array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

أمام الإخوان خياران: الاندثار والاختفاء من المشهد بعد فشلها في الصراع الحضاري أو عقلنة خطابها

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

منذ تأسيسها في عام 1945م، قدمت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن نفسها كحركة دعوية تهدف إلى الإصلاح المجتمعي من خلال العمل الخيري والتعليمي فأنشأت الجماعة مدارس ومراكز تعليمية وجمعيات خيرية، وسعت إلى تقديم خدمات متنوعة للمجتمع الأردني، مما أكسبها قاعدة شعبية واسعة في الاتحادات الطلابية والجمعيات والنقابات المهنية والأحزاب. وحافظت الجماعة على مدى الثمانين سنة الماضية، على موقعٍ مؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية الأردنية، خاصة من خلال جناحها السياسي المُرخص منذ 1992م ،"حزب جبهة العمل الإسلامي"، الذي وفر للجماعة منصة سياسية واجتماعية واسعة. كما اعتمدت الجماعة على شبكة مؤسسات تعليمية وثقافية وخيرية، مما ساهم في تعميق روابطها مع شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما في المدن الكبرى مثل عمان الزرقاء، إربد، البلقاء، وفي المخيمات الفلسطينية والأرياف والمناطق الفقيرة. ورغم أن الحجم التنظيمي الفعلي للجماعة لا يتجاوز 10,000 إلى 12,000 عضو، إلاّ أن حضورها، وتأثيرها الاجتماعي والسياسي في الشارع الأردني يفوق ذلك بكثير، مما أثار مخاوف الدولة من "تضخّم" قدرتها على الدعاية والتعبئة والتجنيد.

مع تصاعد حركة الاحتجاجات الشعبية بعد ما يسمى "الربيع العربي" في أعوام 2011 و2015م، رأت السلطات الأردنية أن نشاط الجماعة تجاوز الإطار القانوني والسياسي البرلماني التقليدي وتحول إلى قوة تعبئة ودعاية وتجنيد خطيرة يمكنها من استثمار الملفات الاقتصادية والسياسية للضغط على الحكومات الأردنية والنظام. وبالفعل؛ ساهمت الجماعة بشكل مدروس وحثيث في تعبئة الشارع ضد الدولة والنظام مستغلة القضايا الاقتصادية المطلّبية مثل ارتفاع الأسعار والبطالة، إضافة إلى العلاقات السياسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن المتغير الجديد الذي قلب معادلة الاحتواء الحذر كان عامل الحرب في غزة، حيث شكلت استمرارية الحرب في غزة عامل عدم استقرار أمنى في الأردن يهدد الأمن الوطني والسلم الأهلي. ولقد استغلت الجماعة الحرب في غزة وغضب الشارع الأردني ضد الجرائم الإسرائيلية بطريقة خبيثة وشعبوية لتعبئة الشارع الأردني ضد النظام والحكومات الأردنية والمؤسسات السيادية مثل الجيش والأجهزة الأمنية لمصلحة برنامجها الداعم لحركة حماس والنظام الإيراني.

لقد كان هناك الكثير من الإرهاصات التي يصعب حصرها في هذا المقال والتي كانت تنُذر بنهاية حتمّية للجماعة في الأردن. غير أنى أريد أن أشير هنا إلى عدد من الأحداث التي سبقت، ومهدت الطريق أمام قرار الحظر، وكلها جاءت على خلفية تداعيات الحرب في غزة ويمكن أن أصفها بعمليات الإخوان المسلمين الإرهابية التي تراكمت لدى دائرة المخابرات العامة والدولة ودقت ناقوس الخطر حتى وصلت إلى قرار الحظر. وهذه الأحداث مرتبة تاريخياً على النحو التالي:

  • ذكرت وسائل إعلام متعددة أنّ دائرة المخابرات العامة اعتقلت خلال يونيو 2023م، خلية تتألف من 4 مواطنين أردنيين من أصول فلسطينية ينتمون إلى حركة حماس بتهمة التورط في شبكة لتهريب السلاح إلى الضفة الغربية، وكان اللافت أن أحد أعضاء الخلية هو عبد الرحمن المشوخي / نجل عضو مجلس شورى الجماعة وحزب جبهة العمل الإسلامي والنائب السابق في البرلمان الأردني 2003م، عن محافظة الزرقاء إبراهيم سليمان المشوخي. لكن الغريب بالأمر أنّ دائرة المخابرات أفرجت عنهم نهاية 2023م، بعد اعتقالهم والتحقيق معهم لمة ستة أشهر. كما وكان لافتا للأمر أنه تم التكتم على العملية من قبل السلطات الأردنية وحركة حماس، حيث حرص الطرفان على إبقاء الأزمة التي عصفت بالعلاقات بينهما صامتة وبعيدة عن الأضواء. وقد فُسرت الخطوة الأردنية بالإفراج عن المعتقلين في حينه أنها جاءت في سياق محاولة الأردن تهدئة الشارع الأردني الغاضب نتيجة العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، والتفاعل الكبير من الأردنيين مع المجازر اليومية التي يرتكبها الاحتلال هناك. وأدى اكتشاف المخابرات الأردنية لهذه العملية إلى توتر شديد في العلاقة بين السلطات وحماس، والتضييق على كوادرها الذين يحمل بعضهم الجنسية الأردنية، ويترددون على البلاد لزيارة عائلاتهم. ويعود ذلك إلى اكتشاف الأردن أن محاولات التهريب، وبعضها تم بطائرات مسيرة أسقطها الجيش الأردني، تمت بالتعاون مع حزب الله. واعتبر الأردن ذلك بمثابة تهديد لأمنه القومي، على خلفية التخوف من محاولات إيران استخدام الأراضي الأردنية في الصراع مع إسرائيل.
  • حادثة خلية حماس وتهريب السلاح بالتعاون مع إيران. ذكرت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، الأربعاء،15 مايو 2024م، نقلا عن مصدر مسؤول قوله إن الأجهزة الأردنية الأمنية أحبطت محاولة تهريب أسلحة إلى المملكة، أُرسلت من قبل ميليشيات مدعومة من إحدى الدول إلى خلية في الأردن. وأضاف المصدر أن الكمية صودرت عند اعتقال أعضاء الخلية، وهم أردنيون من أصل فلسطيني ، في أواخر مارس 2024م. وحسب مصادر لوكالة (رويتر) فإن الأسلحة أرسلتها فصائل في سوريا مدعومة من إيران إلى خلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، لها صلات بالجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس).وأكد قياديون في جماعة الإخوان المسلمين في الأردن طلبوا عدم الكشف عن هويتهم لوكالة (رويترز) إن أعضاء الخلية الذين تم اعتقالهم كانوا ممن تم تجنيدهم من قِبل نائب رئيس المكتب السياسي لحماس صالح العاروري، الذي كان العقل المدبر لعمليات حماس في الضفة الغربية من منفاه في لبنان قبل أن يتم اغتياله من قبل إسرائيل في لبنان في 2يناير 2024م. وادعى قادة الإخوان أن العملية لم تكن بقرار مركزي من الجماعة بل عمل فردي، وبهدف تهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية، وليس استخدامها داخل الأردن.
  • ذكرت السلطات الأردنية خلال عام 2023م، إنه أحبط الكثير من المحاولات التي قام بها متسللون مرتبطون بالجماعات الموالية لإيران في سوريا، والذين قال الأردن إنهم عبروا حدودها بقاذفات صواريخ ومتفجرات، وتمكنوا من إدخال بعض الأسلحة من دون أن يتم اكتشافها. ونفت طهران أن تكون وراء مثل هذه المحاولات.
  • حادثة البحر الميت. في 18 أكتوبر 2024م، غداة إعلان إسرائيل قتل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار في عملية في قطاع غزة. أصيب جنديان إسرائيليان بجروح طفيفة في عملية إطلاق نار على بعد نحو 3 كيلومترات من مستوطنة نئوت هكيكار جنوب البحر الميت نفذها عامر ناصر قواس، وحسام حسين أبو غزالة وكلاهما يحمل الجنسية الأردنية من أصول فلسطينية بعد عبورهما من الأردن، وكانا يرتديان ملابس عسكرية أردنية للتمويه قبل أن يعلن الجيش الإسرائيلي قتلهما في العملية.

المثير في هذه العملية أنّ جماعة الإخوان المسلمين، وحزب جبهة العمل الإسلامي تبنّت وباركت العملية فور الإعلان عنها. ثم تراجعت عن ذلك بنفس السرعة. ففي بيانه الأول، الجمعة 18نوفمبر2024م، وصف حزب “جبهة العمل الإسلامي” العملية بـ “البطولية”، وقال إن منفذيها الاثنين من “شباب الحركة الإسلامية”، كما دعا الحكومة لإعادة النظر بكافة الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل ووقف الممر البري وإعادة العمل بالجيش الشعبي”، على حد تعبيره. ثم نقلت وكالة “فرانس برس” عن الناطق باسم جماعة “الإخوان المسلمين”، معاذ الخوالدة 18 تشرين اول 2024م، قوله إن المهاجميْن “من أبناء الجماعة، وكانا يشاركان دائما في الفعاليات المتضامنة مع غزة والمؤيدة للمقاومة”. ثم تراجعت الجماعة بسرعة عن ذلك في تصريح صحفي، وصفت فيه العملية بـ “العمل البطولي، لكنه فردي”، وأنها “جاءت كرد فعلٍ من شباب أردني لم يتحمل مشاهد الوحشية الصهيونية الغاشمة”.

وهنا يجب ألا يغرُب عن البال أن حجة "العمل الفردي " بدون قرار مركزي وعلم وتنسيق مسبق مع قيادة الجماعة هي حجة متهافتة ولم تعد تنطلي على أحد خاصة على الأجهزة الأمنية.  وقد كان من المثير للاستغراب أن قيادة الجماعة حاولت بأقصى طاقتها خلال الشهرين الماضيين تسويق نفس الحجة بعد كشف خلاياها الإرهابية الأربع، ثم قرار الحكومة حظرها الشامل.

ماذا طرأ على هذه العلاقة ما أدى إلى حظرها أخيراً؟

أعلن وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، خلال مؤتمر صحفي في 23 أبريل 2025م، حظر كافة نشاطات جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها جمعية غير مشروعة. وجاء قرار الحظر الشامل في أعقاب إعلان دائرة المخابرات العامة الأردنية، في 15 أبريل 2025م، عن إحباط مخططات إرهابية تهدف للمساس بالأمن الوطني وإثارة الفوضى داخل المملكة. وأوضحت الدائرة أنها كانت تتابع هذه المخططات بشكل استخباري دقيق منذ عام 2021م، وأسفرت التحقيقات عن إلقاء القبض على 16 فرداً ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين متورطين في هذه المخططات، تمت إحالتهم إلى محكمة أمن الدولة بعد ان أدلى ثمانية متهمين رئيسين منهم باعترافات متلفزة عبر التلفزيون الأردني الرسمي ووسائل الإعلام الأردنية الأخرى. ووفقاً للناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية، محمد المومني، فإن المخططات شملت تصنيع صواريخ قصيرة المدى بأدوات محلية وأخرى تم استيرادها من الخارج لغايات غير مشروعة، وحيازة مواد متفجرة وأسلحة نارية، وإخفاء صاروخ مُجهز للاستخدام، بالإضافة إلى مشروع لتصنيع طائرات مسيرة. كما تضمنت المخططات تجنيد وتدريب عناصر داخل الأردن وإخضاعها للتدريب في الخارج.

 تداعيات حظر الجماعة على مستقبلها في الأردن وفي المنطقة العربية

 أتوقع أن تفقد الجماعة على المستوى المحلي معظم آلياتها وأدواتها البرلمانية التقليدية عبر حزب جبهة العمل الإسلامي، مما يضع قواعد الجماعة أمام خيارين: التضييق السياسي المتزايد، أو البحث عن أشكال عمل مدني بديلة. وهذا -قد-يدفعها إلى إعادة النظر في تكتيكاتها السياسية بتحالفات جديدة أو كيانات موازية.

 لقد أدى حظر الجماعة – حتى الآن-إلى تفكك وعجز مؤقت وفقدان البوصلة داخل الجماعة، نتيجة أولاً، انقطاع قنوات التواصل والحوار بين الدولة والجماعة التي كان متعارف عليها في العقود الماضية. وتؤكد مصادر مطلعة بأن الدولة أغلقت – حتى الآن -كافة منافذ التواصل والحوار مع الجماعة. وثانياً، نتيجة غياب القيادة المركزية وتباين الرؤى والانقسام بين التيار المتطرف والتيار الإصلاحي. وأتوقع أن يؤدي هذا الانقسام إلى ظهور مجموعات صغيرة تتبنى رؤى متباينة، بعضها قد ينخرط في الحياة السياسية المنظمة عبر أحزاب جديدة، وبعضها الآخر قد ينسحب من المجال العام. هذا الانقسام، في حال استمر، سيساهم في تفكيك الجماعة في الشارع السياسي، وإضعاف قدرتها على التأثير في الشارع والمؤسسات في المستقبل. وأرجح أن تطال هذه التداعيات النواب المنتمون لحزب "جبهة العمل الإسلامي"، الذراع السياسي للجماعة، حيث سيواجهون مأزقًا قانونيًا حرجًا. فاستمرارهم في الانتماء للحزب قد يعرضهم للمساءلة القانونية، وربما يؤدي إلى فقدان مقاعدهم النيابية. كما أن فك الارتباط بالحزب والجماعة قد يؤدي إلى فقدان جزء من قاعدتهم الشعبية التي انتخبتهم على أساس انتمائهم الحزبي والفكري.

أمّا التداعيات على الصعيد الإقليمي فمن المبكر الحكم على ذلك وربما هو مؤجل إلى نهاية الإجراءات القانونية بحق الجماعة والحزب. لكن هذا لا يمنع من القول بأنه كان يُنظر إلى الأردن كأحد آخر معاقل الإخوان في المنطقة، خاصة بعد حظرهم وتراجع نفوذهم وتصنيفهم كجماعة إرهابية في 14 دولة في العالم. لذا، فإن حظر الجماعة في الأردن يُعد ضربة قوية للتنظيم الدولي للإخوان، ويُضعف قدرتهم على التأثير في السياسات الإقليمية مستقبلاً. وقد تسعى الجماعة إلى تعزيز علاقاتها مع دول داعمة لها، مثل تركيا وقطر، مما قد يؤدي إلى توترات دبلوماسية مع دول الجوار التي تعتبر الإخوان تهديدًا لأمنها القومي.  

  دور الجماعة في الأردن وعلاقاتها بالمجتمع الأردني وعلاقتها بالتنظيم الدولي للإخوان

يجمع الإخوان في الأردن بين وجهين: الوجه المعلن؛ الذي يتجلّى في الخدمات الاجتماعية الخيرية والتعليمية والمشاركة السياسية الشرعية. والوجه الخفي؛ الذي يستر صراعاتٍ داخليةً عميقةً وتنظيمًا سريًا وآليات تمويلٍ وتوجيهٍ خارجيٍّ من شبكة التنظيم الدولي للإخوان.

عبر الوجه المعلن قدمت الجماعة نفسها كحركة دعوية تهدف إلى الإصلاح المجتمعي من خلال العمل الخيري والتعليمي عبر مؤسسات تعليمية وخيرية: مدارس، مستشفيات، جمعيات خيرية توزع منحاً طلابية، وتواصل اجتماعي مع الفئات المهمشة سعت إلى تقديم بعض الخدمات للمجتمع الأردني، مما أكسبها قاعدة شعبية واسعة.

 وعلى الصعيد السياسي المعلن، شاركت الجماعة من خلال ذراعها السياسي، حزب جبهة العمل الإسلامي، في الانتخابات البرلمانية، وحققت نتائج ملموسة. في الانتخابات الأخيرة 2024م، حيث حصل الحزب على 31 مقعدًا في البرلمان، مما جعله أكبر حزب معارض في البلاد. وهو أكبر انتصار انتخابي له منذ تأسيسه في عام 1992م. وعبر بوابة حزب جبهة العمل الإسلامي، كانت الجماعة تمرر مقترحات تشريعية وضغطاً على ملفات سياسية حساسة مثل العلاقات الدولية والعربية والإصلاح والملفات الاقتصادية. ولقد وساهمت بوقف مشاريع اقتصادية هامة وحيوية للأمن القومي الأردني في المياه والطاقة مع إسرائيل. وكانت تضغط باستمرار ومنذ 1994م، باتجاه إلغاء معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل.

امّا الوجه الخفي للجماعة فإنه يتجلى في المجالات التالية:

  • الارتباط بالقضايا الإقليمية على حساب الوطنية: وهذا ما يفسره حقيقة عدم إيمان الجماعة بالدولة الوطنية والهوية الأردنية. وهذه صفة عامة ملازمة للإخوان المسلمين في كل الدول العربية. وتُتهم الجماعة على نطاق واسع في أوساط الأردنيين بالإقليمية وإنها تعبر عن وجدان الأردنيين من أصل فلسطيني، وأنها تتعمد وضع بعض الشخصيات من العشائر والعائلات الأردنية في الواجهة " لذر الرماد في العيون " ليس إلا.  لا بل أن لدى قياداتها الفلسطينية اعتقاد راسخ غير مصرح به هو؛ أن القيادات الأردنية في الجماعة لهم علاقات سرية مع المخابرات الأردنية. 

وتتجلى إقليمية الجماعة بالتركيز على القضايا الإقليمية على حساب القضايا الوطنية الأردنية. وقد أدى هذا التركيز إلى ضعف في بلورة مشروع وطني حقيقي يعالج هموم المواطن الأردني، ويرسخ الهوية الأردنية، مما أثر سلبًا على مكانة الجماعة في المجتمع خاصة في الأوساط التقليدية القبلية والعشائرية الأردنية.

  • التمويل والموارد: أكدت مصادر أردنية مطلعة وموثوقة أن الموجودات المالية للجماعة تبلغ نحو 1.2 مليار دينار أردني حتى عام 2020م، وهناك حاليًا محاولات مضنية من الدولة لتتبع مصادر وموجودات الجماعة المالية بعد قرار الحظر من خلال "لجنة حل الجماعة" التي حذرت في مايو 2025 المُحتفظين بأملاك تعود للجماعة من ملاحقتهم بتهم غسل الأموال.
  • التنسيق والتوجيه من التنظيم الدولي للإخوان: منذ تأسيسها عام 1945م، ارتبطت الجماعة تاريخيًا ارتباطًا وثيقًا بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي يتبنى رؤية عابرة للحدود تضع "الولاء للأمة" و"البيعة" فوق الولاء للدولة الوطنية. هذا التوجه يقض جذريًا مع مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والقانون والمؤسسات، ويؤكد في الوقت نفسه عدم ايمان الجماعة بالدولة الوطنية، لابل تجاوزها في كل منعطف إذا ما تعارضت مع مصلحة التنظيم والجماعة.  وعلى الرغم من إعلان الجماعة فك ارتباطها بالتنظيم الدولي في عام 2016م، إلا أن تقارير إعلامية ومصادر مطلعة أشارت إلى استمرار التنسيق السري بين الجماعة في الأردن وجبهة لندن التابعة للتنظيم الدولي. فقد تم الاتفاق مسبقًا على إصدار بيانات تصعيدية ضد السلطات الأردنية في حال حدوث أزمات، مع إمكانية تنصل الجماعة في عمان منها رسميًا إذا اقتضت الحاجة. ومثال ذلك أصدرت أجنحة التنظيم الدولي، خاصة جبهة صلاح عبد الحق (المعروفة إعلاميًا بجبهة لندن) والمكتب العام (تيار التغيير)، بيانات مهاجمة للأردن بعد قيامه بحظر الجماعة، استخدمت فيها لغة تصعيدية حادة كشفت عن تنسيق ميداني وسياسي بين هذه الجبهات وامتداداتها في الأردن، مما زاد من حالة التوتر مع الدولة التي اعتبرت هذه التحركات والممارسات تهديدًا للأمن والاستقرار.

 لماذا تأخر حظر الجماعة في الأردن بعد حلها في دول الجوار مثل مصر والسعودية والإمارات وغيرها؟

أعتقد بان تأخر حظر الجماعة في الأردن يعود إلى جملة من الأسباب الموضوعية المتعلقة أصلاً بحساسية الموقع الجيوسياسي للأردن. ثم حديثاً بطبيعة التركيبة الديمغرافية للمجتمع الأردني (أردني / أردني من أصل فلسطيني) إذ طالما عُدت الجماعة معقل وممثل للأردنيين من أصول فلسطينية، وضمن هذا الإطار كانت الجماعة تستخدم كأداة ضبط اجتماعي-سياسي، واحتواء للجماهير الأردنية الفلسطينية الغاضبة دائماً، وبشرط الا تتحول الجماعة الى أداة تهدد بقاء النظام والدولة، ولذلك اتّسمت علاقة الأردن مع الجماعة تاريخياً بسياسة "الاحتواء الحذر" مع فتح قنوات للتواصل الدائم سواء بشكل رسمي أو غير رسمي لكن المقنن والمدروس بعناية فائقة بإشراف مباشر من قبل دائرة المخابرات العامة الأردنية.

 أعتقد بأن الظروف الموضوعية لم تكن متوفرة خلال الثمانية عقود الماضية لاتخاذ قرار الحظر؛ لكن عندما نضجت الظروف الموضوعية لم تتردد الدولة بحظر الجماعة. وأعتقد بأن حظر الجماعة سيشكل نموذجاً إرشادياً يشدُّ إليه أنظار بعض الدول العربية والإسلامية والغربية، خاصة تلك التي لا تزال تحافظ على مساحات من الحريات لجماعات الإسلام السياسي. سيظهر ذلك رسمياً عبر قرارات تشديد تراخيص الأحزاب الإسلامية أو حظر فروع محلية، وغير رسمياً عبر تضييق مسارات التمويل والتنسيق الأمني والاستخباراتي.

مستقبل جماعات الإسلام السياسي في المنطقة العربية

 تواجه تيارات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، أزمة بنيوية متفاقمة تتجاوز حدود القرار السياسي بحظرها أو تضييق نشاطها. فبعد عقود من الحضور الفاعل سواء في المعارضة أو الحكم، أصبحت هذه الجماعات محاصَرة بين تراجع شعبيتها، وفشلها الذاتي في التجديد وتطوير خطابها الفكري والتنظيمي. ففي مصر، مثّل عام 2013م، نقطة تحول فاصلة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لتدخل الجماعة في مواجهة مفتوحة مع الدولة، وتُصنَّف تنظيمًا إرهابيًا، وتُحاصر شبكاتها الاجتماعية والسياسية والمالية. في المقابل، شهدت تجربة "حركة النهضة" في تونس مسارًا أكثر مرونة، إذ قبلت بالحكم التشاركي وتنازلت عن السلطة عدة مرات، لكنها لم تنجُ من موجة الرفض الشعبي التي أطاحت بالمشهد السياسي التقليدي كله عقب قرارات الرئيس قيس سعيّد في 2021م. أما في المغرب، فقد سلك حزب "العدالة والتنمية" طريق الاندماج الديمقراطي الكامل، وشارك في الحكومة لأكثر من عقد، لكنه تعرض لهزيمة انتخابية ساحقة عام 2021م، ما عكس تبدد الثقة الشعبية بخطابه وممارساته. وفي ساحات جانبية أخرى مثل السودان وليبيا والجزائر وحتى سوريا والعراق فإن الجماعة تترنح وتبدو تائهة.

في الخلاصة المرة؛ لقد تم استخدام تيارات "الإسلام السياسي" جميعها وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين خلال القرن الماضي كأداة سياسية (ناعمة/وخشنة) في العلاقات الدولية والصراعات منذ نشأتها. وتم استخدام تلك التيارات بخبث ودهاء سياسي لهدر عقود من الزمان من تاريخ الشعوب العربية وإعادة بعضها الآخر قروناً إلى الوراء.

 واليوم ليس أمام هذه التيارات إلا خيارين هما: إما الاندثار والاختفاء من المشهد السياسي لأنها فشلت في الصراع الحضاري. أو البحث عن سراط يُعقلن خطابها الإنساني الذي يتسق مع سنن الله في الخلق؛ لأن “الله لا يحابي أحدًا في سنن الخلق “كما يقول الشيخ محمد رشيد رضا.

مجلة آراء حول الخليج