مقتل أيمن الظواهري في متم يوليو 2022م، والذي تزعم تنظيم القاعدة خلفًا لأسامة بن لادن.

إن ما ينطبق على الصعيد الدولي قد يسري أيضًا على منطقة الساحل والصحراء الكبرى التي تتمركز بها عشرات التنظيمات الإرهابية، حيث إن استمرار توفر البيئة المواتية للتجنيد والتمويل والتسليح، الناتجة عن الهشاشة المتعددة الأبعاد، تجعل من العمليات السالفة، حدثًا لا يرقى إلى مستوى الحديث عن اجتثاث الظاهرة الإرهابية من منطقة الصحراء الكبرى، أو استئصال التطرف العنيف منها.

منذ عام 2017م، تضاعفت الأحداث المرتبطة بالحركات المسلحة في منطقة الساحل (خاصة بوركينا فاسو ومالي وغرب النيجر  إلى سبعة أضعاف، حسب بعض الدراسات، وأصبحت المنطقة بؤرة للتوتر وعدم الاستقرار، ونقطة للصراع بين القوى العالمية الباحثة عن النفوذ وعن موطئ قدم لها في القارة الإفريقية.

تشير الكثير من الدراسات والتقارير الأمنية إلى أن عقد التسعينيات من القرن الماضي كان مرحلة تغلغل "الحركات الجهادية" في الصحراء، فخلال الفترة 1991-2002م، التي تزامنت مع عودة ما كان يعرف بـ"المجاهدين الأفغان"، حيث رأى بعض قادة الحركات والميليشيات المسلحة، أن أفضل موقع لاستئناف نشاطهم هو منطقة الساحل والصحراء، وذلك بفعل العديد من العوامل؛ أهمها: الميزة التي يوفرها الفضاء الصحراوي الواسع والحدود المفتوحة بين الدول، التي تتيح للمسلحين إمكانية التحرك والانتشار، تردّي الأحوال المعيشية وارتفاع معدلات الفقر، انتشار النزاعات العرْقية والقبَلية بين شعوب المنطقة، وهو ما سهّل بناء تحالفات مع بعضها، وضعف الأنظمة السياسية الحاكمة وتورطها في الفساد، وسهولة اختراقها، بالإضافة الى انتشار البطالة في صفوف الشباب، مما يسهل عملية تجنيدهم، ناهيك عن التدخل الأجنبي السافر في شؤون القارة، مما يُذكي شعور الرفض والتمرد والدعوة للانتقام من الدول الاستعمارية.

تنتشر في منطقة شمال إفريقيا والساحل والصحراء العديد من الحركات المسلحة، ويمكن تصنيفها من حيث انتمائها "الجيوسياسي" إلى جماعات محلية خالصة؛ مثل: حركات الطوارق في شمال شرق مالي وشمال النيجر، أو من حيث منطلقاتها ومعتقداتها؛ مثل: "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد"، التي يطلق عليها الإعلام تسمية "بوكو حرام"، وهي تسمية ترفضها الجماعة. وتوجد أيضًا تلك الجماعات التي اختارت منطقة الساحل والصحراء، لتوفر لنفسها مساحة أكبر للمناورة والتحرك؛ مثل: "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، و"تنظيم الدولة الإسلامية".

ثانيًا: ارتفاع دينامية العنف والتطرف في شمال وغرب إفريقيا

شهدت دينامية العنف السياسي تصاعدًا كبيرًا في شمال وغرب إفريقيا منذ أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويعزى سبب اشتعال الصراعات في المنطقة، للأزمات البنيوية وهشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية المحلية والصراعات الوطنية وتضارب الأيديولوجيات العالمية، أكثر عنفًا وانتشارًا من أي وقت مضى. وفي العقد الماضي، قُتل أكثر من 100,000 شخص نتيجةً للاشتباكات بين القوات الحكومية والجماعات التي تُعارضها، بما في ذلك الميليشيات المحلية والجماعات المتمردة والمنظمات المتطرفة العنيفة.

امتدت العديد من هذه الصراعات إلى خارج حدود الدول، مما أدى إلى عدم الاستقرار وانعدام الأمن في دول متعددة في وقت واحد، ولم تُثبت أيٌّ من التدخلات العسكرية التي تقودها تحالفات إقليمية أو دولية قدرتها الكاملة على وقف استخدام العنف من قِبَل الجماعات غير النظامية لتحقيق أهدافها. وعلى الرغم من أن بعض التدخلات أدت إلى قمع مؤقت للأعمال العدائية بين الأطراف المتحاربة، إلا أن هذا لم يثبت أنه وسيلة مستدامة للحد من العنف على المدى الطويل.

لقد شهد مسرح العنف في شمال إفريقيا انخفاضًا مطردًا في أحداث العنف والوفيات المرتبطة بالجماعات المتشددة منذ عام 2015م، عندما شهدت المنطقة أكثر من 3650 حالة وفاة ذات الصلة. وقد أدى المزيد من الانخفاضات الدراماتيكية في الأعوام الأخيرة إلى انخفاض إجمالي لعدد الوفيات.

يمكن اعتبار أن الأحداث التي شهدتها كل من الجزائر وليبيا في الفترة الأخيرة، هي عبارة عن عمليات عسكرية تستهدف بقايا أعضاء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا. يعكس التراجع المطرد في أعمال العنف بشمال إفريقيا إلى مجموعة من العوامل، وأبرزها الضغوط المستمرة من مصر والجزائر وتونس ــ والافتقار إلى الدعم الشعبي للميليشيات والجماعات المتطرفة.

واستنادًا إلى تحليل مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2024م، يظهر بوضوح أن منطقة إفريقيا جنوب الصحراء قد شهدت تدهورًا ملحوظًا في تقييمها العام نتيجةً لتفاقم حدَّة العمليات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي. فقد تصدَّرت دول مثل بوركينا فاسو، والصومال، ومالي، ونيجيريا، والنيجر، قائمة الدول الأكثر تأثرًا بالإرهاب؛ حيث ارتفعت مؤشرات الإنذار إلى مستويات عالية، وذلك بفعل العمليات الإرهابية التي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.  

وتُعد تنظيمات إرهابية على غرار كل من: "داعش"، وتنظيم الدولة لغرب إفريقيا، وجبهة نصرة الإسلام والمسلمين، وحركة الشباب الصومالية، من أبرز الكيانات الإرهابية الأكثر دمويةً في المنطقة؛ حيث أظهرت فاعليتها في تصعيد حدَّة العنف في إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة في منطقة الساحل. كما سجَّلت المنطقة، من جانب آخر، وقوع الحوادث الأكثر دموية في العالم؛ حيث راح ضحيتها ما يقارب 1000 شخص في كلٍّ من بوركينا فاسو، والنيجر، ومالي، ونيجيريا.

ثالثًا: انتشار الميليشيات المسلحة في ليبيا نتيجة تراجع مركزية الدولة

لعبت الميليشيات في ليبيا دورًا محوريًّا في الصراعات التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي. شهدت المنطقة ظهور عدة فصائل مسلحة تتنافس على السيطرة على الموارد والثروات، كما انقسمت الهوية الوطنية بين القوى الموالية للحكومة والميليشيات المحلية الحاملة لخلفيات قبلية وطائفية مختلفة.

ولا تزال الحالة الليبية تراوح مكانها بسبب صراع الإرادات الإقليمية بين داعم للشرق بإدارة الجنرال خليفة حفتر المدعوم من بعض دول المنطقة، والغرب بقيادة الحكومة المعترف بها دوليًّا والتي يديرها عبد الحميد الدبيبة والتي تحظى بدعم بعض الدول. والواضح طبعًا أن هذا الصراع انعكس على درجة ومستوى بناء المؤسسات واسترجاع هيبة الدولة والانخراط الحقيقي في المسار الدستوري والديمقراطي.

وفي الجانب الليبي، تعتقد الأمم المتحدة أن تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا وتنظيم القاعدة لا يزالان يحتفظان بمقاتلين في الجزء الجنوبي من البلاد، مع استفادتهما من الاقتصاد غير النظامي بل وغير المشروع. ويؤكد هذا التهديد المستمر على أهمية اليقظة المستمرة لهذه الجماعات المسلحة من قبل القوات الحكومية لبلدان الشمال الإفريقي.

ويحذر مراقبون دوليون من أن تدفق الأسلحة في ليبيا، سيكون له تداعيات خطيرة؛ وبخاصة لأن استمرار استخدام تلك الأسلحة والتدريب عليها من شأنه أن يجعل قدرات الجماعات المسلحة الليبية أكثر تطورًا. وعلاوة على ذلك، يؤدي تسويق تلك الجماعات استخدام أسلحتهم المتقدمة على الإنترنت إلى تعليم الجماعات المسلحة الأخرى، وكما حدث في أفغانستان في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، وكذلك في الساحل عام 2010م، فإن المتطرفين من الجماعات المسلحة الأخرى يأتون إلى ليبيا للحصول على التدريب.

باتت ليبيا بؤرة مركزية لتنامي خبرات المسلحين والتدفق المحتمل للأسلحة المتقدمة، مما قد يؤدي إلى تعاظم دور الجماعات المتطرفة التي ربما تقود نحو زعزعة استقرار المنطقة بشكل متزايد، وكما كان الوضع بين عامي 2012 و2014 م، عندما عززت الأسلحة الليبية ترسانات الجماعات الإرهابية والانفصالية، ويمكن أن تنتشر الأسلحة الخفيفة في الدول المجاورة لليبيا، التي يتصارع عدد منها مع الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة.

ويعزى انتشار التشكيلات المسلحة نظامية أو غير نظامية في ليبيا إلى تقاطع مفهوم مؤسسات الدولة الرسمية مع الجهات المسلحة غير الحكومية أو شبه الحكومية، مما يعطي المشهد ضبابية أكبر ويفرز واقعًا أمنيًا "هجينًا" يصعب التعامل معه، وعلى الأغلب فالصراع يسود بينها حينما تتعارض المصالح، وفي ليبيا الجديدة بعد القذافي يوجد الكثير مما يمكن الاقتتال حوله: النفوذ السياسي، السلطة والهيمنة، المغانم الاقتصادية والمالية، الشرعية الثورية بل وحتى الأصالة والانتماء للهوية الليبية.

واختصارًا، فانتشار الميليشيات العسكرية غير النظامية يرجع بالأساس إلى الفراغ السياسي و الأمني بوجود حكومتين متصارعتين في طرابلس و طبرق، و كذلك فوضى انتشار السلاح في البلاد و صعوبة مراقبته والتحكم فيه من قبل السلطة السياسية، و كذلك إلى التنوع القبلي و المناطقي، حيث تتكون ليبيا من مجموعة كبيرة من القبائل والمناطق الجغرافية المتنوعة، هذا التنوع أدى إلى نشوء جماعات مسلحة تعبر عن الولاءات القبلية والمناطقية، وهذا يؤدي أحيانًا كثيرة للاقتتال على أساس قبلي، ناهيك عن انعدام مناخ الثقة و الصراع حول المصالح و المزايا الاقتصادية الكبيرة. كما ساهم تدخل العديد من القوى الإقليمية والدولية في الشأن الليبي، وتقديمها الدعم المالي والعسكري لجماعات مسلحة معينة، في تعقيد الوضع وأسهم في انتشار العنف والجماعات المسلحة. كما أن التدهور الاقتصادي والبطالة والفقر دفع العديد من الشباب إلى الانضمام للجماعات المسلحة بحثًا عن وسيلة للعيش وحماية أنفسهم وأسرهم من حالة الفوضى والعنف.

رابعًا: الساحل الإفريقي حاضنة للميليشيات وضحية حروب بالوكالة

إن الدينامية المتنامية للمنظمات المتطرفة العنيفة في منطقة الساحل، تهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية وزعزعة الاستقرار في جميع أنحاء إفريقيا، مما يفرض مخاطر أمنية ومالية كبيرة على دول المنطقة أولًا وعلى المحيط الإقليمي والدولي بما في ذلك مصالح الدول الغربية ثانيًا.

لقد أدى الانهيار والتراجع المستمر لدعم مكافحة الإرهاب الدولي، فضلاً عن إضعاف دور القيادات في الجهود الإقليمية إلى خلق فراغ جيوسياسي يمكن أن يتوسع فيه التطرف العنيف. وقد استغلت العديد من التنظيمات المتطرفة بما في ذلك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، وتنظيم الدولة الإسلامية في ولاية غرب إفريقيا، وغيرها هذا الفراغ، باستخدام بلدان المنطقة كمنصات لشن هجمات عشوائية على القوات الحكومية والمدنيين على حد سواء.

 كما استغلت جهات فاعلة أخرى غير حكومية، مثل مجموعة فاغنر الروسية، تراجع نفوذ بعض الدول الغربية كفرنسا لتوسيع نفوذها في القارة السمراء. إن ارتفاع خطورة التهديدات الأمنية، وزيادة التعاون بين المنظمات الإرهابية، وبين المنظمات الإرهابية والإجرامية، من شأنه أن يزيد من حدة الخطر الذي تشكله هذه الجماعات في المنطقة وخارجها.

لقد شهدت منطقة الساحل، منذ عام 2021م، أعدادًا أكبر من القتلى مقارنة بأي منطقة أخرى في القارة الإفريقية. وشهدت بوركينا فاسو غالبية الأحداث العنيفة المرتبطة بالجماعات الإسلامية المتشددة، كما يشهد مسرح عمليات العنف في منطقة الساحل عددًا متزايدًا من الهجمات على المدنيين، فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، كانت هذه المنطقة مسرحًا لأكثر من نصف الهجمات على المدنيين من قبل الجماعات الإسلامية المتشددة داخل إفريقيا.

يبدو أن تصاعد وتيرة العنف ضد المدنيين في مالي من قوات الأمن التابعة للمجلس العسكري وشركائهم من القوات شبه العسكرية (بما في ذلك فيلق إفريقيا الروسي، المعروف سابقًا باسم مجموعة فاغنر) لم يكن من باب الصدفة؛ حيث ارتفع عدد الهجمات من تلك الجهات الأمنية ضد المدنيين بين سنتي 2022 و2024 م، بنسبة 76% (من حوالي 230 إلى 400 هجوم).

وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، قُتل ما يقدر بنحو 4740 مدنيًّا على أيدي هذه القوات. وقد ثبت وبشكل واضح أن العنف الممارَس من قوات الأمن كثيرًا ما يؤدي إلى تعزيز عمليات التجنيد التي تطلقها الجماعات المتطرفة العنيفة.

يمكن اعتبار أن فشل الدور الفرنسي في منطقة غرب إفريقيا بدول كمالي والنيجر وبوركينافاسو، ساهم في تمدد الميليشيات والجماعات المسلحة نحو مناطق جديدة، رغم التدخلات العسكرية، مما يطرح أكثر من علامة استفهام حول نتائج هذه التدخلات(عمليتي سيرفال وبرخان(التي لم تحاصر الظاهرة بالقدر الذي ساهمت في إعادة انتشار التنظيمات الإرهابية جغرافيًا، عبر استغلال مواطن الهشاشة المتعددة بمجموعة من مناطق امتداد الصحراء الكبرى، وجوارها الجغرافي.

بالمقابل، وتدريجيًّا، تعزز الدور الأمني الروسي في إفريقيا فقد نشطت المؤسسة العسكرية الروسية في توطيد علاقاتها مع نظيراتها الإفريقية؛ إذ وقَّعت منذ عام 2015 م، نحو (21) اتفاقية عسكرية مع عدة دول، من بينها: أنغولا وبوتسوانا وبوركينا فاسو وتشاد وإثيوبيا وغينيا ومدغشقر ونيجيريا والنيجر وسيراليون وتنزانيا وزيمبابوي. وتشمل هذه الاتفاقيات مجالات متعددة، منها: التدريب الأمني والعسكري، وتبادل المعلومات، والتعاون في مكافحة الإرهاب. كما تخطط لبناء قاعدة بحرية في البحر الأحمر في السودان، وفقًا لتنفيذ الاتفاقية المصدَّق عليها من بوتين، في 16 فبراير 2020م.

خامسًا: الجريمة المنظمة من عوامل الاضطراب في منطقة الساحل

ساهمت جماعات الجريمة المنظمة، أو الجريمة العابرة للقارات في توتر الأوضاع وانهيار الأمن في منطقة الساحل، بل ولعبت دورًا كبيرًا في العديد من الأزمات كالأزمة المالية، حيث قُوِّضت مصداقية الحكومة المالية ومؤسسات الدولة بسبب تواطؤ الدولة مع الجريمة المنظمة في شمال مالي قبل تمرد الطوارق والانقلاب العسكري الذي أعقبه. ومن المعروف أن مسؤولين ماليين رفيعي المستوى، استفادوا من أنشطة تهريب المخدرات؛ كما عُرف عنهم السماح لحلفائها من النخبة السياسية والعسكرية المالية بالتواطؤ مع جماعات الجريمة المنظمة؛ وامتد تواطؤ الدولة إلى عمليات اختطاف مقابل فدية.

 وتكمن الممارسات الإجرامية الأكثر تدميراً في استشراء الفساد على مستوى الدولة، حيث تم توقيع صفقات الأسلحة بين مسؤولي الاستخبارات وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتسريب معلومات من ضباط الجيش والمخابرات إلى قيادات هذا التنظيم. لم يُشجع تقاطع النشاط الإجرامي والفساد على مستوى الدولة الجماعات المتطرفة فحسب، بل ساهم بشكل كبير في تشويه صورة الحكومات في نظر الشعوب.

من جهة أخرى، تمكّن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وأنصار الدين، وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا من استخدام أرباح ارتباطاتهم بالجريمة المنظمة لتمويل تحالفاتهم مع النخب والقبائل المحلية، وتجنيد أعضاء جدد من خلال تقديم تعويضات ومساعدات لهم. وفي ظل ندرة فرص الشغل للماليين، تُغيّرت هذه الآفاق ذات الدخل المرتفع المشهد السياسي وميزان القوى على المستوى الوطني في مالي، إذ تعجز باماكو عن تقديم مزايا مالية مماثلة للسكان.

وفي حال التوصل إلى حل سياسي للأزمة الحالية في مالي، فإن فساد الدولة والتواطؤ مع شبكات الجريمة المنظمة سيظلان يُشكلان تحديات لشرعية الحكومة واستقرارها. كما يظل الشك قائمًا بخصوص قدرة الحكومة المركزية في باماكو على استعادة سلطتها وطرد الإسلاميين دون عقد تحالفات مؤقتة مع شبكات الجريمة المنظمة، وهذا ما يطرح العديد من التحديات على الحكومة المالية لتحقيق التوازن المطلوب دون اللجوء لدعم شبكات الجريمة المنظمة، مع تعزيز استقرار وشرعية مؤسسات الدولة.

سادسًا: مقاربات استراتيجية لتفكيك وحل الميليشيات المسلحة

يتطلب القضاء على الميليشيات والجماعات الإرهابية في ليبيا ومنطقة الساحل نهجًا ومقاربات متعددة الأبعاد تشمل استراتيجيات عسكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية. ويمكن أن تتراوح هذه الاستراتيجيات بين برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) وتعزيز الحكم الرشيد والفرص الاقتصادية والحوار مع المجتمعات المحلية.

من الناحية العسكرية الصرفة، يفترض مضاعفة الجهود المحلية والدولية لنزع سلاح أعضاء الميليشيات طوعًا أو قسرًا، وتوفير سبل عيش بديلة لهم، ودمجهم في قطاع الأمن الرسمي أو المجتمع المدني. وفي الحالات التي تقاوم فيها الميليشيات بنشاط أو تشكل تهديدًا مباشرًا، قد تكون العمليات العسكرية ضرورية لتحييدها، ولكن يجب إجراؤها بدقة واحترام للتشريعات والقوانين، وتعزيز التعاون الدولي على مستوى التدريب العسكري والمساعدة الفنية والدعم المالي، مما يسهم في تعزيز قدرات قوات الأمن الوطنية.

كما أن التواصل مع قادة الميليشيات والمجتمعات المحلية لإيجاد أرضية مشتركة وبناء جسور الثقة يُساعد في التوصل إلى حل سلمي للنزاعات الأهلية ويمكن في النهاية من إعادة بناء قدرات مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والشرطة، والحدّ من نفوذ الميليشيات.

إنّ تعزيز الحوكمة والمساءلة وسيادة القانون ومنطق الشفافية، وتوفير فرص عيش بديلة، مثل التعليم والتدريب وبرامج خلق فرص العمل، بالإضافة إلى معالجة التفاوتات الاجتماعية والتهميش والظلم، بإمكانه أن يساهم في تقويض شرعية الميليشيات ويجذب دعم المواطنين للدولة ويحد من جاذبية هذه الهيئات غير النظامية (الميليشيات (ويقزم دورها في المجتمعات المحلية. إنّ العمل مع المجتمعات الوطنية لبناء الثقة والتقليل من مخاوفها المشروعة يُمكن أن يُساعد في خلق بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا.

من الناحية العملية، لا يمكن النجاح في تفكيك والقضاء على الميليشيات المسلحة والجماعات المتطرفة دون تعزيز التعاون الإقليمي في مجال أمن الحدود وتبادل المعلومات الاستخباراتية وخاصة منع تدفق الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود، ويمكن أن يُسهم تنسيق عمليات مكافحة الإرهاب في تحييد الجماعات المسلحة التي تُشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي.

كما لا يمكن تجاهل التنسيق الأمني بين الدول الإقليمية لمواجهة وقع ارتدادات الحروب والمواجهات التي تتورط فيها الهيئات الحكومية والميليشيات على العديد من دول الساحل الإفريقي الهشة، حيث ارتفعت عمليات النزوح والهجرة في السنوات الأخيرة، على سبيل المثال عرفت الحرب في السودان نزوح أزيد من 4 ملايين مواطن نحو المناطق الآمنة في الداخل والخارج.

خاتمة

باختصار، يتطلب القضاء على الميليشيات نهجًا شاملًا يجمع بين الاستراتيجيات العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع إعطاء الأولوية للتعاون الإقليمي والاستثمار طويل الأجل في التنمية الاقتصادية المستدامة.

إن الاستراتيجيات الحالية غير قادرة على تطويق ومحاصرة الظاهرة والقضاء بشكل نهائي على الميليشيات المسلحة، اعتبارًا للعديد من العوامل التي ورد ذكرها فيما تقدم، لكن تعقيد الظاهرة يعود إلى رغبة العديد من فواعل النظام الدولي في الإبقاء على ليبيا ومنطقة الساحل جنوب الصحراء مشتعلة وتحفل بكل مظاهر الاختلال وعدم التوازن وتتميز بغياب بيئة إقليمية مستقرة ومزدهرة. لا زال التدخل الخارجي يدافع عن أجندته ومصالحه في ظل التدافع الدولي نحو إفريقيا، ولهذا يتم تعطيل كل برامج تفكيك وحل الميليشيات.

مقالات لنفس الكاتب