تحولت منطقة الشرق الأوسط منذ منتصف القرن العشرين إلى بؤرة ساخنة من الاضطرابات في خضم العديد من الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد دول عربية (1948، 1956، 1967، و1973م). والمَواجهات العسكرية التي قادتها ضد الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في قطاع غزة، وجماعة حزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن. إلى أن استطاعت هذه الجماعات بحلول ثمانينات القرن الماضي ترسيخ وجودها بين أكبر اللاعبين العسكريين في المنطقة، واقتحام المعترك السياسي كأحزاب ذات حضور بارز إبان حقبة التسعينيات والألفينات. وهكذا، تحولت المنطقة تدريجيًا إلى حلبة للصراعات والحروب بمشاركة قوى إقليمية وعالمية، مما أسفر عن عدم استقرار واسع النطاق واستشراء العنف.
ثم جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر في عام 2001م، وكانت بمثابة صدمة استراتيجية كبرى هزت أركان السياسات الخارجية الأمريكية داخل المنطقة، والعالم الإسلامي، والعالم أجمع. فبعد فترة طويلة كان فيها تركيز واشنطن منصباً على التهديدات العالمية المتمثلة بالاتحاد السوفيتي والصين، حولت هذه الهجمات الاهتمام نحو قضايا الشرق الأوسط والإرهاب، لتضعها في صدارة أولويات صانعي القرار في السياسة الخارجية الأمريكية. كما مهدت الطريق أمام الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق وهما اثنين من أطول الحروب العسكرية التي خاضتها واشنطن على مدار تاريخها وأقلها إرضاءً من حيث النتائج. وبعد مرور 20 عامًا على الاستثمار العسكري والاقتصادي في المنطقة، تتساءل النخب السياسية، والخبراء الاستراتيجيوُن، والرأي العام الأمريكي عن العائد أو المردود لهذا الاستثمار، داعين لإعادة توجيه دفة السياسة الخارجية الأمريكية بعيدًا عن قضايا الإرهاب داخل المنطقة، للتركيز على صراع القوى العظمى الذي تخوضه بلادهم أمام روسيا والصين. وقد حرصت واشنطن بالفعل، على مدار الأعوام القليلة الماضية، على استثمار قدر كبير من رأس مالها السياسي لتحقيق اثنين من الأولويات الرئيسية لسياساتها الخارجية وهما؛ إنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، ومنع الصين من الاستيلاء على تايوان باستخدام القوة العسكرية.
أسهمت الحقبة الاستعمارية وما تلاها من محاولات غير موفقة لبناء الدولة بعد الاستقلال، بالإضافة إلى تأسيس دولة إسرائيل في المنطقة، في ظهور سلسلة من التحولات والحركات الماركسية والمُناهضة للغرب بمختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي. وهكذا ساعد نمو هذه الحركات الوطنية والثورية، إلى جانب رؤيتها بشأن استخدام الإرهاب كأداة فعالة لبلوغ الأهداف السياسية، على إنبات المرحلة الأولى من الإرهاب الدولي الحديث. وشكل عام 1979م، فصلًا فارقًا في تاريخ الإرهاب الدولي تزامنًا مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، التي أشعلت المخاوف من اجتياح المد الشيعي للمنطقة. في أثناء ذلك، أتاح الغزو السوفيتي لأفغانستان وحرب المجاهدين التي تلت ذلك ضد الاتحاد السوفيتي، واستمرت على مدار 10 أعوام (1979- 1989م)، بيئة خصبة لصعود الجماعات الإرهابية وتوسع رقعتها. ومما لا شك فيه أن نشأة جيل جديد من العناصر المسلحة، ما بعد مرحلة الجهاديين، مُدرباً بشكل جيد ومُتمرسًا في خوض المعارك يعد توجهًا رئيسيًا للإرهاب الدولي المعاصر وعمليات التمرد المسلح المرتبطة به. وذلك بعد انضمام العديد من الشباب المتطوعين من مختلف بقاع العالم الإسلامي إلى الجهاد في أفغانستان، وعودتهم مرة أخرى لأوطانهم.
في ظل هذا السياق، لا تزال سماء المنطقة معتمة وسط حالة الضبابية الغالبة. فلم يستطع العدوان الإسرائيلي الغاشم من سلب حماس وحزب الله سيطرتهُما على الأراضي. ورغم التفاوت في حجم الخسائر التي منيت بها الجماعتان جراء المواجهة أمام إسرائيل، إلا أنهما تعملان بلا كلل على إعادة بناء قدراتهما. فيما نجحت جماعة الحوثي في اليمن، التي تعد باعثًا جديدًا لقلق واشنطن، في استهداف سفن تابعة للبحرية الأمريكية في المنطقة. وتبقى احتمالات أن تتبدل نوايا وأهداف الجماعات الثلاثة تحت لواء قادتها الجدد الذين سيأتون بأولويات استراتيجية جديدة ربما يتغير معها النمط المعتاد للتهديدات التي تُمثلها للولايات المتحدة والمنطقة.
الجهات الفاعلة غير الحكومية
تتشابه غالبية حركات الإسلام السياسي في توجهاتها الأيديولوجية الأساسية، بيد أنها تتفارق في مساراتها التاريخية وغاياتها النهائية. ويواصل مكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأمريكية رصد أنشطة الجماعات الإرهابية النشطة حول العالم لتحديد الأهداف المحتملة لإدرَاجها على القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية. ولا تقتصر عملية المراجعة على النظر إلى الهجمات الإرهابية التي شنتها هذه الجماعات فحسب، بل الأخذ بعين الاعتبار أيضًا إذا ما كان لها دور في التخطيط أَو التحضير لأفعال إرهابية مستقبلية، أو إذا ما كانت لا تزال تحتفظ بالقدرة والنية لتنفيذ مثل هذه الهجمات.
يعود تاريخ نشأة حركة المقاومة الإسلامية " حزب الله" في لبنان إلى مطلع ثمانينات القرن الماضي في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبلاد عام 1982م، الذي أجبر الآلاف من المقاتلين الفلسطينيين إلى الفرار بحثًا عن ملاذ آمن في دول أخرى. وتحت وقع استمرار الاحتلال الإسرائيلي الغاشم للأراضي اللبنانية، تأججت مشاعر الغضب بين أبناء الطائفة الشيعية مما مهد لظهور جماعة حزب الله. وتعد الحركة رائدة في استخدام القنابل المُفخخة داخل المنطقة واتهمت بالتورط في حادثة التفجيرات الانتحارية التي وقعت عام 1983م، مستهدفة السفارة الأمريكية في بيروت وثكنات للمُشاة البحرية الأمريكية، مما أسفر عن مقتل 241 من الجنود الأمريكيين واختطاف مسؤولين تابعين للحكومة الأمريكية والحكومات الغربية. من بعدها، توارت الجماعة عن الأنظار طوال عقد من الزمان، ثم عادت للظهور مرة أخرى في عام 1992 م، مع إعلانها الترشح لمقاعد برلمانية. وعلى مدار تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية -الممتد على مدى 18 عامًا- واصل حزب الله هجماته ضد القوات الإسرائيلية. وتحت وطأة ضرباته المتتالية وعملياته الانتحارية، أعلنت إسرائيل انسحابها من جنوب لبنان في عام 2000م- في سابقة من نوعها أن يعلن خصم انسحابه في خضم الحرب دون التوصل لاتفاقية سلام. فيما تسببت واقعة استهداف حزب الله لإحدى كمائن الجنود الإسرائيليين على الحدود بين البلدين، في شن إسرائيل حربها الثانية على لبنان والتي استمرت 34 يومًا. ورغم الخسائر البشرية والدمار اللاحق، أظهر حزب الله في كل مرة قدرة على إعادة تسليح وبناء صفوفه، إلى أن تلقى مؤخرًا ضربة قاسمة في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2024م، الذي أعاد الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب البلاد.
وفي الجوار الفلسطيني، نشأت حركة المقاومة الإسلامية " حماس" في كنف الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي استمرت منذ 1987 حتى عام 1993م، وذلك بعد تنحي منظمة التحرير الفلسطينية جانبا في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982م، مما أدى إلى تمركُز الاشتباكات والتوترات المندلعة بين الفلسطينيين وإسرائيل داخل الأراضي المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية. فيما أشعل انهيار محادثات السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في كامب ديفيد برعاية أمريكية، شرارة الانتفاضة الثانية في عام 2000م. واستمرت موجة الاحتجاجات العنيفة حتى عام 2005 م، لتنتهي بانسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة. ساهم ذلك في تدعيم فوز حماس الكاسح على غريمتها "فتح"- الفصيل المهيمن لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد أن نجحت في حصد الأغلبية البرلمانية في انتخابات المجلس التشريعي التي جرت عام 2006. وفي ظل الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، أعلنت حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة بينما احتفظت فتح بسيطرتها على أراضي الضفة الغربية. وتوالت بعد ذلك العديد من الصراعات والمواجهات العسكرية بين حماس وإسرائيل في عام (2008، و2012، و2014، و2018، و2021، و2022، و2023م)
في اليمن، ظهرت جماعة الحوثي خلال تسعينيات القرن الماضي والتي ينتمي أفرادها إلى إحدى الطوائف الشيعية القبلية الملتزمة بإعادة إحياء التقاليد الثقافية والأعراف الدينية. وأدى سقوط نظام الرئيس اليمني على عبد الله صالح إلى تفجير أزمة سياسية داخلية دفعت البلاد للسقوط في براثن الحرب الأهلية عام 2014 م، عقب استيلاء عناصر الحوثي على العاصمة صنعاء. وفي أواخر 2023م، شنت جماعة الحوثي هجمات على سفن تجارية في البحر الأحمر اعتراضًا على الحرب الإسرائيلية الدامية على قطاع غزة. في المقابل، أطلقت الولايات المتحدة عملية "حارس الرخاء" لحماية ممرات الشحن الدولي، كما قامت إلى جانب المملكة المتحدة وإسرائيل، بشن قصف جوي ضد أهداف حوثية.
بالنسبة لتنظيم القاعدة والدولة الإسلامية" داعش"، فربما يفتقران حاليا للقدرَات اللازمة من أجل شن هجمات على الداخل الأمريكي، ولكن عداءهُما الشديد للكيان الأمريكي لا يزال مُتأصلًا. بالتالي، في ظل تجريد هذه التنظيمات من قدراتها العسكرية الأكثر فتكًا جراء سنوات من الضغط العسكري الدولي وعمليات مكافحة الإرهاب المتواصلة، أصبح اعتمادها الأساسي يكمن في قدرتها على الإيحاء وتسهيل تخطيط الهجمات من قبل الأطراف الفاعلة الأخرى أو الجماعات المتعاطفة مع فكرها الأيديولوجي. وفي الوقت الذي لا يزال تنظيم داعش محتفظًا بقدرته على إلهام المتواجدين في الخارج لارتكاب أعمال إرهابية رغم قدرته المحدودة على توجيه وتنفيذ مثل هذه الهجمات، أصبحت العمليات التي يشنها تنظيم القاعدة تتخذ طابعًا لا مركزيًا أكثر. فضلًا عن معاناته، بعد أن كان يومًا نموذجًا للهياكل الهرمية، من عدم القدرة على استبدال قادته بآخرين جدد أو حتى الاحتفاظ بالقائمين عليه نتيجة نجاح الغارات الجوية المستمرة ضد قياداته بواسطة الطائرات المُسيرة.
سياسة الولايات المتحدة تجاه الأطراف الفاعلة غير الحكومية
تتبَاين السياسات الأمريكية في التعامل مع الجهات الفاعلة غير الحكومية باختلاف المُعطيات التاريخية والتطورات السياسية الخاصة بكل دولة. في اليمن، على الرغم من تعاون الحكومة اليمنية المعترف بها مع نظيرتها الأمريكية في جهود مكافحة الإرهاب، إلا إنها تعاني من عدم القدرة على فرض تدابير مكافحة الإرهاب بشكل كامل أو تزعم الجهود متعددة الأطراف بشكل متسق نتيجة انعدام الاستقرار، والعنف المستشري، وتدني مستوى القدرات. يُضاف إلى ذلك أزمة الفراغ الأمني المستعصية، التي تُفسِح المجال لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية و"داعش" في اليمن من أجل مواصلة عمليَاتهما. ولكن لم يثن ذلك الحكومة اليمنية عن مواصلة تعاونها مع المبعوث الأممي الخاص بالأزمة اليمنية، ومجلس التعاون الخليجي، والولايات المتحدة، ودول أخرى في مسعى للتوصل لتسوية سياسية للأزمة. وفي مطلع إبريل 2025م، أعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو- خلال لقاء جمعه مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود في العاصمة واشنطن- عن تقديره للدور الذي لعبته المملكة العربية السعودية في القضاء على التهديد الحوثي بالمنطقة واستعادة حرية الملاحة بالبحر الأحمر.
في لبنان، تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على العلاقات الوثيقة والودية التقليدية بين البلدين والمساعدة في الحفاظ على استقلال لبنان، وسيادته، ووحدته الوطنية، وسلامة أراضيه. كما تدعم واشنطن إلى جانب المجتمع الدولي، التنفيذ الشَامل لقرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة رقم 1559، 1680، 1701 بما في ذلك نزع السلاح عن الجماعات المسلحة، وترسيم الحدود السورية -اللبنانية، ونشر قوات الجيش اللبناني بمختلف أنحاء البلاد. ولكن في 8 من أكتوبر، 2023م، بدأ حزب الله إطلاق قذائف صاروخية على شمال إسرائيل كجزء من حملة دعم لحركة حماس. وتوالت الاشتباكات فيما بعد بين الجماعة وإسرائيل مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف على جانبي الحدود. ثم شهد الصراع تصعيدًا خطيرًا في شهر سبتمبر وأكتوبر 2024 بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله وزعيمه العتيد الشيخ حسن نصر الله في غارة إسرائيلية أعقبها توغل إسرائيلي بري في الجنوب اللبناني لاستهداف الجماعة. وعلى ما يبدو أن هذه الإجراءات جنبًا إلى جنب مع الاعتداءات الإسرائيلية الأخرى ألحقت خسائر فادحة في صفوف حزب الله من المقاتلين المدربين، وترسَانته من الذخيرة، وقيادته، مع ذلك، لا تزال الجماعة تحتفظ ببعض قدراتها العسكرية ونفوذها داخل النظام السياسي اللبناني. وعلى ما يبدو أن واشنطن وتل أبيب تأملان في أن تتيح شروط اتفاق وقف إطلاق النار- الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2024 -الإمكانية لتطبيق أفضل لأحكام قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 التي لم يتم تنفيذها إلى حد كبير. ومن الجدير بالذكر أن هذا القرار تم تبنيه بعد وقت وجيز من اندلاع العدوان الإسرائيلي الغاشم على لبنان في عام 2006م.
على الصعيد السوري، حرصت واشنطن منذ بداية الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في عام 2011 م، على دعوته للرحيل، ودعمت المفاوضات، التي جرت تحت رعاية الأمم المتحدة، من أجل الانتقال السلمي. فضلاً عن تدخلها عسكريًا ردًا على استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية والقضاء على التهديدات التي تشكلها الجماعات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية والتي تتخذ من الأراضي السورية مقرًا لها. وفي 8 من ديسمبر 2024م، نجحت الميليشيات المسلحة داخل صفوف المعارضة السورية في الإطاحة بنظام الأسد الذي لم يكن أمامه سبيل سوى الفرار إلى روسيا.
تسببت حرب سوريا الأهلية التي تحولت فيما بعد لنزَاع دولي مسلح، امتد منذ عام 2011 م، حتى عام 2024م، في نزوح أكثر من نصف تعداد الشعب السوري، ومقتل أكثر من نصف مليون شخصًا، فضلًا عن تدمير البنية التحتية الحيوية والاقتصاد السوري. لذلك تمحور الهدف الرئيسي للتدخل العسكري الأمريكي في سوريا منذ عام 2014، تحت مظلة عملية "العزم الصلب"، حول القضاء نهائيًا على تنظيم داعش. ويُقدر حاليًا عدد الجنود الأمريكيين المتواجدين داخل شرق وجنوب سوريا بنحو ألفي جندي، وتتمثل مهامهم الرئيسية في شن عمليات لمكافحة الإرهاب ودعم قوات سوريا الديمقراطية التي تحتجز أكثر من 9000 سجين من تنظيم داعش وتُدير معسكرات لأكثر من 40 ألف شخص من المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة التنظيم سابقًا.
ومنذ ديسمبر 2024م ، دأب المسؤولون الأمريكيون ودول أخرى على الانخراط مع القيادة السورية الانتقالية للتباحث بشأن الخطط الأمنية، والتعافي الاقتصادي، والانتقال السلمي. وأفادت الوكالات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة والشركاء الأمريكيون التنفيذيون أن التغييرات الأخيرة الطارئة على سياسة المساعدات الأمريكية الخارجية تسببت في تعطيل بعض المبادرات الممولة من قبل الولايات المتحدة داخل سوريا، بما في ذلك المساعدات الموجهة لمكافحة الإرهاب، ودعم استقرار البلاد، والبرامج الإنسانية. فيما يقول مسؤولو الإدارة الأمريكية أنهم قاموا بإصدار إعفاءات للمُساعدات المنقذة للحياة.
وفيما يخص الشأن العراقي، تضمنت العمليات العسكرية الأمريكية، التي امتدت منذ عام 2003 حتى عام 2007م، ضخ المليارات من الدولارات في شكل استثمارات موجهة لإعادة إعمار البلاد ودعم جهود الاستقرار. وبعد انسحابها في عام 2011من عادت القوات الأمريكية إلى البلاد في عام 2014 م، تلبية لدعوة الحكومة العراقية لمساعدة العراقيين في هزيمة داعش. وأبقت الولايات المتحدة على قواتها منتشرة في العراق من أجل تقديم المشورة والمساعدة لقوات الأمن العراقية، بما في ذلك قوات البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان المعترف بها دستوريا. وفي سبتمبر 2024م، أعلن المسؤولون الأمريكيون أن بعثة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش داخل العراق سينتهي أجلها بحلول شهر سبتمبر 2025م، ولكنها ستواصل دعمها للعمليات ضد التنظيم داخل الأراضي السورية حتى شهر سبتمبر من عام 2026 م، على الأقل، وفقًا للمعطيات الأمنية والمشاورات الجارية. فيما أعلن المسؤولون العراقيون والأمريكيون عزمهما على مواصلة التعاون الأمني والتدريب على أساس ثنائي ودائم وتحديد إطار للتعاون المستقبلي.
الآفاق المستقبلية
لقد أسهم تفكك دول ما بعد الحرب الباردة والإرث الذي خلفته تلك الحقبة، والمتمثل في انتشار هائل للأسلحة التقليدية المتطورة والخبرات الفنية، في تفشي الإرهاب على الصعيد العالمي. يضاف إلى ذلك أن حالة عدم الاستقرار والصراعات وغياب الحكومات في مناطق مثل البلقان وأفغانستان وكولومبيا وبعض الدول الإفريقية، قد هيأت بيئة خصبة لتدريب وتجنيد العناصر الإرهابية. وفي كثير من الأحيان، يستغل الإرهابيون مسارات التهريب والاتجار بالمخدرات لتمويل عملياتهم حول العالم. كذلك بلغت الإمكانات المُميتة للعنف الإرهابي مستويات قياسية جديدة بسبب السهولة المتزايدة لعمليات النقل عبر الحدود وتوفر سبل عديدة للتواصل، إلى جانب الأيديولوجيات اللاإنسانية التي تطلق العنان لهجمات وحشية، مخلفةً خسائر بشرية ومادية جسيمة. ومنذ عام 1989م، أصبح هناك رغبة متزايدة لدى الجماعات المتطرفة لضرب أهداف خارج نطاق دولة المنشأ أو المناطق الإقليمية المحيطة مما يؤكد على الطابع الدولي للإرهاب المعاصر. خير مثال على ذلك، الهجمات الإرهابية التي استهدفت مركز التجارة العالمي عام 1993 وهجمات ال 11 من سبتمبر 2001 م، على مركز التجارة العالمي ومقر وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون".
لعل أبرز ما خلصت إليه الخبرات الأمريكية المتراكمة منذ عقود طويلة في محاربة الجهات الفاعلة غير الحكومية داخل المنطقة، أن التهديدات الإرهابية في تطور دائم وأن القضاء عليها نهائيًا لم يكن أبدًا هدفًا واقعيًا. وهو ما يقتضي من واشنطن وضع أهداف أقل تواضعًا مثل تفكيك وتقويض المنظمات الإرهابية ذات الأذرع الإقليمية والدولية وإدراك أن الإرهاب سيظل دائمًا وأبدًا هدفًا يتعين معالجته. وبالرغم أن الغزو الأمريكي المطول لأفغانستان والعراق ربما يكون قد ساهم في تقويض قدرة الجماعات الإرهابية على التخطيط إلى شن هجمات واسعة النطاق وتنفيذها، إلا أن تنظيم القاعدة وداعش يواصلان استقطاب المُريدين من مختلف أنحاء الكرة الأرضية وإنشاء مجموعات فرعية تابعة لهما في مختلف أنحاء المنطقة وخارجها ومن المرجح أن تواصل هذه المنظمات والنسخ المستقبلية المنبثقة عنها تهديد المصالح الأمريكية والغربية.
ونظرًا لأن الإرهاب سيظل يمثل تهديدًا دائمًا، فإن تنسيق جهود مكافحة الإرهاب وتوطيد التبادل الاستخباراتي يظلان عنصرين محوريين في السياسات الأمريكية تجاه المنطقة. ومع ذلك، ينبغي توسيع نطاق هذه السياسات لتتجاوز التركيز الضيق على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لمعالجة قضايا الإرهاب بمنظور أشمل وأعمق. وقد أوضح الرئيس دونالد ترامب، خلال زيارته للمملكة العربية السعودية في مايو 2025م، النهج الأمريكي القادم في التعامل مع البلدان العربية ودول الشرق الأوسط بشكل عام. حيث تعهد الرئيس الأمريكي بأن بلاده لن تُملي على حلفائها من العرب كيف يديرون شؤونهم. وهو ما يعني أن الشريك الأمريكي سيكون أكثر احترامًا لسيادة الدول العربية، وأعرافها، وتقاليدها. فإن الديمقراطية ليست نمطًا موحدًا يمكن تطبيقه على الجميع. على سبيل المثال، تنعم دول مجلس التعاون الخليجي بمستوى عال من الاستقرار السياسي بفضل التواصل الوثيق بين حكوماتها ومجتمعاتها القائم على مبدأ الشورى الإسلامي. وبالمثل، ينبغي على الشخصيات الرائدة والبارزة من المسلمين في الولايات المتحدة وحول العالم توعية المسؤولين والشعب الأمريكيين بجوهر الدين الإسلامي السمح، وكيف أنه بريء من كافة أشكال الإرهاب والتطرف.






