يحتل السودان من حيث الموقع، أهمية استراتيجية بالغة في إطار منطقة القرن الإفريقي ، سواء كان التعريف التقليدي لتلك المنطقة ينحصر في نطاق جغرافي محدود ليشمل كل من السودان والصومال وجيبوتي وإريتريا وأثيوبيا ( وجنوب السودان ) أو في مفهوم جيوسياسي يخرج القرن الإفريقي من دائرته الجغرافية المغلقة إلى دائرة ذات بعد أمني وسياسي واستراتيجي أوسع وأشمل كجزء من منطقة البحر الأحمر تضم أيضا مصر والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن ـ مع إسقاط إسرائيل وهو تعريف يأخذ في اعتباره مناطق تؤثر فيه وتتأثر به، من أبرزها منطقة الشرق الأوسط حيث القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، ومنطقة الخليج حيث الصراع الإيراني / الأمريكي الأوروبي المتقاطع مع إسرائيل متضمنا الملف النووي الإيراني / تطورات الأزمة السودانية / تطورات الأوضاع في الصومال / القضية اليمنية ..ولعل النقطة الجديرة بالرصد ونستبق بها العرض لأهميتها البالغة أن الميليشيات المتواجدة بدول المنطقة تضطلع بأدوار داخلية وبعلاقات خارجية مع نظائرها أو مع مؤسسات دول مستهدفة المشاركة في السلطة والثروة والنفوذ.
تحتل منطقة القرن الإفريقي موقعًا استراتيجيًا حاكمًا ذو أهمية بالغة على مدخل البحر الأحمر وخليج عدن، وفي اتجاه مضيق باب المندب وقناة السويس ، وفى ارتباط وثيق وعضوي في الجنوب بالمحيط الهندي ، وفى الشمال بالبحر المتوسط ،ومن الشمال الشرقي بالخليج، وهى أمور تجئ في المجمل في أطر الأمن القومي لدول المنطقة، والأمن القومي العربي، والأمن القومي الإفريقي ، خاصة وأن من بين قضايا الأمن القومي المتعددة ذات الارتباط الوثيق بمنطقة القرن الإفريقي، قضايا الأمن المائي المرتبطة " بمياه نهر النيل كرافد رئيسي للحياة والوجود لشعوب ودول متشاطئة على النهر السودان ومصر ، وتلك المرتبطة بمنطقة ومياه البحر الأحمر من حيث أمن واستقرار حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وقضايا شعوب ودول متشاطئة عليه وبالجوار .
تكتسب منطقة البحر الأحمر أهمية استراتيجية بالغة؛ حيث إن البحر الأحمر قلب البحار والمحيطات للقارات الثلاث إفريقيا وآسيا وأوروبا وواسطة عقدهم، صمام الأمن والاستقرار وأحد المصادر الرئيسية للتنمية المستدامة والنمو الاقتصادي لدول وشعوب عديدة. هذا ومن المنظور الأمني ، حيث مهددات الأمن والاستقرار من قوى إقليمية من أبرزها دول بالجوار العربي، وأيضا قوى دولية ، فإن البحر الأحمر متخم بالقواعد العسكرية الثابتة ـ قواعد عسكرية بدول بالمنطقة والمتحركة تتجسد في أساطيل بحرية عسكرية لقوى إقليمية ودولية دفعت الدول المتشاطئة عليه في عام 2020م، إلى إنشاء مجلس الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن ، مختزلة أهدافه في تحقيق الأمن والتنمية ، مستبعدة إسرائيل أحد المصادر الرئيسية لمهددات الأمن والاستقرار في المنطقة من عضويته على خلفية القضية الفلسطينية ،خاصة وأن إسرائيل ، تواجدت عليه في شماله بميناء إيلات ، على نحو غير قانوني غير شرعي، وتسعى للتواجد أمنيًا وعسكريًا على نحو غير شرعي وغير قانوني في جنوب البحر الأحمر عبر إقليم أرض الصومال جزء من دولة الصومال ، في توافق مع مسعى أثيوبي مماثل للتواجد بمقابل مادي وسياسي الاعتراف بأرض الصومال كدولة ليكون لإسرائيل تواجدًا حاكمًا في شمال منطقة البحر الأحمر حيث ميناء إيلات، وآخر الساعية إليه في الجنوب بأرض الصومال . تجدر الإشارة إلى أن كل من إسرائيل وأثيوبيا يسعيان للانضمام إلى مجلس الدول العربية والإفريقية. ويمكن النظر إلى هذه التوجهات من منطلق سعي إسرائيل إلى تغيير خريطة الشرق الأوسط بضم أراض عربية تطال دول بمنطقة القرن الإفريقي / البحر الأحمر، ربطًا بتصفية القضية الفلسطينية جغرافيًا بضم أراضي عربية، وديمغرافيًا بإفراغ الأراضي الفلسطينية من الشعب الفلسطيني أي إجهاض ووأد عناصر الدولة لا أرض / لا شعب / لا سلطة.
أما من المنظور الاقتصادي التنموي، يتنامى التكالب الإقليمي والدولي على المنطقة من قوى إقليمية ودولية ليس فقط لاعتبارات ذات بعد أمني وسياسي كما رأينا، بل وأيضًا، لاعتبارات اقتصادية واجتماعية وثقافية .
في إطار تلك البيئة الإقليمية بأبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تسود دول وشعوب المنطقة يدور ويحتدم صراع على السلطة والثروة والهيمنة والنفوذ ، داخليًا بين مكونات كل مجتمع لدول المنطقة سواء ما كان منها مدنيًا أو عسكريًا ، بل ويتقاطع الصراع المدني والعسكري ليتشكل منه حواضن سياسية لمكونات عسكرية مثلما هناك حواضن عسكرية لمكونات سياسية ، ويزداد المشهد تعقيدًا بالتكالب خارجيًا من قوى إقليمية ودولية تضطلع بدور يؤجج الصراع بدعم عسكري ومادي وسياسي من بعض القوى لأطراف في مواجهة أطراف أخرى متصارعة ، وعلى نحو يبدو معه أن هناك انتهاك لمبدأ سيادة الدولة بالتدخل في الشأن الداخلي وبما يعد تهديدًا لوحدة الدولة وسلامتها الإقليمية.
ثانيًا: ـ بـــروز الميليشيات كإحـــدى القـــوى الفاعلــــة:
في خضم الصراع الدائر بالمنطقة التي تشهد نزاعات مسلحة وحالات من التوتر وعدم الاستقرار برزت الميليشيات، لتضطلع بأدوار وأنشطة عسكرية. تمتد تلك الأنشطة لخارج الحدود في إطار تعاوني مع نظائرها أو مؤسسات دولة. تفرز هذه الأنشطة تداعيات سياسية واقتصادية بل واجتماعية / إنسانية، على الأرجح سلبية مدمرة. ومن الناحية التاريخية الميليشيات قوة عسكرية مرتزقة تختلف عن الجيش النظامي الذي يتبع مؤسسة عسكرية رسمية وطنية، فهي لا تقع ضمن القانون العام للبلاد سواء ولدت علي أيدى قوى سياسية أو اجتماعية أو انبثقت عن أنظمة رسمية حزبية. قد تعترف بها الدولة رسميا للاستفادة من أنشطتها الرسمية في المجتمع لصالح النظام والدولة وليس العكس. وقد تنشأ الميليشيات من منطلق أيديولوجي ذو بعد سياسي أو ديني أو مذهبي أو قبلي أو إثني، يتعزز تواجدها بأسباب اقتصادية واجتماعية من جراء سوء إدارة الدولة المدنية وانتشار التهميش الاقتصادي والاجتماعي لبعض الجماعات الثقافية والاثنية وربما الدينية أو المذهبية وعلى الأرجح في ظل نظم هشة. وقد تبرر الميليشيات اللجوء الى حمل السلاح لتأمين وجود الجماعات التي تنتمي إليها، وهو ما يدفعها إلى التعاون مع قوى خارجية للوصول معًا إلى السلطة والثروة وممارسة الهيمنة والنفوذ. من أبرز دول المنطقة التي تعاني من هذه الظاهرة الســـودان / الصومـــال / اليمـــن / إثيوبيا، والأمر الجدير بالاستباق للإشارة إليه هو إمكانية رصد تعاون في المنطقة، بين ميليشيات بدول مع نظائرها في دول أخرى على نحو سنراه لاحقًا في العرض..
1 ـ ميليشيا الحوثــي باليمـــن:
حركة عسكرية سياسية / شيعية / زيدية جمعت بين النهج الإيراني والحكم العائلي تسمى أيضًا حركة أنصار الله تحظى بدعم قوي مادي وعسكري من إيران كأحد أبرز الميليشيات المسلحة الدائرة في فلكها، تقتصر سيطرتها على ما يقرب من معظم مناطق شمال اليمن بما في ذلك العاصمة صنعاء أي حوالي ثلث مساحة اليمن وأكثر من ثلثي سكانه. تفتقر إلى شرعية التواجد القانوني أو الشعبي، وفقط إلى شرعية الأمر الواقع بقوة السلاح والدعم الإيراني، تعارض الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والتحالف الذي تقوده السعودية
وهناك اتصالات عبر حركة الشباب الصومالية مع عناصر من داعش وتنظيم الدولة حيث تتواجد في ولاية بونت لاند الصومالية، مثلما يتواتر حديث عن نجاح الحوثيين في إنشاء خلايا في مناطق قبيلة العفر في كل من جيبوتي / أريتريا /إثيوبيا بالقرن الإفريقي باستقطاب أفراد من تلك القبيلة وإيفادهم لليمن لإحداث تغيير مذهبي وتدريبهم على نحو مماثل لما حدث لجماعة الحوثي في إيران من قبل.
2 ـ ميليشيا حركـــة الشبـــاب بالصومــــال:
حركة الشباب الصومالية هي حركة إسلام سياسي قتالية، وهي فصيل صومالي تتعدد مسمياته ولكن هذا المسمى هو الأكثر انتشارًا. تأسست عام 2004 م، وكانت الجناح العسكري لاتحاد المحاكم الإسلامية ولكنها انفصلت عنه، وأعلنت أنها تسعى لإقامة دولة إسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية في اتساق مع تبنيها الفكر الجهادي السلفي، المعادي للوجود الغربي والإفريقي الأجنبي. أعلنت الحركة في مرحلة لاحقة عام 2012 م، ولاءها لفكر وتنظيم القاعدة، مدرجة على قوائم المنظمات الإرهابية منذ عام 2006 م. تضم الحركة عناصر أجنبية ممن شاركوا في أفغانستان /البوسنة / الشيشان / وكشمير.
تعتمد في التمويل على القرصنة، والابتزاز من شركات ومجتمعات، وما تفرضه من ضرائب غير قانونية بمناطق سيطرتها ومنها ما يسمى بضريبة الزكاة (2،5 %)، وعمليات التهريب وغسيل الأموال، وبعض الجمعيات التي تمارس ظاهريًا نشاطًا خيريًا، ويبلغ حصيلة ما يمكن أن توفره الحركة من تلك المصادر ما بين 100 إلى 150 مليون دولار سنويًا.
تواجه حركة الشباب الصومالية التي تنشط بين الفينة والأخرى ضربات قوية من الجيش الصومالي المدعوم بقوات من دول بالاتحاد الإفريقي تحت مظلة الأمم المتحدة، وهي قوات “دعم الأمن والاستقرار" التي بدأت ولايتها يناير 2025 م، لتحل محل قوات حفظ السلام التي انتهت ولايتها ديسمبر 2024م، ويتلقى الجيش الصومالي أيضًا دعمًا عسكريًا وتدريبيًا من تركيا عبر القاعدة العسكرية التركية بالصومال، كما تقوم قوات أمريكية داعمة للجيش الصومالي بشن ضربات جوية من حاملة الطائرات هاري ترومان ضد مواقع لحركة الشباب وداعش ومن أبرزها تلك التي جرت في فبراير 2025 م، على مواقع لداعش في إقليم بونت لاند شمال شرق الصومال، كما أرسلت مؤخرًا ست قاذفات شبح بي 2 إلى القاعدة الأمريكية في دييجو جارسيا بالمحيط الهندي كرسالة ذات مغزى عميق واضح الدلالة إلى كل من إيران والتنظيمات الإرهابية (الشباب /الحوثيين). كما يحظى الصومال أيضا بدعم مادي أمني وسياسي وتنموي من دول عربية من أبرزهم مصر توفر أيضًا دعمًا عسكريًا في إطار اتفاقات دفاعية والسعودية والإمارات.
ثالثًا: ـ الميليشيات بالســــــــودان:
1 ـ الميليشيات أحد تحديات الأمن والاستقرار وشيوع السلام في السودان:
يشهد السودان كدولة منذ ثورة ديسمبر 2018م، التي أسقطت نظام البشير الاوليجاركي الديكتاتوري العسكري المنتمي إلى الحركة الإسلامية الإخوان المسلمين القائم على رؤية فلسفية للإسلام السياسي وتبنى التوجه نحو نظام قائم على رؤية فلسفية لنظام حكم مدني ديموقراطي يشهد تحديات جسام تهدد أمنه واستقراره بل ووحدته وسلامته الإقليمية من جراء صراعات وانقسامات داخلية حادة بين مكونات المجتمع السوداني بما في ذلك المكونات الأمنية التي تتجسد في كيانات عسكرية نظامية، وأخرى غير نظامية. يدور بين هذه الكيانات صراع على السلطة والثروة والسيطرة والنفوذ والذي يتعزز بأدوار وتدخلات لقوى إقليمية بالجوار العربي وبالجوار الإفريقي وقوى دولية أيضًا من أبرزها الولايات المتحدة والصين وروسيا، تدعم طرفًا في مواجهة طرف آخر لتأمين مصالحها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار يشهد السودان صراعًا عسكريًا محتدمًا بين الطرفين الرئيسيين للمكون العسكري القوات المسلحـــة، والدعم السريــــع.
لعل أبرز المآسي التي يعاني منها الشعب السوداني منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان، هي تعدد الميليشيات وتكاثر أعدادها، وتنوع منطلقاتها، التي تستند إليها أيدولوجية، قبلية، اثنية، دينية، جهوية، وتعدد مسمياتها بين الحركات المسلحة غير الحكومية / الحركات الثورية / حركات التحرير.. وتجدر الإشارة إلى أن تنامي عدد الحركات المسلحة وتكاثرها هو امتداد لسياسات نظام البشير الذي حكم البلاد 30 عامًا عمل خلالها على تشكيل جيوش موازية منها الدعم السريع والعديد من الكتائب الإخوانية ذات البعد العسكري العقائدي. كما أن تأجيج النزاعات والانشقاقات بين الحركات المسلحة واستخدام سلاح المصالحات بالإغراءات بالمناصب شجع على الاستقطاب القبلي والاثني. هذا فضلًا عن عمليات التحشيد الشعبي التي تفرز المزيد من الميليشيات القبلية التي قد يمتد تأثيرها إلى دول بالجوار بحكم الروابط الاثنية، خاصة مع السماح للمواطنين بحمل السلاح حيث يتعين أن يكون ضمن ضوابط حاكمة، يبدو أنها غائبة.
2 ـ إرهاصات ظهور الميليشيات بالسودان / جنوب السودان:
يمتد ظهور الميليشيات في السودان بجذوره إلى النصف الثاني من القرن الماضي وارتبط بما يسمى أو بمصطلح الجهات الفاعلة غير الحكومية NON STATE ACTORS، واتخذت أشكالًا من بينها الحركات المسلحة/ جماعات الضغط / المنظمات غير الحكومية / الشركات العابرة للقارات، وظلت السمة المشتركة بينها التمتع بنفوذ وتأثير مستقل عن حكومات الدول ذات السيادة. لقد بدأت إرهاصات هذه الحركات في جنوب السودان بحركة الأنانيا (أي الثعبان الأسود) عام 1955م، لمحاربة الحكومة السودانية وانتهت باتفاق سلام مع نظام نميري في الفترة 1969 ـ 1985م، ولكن إنهار اتفاق سلام 1972 من الموقع بين الجانبين في عام 1983م. وتطورت الحركة بقيادة جون جارانج حيث أضحت بمسمى الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي وقعت على اتفاق السلام الشامل عام 2005، ولينفصل جنوب السودان عن الدولة الأم في 2011 م، بموجب استفتاء شعبي.
وارتباطًا بتلك التطورات برزت على الساحة السودانية إبان تلك الفترة ولم تزل متواجدة وبدور فاعل ومؤثر الحركة الشعبية لتحرير السودان / شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في جنوب كردفان والذي انضم مؤخرًا إلى قوات الدعم السريع في إطار تجمع تأسيس الذي يضم مجموعة من القوى السياسية كحاضنة سياسية للدعم السريع ويعد الأخير الحاضنة العسكرية لتلك القوى.
3 ـ الميليشيات بدولة الســـــــودان:
تشير التقديرات إلى أن عدد الحركات المسلحة في السودان حاليًا قد يصل إلى ما يقرب من 100 حركة، من بينهم ما يقرب من 87 حركة في إقليم دارفور (به خمس ولايات)، ومعظمهم نتاج ثلاث حركات رئيسية برزت لحيز الوجود إبان اندلاع الحرب الأهلية في دارفور عام 2003 وهي / الحركة الشعبية لتحرير السودان أركو ميناوي / الحركة الشعبية لتحرير السودان عبد الواحد نور / حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم، وينتمون إلى القبائل غير العربية (الفور الزغاوة المساليت ). لقد كان تكاثر عدد الحركات من جراء ما شهدته تلك الحركات من انقسامات وتشظي، كما ظهرت في ولايات الأطراف / النيل الأزرق / كردفان ما يقرب من 6 فصائل مستقلة من جراء تشظي الحركة الشعبية لتحرير السودان، بينما بلغ عدد الحركات المسلحة بشرق السودان 7 حركات. وتبرز بجانب تلك المجموعات المشار إليها والقائمة على أسس اثنية أو مناطقية أو جهوية مجموعات مسلحة ذات بعد عقائدي من بينها وأهمها كتيبة البراء ذات الوزن والتأثير من الكتائب المنتمية لتنظيم الإخوان المسلمين والتي تقاتل بجانب القوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع ، وكذا قوات درع السودان، التي تتسم بالقوة والتدريب وعدد القوات بقيادة عاقلة وتنشط وسط السودان خاصة منطقة الجزيرة ، ويمتد نشاطها شرقًا وشمالًا ،انضمت إلى الدعم السريع ثم غيرت توجهاتها مؤخرًا وتقاتل حاليًا مع القوات المسلحة .
4 ـ ميليشيا الدعـــــــم السريــــــــع:
فيما يتعلق بقوات ميليشيا الدعم السريع، فقد أضحت مؤخرًا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال الحاضنة العسكرية لمجموعة من القوى السياسية، مثلما أضحت تلك المجموعة الحاضنة السياسية للدعم السريع، وفي إطار ما يسمى كما أشرنا بتجمع تأسيس، الذي يتمحور بيان تشكيله حول دعوة لتكوين حكومة موازية، وبناء دولة علمانية، على نحو قد يهدد وحدة السودان وسلامته الإقليمية، وذلك في مواجهة ومحاربة النظام القائم حاليًا في السودان مجلس السيادة المعترف به دوليًا وإقليميًا بشرعية الأمر الواقع. تجدر الإشارة إلى أن تجمع تأسيس كان جزءًا من قوى الحرية والتغيير / المجلس المركزي بقيادة حمدوك والتي كانت حاضنة سياسية للدعم السريع والأخير حاضنة عسكرية لها، إلا أن مجموعة تأسيس انفصلت مع الدعم السريع وبقيت المجموعة الأخرى مع فك ارتباطها بالدعم السريع لتشكل مجموعة مستحدثة بمسمى صمـــود، بقيادة حمدوك، وهي الأكثر وزنًا وتأثيًرا وقبولًا من مجموعة تأسيس التي يتراجع أي وزن أو تأثير أو قبول لها محليًا وإقليميًا ودوليًا. يتواجد على الساحة السودانية أساسًا بجانب هاتين المجموعتين، الكتلة الديمقراطية المنبثقة عن قوى الحرية والتغيير المشار إليها والجبهة الثورية أي مجموعة اتفاق سلام جوبا، والعديد من الأحزاب السياسية التقليدية المعروفة والتي تتمتع كل منها بقدر كبير من الشعبية تتباين درجاته، فضلًا عن نشاط لحزب المؤتمر الوطني المنحل حزب نظام البشير
واقع الأمر ، تعد قوات الدعم السريع ، ميليشيا شبه عسكرية ، وهي نتاج لنبته شيطانية هي ميليشيا الجنجويد التي تعني جن يمتطي جواد ببندقية ، والتي كانت تقاتل نيابة عن حكومة البشير خلال الحرب في دارفور ضد الحركات المسلحة المشار إليها، وكلاهما يتمتع بسجل سيء السمعة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي خاصة الأخير ـ الدعم السريع ـ الموجه إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وبأنه ميليشيا إرهابية تضم عناصر مرتزقة مارست الإبادة الجماعية والقتل الجماعي ، وتدمير البنية التحتية والمباني ومؤسسات الدولة ودفعت الملايين من أبناء الشعب السوداني إلى النزوح الداخلي واللجوء الخارجي إلى دول الجوار . كانت قوات الدعم السريع تدار آنذاك من قبل جهاز المخابرات والأمن الوطني حيث يتبع الأخير قيادة القوات المسلحة. لقد تولى قيادة قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي وهو راعي إبل، ولم ينل من التعليم إلا المراحل الأولى وتم منحه رتبه عسكرية رفيعة. إبان فترة البشير كانت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي حامية لنظام البشير وللبشير، شخصيا لذا منحه البشير حق تملك مناجم ذهب بالسودان مكنته من ثروة هائلة استثمرها في علاقات أخطبوطية في الإطار الإقليمي والدولي مع دول بالجوار العربي والإفريقي أبرزها الإمارات وإثيوبيا وكينيا وجنوب السودان فضلًا عن إسرائيل بجانب الولايات المتحدة الأمريكية. يؤكد مراقبون وتقارير دولية، أن الأولى حصلت تقريبًا في عام 2022م، على الذهب المنتج من المناجم المسيطر عليه الدعم السريع والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولار، وفي فترات لاحقة بكميات ربما أقل. بعد سقوط البشير صار حميدتي في وقت لاحق نائب رئيس المجلس العسكري الذي تولى قيادة البلاد في الفترة الانتقالية خلال الاحتجاجات السودانية عام 2019م. حظي الدعم السريع عقب الانقلاب العسكري الذي نفذه الجيش بصلاحيات أكبر ولعب الدور الأبرز في القمع العنيف للمتظاهرين المؤيدين للديمقراطية إلى جانب قوات الأمن الأخرى..
رابعًا: ـ تقديــــــر ورؤيـــــــــة:
مجمل القول، إن انتشار ظاهرة التمليش، او الميليشياوية في المنطقة عامة وفي السودان خاصة أي بتكاثر أعدادها، وتباين منطلقاتها وتوجهاتها، والارتباط بقوي خارجية إقليمية أو دولية، في إطار من الصراعات فيما بينها وبسعي كل منها عبر القوة المسلحة والعنف نحو هدف السلطة والثروة والهيمنة والنفوذ، تطيل من أمد الصراع وتهدد الأمن والاستقرار، بل وتهدد وحدة الدولة وسلامتها الإقليمية. إن اختزال الصراع في استقطاب بين طرفين هما القوات المسلحة والدعم السريع في ظل حواضن سياسية / عسكرية، وأيضًا عسكرية سياسية، ربطًا بمحاور وقوى إقليمية ودولية لكل طرف يؤجج الصراع المسلح ويتعذر معه التوصل إلى وقف الاقتتال.
في التقدير ، يستوجب الأمر طرح أفق سياسي عبر مسار سياسي لحوار سوداني / سوداني شامل لمكونات المجتمع السوداني ، دون أي تدخل خارجي ، يتحدد في إطاره وعبر توافق بين تلك المكونات التي تعكس في الواقع رؤية الشعب السوداني، وضعية الميليشيات ومستقبلها المنشود بما في ذلك أساسًا الدعم السريع على النحو الذي ورد في المتن بصدده وبصدد القوات المسلحة وذلك بالدمـــج أي في القوات المسلحة والشرطة والمجتمع المدني وإبعاد العناصر الأجنبية خارج الدولة في إطار برنامج زمني أممي، مع فك أي ارتباط بين أي مكون مدني وميليشيا عسكرية كحواضن فيما بينهم ، وكذا الوضع بالنسبة للقوات المسلحة بصدد ما يتردد عن ارتباط مع قوى سياسية للنظام السابق على أن يتم تطوير القوات المسلحة وتحديثها لتصبح جيشًا وطنيًا مهنيًا قوميًا يمثل الشعب السوداني بمكوناته ، والذي يعد أحد أبرز عناصر المؤسسة العسكرية في إطار النظام القائم حاليًا في السودان المعترف به دوليًا وإقليميًا .
وفي هذا الصدد قد يكون من المناسب إحياء وتفعيل نشاط مجلس الدول العربية والإفريقية المتشاطئة على البحر الأحمر، وأن يتولى رعاية مؤتمر الحوار السوداني / السوداني الشامل بين مكونات المجتمع السوداني برئاسة مشتركة سعودية ـ مصرية، ربطًا بمنبر جدة المتوافق عليه سودانيًا وإقليميًا ودوليًا لإنهاء الصراع المسلح، وذلك في اتساق مع مبادرات دول الجوار ومنظمات إقليمية ودولية معنية بالشأن السوداني بالمشاركة من جانبهم كمراقب ومتابع وضامن تنفيذ مخرجات مؤتمر" يستهدف تسوية الأزمة السودانية من جوانبها المختلفة.






