array(1) { [0]=> object(stdClass)#14184 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

خصائص ميليشيات السودان: شرعنتها - القومية والبعد الخارجي - القوة الاقتصادية - الطموح السياسي

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

  منذ أقدم العصور ظلت منطقة القرن الإفريقي تحتفظ بأهمية استراتيجية وسياسية بالغة ،  كونها تمتد على طول الحدود الجنوبية للبحر الأحمر بما يمثله من أهمية في التجارة الدولية بجانب  إطلالتها  على باب المندب ،وتقدر المصادر أن ما لا يقل عن 5  مليون برميل من النفط يمر يوميًا عبر هذا المضيق ، وأن 14% من حجم التجارة العالمية يمر عبر شواطئ الصومال وجيبوتي وذلك بما يقدر بحوالي 1.8 تريليون دولار أمريكي، وتقع في منطقة فاصلة بين قارتي آسيا وإفريقيا، وجرى العرف على اعتبار دول السودان وكينيا ويوغندا وجنوب السودان ضمن هذا القرن الذي يضم أصالة دول إثيوبيا وإرتريا والصومال وجيبوتي، ولكل هذه الأهمية تشهد المنطقة تسابقًا على النفوذ من القوى الدولية الكبرى قديمًا وحديثًا، ففي الوقت الحالي تكتظ المنطقة بالقواعد العسكرية والتسابق على السيطرة والنفوذ، ففي جيبوتي ذات الموقع الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر تنتصب 19 قاعدة عسكرية لدول أجنبية من بينها الصين والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا ، كما أن الاتحاد الأوروبي يحتفظ بتواجد أمني وعسكري لأغراض مكافحة الهجرة غير الشرعية والقرصنة، وهناك إسرائيل التي تحتفظ بتأثير خفي مهم في هذه المنطقة، أما في الصومال فهنالك 5  قواعد عسكرية لدول الإمارات العربية المتحدة ( قاعدتين ) وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وليس الموقع الاستراتيجي وحده ما يدفع هذه الدول للتنافس في هذه المنطقة ولكن الموارد الهائلة التي تربض في بعض بلدان القرن الإفريقي تظل عامل جذب إضافي مهم لهذه الدول ، كما أن الانشغالات الأوروبية والأمريكية بمكافحة الإرهاب زادت من الاهتمام العالمي بهذه المنطقة ..

 وعلى الرغم من أهمية القرن الإفريقي واستراتيجية موقعه إلا أن النزاعات الداخلية والحروب بين دوله ظلتا أهم عاملين يميزان مسيرة السياسة في هذه المنطقة بعد حصول بلدانها على الاستقلال، ومن بين كل تلك النزاعات والحروب تطل الأزمة في الصومال والحروب في السودان كنماذج مقلقة، ففي الصومال أدت النزاعات الداخلية إلى سقوط الدولة المركزية منذ العام 1991م، ولا تزال تداعياتها مستمرة ، حيث تحورت إلى نشوء ميليشيات متعددة ومن أبرزها حركة الشباب المتطرفة ، وتواصل كلها تقويض الجهود الرامية لاستعادة الدولة الموحدة، أما في السودان فقد ظلت النزاعات الداخلية متواصلة منذ حصوله على استقلاله في العام 1956م، مما أدى لانفصال جنوب السودان، ثم اندلعت الحرب في إقليم دارفور ، قبل أن يتفاقم الوضع لحرب شاملة منذ أبريل 2023م، حين شنت ميليشيا الدعم السريع هجومًا منسقًا على قوات الجيش واستولت على أكثر من ولاية، وعلى الرغم من استعادة الجيش تماسكه واسترداده للعاصمة الخرطوم وبعض الولايات المهمة في وسط السودان وكردفان إلا أن تصعيد ميليشيا الدعم السريع هجماتها على العاصمة الإدارية بورتسودان على البحر الأحمر شكل منعطفًا أمنيًا جديدًا في مسيرة الحرب .

نحاول في هذا المقال دراسة وتتبع جذور الميليشيات في الصومال والسودان وكيف استطاعت بناء شبكات لوجستية ومالية في الداخل والخارج، وكيف أثرت على بناء الدولة الوطنية، وما هو مستقبل وجودها ووجود الدولتين معا في ظل استمرار الحرب.

 السودان والصومال سياق مختلف وعوامل متشابهة:

   على الرغم من اختلاف عقيدة الميليشيا في البلدين، واختلاف الظروف التي نشأت الأزمة فيهما، إلا أن هناك عوامل كثيرة تتشابه فيها الظروف بين البلدين، وهو ما يجعل قراءة المآلات فيهما متقاربة وإن اختلفت بعض شبكات الدعم الإقليمي ومصالح الأطراف التي تغذي الأزمة في كلا البلدين. ويمكن تحديد القضايا أدناه كعوامل مشتركة بين البلدين:

  • الموقع الجغرافي المميز والمطل على المنافذ المائية المهمة، فالصومال تمتلك أطول السواحل في القارة الإفريقية بإجمالي كيلومترات تصل إلى أكثر من 3000، بينما يمتلك السودان ساحلًا على البحر الأحمر يصل طوله حوالي 800 كيلومتر، وهذا الوضع جعل البلدين محلاً لأطماع القوى الدولية وساحة للصراعات الإقليمية والنزاعات الداخلية.
  • الهوية المزدوجة مثلما عانى السودان أزمة هوية عميقة بين شمال عربي مسلم وجنوبي إفريقي مسيحي قبل انفصال جنوب السودان وبتنوع قبلي يصل إلى أكثر من 500 قبيلة، وظلت قضية الهوية فيه أطروحة للخلاف والنزاعات الداخلية، كذلك كانت الصومال التي ولدت كدولة نتيجة للمساومات الاستعمارية والتفاهمات العشائرية المحلية نموذجًا للهوية الممزقة بين الهوية العربية والهوية الإفريقية، وعلى الرغم من أن الصومال يبدو أكثر تجانسًا من حيث اللغة والدين من السودان إلا بناءه العشائري والقبلي كان من القوة بحيث لم تستطع تفاهمات نيل الاستقلال أن تستمر كثيرًا ، خاصة أن النظام العسكري بقيادة محمد سياد بري عمل على إحياء العشائرية والقبلية، الأمر الذي انقلب عليه لاحقًا حين انحاز عدد معتبر من أبناء القبائل في صفوف الجيش الوطني لعشائرهم حين قامت الحرب .
  • الانقلابات العسكرية شهد السودان ثلاثة انقلابات ناجحة حكمت البلاد لمدة تقارب الستين عامًا من سنوات الاستقلال البالغة سبعين عامًا ، وقد أثر هذا الأمر على نمو الحركة السياسية المدنية واستدامة الحكم المدني الديمقراطي ، وفي نفس الوقت لم يسكت الحرب في ربوع البلاد ، بالنسبة للصومال بدأ الربيع الديمقراطي مزدهرًا حين استمر الحكم المدني عشر سنوات بعد الاستقلال قبل قيام انقلاب سياد بري في العام 1969م، والذي استمر ثلاثين عامًا  حتى سقوط الدولة، ولقد كانت آثار الحكم العسكري كارثية على الصومال بصورة كبيرة، فالنظام الذي بدأ مسيرة حكمه ماركسيا وصادم ثوابت المجتمع الصومالي وفرض عليه الماركسية بالحديد والنار قاد البلاد نحو حرب مدمرة مع الجارة إثيوبيا، وكانت هزيمته المنكرة فيها بعدما أهدر الموارد الشحيحة للبلاد مدخلا للثورة العشائرية المسلحة عليه، وتتجلى عقلية تفويت الفرص في البلدين في إجهاض المبادرة التي تقدم بها رموز سياسية ودينية في الصومال قبل الانهيار الأخير للدولة، والتي نادت بضرورة تحكيم صوت العقل وإطلاق حوار وطني للمصالحة الشاملة وذلك بعد تهيئة الأجواء بإلغاء القوانين المقيدة للحريات وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وعلي الرغم  من أن أولئك الرموز الذين بلغ عددهم 114  في دلالة رمزية لعدد سور القرآن لم يكن من بينهم من يدعم المعارضة المسلحة، وإنما كان دافعهم وطنيًا بامتياز لتدارك الخطر الماحق والعمل على ألا تسقط الدولة في المجهول إلا أن رد فعل السلطة كان قاسيًا جدًا، وذلك باعتقال من تمكنت من اعتقاله أما البقية فقد فروا خارج البلاد، ولم تمض أشهر حتى دوى الرصاص في العاصمة مقديشو وخرج سياد بري تاركًا البلد للمجهول ..
  • انتشار الميليشيات القبلية لم تكن ثقافة الميليشيا المسلحة جديدة في السودان، فبطبيعة الحرب التي امتدت سنوات عددا في جنوب السودان، وتبدل تحالفات الفصائل المسلحة بين الحكومة والحركة المتمردة المركزية نشأت ميليشيات وظيفية تقوم بأدوار مرسومة في الحرب، ولكن ولأنها كانت تقاتل في حدود جغرافية جنوب السودان لم يكن صيتها ظاهرًا ومعروفًا، وشهد العام 1986

م، تكوين ميليشيا من 27 قبيلة عربية من إقليمي كردفان ودارفور من قبل حكومة الصادق المهدي وعرفت بقوات المراحيل، وأعلن وقتها أن هذه القوات تم إنشاؤها لحماية الأهالي من هجمات الحركة الشعبية المتمردة في جنوب السودان ، ويري كثير من المراقبين أن تأسيس هذه القوات هو المرجعية الرئيسية لميليشيا الدعم السريع الذي تخوض حربًا ضروس ضد الجيش السوداني حاليًا ، بالنسبة للصومال لم تكن الأحزاب التي نشأت بعد سقوط محمد سياد بري إلا واجهات عشائرية سرعان ما تحولت إلى ميليشيات قبلية وأصبح قادتها أمراء حرب ، فالمؤتمر الصومالي الموحد الذي كان يقود المقاومة المسلحة انقسم على أساس عشائري بين الجنرال عيديد والجنرال على مهدي قبل أن تطيح بهم سلطة اتحاد المحاكم الإسلامية والتي من رحمها خرجت حركة الشباب المتطرفة التي لا تزال تخوض قتالًا ضد الدولة الصومالية .. 

 كيف تم إنشاء الدعم السريع:

 ارتبط ظهور ثقافة الميليشيا في إقليم دارفور بعوامل متعددة داخلية وخارجية، فقد كان للتطورات السياسية التي شهدتها منطقة الساحل والصحراء إبان عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وحروبه مع دولة تشاد دور مهم في إنشاء الفيلق العربي ودعم القبائل العربية بالسلاح، وجاءت سنوات الجفاف بداية الثمانينات لتعمق الاحتكاكات القبلية بين القبائل المستقرة المشتغلة بالزراعة وأغلبها من القبائل الإفريقية في الإقليم وبين القبائل العربية ( البقارة ) التي تقوم بالرعي، وتطورت تلك الاحتكاكات لحرب شاملة بين العرب وقبائل الفور في الثمانينات، ويقول شريف حرير القيادي في إقليم دارفور والوزير الأسبق أن الحرب ( اتخذت ميولاً أيديولوجية وعرقية محملة بالتعصب القبلي، كانت العصابات العربية التي تدعى الجنجويد تجوب مناطق الفور فتحرق القرى وتقتل دون تمييز وتصادر ممتلكات الفور كما تشاء، وبدأ الفور أيضًا ينشئون مجموعاتهم الميليشياتية للرد بطريقة مماثلة )، في ذلك الوقت المبكر اتخذت الحرب منحًا تصاعديًا على المستوى القومي حين أقام العرب تحالفًا وثيقًا مع حزب الأمة الذي كان يترأسه الصادق المهدي رئيس الوزراء ، بينما انحاز حزب الاتحاد الديمقراطي الخصم التاريخي لحزب الأمة لقبائل الفور ( محمود ممداني _ دارفور منقذون وناجون ) ..

كان انقلاب الإسلاميين عام 1989م، فاصلة زمنية قصيرة للسيطرة على الانفلات الأمني في الإقليم، ولكن تفجر الوضع في الإقليم عام 2003م، بصورة أسوأ مما كان عليه من قبل، حيث نشأت الحرب هذه المرة تحت لافتات سياسية تنازع الخرطوم كسلطة مركزية، فقد انفجرت الحرب تقودها حركات مسلحة تقوم على عقائد سياسية متنوعة، كانت حركة تحرير السودان برئاسة عبد الواحد نور ذو الخلفية اليسارية المرتبطة بالحزب الشيوعي والمنحدر من قبيلة الفور هي الأسبق في إشعال الإقليم، ثم تبعتها حركة العدل والمساواة التي يقودها د. خليل إبراهيم الوزير الإسلامي السابق والمنشق على النظام الإسلامي بعد خلاف كبير في السلطة المركزية بين مفكر النظام دكتور حسن الترابي والمجموعة العسكرية بقيادة المشير عمر البشير ، وعلي الرغم من الاتهامات المتكررة لحزب الترابي بالوقوف وراء تلك الحركة ولكن الحزب ظل ينفي باستمرار تلك الاتهامات ، لاحقًا انقسمت حركة تحرير السودان على أسس قبلية حين خرج حاكم إقليم دارفور الحالي مني أركو مناوي المنحدر من قبيلة الزغاوة وهي نفس قبيلة وزير المالية الحالي دكتور جبريل رئيس حركة العدل والمساواة، وترأس مناوي حركة تحرير السودان متصالحًا مع الحكومة السودانية قبل أن يعود لحمل السلاح مرة أخرى حتى سقوط النظام السابق في العام 2019 م.

تحت تمدد التمرد في الإقليم لجأ النظام السابق إلى أسلوب توظيف المكونات الاجتماعية المحلية لمواجهة حركات التمرد، وهو الأسلوب الذي اتبعته حكومة الصادق المهدي ووزير دفاعه فضل الله برمة ناصر رئيس حزب الأمة القومي الحالي، ويتمثل مفهوم تأسيس الميليشيات في هذه الفترة على:

  • على أن تكون قوة وظيفية تؤدي مهام عسكرية نيابة عن الجيش والحكومة المركزية
  • أن يقتصر وجودها داخل إقليم دارفور ولا تتطلع لأدوار مركزية
  • ألا تنخرط في السياسة ولا يكون لقيادتها أي طموح سياسي.

  وعلى هذا الأساس كان تأسيس قوات حرس الحدود بقيادة الزعيم القبلي موسى هلال زعيم قبيلة المحاميد، وهي إحدى فروع قبيلة الرزيقات التي ينحدر منها قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، كان دقلو جنديًا صغيرًا تابعًا لموسى هلال في ذلك الوقت، ولكن تطورات الأحداث جعلت الرجل الوريث الأقوى لإرث الميليشيات العربية في الإقليم.

ففي عام 2011م، وبعد انفصال جنوب السودان تم تأسيس ما عرف بالجبهة الثورية ، وهي تحالف سياسي وعسكري هدف إلى توحيد الحركات المسلحة في إقليم دارفور مع نظيرتها الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال التي كان يقودها في ذلك الوقت نائب رئيس مجلس السيادة الحالي مالك عقار، ومع حاجة النظام لقوة عسكرية خفيفة الحركة تجيد تكتيكات قتال الميليشيات كان الشيخ موسى هلال علي خلاف مكتوم مع الحكومة التي لجأت لحميدتي، ويبدو أن حميدتي بماضيه العسكري في صفوف ميليشيات دارفور كان ينتظر هذه الفرصة، سرعان ما لمع نجمه وهو يقود قوات الدعم السريع التي كونها بغالبية كاسحة من عشيرته قبيلة الرزيقات، علي أن الحكومة كانت حريصة على قومية هذه القوات ومأسستها فأجازت لها قانونًا في البرلمان وأوكلت تبعيتها لرئيس الجمهورية لأن القوات المسلحة السودانية لم تكن على وفاق مع فكرة تأسيس قوة موازية بهذا الحجم والصلاحيات، وحققت القوة الجديدة نجاحًا ميدانيًا في زمن وجيز بهزيمتها لحركات دارفور وكسر شوكتها العسكرية .

 وجاءت مشاركة هذه القوات في اليمن ضمن عاصفة الحزم لتعطيها امتدادًا خارجيًا وأسبابًا معقولة للتوسع في التجنيد وزيادة عدد القوة التي بلغت عشرات الآلاف، كما أن تلك الحرب ساعدت حميدتي في بناء شبكة من العلاقات الخارجية والداخلية بمساعدة شقيقيه عبدالرحيم والقوني الذي اطلع ببناء الشبكة الاقتصادية بعد سيطرة الدعم السريع على مناطق إنتاج الذهب وخاصة جبل عامر بعد إزاحة موسى هلال منه بل واعتقاله وإيداعه الحبس، وتعاظمت طموحات حميدتي بعد سقوط النظام السابق  وتيقنه أن القادة الجدد كانوا بحاجة لقواته لتثبيت سلطتهم الجديدة، فكان صعوده لموقع الرجل الثاني في مجلس السيادة مع احتفاظه بقيادة الدعم السريع كقوة موازية للجيش، ويمكن ملاحظة خصائص جديدة للنسخة المتطورة من الميليشيا في هذه المرحلة، وتلخيصها على النحو التالي :

  • إن هناك محاولة لإيجاد شرعية قانونية للمليشيا بإجازة قانون لها في البرلمان.
  • إنها لم تعد ميليشيا محلية، بل صار لها حضور قومي ومشاركة خارجية.
  • بناء قوة اقتصادية مستقلة عن مؤسسات الدولة.
  • وجود طموح سياسي لقيادتها.

 حرب أبريل 2015:

  بحسب الباحث الصومالي حسن حاجي محمود يرى البروفيسور أحمد سمتر أن الحرب مع إثيوبيا والأداء الاقتصادي المنخفض بجانب توقف المساعدات هي العوامل التي أدت لانهيار الدولة الصومالية، بينما يركز ديفيد روسونغلي على العوامل الداخلية من تنافس بين النخب وعسكرة مؤسسات الدولة وطغيان النظام هي التي أدت لسقوط الدولة، وكل هذه الأسباب تنطبق على الحالة السودانية، إذ أدى التنافس السياسي غير الرشيد إلى إضعاف أجهزة الدولة وإشعال النزاعات المتواصلة ، ويمكن القول بكل طمأنينة أن الحرب التي تجري مآسيها حاليًا هي نتيجة لفشل مسار الفترة الانتقالية التي كان من المؤمل أن تنتهي إلى انتخابات تؤسس للاستقرار ، ولكن تنازع القوى السياسية وضيقها بالرأي الآخر بجانب التدخلات الخارجية عجل بإشعال الحرب في البلاد، الأمر الذي خلف مآسي إنسانية كبيرة ، ويقول الكاتب السوداني عوض حسن إبراهيم إن حجم الدمار أكبر مما يتصور السودانيون، حيث بلغ حجم الخسائر في البنية التحتية الصحية حوالي 11 مليار دولار وخروج 70 % من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة فيما بلغ عدد الضحايا ما بين 70 و 100 ألف فضلًا عن تعطل العملية التعليمية وحرمان ستة ملايين طالب من الوصول لمدارسهم ، وقد أدان تقرير خبراء الأمم المتحدة  ميليشيا الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور ، بجانب المجازر التي ارتكبتها في بلدة ود النورة والهلالية وفي أكثر من مدينة في ولايتي الجزيرة وسنار .

 وكان يمكن أن يكون إعلان جدة الذي وقع عليه الجيش والميليشيا في مايو من العام 2023م، مدخلًا مناسبًا للوصول لسلام مبكر ولكن رفضت ميليشيا الدعم السريع الخروج من الأعيان المدنية كالمستشفيات والمدارس ومنازل المواطنين حسبما ينص عليه الإعلان ، وبدلًا من ذلك صعدت الميليشيا من هجماتها ونقلت الحرب لمناطق جديدة في إقليم دارفور وولاية الجزيرة وسط السودان ، وفي أغسطس من العام 2023م، صدر تقرير أممي من خبراء الأمم المتحدة يتهم أطرافًا إقليمية ودول من جوار السودان بما فيها قوات خليفة حفتر بمساعدة الميليشيا عسكريًا وسياسيًا، وفي تلك الفترة تحدثت صحف واشنطن بوست وصحيفة وول ستريت جورنال عن دعم إماراتي للميليشيا بالسلاح ، وجاء التطور الأخطر في الشهر الماضي باستهداف مدينة بورتسودان ومقدرات البلاد النفطية بالمسيرات الاستراتيجية، واتهمت الحكومة السودانية دولة الإمارات وأعلنت قطع العلاقات الديبلوماسية معها .

مستقبل الميليشيات:

 تظل المصلحة الراجحة لدول الإقليم أن يسود الاستقرار هذه المنطقة الحيوية من العالم، والمدخل الصحيح لتحقيق الاستقرار هو محاربة انتشار السلاح ومحاصرة النزاعات ، وشرعنة امتلاك السلاح ليكون حصرًا عند الدولة وجيشها النظامي ، ولا شك أن الصومال الذي يخوض حربًا ضد الميليشيا المتطرفة والسودان الذي يعاني من حرب الميليشيا بحاجة إلى تجفيف منابع الحركات المتمردة ومحاربة عقائدها القتالية مع استمالة الحواضن الاجتماعية التي تنحدر منها الفئات المقاتلة ، وبالنسبة للسودان فإن تأكيد سمو الأمير محمد بن سلمان في كلمته أمام القمة الخليجية ـ الأمريكية وتأكيده على التزام المملكة بمواصلة مساعيها للسلام في السودان يجدد الأمل على تحقيق تطلعات السودانيين في السلام والاستقرار ، وفي حالة تأخر حسم المعركة الحالية أو عدم التوصل لسلام مرض للسودانيين فإن خيار انقسام السودان يبقي واردًا في ظل مساعي الميليشيا ومن يدعمها لتأسيس حكومة موازية في إقليم دارفور ، وهو ما ينذر بمخاطر استراتيجية عالية على دول الجوار ويهددها بمزيد من عدم الاستقرار والتمزق .

مقالات لنفس الكاتب