array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

الاعتراف بدور النساء في مكافحة الإرهاب يتطلب إعادة تشكيل مفهوم الأمن وصياغة سياسات وقائية شاملة

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

برز خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب ناشطات في منظمات دولية وفاعلات في هيئات أممية وجمعيات محلية، جيلٌ جديد من الباحثات الملتزمات، ممن كثّفن جهودهُن لتسليط الضوء على الدور المحوري للمرأة في إدارة النزاعات ومكافحة الإرهاب.

ورغم هذه الجهود المتزايدة، لا تزال التصوّرات السائدة حبيسة قوالب ذهنية جامدة، تعيق بلورة سياسات أمنية بديلة تتجاوز المقاربات القديمة. فهذه الصور النمطية، المتجذّرة في بنية المؤسسات والخطابات الرسمية، لا يقتصر أثرها على فعالية السياسات العامة، بل يمتد أيضًا إلى الحقل الأكاديمي، مما يكرّس شكلًا من التهميش البنيوي لدور النساء في مجالات السلم والأمن.

غير أن الواقع يرسم مشهدًا مختلفًا؛ فالنساء لا يقفن على الهامش، بل ينخرطن بفعالية في مختلف جبهات المواجهة. فمن داخل الأسر والمدارس والمجتمعات إلى مواقع العمل الأمني وصنع القرار المحلي، يشكلن قوة لا يستهان بها في جهود الوقاية والمقاومة وإعادة تشكيل مفهوم الأمن الجماعي. ومع ذلك، لا يزال حضورهن عرضة للإقصاء في السرديات الرسمية، وهو ما يُفضي إلى تقليص تأثيرهن في دوائر اتخاذ القرار وتوجيه السياسات الأمنية.

 

ينطلق هذا المقال من تحليل العقبات الهيكلية التي تحول دون الاعتراف الكامل بدور المرأة في مكافحة الإرهاب، قبل أن يستعرض كيف يستمر هذا الدور في التوسع والتجذر، متحديًا الإقصاء الظاهري، ومكرسًا مقاومة نسائية على مستويات متعددة: أمنية، علمية، اجتماعية دينية، وسياسية تعيد رسم ملامح مفاهيم وسياسات الأمن من القاعدة إلى القمة.

 

العوائق البنيوية لبروز النساء في مكافحة الإرهاب :

 

 قراءة أندروسنتريّة لظاهرة التطرّف العنيف

 لا يظلّ تحليل ظاهرة التطرّف العنيف، أسير نظرة أندروسنتريّة (ذكورية المركز) وتمثّلات نمطية للتقسيم الجنساني للأدوار. ففي الخطابات المؤسسية كما في الكثير من الأدبيات الأكاديمية، غالبًا ما تحصر النساء في أدوار ضحايا سلبيات، أمهات ثكالى، زوجات ضالات أو أدوات يسهل التلاعب بهنّ. ولعل من أبرز تلك الأفكار السائدة تلك التي تُروّج بأن النساء «بطبيعتهن» أقلّ ميلاً للعنف من الرجال.

 لكن هذه المقاربة التبسيطية لم تؤثّر فقط على فهمنا للحركات المتطرفة وتصورنا لسياسات ملائمة للتصدي لها بل منحت الجماعات الجهادية فرصة تكتيكية تسهّل تنفيذ الهجمات الميدانية. فقد كشفت الوقائع، خاصة بعد الانتفاضات العربية بعد ٢٠١١م، أن مشاركة النساء في العنف الجهادي ليست استثنائية ولا ثانوية. ففي ليبيا، على سبيل المثال، ترأست نساء معسكرات تدريب وقتال مخصصة للعنصر النسائي، لتأهيل مجنّدات على خوض المعارك. وتُعدّ فاطمة الزواغي، إحدى القائدات البارزات في "أنصار الشريعة" و"كتيبة عقبة بن نافع"، نموذجًا حيًا للانخراط المنظّم للنساء في صفوف التنظيمات الإرهابية. كما تواصل أشرطة الدعاية التي تبثّها هذه التنظيمات تمجيد ما تُسمّيه "الشهيدات"، ممن قُتلن في المعارك، أحيانًا برفقة أطفالهن. ولا عجب في أن تحمل الكتيبة النسائية في تنظيم داعش اسم "الخنساء"، الشاعرة الجاهلية المعروفة بلقب "أمّ الشهداء"، بما يحمل ذلك من رمزية مقصودة لتأنيث صورة المقاتلة.

وتبرز هنا مفارقة لافتة: فقد تحوّلت الأسطورة التي تصوّر النساء ككائنات "أقلّ عنفًا" إلى أداة استراتيجية بيد الجماعات الإرهابية. فبما أنّ النساء يُنظر إليهنّ كأقلّ خطرًا، فإنهنّ يثرن شبهات أقل، ويستطعن التنقّل بحرية أكبر، متجاوزات الحواجز الأمنية. وهي الاستراتيجية نفسها التي اعتمدها تنظيم بوكو حرام، خصوصًا في النيجر وتشاد، حيث جرى استخدام النساء على نطاق واسع في تنفيذ العمليات الانتحارية. بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٧، تمّ تسجيل ٤٣٤ هجومًا انتحاريًا، نُفّذ ٢٤٤ منها على أيدي نساء .

إنّ التحوّل في فهم مشاركة النساء في العنف المتطرف يجب أن يوازيه تحوّل في قراءة أدوارهن الممكنة في مواجهته. فبقدر ما تتضح أبعاد مشاركتهنّ في ممارسة العنف، تبرز الحاجة إلى الاعتراف بهن كفاعل رئيسي في جهود مكافحته.

طبيعة تركيبة سردية البطولة

إذا استمرّت صورة "البطل المضاد" في الخيال الجماعي على هيئة رجل عنيف ودموي، فلأن السرد البطولي ذاته تأسّس تاريخيًا حول نماذج ذكورية. فقد تشكّل هذا السرد انطلاقًا من أركيتايب  (النموذج الأصلي) الجندي الشجاع، الشهيد المضحي من أجل قضية وطنية أو دينية، والمثقف المناضل، بوصفهم تجسيدًا لفضيلة رجولية رُفعت إلى مصافّ المعيار البطولي.

 تعود جذور هذا التصور إلى الملاحم القديمة، وتجد امتدادها في "الإنسان الأعلى" عند نيتشه، كما في صورة المثقف الملتزم عند سارتر، حيث يُقدَّم الأخير ككائن يتجاوز جسده ويُختزل في العقل، في تماهٍ مع تصور رمزي يفصل الفكر عن الجسد ويُنزّه البطولة عن كل ما هو أنثوي. وتتجلّى هذه الهيمنة الذكورية في تمثّلات الحرب والمقاومة، حيث يُحصر دور النساء في أدوار مؤنثة: كممرضات، داعمات لوجستيًا أو عاطفيًا، جواسيس خفيات، أو أمهات للأبطال. وحتى عندما تشارك النساء في القتال، كالمقاتلات الكرديات فيروج آفا يُنظر إليهن كاستثناء أو خرق للقاعدة. فرغم أدوارهن الحاسمة في مواجهة تنظيم داعش، لم يُدمجن في السرديات البطولية المهيمنة التي لا تزال تحصر الشجاعة والتضحية في صفات رجولية خالصة.

الطبيعة السرّية للعمليات المضادة للإرهاب

لا يعكس تعتيم حضور النساء في سرديات مكافحة الإرهاب غيابًا فعليًا للمشاركة، بل هي نتيجة لتشابك عوامل عملياتية ومؤسسية ورمزية معقّدة.

في نيجيريا، كانت النساء المنخرطات في الجيش النظامي أو في صفوف "قوة المهام المدنية المشتركة" (CJTF) فاعلات أساسيات في مواجهة جماعة "بوكو حرام"، خصوصًا في ولاية بورنو. شاركن في عمليات الاستطلاع والرصد ونزع الألغام، وتمّ توظيفهن في استجواب النساء والأطفال المجنّدين كقنابل بشرية. بعضهنّ، ممن كنّ أسيرات سابقات لدى الجماعة الجهادية، تحوّلن لاحقًا إلى ناشطات في مجال مكافحة الإرهاب، وأسهمن في جهود الوقاية من التطرف داخل مجتمعاتهن، رغم بقائهن غالبًا خارج البنى العسكرية الرسمية.

أما في مالي، فتبرز نماذج نسائية مهنية وفاعلة، مثل نانا سنغاري التي تلقّت تدريبها في كلية الدفاع التابعة لمجموعة دول الساحل الخمس (G5 Sahel)، وهي تجسيد لمحاولة لا تزال محدودة ولكنها رمزية لاختراق النساء لمنظومات الأمن الإقليمي. يمثّل مسارها إقرارًا بالكفاءة العسكرية النسائية، وخرقًا لبنية ذكورية في قلب منطقة ملتهبة بالصراعات الإرهابية العابرة للحدود.

لكن رغم أهمية هذه الأدوار، تبقى غائبة عن الحضور المؤسسي والإعلامي. ويُعزى ذلك، من جهة، إلى الطبيعة السرّية للعمليات المضادة للإرهاب، التي تعتمد على الاستخبارات والاختراق والعمل الميداني الخاص، ما يَحول دون إبراز الأدوار الفردية. ومن جهة أخرى، تسهم الهيمنة الذكورية داخل الأجهزة الأمنية، وغياب الإرادة السياسية لتسليط الضوء على النماذج النسائية، في ترسيخ هذا التهميش. وفي مجتمعات محافظة لا تزال تحكمها القيم الأبوية، قد يُعدّ الاعتراف العلني بمكانة المرأة الأمنية خطوة حسّاسة، وربما مثيرة للجدل.

الهيمنة الاستشراقية على تصورات المرأة في إفريقيا والشرق

تُعدّ النظرة الاستشراقية من أبرز المعوقات التي تحول دون فهم عميق لدور النساء في مجتمعات إفريقيا والشرق. فهذا الإطار الثقافي والأيديولوجي لا يزال يؤثر على التصورات الغربية، التي تُعاد إنتاجها أحيانًا من قِبل النخب المثقفة المحلية. وتحبس هذه القراءة الثقافوية المرأة العربية، المسلمة أو الإفريقية، في صورة جامدة للضحية، متجاهلة بذلك التنوع والتعقيد في أشكال المقاومة التي تمارسها.

جسّدت تجربة الجزائر في «العقد الأسود» (تسعينيات القرن العشرين) نموذجًا بارزًا لهذا التحدي. فقد كانت الجزائر من أوائل الدول التي عانت من الإرهاب الإسلامي، ورغم ذلك، كانت النساء عناصر فاعلة في مقاومة العنف والتطرف. غير أن وسائل الإعلام الدولية اقتصرت على تجريد نضالهن إلى موقف سلبي محصور في رموز المعاناة.

وتُظهر الصورة الشهيرة لـ«مادونا بن طلحة» التي التقطها حسين زعورار عام ١٩٩٧م، امرأة جزائرية تصرخ من الألم، مسنودة بأخرى. هذه الصورة التي أصبحت رمزًا، ساهمت في ترسيخ تمثيل غربي للنساء الجزائريات كضحايا صامتات، يستمد خيالها من الرمزية المسيحية، متجاهلة حقيقة نضالهن النشط.

منذ يناير ١٩٩٢م، كانت النساء الجزائريات من بين أولى المعارضات العلنيات للتطرف الإسلامي، حيث نظمّن تظاهرات حاشدة ضد الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حاملات صور الضحايا، ورافضات للعنف الذي دعا إليه قادة الإسلام السياسي، ومطالبات بحقهن في الفضاء العام. كان نضالهن، رغم قمع النظام، دفاعًا عن حريتهن ومكانتهن في المجتمع في وجه محاولة فرض نظام سياسي رجعي وقمعي.

وينطبق الأمر ذاته على «فتيات شيبوك» النيجيريات المختطفات من قبل بوكو حرام في أبريل ٢٠١٤م، حيث ركّز الإعلام على ضعفهن وكونهن ضحايا زواج قسري وعنف جنسي، معززًا صورة المرأة ككائن سلبي أمام الإرهاب. غير أن بعض الناجيات تحوّلن إلى فاعلات رئيسيات في مقاومة المعتدين، كعائشة بكاري قومبي، القادمة من عائلة صيادين، والتي تسعى الآن لتتبع الإرهابيين، معبرة عن مقاومة نشأت في قلب مجتمعها.

 ومن هنا، تبرز ضرورة الاعتراف بهذه المسارات الفردية لكسر هذا الخطاب السائد، وتمكين فضاءات رؤية حقيقية لدور النساء في مكافحة الإرهاب، انطلاقًا من الواقع الاجتماعي والتاريخي الخاص بهذه المجتمعات.

 

٢ أشكال التزام النساء في مواجهة الإرهاب

 

شهيدات الوطن في مرتبة الرموز

ترتكز العقيدة الإسلامية في تمجيد الشهادة على فكرة أن "الشهيد حبيب الله"، أي أن من يموت دفاعًا عن قضية عادلة، فهو محبوب من الله ومكرَّم عنده. وهذه القناعة تُعلي من شأن الشهيد وتمنحه مكانة روحية ووطنية فريدة في الوجدان الجمعي للمسلمين.

وغالبًا ما تُربط هذه الصورة، في السياق الديني، بالمقاتلين الذين سقطوا في ساحات المعارك دفاعًا عن الإسلام. وعلى الرغم من أن هذه الصورة تشكّلت تاريخيًا بملامح ذكورية، فإن الإسلام يقرّ بأشكال أخرى من الشهادة النسائية: كالنساء اللواتي يمتن أثناء الولادة، أو تحت القهر والظلم، أو في ظروف استثنائية.

لقد رفعت مناضلات القضية الفلسطينية إلى مقام الشهيدات من قِبل مجتمعاتهن، إلا أنهن ما زلن مغيّبات عن السرديات الدولي.، ما يعكس استمرار بناءٍ جندري لصورة الشهادة.

ومع ذلك، فإن هذه التضحيات النسائية تُخلّد أسماءهن في سرديات النضال النسوي، رغم التهميش المتعمد والنسيان المُمنهج. إن مجرد ذكراهن يُعدّ بحد ذاته درسًا في مواجهة التطرف، ومقاومةً للطمس. ومن بين هذه الأسماء، نساء دخلن سجل الشهادة، لا سيما من بين الناشطات الليبيات اللواتي اغتيلن على يد جماعات متطرفة بسبب نضالهن في وجه الظلامية.

نذكر منهن: سلوى بوقعيقيس، المحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، وفريحة البركاوي، النائبة البرلمانية، انتصار الحصائري، الناشطة الثقافية، اللواتي تم اغتيالهن بين عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥ م، على يد إسلاميين متشددين، فصِرن رموزًا وطنية للنضال والتضحية.

ولا يقتصر العنف الموجَّه ضد النساء المقاومات على ليبيا. ففي سوريا، اختُطفت سميرة الخليل وقُتلت عام ٢٠١٣م، بسبب نشاطها السلمي ضد التطرف. وفي المغرب، فقدت مليكة العسمي، المناضلة النسوية، حياتها في تسعينيات القرن الماضي أثناء تصاعد موجة الإرهاب الإسلامي. أما في مصر، فكانت نادية يونس، المدافعة عن حقوق النساء، أيضًا من ضحايا الجماعات الإرهابية الناشطة في سيناء.

شهيدات معركةِ الفكرِ الظلامي يُعِدْنَ رسمَ خرائطِ البطولةِ خارجَ أُطرِ السردياتِ الرسميةِ للتاريخ، مُؤكِّدات أن النساء لم يكنّ يومًا مجرّد ضحايا لعنفِ الأصوليات، بل كُنّ، وما زلن، وصيّاتٍ على ذاكرة المجتمعات، وحاملات لمشاعل الفكر الحرّ.

 

حارسات قلاع العلم والمعرفة

لقد لعبت النساء دورًا حيويًا في إنتاج المعرفة حول التطرف العنيف، من خلال إجراء بحوث إثنوغرافية في مناطق عالية الخطورة، لا سيما في الوسط السجني، خاصة بعد عام ٢٠١١م، وقد تبنّت هؤلاء الباحثات مناهج مبتكرة تجاوزت الحدود التقليدية بين الموضوعية والذاتية، لفهم أعمق لظاهرة التطرف ودينامياته المتفرعة.

ورغم إسهاماتهن الرائدة، تظل الباحثات إلى حدّ بعيد غير مرئيات في هذا المجال، حيث تُسلب إنجازاتهن غالبًا وتُنسب إلى زملائهن الرجال، فيما يُعرف بـ«تأثير ماتيلدا». كما يتعرضن لما يسمى بـ«التمييز المعرفي»، وهو شكل من أشكال التحيز الذي يحدّ من الاعتراف بمساهمات النساء في الأوساط الأكاديمية. وغالبًا ما يُقلَّل من قيمة إسهاماتهن الفكرية، أو تُتجاهل، أو لا يُشار إليها في الأبحاث والمراجع.

ولا يقتصر دورهن على البحث العلمي فقط، بل يمتد إلى المجال التربوي، حيث يقمن بكشف العلامات المبكرة للتطرف في المدارس والجامعات. ومن الأمثلة البارزة على ذلك اعتصام الطلبة السلفيين سنة ٢٠١٢ م، في جامعة منوبة بتونس، التي تحمل اسم حارسة المدينة، السيدة المنوبية، وهي عالمة صوفية. وقد تعرّض ضريحها للحرق عام ٢٠١٢م، على يد شاب جهادي كان من بين المعتصمين. وكان ضمن هذا الحراك، المعروف باسم «طلبة الثورة»، أعضاء شاركوا سابقًا في معركة سليمان سنة ٢٠٠٧م، وهي مواجهة مسلحة مع قوات الأمن التونسي وجماعة جهادية تُدعى «جيش أسد ابن فرات».

وقد تحولت الاحتجاجات في منوبة إلى أعمال عنف استهدفت هيئة التدريس والمؤسسة الجامعية، حيث قامت بعض المعتصمات بتخريب مكتب العميد، وثقب إطارات سيارات الأساتذة، وفرض ضغوط مستمرة على الإدارة. ورغم تلك الاعتداءات، واجهت النساء الجامعيات ومن بينهن أعضاء في المجلس العلمي بمقاومة مؤسسية وأحيانًا جسدية، حيث رافقن العميد المُهدَّد يوميًا على مدى أشهر، وشكلن طوقًا بشريًا لحمايته، وحافظن على الحضور الجمهوري في الحرم الجامعي. ومع ذلك، لم تحظَ نضالاتهن بالظهور الإعلامي الذي تستحقه، إذ ركّزت التغطية على صورة العميد والمعتصمين الرجال، بينما صُوِّرت المعتصمات السلفيات كنساء مستضعفات، وتم تهميش صوت الأستاذات والطالبات المقاومات.

إلى جانب الأكاديميات، برزت الطالبة خولة رشيدي بفعل بطولي سنة ٢٠١٢م، حين منعت متطرفًا من إنزال العلم التونسي واستبداله بالراية السوداء. ورغم محاولات المعتدي المتكررة لدفعها، صمدت وأفشلت محاولته، لتصبح رمزًا للنضال ضد التطرف العنيف في فضاءات العلم والمعرفة.

 

 عالمات دين ومرشدات روحية

تلعب النساء العالمات والمرشدات الروحيات دورًا أساسيًا في مكافحة التطرف العنيف. فمن خلال انخراطهن في المؤسسات الدينية، ومبادرات الوساطة، يعملن على تفكيك الخطابات المتطرفة وتقديم بدائل تقوم على السلام والتسامح والتربية.

في مؤسسات مرجعية مثل الأزهر في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، والرابطة المحمدية للعلماء في المغرب، تشارك المرأة بنشاط في التفكير الديني المعاصر وفي جهود الوقاية من التطرف. وفي المغرب، تُعد رجاء ناجي مكاوي، عضو المجلس الأعلى للعلماء، من أبرز الوجوه التي تجسد هذا التوجه الإصلاحي، من خلال مقاربتها التقدمية للقضايا الدينية والقانونية.

أما في موريتانيا، فقد تم تكوين شبكة من المرشدات في العلوم الشرعية، يتدخلن في السجون والمجتمعات الهشة لمحاربة الفكر المتطرف. وتُعد زينب بنت معطى الله، المنحدرة من أسرة علمية، من بين الشخصيات التي توظف المعرفة الدينية لتفكيك الخطابات المتشددة وتوعية الناس بالمعاني الحقيقية لمفاهيم مثل الجهاد.

وفي السنغال، تلعب الطرق الصوفية دورًا محوريًا في مقاومة التطرف. ففي الفيضة التيجانية، التي أسسها الشيخ إبراهيم نياس، مُنحت العديد من النساء لقب مقدمة (مرشدة روحية)، ويقدن جماعات من المريدين. وتُعد الحاجة موسوكورو مباي من أبرز هذه المرشدات، إذ تدير دائرة (جمعية دينية) تضم مئات الأتباع، وتنشر تعاليم تقوم على السلم والمحبة والتسامح.

كما تدعم منظمات مثل معهد تمبكتو هذه الجهود، عبر برامج للحوار بين الأديان والتكوين في مجال الوقاية من التطرف، حيث تشارك النساء الصوفيات بدور فعّال. وعلى المستوى العالمي، تساهم مبادرة "النساء في الإسلام من أجل الروحانية والمساواة" (WISE) في تعزيز الإسلام التقدمي والشامل، ودعم القيادة النسائية داخل الحقل الديني.

ومن خلال التزامهن الروحي والفكري والمجتمعي، تعيد هؤلاء النساء رسم ملامح السلطة الدينية، ويقدّمن ردًّا راسخًا وموثوقًا على الانحرافات المتطرفة. وبهذا، يؤكدن على قيادة نسائية دينية وسياسية في آنٍ واحد.

 

قيادات نسائية وسياسيات من المجتمع المدني

في مناطق النزاع، تلعب النساء دورًا حاسمًا في الاتفاقات المجتمعية من أجل السلام، كما هو الحال في وسط مالي، حيث أظهرت التجارب الميدانية أن حضور النساء في مسارات الحوار والتفاوض ساهم بشكل كبير في تهدئة التوترات وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة. تستند بعض النساء إلى مكانتهن الاجتماعية المرموقة، وشبكات علاقاتهن الواسعة داخل المجتمعات المحلية، مما يمكنهن من أداء دور الوسيط، لا سيما في المراحل الأولى من الاتصال مع الجماعات المسلحة، وهي مراحل تتطلب حسًّا دقيقًا بالتحولات المجتمعية ومعرفة عميقة بالبنية القبلية والثقافية.

أظهرت دراسة أجراها معهد الدراسات الأمنية (ISS) عام ٢٠٢١ م، أن نساءً من مالي والنيجر شاركن بفعالية في الحوارات المحلية، بل إن بعضهن تمكنّ من تسهيل الاتصال الأولي مع الفاعلين المسلحين، وهو ما يشير إلى دورهن المحوري في كسر الحواجز النفسية وتهيئة المناخ للمفاوضات. ويُعدّ تمثال فاطيماتا توري من مدينة غاو في شمال مالي دالًا على هذا الدور؛ فهي ناشطة معروفة شاركت في مبادرات للمصالحة المجتمعية، واستطاعت من خلال علاقاتها الممتدة ومكانتها كصوت يُحترم داخل المجتمع أن تخلق فضاءات للحوار بين المواطنين والسلطات، بعد فترات من القطيعة والعنف. إن مثل هذه الشخصيات النسائية لا تساهم فقط في التهدئة، بل في إعادة تشكيل مفهوم القيادة المجتمعية ذاته.

إلى جانب الجهود المحلية، تدعم هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) برامج إقليمية في إطار تنفيذ القرار ١٣٢٥ بشأن "المرأة والسلام والأمن"، من خلال تمكين النساء في دول مجموعة الساحل، وتعزيز مشاركتهن في صناعة القرار في سياقات النزاع. كما لعبت أمينة محمد، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، دورًا عالميًا بارزًا في الترافع من أجل إدماج النساء في سياسات مكافحة التطرف العنيف، معتبرة أن تعزيز قيادة النساء هو شرط أساسي لتحقيق سلام عادل ودائم.

 

لا يزال حقّ النساء في المشاركة في منصّات اتخاذ القرار فيما يتعلّق بالأمن ومنع التطرّف العنيف، ومساهمتهن في الحفاظ على السلام، يعاني من نقص كبير في التمويل ويظلّ محدودًا في نطاقه. فرغم الحضور النسائي في بعض هذه المجالات، تبقى النساء ممثَّلات تمثيلًا ضعيفًا ضمن الهياكل الأمنية، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي أو الوطني.
وبالرغم من مساهمتهن المتزايدة في الوقاية من النزاعات وفي بناء السلام، فإنّ أدوارهن كفاعلات سياسيات لا تزال مهمَّشة وتفتقر إلى الاعتراف الفعلي بقدراتهنّ القيادية. لذلك، فإن تعزيز تمثيل النساء في مراكز اتخاذ القرار وإعطائهن سلطة أكبر في رسم استراتيجيات الوقاية من التطرّف العنيف هو ضرورة ملحّة لضمان فعالية هذه السياسات ونجاعتها على أرض الواقع. إنّ تمكين النساء من أداء هذا الدور يتطلّب رفع مستوى تمثيلهنّ، وزيادة ظهورهنّ في المواقع ذات التأثير السياسي المباشر.

 

نحو إعادة قراءة مبتكرة لمفهوم الأمن

إنّ الاعتراف بدور النساء في مكافحة الإرهاب لا يعني إسناد وظيفة جديدة لهنّ كـ «أمهات الأمة» أو «حارسات السلام»، بل يتطلب إعادة تشكيل عميقة لمفهومنا للأمن. من خلال دمج أدوارهن المتعددة الأشكال، سواء كانت مرئية أو خفية، مسلحة أو سلمية، علمية أو مجتمعية، يمكننا صياغة سياسات وقائية وتعزيزية أكثر شمولاً وفعالية.

لقد آن الأوان لتجاوز منطق التعويض الرمزي، فنساء إفريقيا والعالم العربي لا ينتظرن أن يُمنحن مكاناً، بل إنّهن يشغلن بالفعل مواقعهن.

مجلة آراء حول الخليج