نُحاول في هَذا البَحث إلقاء الضَوء على طبيعة ووَضع ما يسمى "السلاح المنفلت"، الذي عانى العراق منه منذ عام 2003م، وما زال، سواء كان بيد العشائر والقبائل، آو بين المجموعات المُسلحة التابعة للأحزاب أو ما تسمى بالميليشيات في العراق، بمختلف تصنيفاتها وتسليحها وتمويلها وتبعيتها، وتأثيرها على الدولة والمجتمع، وعلى الجيش العراقي وقوى الأمن الداخلي التابعة للدولة العراقية، وهل بمقدور الدولة في العراق سحب السلاح المنفلت من هذه العشائر والميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة؟ أم أن ذلك غير ممكن ولماذا؟، وما هي التحديات التي تواجه الدولة العراقية لتحقيق ذلك؟، وكيف يمكن توظيف المرجعيات الدينية والزعامات المحلية في مساعدة الحكومة على تحقيق ذلك أسوة بتوجه وتجربة السلطة اللبنانية حاليًا، وما هو دور المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والقوى الكبرى في العالم للمساعدة على تحقيق ذلك؟، وكيف ينظر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو إلى هذه المعضلة؟، وكيف يمكنهم المساعدة في حلها، وأخيرًا ما هي سيناريوهات مستقبل وجود هذه الجماعات المسلحة في العراق؟
خلفية وجذور المشكلة:
أدى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، إلى إسقاط نظام الحكم القائم آنذاك، ومن ثم أقدم الحاكم الأمريكي "بول بريمر" على إصدار قرار حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، فانتشرت الأسلحة بين الناس بنحو كبير واستولى كثير من العراقيين وبضمنهم العشائر والمجاميع المسلحة على مخازن السلاح، أول أيام الاحتلال، ودخلت الحدود العراقية أعداد كبيرة من مجاميع المعارضة العراقية، ومن بينها مجاميع سبق لها أن حاربت ضد الجيش العراقي خلال الحرب الإيرانية العراقية (حرب الخليج الأولى) 1980 – 1988م، وقد أسهمت قوات الاحتلال الأمريكي الغازية، بغض نظرها واللامبالاة إزاء استيلاء العوام على سلاح الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وتشكيلات حزب البعث، وشوهدت وقتها شاحنات عسكرية متروكة في الشوارع تحمل سلاحاً وعتاداً عسكرياً، يتزاحم عليه عوام الناس.. ولكن لم تمض سوى أشهر قليلة حتى دفعت قوات الاحتلال ثمن إهمالها هذا، حيث انقلب هذا السلاح وبالاً عليها. وإلى الآن ما زالت بقايا السلاح المنهوب باقياً بيد بعض العشائر والميليشيات المسلحة يُهدد أمن العراق.
لقد شهد العراق بعد الاحتلال ظهور العديد من الجماعات المسلحة المدعومة من قبل قوى سياسية رئيسة ودول إقليمية، وعلى الرغم من (تعهد) رؤساء وزراء العراق المتعاقبين بحسم هذا الملف، نتيجة استشعارهم بخطورته على أمن العراق، إلا أن أي خطوات جدية وحاسمة في هذا السياق لم تُتٌَخَذ حتى الآن.
فهل يمكن أن تنجح خطة “حصر السلاح بيد الدولة” بتخليص العراقيين من رعب السلاح المنفلت؟
وهل هناك خطة جادة لذلك فعلاً؟ علماً أن دعوات حصر السلاح بيد الدولة في العراق تمتد إلى سنوات بعيدة من الآن ومنذ الغزو الأمريكي للعراق، حيث تعد الجماعات المسلحة أو الميليشيات في العراق من الظواهر المعقدة والشائكة التي تشكل تحدياً كبيراً لسلطة الدولة والمجتمع. تطورت هذه الجماعات على مرّ السنوات نتيجة للتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية التي شهدتها البلاد وحالة ضعف السلطة في مواجهة الجماعات المسلحة التي باتت محمية من قبل أطراف ما في السلطة الحاكمة، ويمكن تصنيف هذه الجماعات بناءً على عدة معايير: تشمل التبعية، التسليح، التمويل، والتأثير على سلطة الدولة والمجتمع.
ووفقاً لموقع Gun-Policy وهي " منظمة تعنى بإجراء تحقيقات واحصاءات حول انتشار الأسلحة النارية في دول العالم"، حيث يوفّر هذا الموقع قاعدة بيانات واسعة تخصّ الأسلحة، فإن العراق يحتل المرتبة 153 من أصل 200 دولة، في امتلاك المدنيين أسلحة خاصة بهم، على رغم أن القانون الداخلي لا يسمح بامتلاك سلاح من دون ترخيص. ولعل ما يعقد إمكانية حصر السلاح هو أنه بات منصة وفرصة ذهبية للكسب السياسي والاقتصادي لكتل برلمانية رئيسة، حيث يرى مراقبون أن وجود تلك القوى وتأثيرها على المشهد العراقي مرتبط بشكل وثيق بامتلاكها ميليشيات مسلحة. كما يبرز تحد آخر يتعلق بالدعم الكبير الذي توفره الجارة إيران لتلك الجماعات، رغم إنكار قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني، خلال زيارة قام بها إلى العراق في يونيو 2020م، ولقائه مع قيادات "الحشد الشعبي"، إذ قال إن "الحشد الشعبي هو حشدٌ عراقي، وأن طهران تدعم هذا الحشد وترفض أن تزجّ بنفسها في الخلافات الداخلية، بل تسعى إلى تقريب وجهات النظر إن طُلب منها". كما أكد رفض بلاده التدخل بأي شكل من الأشكال في الشؤون العراقية.
وفي تصريح للسيد محمد شياع السوداني رئيس وزراء العراق في مقابلة حصرية مع قناة "سكاي نيوز" يوم 14 مايو 2025م، حسم الموقف بالقول: (لن نسمح بأن يكون هناك سلاحَ خارجَ سلطة الدولة). وشدد السوداني على رفض ازدواجيةِ السلاح مُشدِّدا على دعم بلاده لأمن المنطقة.
حصر واقع الميليشيات والجماعات المسلحة في العراق
لابد لنا هنا من إعطاء فكرة عن أبرز تشكيلات الميليشيات والجماعات المسلحة المنتشرة حاليًا في العراق ومصادر تسليحها وتمويلها، فقد شهد العراق منذ عام 2003م، ظهور العديد من الجماعات المسلحة التي لعبت أدوارًا مختلفة في الساحة العراقية، بعضها مرتبط بأحزاب سياسية، وأخرى تعمل بشكل مستقل أو بتوجيهات خارجية. وفيما يلي نظرة عامة على تسميات أبرز هذه الميليشيات وتعريف بسيط لكل منها:
الحشد الشعبي: (قوات الحشد الشعبي) هي تشكيل عسكري (شبه رسمي) تشكل في عام 2014 استجابة لفتوى "الجهاد الكفائي" التي أصدرها المرجع الديني الشيعي الأعلى (السيد علي السيستاني) لمواجهة خطر تنظيم "داعش" الذي تمكن من احتلال ثلث مساحة العراق آنذاك. ويضم الحشد الشعبي مجموعة متنوعة من الفصائل المسلحة يبلغ عديدها (320 ألفًا)، وغالبيتها من المكوّن الشيعي، وأعداد قليلة من العشائر السنية تحت مسمى (الحشد العشائري) في المحافظات السنية.
- منظمة بدر: فصيل مسلح مرتبط بـمنظمة بدر السياسية، تأسست في الثمانينيات في إيران وبدعم منها، وكانت تعرف سابقًا بـتسمية "فيلق بدر".
- كتائب حزب الله:جماعة مسلحة تأسست في 2007م، تُعتبر من أكثر الفصائل تسليحًا وتنظيمًا، ولها علاقات وثيقة مع إيران. شاركت في القتال ضد القوات الأمريكية وضد تنظيم "داعش".
- عصائب أهل الحق: فصيل انشق عن "جيش المهدي" في 2006م، بقيادة الشيخ قيس الخزعلي تلقى دعمًا من إيران، وشارك في عمليات ضد القوات الأمريكية وفي الحرب ضد "داعش".
- سرايا السلام: الجناح العسكري للتيار الصدري بقيادة "مقتدى الصدر". أعيد تشكيلها في 2014م، لمواجهة "داعش" بعد أن كانت تعرف سابقًا بـ "جيش المهدي".
- كتائب الإمام علي:فصيل مسلح تأسس عام 2014م، شارك في معارك عديدة ضد "داعش"، وله علاقات مع إيران.
- كتائب سيد الشهداء: جماعة مسلحة تأسست في 2013م، تهدف إلى حماية المراقد والمقدسات الشيعية في العراق وسوريا. شاركت في معارك ضد "داعش".
- حركة النجباء: تأسست في 2013م، بقيادة أكرم الكعبي، تُعتبر من الفصائل القريبة من إيران، وشاركت في القتال في العراق وسوريا.
- قوات أبو الفضل العباس:جماعة مسلحة تأسست لحماية المراقد المقدسة في سوريا والعراق، ولها ارتباطات بفصائل شيعية أخرى موالية لإيران.
- وحدات حماية سنجار (يبشة): بالكردية تسمى (Yekîneyên Berxwedana Şengalê) وهي وحدات ايزيدية تشكلت عام 2007 م، لحماية المجتمع الايزيدي.
- جيش المهدي: تأسس في عام 2003 م، بقيادة مقتدى الصدر كجناح مسلح للتيار الصدري. شارك في القتال ضد القوات الأمريكية، وفي الاشتباكات الطائفية خلال الفترة 2006-2008م، تم تجميد نشاطه في 2008م، وأعيد تشكيله لاحقًا باسم "سرايا السلام". ومنطقة عملها حاليًا في قضاء سامراء بمحافظة صلاح الدين.
- سرايا طليعة الخراساني. جماعة مسلحة تأسست لحماية المراقد المقدسة في سوريا والعراق، ولها ارتباطات بفصائل شيعية أخرى موالية لإيران.
- الحشد العشائري: مجموعات مسلحة من متطوعي العشائر السنية التي تشكلت بدعم من الحكومة لمواجهة "داعش"، خاصة في المناطق الغربية (المحافظات السنية) من العراق
- تشكيلات حركة بابليون بقيادة ريان الكلداني مسيحي كلداني كاثوليكي الأمين العام لحركة بابليون تعمل في الموصل تأسست في سهل نينوى 2017 ويدعي أنه جزء من الحشد الشعبي الشيعي.
تشكيلات أخرى: تشكيلات يرأسها رجال دين شيعة بدعم وتشجيع وتمويل من إيران ومنها ما يلي: فيلق الوعد الصادق/ لواء عمار بن ياسر/ لواء اليوم الموعود/ سرايا الزهراء / لواء ذو الفقار/ لواء كفيل زينب/ سرايا أنصار العقيدة/ لواء المنتظر/ حركة الجهاد والبناء/ سرايا الدفاع الشعبي/ سرايا درع الشيعة/ حزب الله الثائرون / كتائب التيار الرسالي/ سرايا عاشوراء/ كتائب مالك الأشتر/ حركة الأبدال/ حركة العراق الإسلامية/ جيش المختار/ جماعة ربع الله/ جيش المقاومة الإسلامي. وكثير من هذه الجماعات أعلن انضواءه تحت لافتة الحشد الشعبي، مع الحفاظ على خصوصيته.
التنظيمات المسلحة التي قاتلت الاحتلال:
عقب احتلال أمريكا للعراق في عام ٢٠٠٣م، تشكلت وبرزت للوجود عدة مجموعات عسكرية معظمها من ضباط القوات المسلحة العراقية التي قام الحاكم الأمريكي بول بريمر بحلها، وكانت تمتلك كميات من أسلحة القوات المسلحة العراقية من وقت ما قبل الاحتلال، وبدوافع وطنية ودينية وردة فعل لقرار حل الجيش العراقي، وقد ضمت هذه التشكيلات المقاومة للاحتلال الأمريكي عسكريين بمختلف الرتب من بقايا الجيش العراقي السابق مع متطوعين عراقيين معارضين ورافضين للاحتلال بالإضافة إلى المقاتلين العرب (المجاهدين) الذين استقبلتهم الحكومة العراقية قبل الاحتلال، وساهموا في مقاتلة قوات الاحتلال الأمريكي، واتخذت هذه التشكيلات تسميات دينية، ومن بينها (جيش محمد) و (جيش الراشدين)، و(الجيش الإسلامي في العراق)، (جيش أنصار السنة)، (كتائب ثورة العشرين)، (جيش المجاهدين)، (حماس العراق)، (دولة العراق الإسلامية) و(جيش الطريقة النقشبندية) وقد تفككت واضمحلت هذه التشكيلات بعد عام 2011م وخاصة بعد ان أعلنت الولايات المتحدة رسميًا انسحابها من العراق، وكذلك بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والذي اصبح خليفة للقاعدة في العراق، فتفككت تلك التنظيمات العسكرية واضمحلت تقريبًا.
أبرز معرقلات حصر السلاح في العراق:
تعد قضية حصر السلاح بيد الدولة العراقية واحدة من القضايا الأساسية التي تؤثر على استقرار وأمن البلاد. هذه القضية ليست حديثة العهد، بل تمتد جذورها إلى سنوات طويلة من الصراعات والأزمات التي شهدتها العراق. وفيما يلي نستعرض أبرز العراقيل التي تحول دون نجاح الدولة في تحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة العراقية؟
التحديات السياسية
الصراعات الطائفية: يعاني العراق من صراعات طائفية بين مختلف المكونات الاجتماعية، استغلتها بعض الأطراف، التي أدت إلى انتشار الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج نطاق الدولة. هذه الميليشيات غالباً ما تحصل على دعم من قوى سياسية داخلية وخارجية، مما يُصَعّب على الدولة مواجهة هذه الجماعات.
عدم التوافق السياسي: عدم التوافق بين القوى السياسية في العراق حول كيفية إدارة الأمن وحصر السلاح بيد الدولة يمثل تحدياً كبيراً. القوى السياسية غالباً ما تنقسم حول مصالحها الحزبية والطائفية وتفضلها على ما سواها، مما يؤدي إلى ضعف القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في هذا الشأن فبالرغم من أن الحكم في العراق بعد ٢٠٠٣م، صار بيد الشيعة وكل رؤساء الوزارات هم من الشيعة إلا أن معظم التنظيمات المسلحة القائمة في العراق رفضت الانصياع لأوامر الحكومات بحصر السلاح بيد الدولة.
التحديات الأمنية: وأهمها:
انتشار الميليشيات المسلحة: يعتبر العراق اليوم موئلاً للعديد من الميليشيات المسلحة التي تعمل بشكل مستقل عن الدولة. هذه الميليشيات غالباً ما تكون مجهزة بأسلحة متطورة وتمتلك نفوذاً كبيراً في بعض المناطق، مما يصعب على القوى الحكومية القيام بإجراءات حاسمة لحصر السلاح بيد الدولة.
الحدود المفتوحة غير المنضبطة: الحدود العراقية المفتوحة مع الدول المجاورة تسهل عملية تهريب الأسلحة إلى داخل البلاد، مما يزيد من تحديات حصر السلاح بيد الدولة.
التحديات الاجتماعية:
الثقافة السائدة: الثقافة السائدة بين معظم القبائل والجماعات في العراق تعتبر حمل السلاح جزءاً من الهوية والعادات والتقاليد وقيم الشجاعة والهيبة وامتلاك مظاهر القوة، مما يجعل عملية إقناع هذه الجماعات بتسليم أسلحتها أمراً صعباً. وبهذا فإن إضفاء (الشرعية العقائدية) على الميليشيات قد عَقَدَ من مُهمة الحكومة وقدرات أجهزتها الأمنية في مواجهتها.
الفتن والأزمات الاقتصادية
الأزمات الاقتصادية وعدم توفر فرص العمل تدفع بعض الأفراد للانضمام إلى الميليشيات المسلحة كوسيلة للحصول على المال، مما يزيد من انتشار الأسلحة خارج نطاق الدولة.
التحديات القانونية
ضعف التشريعات
ضعف التشريعات والقوانين المتعلقة بتنظيم حمل السلاح والحد من انتشاره يمثل عقبة كبيرة أمام الدولة في عملية حصر السلاح. هناك حاجة ماسة لتعزيز هذه التشريعات وتطبيقها بشكل صارم. فعلى الرغم من مرور ست سنوات على صدور قانون الأسلحة العراقي رقم (٥١) لسنة ٢٠١٩م،إلا أن تطبيقه على أرض الواقع لازال حلمًا يراود كل مواطن عراقي يسعى لبناء دولة مدنية ذات مؤسسات مهنية، فما زالت هناك معوقات تحول دون التطبيق الفعلي والجاد لهذا القانون منها ما يتعلق بطبيعة المجتمع القبلي العراقي منذ سقوط الدولة العثمانية وتأسيس الدولة العراقية عام ١٩٢١م، وحتى يومنا هذا وعدم جدية الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق بعد ٢٠٠٣ م، في ضبط وحصر السلاح بيد الدولة، والذي بات يشكل تهديدًا حقيقيًا لأمن وسلامة السلم الأهلي وأمن الدولة أيضًا.
الفساد الإداري
إن انتشار الفساد الإداري في العراق بشهادة منظمة الشفافية العالمية التي صنفت العراق ضمن أكثر البلدان فسادًا في العالم، ومنها المؤسسات الأمنية والقضائية بعد ٢٠٠٣م، مما يجعل من الصعب فرض القانون بشكل فعال، وهو ما يسهم في انتشار الأسلحة خارج نطاق الدولة.
وعمومًا فإن معالجة قضية حصر السلاح بيد الدولة العراقية تتطلب جهوداً متعددة الجوانب ومشاركة جميع القوى السياسية والاجتماعية. يجب أن تكون هناك رؤية واضحة واستراتيجية شاملة تشمل تعزيز التشريعات والقوانين، وتعزيز قدرات القوات الأمنية، والعمل على تحقيق التوافق السياسي، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. فقط من خلال هذه الجهود يمكن للعراق أن يحقق الاستقرار والأمن المطلوبين.
تمويل الجماعات المسلحة: يعتمد تمويل الجماعات المسلحة في العراق على عدة مصادر منها التمويل الخارجي حيث تتلقى بعض الجماعات دعماً مالياً من دول أو منظمات خارجية تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة. ثم هناك التمويل الذاتي إذ تعتمد بعض الجماعات على مواردها الذاتية مثل السيطرة على موارد طبيعية (كالبترول وتهريبه عبر دول الجوار) أو فرض الإتاوات على السكان المحليين أو من موارد المنافذ الحدودية التي تسيطر عليها. فضلًا عن الأنشطة غير القانونية التي تشمل تهريب المخدرات والأسلحة، والاتجار بالبشر وابتزاز الشركات والأفراد.
التأثير السلبي للجماعات المسلحة على الدولة والمجتمع تمثل الجماعات المسلحة تحدياً كبيراً للدولة العراقية ولها تأثيرات عميقة على المجتمع في زعزعة الاستقرار الأمني وزيادة العنف والجرائم وحماية المطلوبين للعدالة. كما تسهم هذه الجماعات في تعطيل التنمية الاقتصادية من خلال سيطرتها على موارد اقتصادية مهمة إلى عرقلة جهود التنمية والاستثمار. كما تسهم في تفاقم الانقسامات الطائفية والعرقية بين مختلف مكونات المجتمع العراقي.
التأثير السلبي للجماعات المسلحة على الجيش وقوى الأمن الداخلي تشكل الجماعات المسلحة تهديداً كبيراً للجيش وقوى الأمن الداخلي نتيجة لعدة عوامل منها الضعف التنظيمي حيث تعاني القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي من ضعف التنظيم والتنسيق بسبب الفساد الإداري وسوء التخطيط. وكذلك التسلل الداخلي حيث تعاني القوات الأمنية من تسلل بعض أفراد الجماعات المسلحة إلى صفوفها، مما يؤدي إلى تجسس وتسريب معلومات حيوية وهو ما يؤدي في بعض الأحيان إلى وقوع اشتباكات مباشرة حيث تواجه القوات الأمنية اشتباكات مستمرة مع الجماعات المسلحة، مما يؤدي إلى استنزاف الموارد البشرية والمادية.
حصر السلاح بيد السلطة وآثاره الإيجابية على السلم والأمن المجتمعي
إن قضية حصر السلاح بيد السلطة تعد من القضايا الهامة التي تواجه العديد من المجتمعات حول العالم. يتمثل الهدف من حصر السلاح في تحقيق السلم والأمن المجتمعي، وتقليل فرص الجريمة والعنف، وتوفير بيئة آمنة ومزدهرة للمواطنين. ويؤدي إلى تعزيز سلطة الدولة وسيادة القانون عندما تكون الأسلحة بيد السلطة، تصبح الجهات الأمنية قادرة على فرض النظام والقانون بشكل فعال. هذا يقلل من التحديات التي يمكن أن تواجهها السلطة في مكافحة الجريمة والعنف. كما يسهم حصر السلاح بيد الدولة في تعزيز سيادتها وسلطتها، مما يُمكّنها من فرض القانون والنظام بفعالية أكبر.
دور المرجعيات الدينية والزعامات المحلية حيث تتمتع المرجعيات الدينية في العراق بنفوذ كبير بين المواطنين، وقدرتها على توجيه الرأي العام والضغط على الميليشيات لتسليم أسلحتها والتعاون مع الدولة. ويمكن للمرجعيات الدينية أن تلعب دوراً محورياً في نشر التوعية بضرورة تعزيز سلطة الدولة وتوحيد الجهود نحو بناء عراق آمن ومستقر. كما أن للزعامات المحلية والقبائلية دور مهم إذ تملك الزعامات المحلية تأثيراً كبيراً في مجتمعاتها، ويمكنها أن تسهم في تعزيز جهود الحكومة لتحقيق هدفها. من خلال التعاون مع الزعامات المحلية، يمكن للحكومة بناء جسور الثقة والعمل على تحقيق توازن بين الحفاظ على الأمن وحقوق الأفراد.
وخلال استقباله ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السيد/ محمد الحسان بتاريخ ١٢ ديسمبر ٢٠٢٤م، دعا السيد السيستاني إلى تحكيم سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة العراقية حيث دعا إلى "منع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها، وتحكيم سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد على جميع المستويات".
الاستفادة من التجربة اللبنانية: يمكن للعراق أن يستفيد من التجربة اللبنانية في حصر السلاح بيد الدولة، حيث تواجه لبنان تحديات مشابهة فيما يتعلق بنفوذ الجماعات المسلحة، وقد اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات جادة في هذا السياق. ويمكن للعراق أن يستلهم من هذه التجربة ويطور استراتيجيات تلائم وضعه الخاص.
دور المجتمع الدولي في تجريد المجموعات المسلحة في العراق من أسلحتها
يشكل وجود الجماعات المسلحة في العراق تحدياً كبيراً للاستقرار والأمن في المنطقة. فقد أدى هذا الوضع إلى تدخلات عديدة من جانب المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والقوى الكبرى في العالم، بهدف تحقيق تجريد هذه المجموعات من أسلحتها وإعادة بناء السلام في العراق. وتلعب المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة دوراً حيوياً في إدارة النزاعات وضمان الأمن والسلام العالمي. من خلال مبادرات متعددة، تسعى هذه المنظمات إلى تحسين الوضع في العراق عبر برامج نزع السلاح، وإعادة التأهيل، ودمج الأفراد في المجتمع المدني. على سبيل المثال، تقوم الأمم المتحدة بإطلاق حملات توعية وتعليمية، وتوفير الدعم النفسي والاقتصادي للضحايا ولأعضاء المجموعات المسلحة الذين يرغبون في العودة إلى الحياة المدنية.
دور الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بالمساعدة في حلها: يمكن للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تقديم دعم لجهود نزع سلاح الجماعات المسلحة إذ أنه ينظر إلى وجود الجماعات المسلحة في العراق كتهديد مباشر للأمن الإقليمي والعالمي. ويسعى الاتحاد الأوروبي من خلال ديبلوماسيته وبرامجه التنموية إلى دعم العراق في عملية نزع السلاح وإعادة بناء مؤسسات الدولة. أما حلف الناتو، فإنه يقدم الدعم العسكري والاستخباراتي لتقوية القوات الأمنية العراقية وتمكينها متعدد الأبعاد لحل مشكلة الجماعات المسلحة في العراق. من خلال برامج التدريب والدعم اللوجستي والتقني، يمكن لهذه الجهات تعزيز قدرات القوات العراقية على مواجهة الجماعات المسلحة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تقديم مساعدات تنموية واقتصادية تهدف إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في العراق، مما يقلل من فرص تجنيد الأفراد في الجماعات المسلحة. لقد بدأ الانتشار الأولي لبعثة حلف شمال الأطلسي في العراق والذي كان وحدة صغيرة قوامها أقل من ١٠٠ مستشار، من عام ٢٠٠٤ إلى عام ٢٠١١م، عند انسحاب القوات الأمريكية واستأنف الناتو تدريجيًا أنشطته التدريبية وبناء القدرات من عام ٢٠١٤م، بناء على طلب من بغداد.
كيف السبيل لحصر السلاح بيد الدولة في العراق؟
إن سحب السلاح من الميليشيات وحصره بيد الدولة في العراق هو هدف طموح ولكنه قابل للتحقيق من خلال إرادة سياسية قوية وتعاون شامل من جميع الأطراف المعنية. يمثل التعاون مع المرجعيات الدينية والزعامات المحلية خطوة حيوية نحو تحقيق هذا الهدف، ويعزز من فرص بناء عراق آمن ومستقر، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الآتي:
- دمج الميليشيات في القوات المسلحة: هذا يتطلب تأهيل عناصر الميليشيات وتوفير برامج إعادة تأهيل لهم.
- التفاوض مع قادة الجماعات لتقديم ضمانات ومناصب حكومية مقابل حل جماعاتهم.
- تعزيز المؤسسات الأمنية: يتطلب دعم القوات المسلحة والشرطة وتزويدها بالموارد والتدريب اللازمين.
- إصلاحات اجتماعية واقتصادية: لتحسين الظروف المعيشية في المناطق المتضررة بما يمكن أن يقلل من دعم السكان المحليين للميليشيات المسلحة.
خاتمة
يظل تجريد الجماعات المسلحة في العراق من أسلحتها تحدياً كبيراً يتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والقوى الكبرى. من خلال التعاون والتنسيق الفعّال، يمكن تحقيق تقدم كبير نحو السلام والاستقرار في العراق، مما يعود بالفائدة على المنطقة والعالم بأسره. وتبقى الجماعات المسلحة في العراق من أكبر التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع. تحتاج العراق إلى استراتيجيات شاملة للتصدي لهذه الجماعات تتضمن تعزيز قوات الأمن، مكافحة الفساد، وتطوير الاقتصاد لحرمان هذه الجماعات من الموارد المالية. من الضروري أيضاً تعزيز الوحدة الوطنية وتخفيف التوترات الطائفية والعرقية لتحقيق استقرار دائم في البلاد.






