array(1) { [0]=> object(stdClass)#14361 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

التحدي الأبرز في لبنان بعنوان: "الإصلاح والسلاح والعلاقة الجدلية بين الدولة وحزب الله "

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

في لبنان، أطراف متعددة ألِفَت أن تمتلك قدرات عسكرية خارج إطار الدولة. لكن، بعد الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، وتحديداً تلك التي كانت ضد "حزب الله" الذي ساند غزة في عملية طوفان الأقصى، تزايد الحديث محلياً ودولياً عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

سنلقي في هذا المقال نظرة على هذه المسألة، لمعرفة مدى إمكانية تحقيقها، والتحديات التي يمكن أن تواجه لبنان جراءها.

 

أولاً) طبيعة التركيبة التسليحية في لبنان

يُقصد بـ “حصر السلاح بيد الدولة" أن تحتكر الدولة استخدام السلاح عبر مؤسساتها الرسمية، وتمنع وجود سلاح خارج إطارها بيد جماعات أو أفراد.

يعود موضوع وجود السلاح غير الشرعي في لبنان، إلى ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990م)، لذا، نص اتفاق الطائف عام 1990م، على حصره بيد الدولة، واستُثنيَ "حزب الله" بذريعة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وحافظ على ترسانته العسكرية حتى بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

صنّفت الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ألمانيا، بريطانيا، حزب الله منظمة إرهابية، في حين ميّز الاتحاد الأوروبي بين الجناحين السياسي والعسكري للحزب. إلا أن الانتقادات تزايدت ضد الحزب لما ارتكبه في لبنان وسوريا. أما الكيان الإسرائيلي، فلا يزال يعتبر سلاح حزب الله تهديداً مباشراً له، يعلل به اعتداءاته المتكررة على لبنان، بالرغم من أنه دمّر أكثر من 90% من أسلحة حزب الله.

في الوقت الذي يُسيطر فيه موضوع سلاح حزب الله على الخطاب السياسي والإعلامي في لبنان، يتحرك ملف آخر وهو السلاح الفلسطيني. صحيح أنّ لكلٍّ من الملفين خصوصية وسياق خاص، لكنهما مرتبطان بشكل كبير، من حيث الغاية المُعلنة لهذا السلاح وهي محاربة إسرائيل، وبتأثرّهما بمتغيرات الوضعَين المحلي والإقليمي.

تكمن المشكلة بوجود عدة فصائل فلسطينية في لبنان، وهي تنقسم إلى:

  • فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وتندرج تحتها: حركة فتح، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنظمة الصاعقة.
  • فصائل التحالف الفلسطيني، تندرج تحتها: الجبهة الشعبية – القيادة العامة، حركة حماس، حركة الجهاد الإسلامي، فتح الانتفاضة.
  • مجموعات صغيرة متشددة، مثل جند الشام، فتح الإسلام (سابقاً)، وبعض المجموعات السلفية الجهادية. وهي تشكل خطراً أمنياً لأنها خارج سيطرة الفصائل الكبرى، وسبق أن ارتبطت باشتباكات عنيفة في مخيم نهر البارد عام (2007م) وعين الحلوة عام (2023م).

كذلك، ظهرت في لبنان (سابقاً وفي فترات معينة) جماعات سنّية متطرفة مسلحة، في طرابلس وصيدا (تنظيم فتح الإسلام، وجماعة الشيخ أحمد الأسير). لكن هذه الجماعات تم تفكيكها من قبل الجيش اللبناني. كما توجد بعض المجموعات العشائرية المسلحة، في بعلبك-الهرمل والجنوب، غالباً ما تدخل في اشتباكات عشائرية أو تهريب.

 

ثانياً) التأثيرات السلبية لانتشار السلاح خارج الدولة

وجود قوى مسلحة خارج سلطة الدولة اللبنانية له تأثيرات جمة، من أهمها:

  • يُضعف من شرعية الدولة وسيادتها ويشكك في قدرتها على الحكم، لأنها لا تكون الوحيدة القادرة على فرض الأمن وتطبيق القوانين.
  • يجعل كل طائفة تشعر بالحاجة إلى التسلح للدفاع عن نفسها، ما يهدد السلم الأهلي، ويفاقم الانقسام الطائفي.
  • يُسهم في تحول النزاعات السياسية إلى نزاعات مسلحة، خاصة في ظل الأزمات السياسية أو الأمنية، وما أكثرها في لبنان.
  • يعطل أو يفرض قرارات على الدولة بقوة السلاح، فيعرقل الإصلاحات ويحول دون ضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي.
  • يفتح باب للتدخلات الخارجية عبر قوى مسلحة داخلياً مرتبطة بمحاور إقليمية ويُنمي الضغوط السياسية غير الشرعية، فيحول دون تحقيق الإصلاح السياسي والانتقال إلى دولة يكون فيها الجيش والقوى الأمنية المرجع الوحيد لحماية الحدود وضمان الأمن الداخلي.
  • يفسح المجال لتحقيق مكاسب فئوية أو طائفية، ويخلق شعوراً بالغبن، ويُضعف الثقة بالدولة كمصدر حماية للجميع.
  • يُبعد الاستثمارات، ويُفقد ثقة المجتمع المحلي والدولي بالدولة. وخير مثال على ذلك، إعلان رجل الأعمال الإماراتي ورئيس مجلس إدارة مجموعة "الحبتور" الإماراتية، خلف الحبتور، في يناير 2025م، عن إلغائه جميع المشاريع الاستثمارية التي كان يعتزم تنفيذها في لبنان، "لغياب الأمن والاستقرار وانعدام آفاق التحسن".

 

ثالثاً) مدى قدرة الدولة اللبنانية على حصر السلاح

صرّح العماد جوزيف عون - بعد توليه منصبه رئيساً للجمهورية اللبنانية في يناير 2025م- بأن "السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة وحدها، وأن القرار في هذا الشأن قد اتخذ وسينفذ".

نُلاحظ استخدام مصطلح "حصر السلاح" وليس "نزع السلاح"، لأن الأخير يشير إلى أخذ السلاح بالقوة، وليس هذا هو المقصود، لا سيما أن الدولة اللبنانية تتعامل مع حزب الله كـ "مكوّن أساسي في المجتمع اللبناني". لذلك، تسعى الحكومة اللبنانية إلى جمع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، بطريقة تتجنب فيها استخدام القوة، لتفادي اندلاع صراع داخلي. 

اللافت، أنه بعد آخر اعتداء إسرائيلي على لبنان (2024-2025م) أعرب حزب الله عن استعداده مناقشة تسليم سلاحه، بشرط انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان ووقف غاراته الجوية.

كما وافق ممثلو الحزب في البرلمان على البيان الوزاري الذي نص على حصر السلاح بيد الدولة. وبالفعل تعمل الدولة على ذلك، وقد حققت ما يقارب 80% من أهدافها في جمع سلاح حزب الله، تمهيداً لأن تكون الدولة معنية وحدها بالدفاع عن أرضها وجميع أبنائها. غير أن حزب الله لا يزال يرفض تسليم سلاحه بشكل كامل، معتبراً ذلك تهديداً لوجوده، ويتحدى إرادة الدولة ومؤسساتها. حيث صرح النائب حسن فضل الله، بأنه: "...ليس لدينا ما نعطيه لأحد وليس لدينا أمر نتنازل عليه لأحد". وتابع قائلاً: "بالنسبة إلينا لا نقاش عندنا في أي أمر في لبنان قبل أن تتحقق أمور أربعة، وهي: انسحاب العدو، ووقف الاعتداءات، واستعادة الأسرى، وإعادة الإعمار". بذلك وضع الحزب هذه الأمور الأربعة في عهدة الدولة، ويستمر بالضغط عليها لإنجازها، وهو في سبيل تسهيل مهمة الدولة، يلتزم بضبط النفس ويتعاون مع الجيش اللبناني في عملية تسليم الأسلحة والمواقع، في الجنوب. إلا أنه يفرق بين تسليم سلاح الحزب في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، عن تلك التي تحده شمالاً.

 نتيجة لذلك، هناك تخوف لدى اللبنانيين من تكرار حزب الله لأحداث 7 مايو2008م، عندما اجتاح العاصمة بيروت ومناطق من جبل لبنان عسكرياً. هذا التخوف ناجم عن مطالبة جمهور حزب الله بتنفيذ 7 مايو جديد، رداً على المطالبة الملّحة بتسليم سلاح الحزب للدولة، علماً أنه ورد على لسان أحد مسؤولي الحزب "أن اليد التي ستمتدّ إلى سلاح المقاومة ستقطع". الأمر الذي ينذر بالصعوبات التي تواجه الدولة اللبنانية في مسألة تسليم سلاح حزب الله، بالرغم من الخسائر الفادحة التي تلقاها الحزب باغتيال أمينيه العاميين واستشهاد الألاف من شبابه وتدمير مئات المنازل في القرى الجنوبية.

أما بالنسبة للسلاح الفلسطيني، فإن النقاش حول تسليمه قديم واتخذ أشكالاً شتى، لكنه اليوم يبدو جدياً، لتشدد السلطات اللبنانية بتطبيق القرار الدولي رقم 1701 لعام 2006. لذلك، أكد الرئيسان اللبناني والفلسطيني "جوزيف عون" و"محمود عباس" بتاريخ 21 مايو/أيار2025 التزامهما بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وإيمانهما بأن زمن السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية قد انتهى.

 

رابعاً) التحديات التي تواجه حصر السلاح بيد الدولة

التحدي الأبرز في لبنان حالياً، يُمكن تلخيصه بعنوان "الإصلاح والسلاح والعلاقة الجدلية بين الاثنين"، لأن "حزب الله" يربط البحث في سلاحه بشروط عدّة، أبرزها إعادة الإعمار لما تدمر بفعل الاعتداء الإسرائيلي، علماً أن تكلفة الإعمار تُقدر بسبعة (7) مليارات دولار، في حين يربط المجتمع الدولي تقديم المساعدات لإعادة الإعمار بتنفيذ لبنان إصلاحات سياسية واقتصادية، وحصر السلاح بيد الدولة. والتحدي هنا هو في كيفية ترجمة هذا الموقف الأكثر من ضروري إلى واقع قائم.

هناك تحديات أخرى تواجه حصر السلاح بيد الدولة، من أهمها:

  • ضعف الإمكانات اللوجستية والعسكرية للدولة اللبنانية، ما يجعلها غير قادرة على فرض سيادتها الكاملة أو مواجهة المجموعات المسلحة.
  • عدم وجود آلية واضحة أو خارطة طريق تُحدد كيفية تنفيذ حصر السلاح.
  • انتهاك إسرائيل الدائم للقرار رقم 1701 ببقاء قواتها في بعض المناطق، واعتداءاتها الغاشمة على لبنان. 
  • تمسك حزب الله بالسلاح ودور "المقاومة" يستدرجان الاحتلال مجدداً، ويمنحان العدو أعذاراً لاستباحة كل شيء.
  • رفض البيئة الحاضنة لحزب الله، تسليم السلاح، واعتبار ذلك مستحيلاً دون تحقيق الأهداف الأربعة آنفة الذكر.
  • اختلاف مواقف القوى السياسية اللبنانية من تسليم سلاح حزب الله. حيث ترتفع بعض الأصوات في الداخل اللبناني للتخلّص من سلاح الحزب، لإعادة بناء الدولة. في حين يعتبر مؤيدو السلاح أن الحزب لن يسلّم سلاحه، لأن ذلك لا يمنع من المضي في عملية بناء الدولة ومؤسساتها، داعيين إلى عدم رهن كل شيء في البلد بتسليم السلاح.
  • تخوف البعض من قلب الحزب الطاولة داخلياً، بعد انتهاء دور الحزب في جنوب نهر الليطاني وانتقال قدراته العسكرية إلى الداخل. لا سيما أن بعض المسؤولين في الحزب باتوا يسوّقون بأن سلاحه يشكل حماية للطائفة الشيعية في وجه الأطراف اللبنانية الأخرى، وليس إسرائيل.

أما بالنسبة للسلاح الفلسطيني، فالمصادر الحكومية اللبنانية لا تنفي وجود "شد حبال" بين الفصائل حول عملية التسليم، لكن في المقابل هناك إصرار من الحكومة اللبنانية على إطلاق هذه العملية -وفق البيان المشترك الذي صدر عن لقاء الرئيسين في أيار/مايو 2025- بدءاً من تاريخ 16 يونيو 2025، من مخيمات بيروت. غير أن مصادر قريبة من "حماس" قالت إنه "حتى الساعة لم تتم مقاربة ملف السلاح داخل المخيمات بشكل جدي، وأن موضوعاً بهذه الدقة يفترض أن يُحَلّ من خلال نقاش معمّق تديره لجنة الحوار الوطني اللبناني – الفلسطيني، وأنه بالرغم مما تم الاتفاق عليه في البيان المشترك، إلا أن المصادر الفلسطينية تشير إلى أنه لم يُحسم بعد ما إذا سيكونون بصدد تسليم كامل السلاح أو تسليم المتوسط والثقيل فقط، وتنظيم السلاح الفردي ليكون تحت سيطرة لجان أمنية فلسطينية تتولى أمن المخيمات بالتعاون والتنسيق مع أجهزة الدولة اللبنانية".

 

خامساً) البعد الخارجي لمعضلة انتشار السلاح

لا تكمن مشكلة انتشار السلاح بالتحديات آنفة الذكر وحسب، بل أيضاً بالبعد الخارجي لهذه المسألة، الذي يُعتبر أحد أعقد الأبعاد التي تُكرّس هذه الظاهرة. يمكن تفصيل ذلك وفق سياق تاريخي، كما يلي:

  • في مرحلة الحرب الأهلية (1975–1990م) تدفقت الأسلحة إلى الميليشيات في لبنان من دول عدة، وخضع السلاح في لبنان لإرادات خارجية. كما سمحت سوريا أثناء وجودها في لبنان (1976–2005م) ببقاء سلاح حزب الله تحت عنوان "المقاومة". لكن، عام 2005، طَرَح َالانسحاب السوري من لبنان مسألة حصر السلاح بقوة، تزامن ذلك مع صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559عام 2004م، الذي طالب بنزع سلاح الميليشيات. غير أن هذا القرار لم يُنفذ بسبب الانقسامات الداخلية والتوازنات الدولية التي ربطت مصير لبنان بالصراع الإقليمي.
  • دعمت إيران لعقود "حزب الله" مالياً وعسكرياً، إذ كان سلاح الحزب أداة نفوذ إقليمي ضمن "محور المقاومة" الممتد من طهران إلى بيروت. كما أدت النزاعات في سوريا وفلسطين، وارتباط أطراف لبنانية بها، إلى تبرير الاحتفاظ بالسلاح من قِبل بعض القوى، فتحول لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
  • صدرت قرارات من مجلس الأمن تتعلق بنزع السلاح. أولها، القرار رقم 1559/2004م، إلا أن الدول تساهلت في تنفيذه وساومته سياسياً في ملفات أخرى، فأضعفت موقف الدولة اللبنانية. والثاني، القرار رقم 1701/2006م، الذي لم يُطبّق بالكامل بعد.
  • أثّرت القوى الدولية مثل الولايات المتحدة، فرنسا، وروسيا على مواقف الأطراف اللبنانية وعرقلت أي توافق داخلي على حصر السلاح بيد الدولة. كما تعامل المجتمع الدولي مع لبنان على قاعدة "احتواء الأزمات" وليس "حلّها"، فساهم في إدامة حالة اللادولة في بعض الملفات، خاصة الأمنية. وتعامل بحذر في موضوع سلاح الفصائل الفلسطينية، إذ ركّز فقط على تحسين الظروف الإنسانية داخل المخيمات، ودعم الدولة اللبنانية لمنع تحولها لبؤر أمنية.
  • مثلّت الحدود اللبنانية – السورية نقطة ضعف كبيرة، لأن الأسلحة والذخائر كانت تنتقل بدعم أو تغاضٍ من أطراف إقليمية، مستغلة ضعف الدولة في مراقبة الحدود.

أي أن البعد الخارجي، حال دون قيام إرادة لبنانية موحّدة لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، لا سيما أن القوى المحلية نفسها استمدت شرعيتها من الاصطفافات الخارجية.

 

سادساً) إمكانية توظيف القوى الداخلية لحصر السلاح

يتطلب موضوع حصر السلاح مقاربة شاملة تراعي الواقع اللبناني المعقّد. من الأليات الممكن الاستعانة بها لتحقيق ذلك:

  • إشراك المرجعيات الدينية والزعامات المحلية من كافة المكونات السياسية والطائفية، للوصول إلى آلية وطنية لحصر السلاح بيد الدولة. والتوعية بخطورة الربط بين الرمزية الدينية وامتلاك السلاح.
  • إصدار فتاوى دينية تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة وإلى ثقافة السلم الأهلي، عن طريق الخطب الدينية والمنابر في المساجد والكنائس.
  • استخدام النفوذ المحلي للعائلات والوجهاء، للتوسط بين الدولة والمجموعات المسلحة، لتسليم سلاحها.
  • إعطاء حوافز مجتمعية واقتصادية للقرى والمناطق التي تلتزم بتسليم سلاحها، بالتعاون مع زعاماتها.
  • دعم مشاريع الدولة للإنماء المتوازن بالتعاون مع المرجعيات والزعامات، لتعزيز ثقة المواطن بالدولة كمصدر أمان بديل عن الجماعات المسلحة.
  • الاعتماد على دعم الزعامات الدينية والمحلية، لإصدار تشريعات تحفز التسليم الطوعي للسلاح بضمانات قانونية، استناداً على الدستور اللبناني واتفاق الطائف، اللذين يؤكدان على حصرية السلاح بيد الدولة.

 

سابعاً) دور الجهات الدولية في حصر السلاح

بإمكان المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والقوى الكبرى مساعدة الدولة اللبنانية في مسألة حصر السلاح، من خلال:

  • تعزيز قدرات الجيش اللبناني لتمكينه من تولي مسؤولياته الدفاعية بالكامل، ودعم مراقبته الفعالة للحدود اللبنانية لمنع تهريب الأسلحة.
  • تشجيع حوار وطني لبناني حول استراتيجية دفاعية تُعيد حصرية السلاح إلى مؤسسات الدولة.
  • تطبيق قراري مجلس الأمن الدولي (1559) و(1701).
  • ممارسة ضغط دولي جدي على الدول الراعية للجهات التي تحمل السلاح غير الشرعي في لبنان، لمنعها من الاستمرار في استخدام الجماعات المسلحة وكلاء لتنفيذ حروبها بالنيابة.
  • فرض عقوبات على المتورطين في تسليح أو تمويل الميليشيات، ومراقبة التحويلات المالية الدولية، وتطبيق معايير مكافحة تمويل الإرهاب، للحد من قدرة الجماعات المسلحة على الاستمرار.
  • دعم الاقتصاد اللبناني، وتمويل برامج إنمائية واجتماعية تُعزز الثقة بالدولة وتضعف مبررات وجود جماعات مسلحة خارجة عن القانون.

أي أن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية يستوجب من المجتمع الدولي أن يضطلع بمسؤولياته، ليس عبر التدخل، بل بدعم الشرعية وتثبيت أركان الدولة اللبنانية، لأن استقرار لبنان هو مصلحة وطنية وعربية ودولية مشتركة.

 

ثامناً) سيناريوهات المستقبل

هناك عدة سيناريوهات حول مستقبل حصر السلاح:

السيناريو الأول والأفضل: أن يستجيب جميع حملة السلاح لنداء حصر السلاح بيد الدولة، لتعود الحياة الطبيعية في الدولة اللبنانية.

السيناريو الثاني: أن يتم نزع السلاح غير الشرعي بالقوة. لكن الخوف من حدوث تداعيات خطرة، نظراً لأن نزع السلاح بالقوة صعب التطبيق في هذه المرحلة، في ظل ما يجري في المنطقة. لذا، قد يكون أكثر ما يمكن التوصل إليه هو ضبط السلاح الفلسطيني داخل المخيمات الفلسطينية، وحَل قضية سلاح حزب الله بالحوار الذي يشدد عليه رئيس الجمهورية جوزيف عون، تفادياً لوقوع حرب أهلية.

السيناريو الثالث: رغم أهمية إطلاق حوار وطني هادف ومحدود من حيث أطرافه المشاركة لحصر السلاح، إلا أن من الممكن جداً الغرق في "مستنقع الحوار للحوار"، الأمر الذي يؤجل ما لم يعد من المقبول أو حتى من الممكن تأجيله، في إطار زمني مفتوح.

السيناريو الرابع والأخطر: أن يتشبث الجميع بسلاحه، وتحديداً "حزب الله"، واستخدام هذا السلاح داخلياً كما حصل عام 2008، علماً أن "الحزب" لا يزال يتصرف من موقع المنتصر، ويدمن على تكرار سرديات تتمحور حول "قدسية" السلاح، ولا يريد لجمهوره أن يصدق مُرّ الواقع الذي دفعه إليه، ويهدد السلطة بأن الفرصة الأخيرة التي منحها لها للالتزام بأهدافه الأربعة تَنفَد، وما لم تُنفِّذ أجندته فسيذهب إلى "خيارات أخرى".

لذلك، تُقترح آليات منوعة لحصر السلاح بيد الدولة، بعضها أعلنته الأطراف المسلحة كشروط لقبول تسليم سلاحها للدولة، وبعضها الآخر طرحه معارضي تواجد هذا السلاح. وأهمها:

  • البدء بإعلان تلتزم به كافة المكونات السياسية اللبنانية المسلحة، بأن يكون قرار الحرب والسلم، بيد السلطات اللبنانية وحدها. وأن يتم جمع السلاح وتسليمه للسلطات اللبنانية، مقابل تعويضات تحت إشراف لجنة وطنية ودولية.
  • دمج العناصر المسلحة التي تقبل الانخراط في الدولة ضمن الجيش أو قوى الأمن.
  • إصدار قوانين عفو مشروط عن الانخراط في حمل السلاح، مقابل التخلي عنه.
  • تطبيق القوانين الموجودة التي تنظم حيازة السلاح، وفرض عقوبات على الجهات التي ترفض تسليم أسلحتها، ومحاسبة كل من يحاول استخدام السلاح خارج القانون. 
  • تحرك لبنان مع الدول الصديقة والمؤثرة بشكل خاص في الأمم المتحدة، للضغط على إسرائيل للانسحاب الكلي من الأراضي اللبنانية وتنفيذ اتفاقية الهدنة الموقعة في 23 مارس1949م.
  • إشراك المجتمع الدولي في تفعيل القرارات الدولية المعنية بحصر السلاح بيد الدولة.  
  • الحصول على ضمانات إقليمية تتعهد فيها الدول الداعمة للأطراف المسلحة بعدم تمويل أو تسليح أي جهة خارج الدولة.
  • دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية لتكون قادرة على حماية لبنان وحدوده، وربط الاستراتيجية الدفاعية بقرار وطني، لا طائفي.

ختاماً نذكّر، بأنه لا يوجد حل سحري لمسألة حصر السلاح، لكن الجمع بين الإصلاح الداخلي والضغط الدولي يفتح آفاقاً للتقدم. والتجربة اللبنانية تحديداً تحتاج إلى وقت وحنكة وصبر، لأن حصر السلاح بيد الدولة ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية لبنان، وصون وحدته، وضمان مستقبله.

مقالات لنفس الكاتب