تسعى الحكومة العراقية إلى الحد من تأثير السلاح المنفلت على الأمن الوطني واستقرار المواطنين، في وقت لا يزال فيه القلق والخوف يخيّمان على حياة كثير من العراقيين، نتيجة تفشي الجريمة المنظمة والتهديدات المستمرة. تتصاعد يوميًا عمليات السطو المسلح، والابتزاز، والاغتيالات، التي تنفذها عصابات وميليشيات خارجة عن القانون، لتطال ضباطًا من الجيش السابق، وناشطين مدنيين، وأطباء، وصيادلة، وموظفين رفضوا الانخراط في الفساد، أو خضعوا للابتزاز، أو تمسكوا بأخلاقياتهم المهنية. يُعاقَب كثير منهم بالقتل أو التهجير القسري، بسبب التزامهم الوطني أو المهني. وأمام هذا الواقع، أصبحت مشاهد الخطف والاغتيال والعنف اليومي مألوفة في الشارع العراقي، ما يعكس صراعًا مفتوحًا بين دولة تحاول فرض القانون واستعادة هيبتها، وقوى خارجة عن إطار الدولة، تستخدم السلاح كأداة للترهيب والسيطرة على المجتمع ومفاصل الحياة العامة.
أولاً- فوضى السلاح والعشائر:
مسح الواقع العراقي يبين أن العراق يعيش فعليًا في فوضى السلاح وتغوّل العشائر، التي باتت فوق القانون، بعد أن أخذت نزاعاتها المتصاعدة تضعف من هيبة الدولة، وتقوّض يومًا بعد آخر شرعية احتكارها للعنف. فقد بدأت بعض العشائر تفرض سلطتها، وتتمرد على الدولة، وتواجه القوات الأمنية بأسلحة متوسطة وثقيلة، وتقتل وتطارد عناصرها، في تحدٍ صارخ لسلطة دولة تبدو عاجزة ومشلولة. المؤسف أن الأجهزة الأمنية تلجأ أحيانًا إلى حلول ترقيعية، وتستكين لاسترضاء العشائر بالوساطات والتسويات المالية.
النزاعات العشائرية باتت أحد أوجه الإرهاب في العراق، ومسببًا رئيسيًا في انتشار السلاح خارج القانون، ولا تزال تشكّل أرقًا مستدامًا للحكومات العراقية التي فشلت منذ 2006 م، في إنهائها، إذ بقيت كثير من النزاعات بلا حلول. ويُعد النزاع بين قبيلتي آل رميض وآل عمر في قضاء الإصلاح بمحافظة الناصرية من أبرز النزاعات العشائرية، حيث اندلع في عام 2020 م، نتيجة خلاف على منصب قائمقام القضاء. فقد اعتبرت عشيرة آل عمر، باعتبارها تشكل الغالبية في مركز القضاء ومحيطه، أن المنصب يمثل استحقاقًا لها، وهو ما رفضته عشيرة آل رميض التي تولّى أحد أفرادها المنصب حتى عام 2023م. هذا الخلاف سرعان ما تطور إلى واحدة من أطول وأعنف النزاعات المسلحة في جنوب العراق، وفشلت جميع محاولات الوساطة، بما في ذلك تدخلات شخصيات سياسية بارزة وشخصيات دينية من مرجعية النجف، في وضع حد له.
ووفقًا للجنة فض النزاعات في محافظة ذي قار، اندلعت بين العشيرتين نحو 30 مواجهة مسلحة، أسفرت عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 15 آخرين، مع استخدام أنواع متعددة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وأدت إلى نزوح 114 عائلة إلى قضاء الفهود المجاور. ويُتوقع أن تتفاقم هذه النزاعات مستقبلًا، خاصة في ظل أزمة الجفاف والتناقص الحاد في الموارد المائية، مما سيؤدي إلى تصاعد التوتر والصراع على حصص المياه، وبالتالي تنشيط سوق السلاح بشكل أكبر.
وحسب دائرة الطب العدلي في بغداد، تسببت النزاعات العشائرية في مقتل وإصابة 3000 شخص خلال النصف الأول من 2023م، بينهم 120 امرأة. إن استفحال النزاعات يكشف حجم الخلل في سياسات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح، في ظل مجاملة سياسية لأطراف عشائرية. كما تلعب بعض الأحزاب دورًا في تسليح أتباعها ضمن تعبئة انتخابية، بل إن الحكومات شجّعت هذا النهج، حين قام رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي والحالي محمد شياع السوداني بتوزيع السلاح على وجهاء العشائر، مما يعيدنا إلى دولة القبائل، حيث تصبح الدولة مروّجًا للعنف لا كابحًا له.
ثانيًا- كيف أصبح السلاح جزءًا من الحياة اليومية؟
لا شك أن أسباب انتشار السلاح بين العراقيين، متعددة، وأولها يتعلق بثقافة المجتمع العراقي القبلية، فالسلاح هو عنوان الرجولة والبطولة، ورمز القوة والجاه، وكون المجتمع العراقي هو مجتمع قبلي تشكل فيه القبيلة بنية اجتماعية تتمحور حول عادات وتقاليد ما قبل الدولة، فإن الفرد ينشأ بقيم الغلبة والثأر والبطولة والفخر، مما يستوجب منه الاستعداد الدائم لحماية نفسه والتمترس بوسائل القوة والمنعة من سلاح وعتاد ومؤونة. وفي العراق بات السلاح يدخل بأدق تفاصيل الحياة، ففي الأفراح تطلق العيارات النارية، وفي المآتم والأحزان تطلق العيارات النارية، ومنذ 2003، استبدل غالبية العراقيين الهراوات بالبنادق الرشاشة في أي مشاجرات جانبية. ورغم محاولات النظام العراقي السابق وسطوته في تقليص انتشار السلاح، إلا أننا شهدنا في فترة ضعف النظام في تسعينيات القرن الماضي، عودة المنازعات العشائرية التي استخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وأودت بحياة العشرات من أبنائها ولكنها كانت بالإجمال أقل مما حصل في أعقاب الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق في 2003م، ففي أعقاب الغزو، وقرار الحاكم الأمريكي بول بريمر حل الجيش العراقي وبقية الأجهزة الأمنية، أخذت الأسلحة بكل صنوفها بالانتشار وبشكل مفرط بين العراقيين، نتيجة سيطرة الغوغاء وعصابات الجريمة المنظمة والأحزاب المعارضة على مخازن السلاح، وعلى الدوائر الحكومية ومقار حزب البعث الحاكم، والتي كانت مليئة بمختلف أنواع الأسلحة. كما أن سقوط النظام وحل الجيش أدى إلى انفلات أوضاع الحدود مع الدول المجاورة، ودخول الأحزاب والتنظيمات العسكرية المعارضة بأسلحتها ومعداتها، كما ساهم تطور عمليات المقاومة العراقية للوجود العسكري الأمريكي، إلى انتشار السلاح، ولاسيما العبوات الناسفة والأسلحة القناصة والقاذفات اليدوية والتي احتاجتها فصائل المقاومة لمقاتلة القوات الأمريكية. كما أدى ظهور التنظيمات الإرهابية وقتلها المعارضين لمنهجها، إلى انتشار ثقافة العنف والكراهية الطائفية والقومية بين العراقيين.
لقد أصبح اقتناء الأسلحة والمتاجرة بها أمرًا رائجًا في العراق، فهناك أسواق خاصة بها في بغداد والمحافظات بشكل علني أو مخفي، كما في سوق مريدي في شرق بغداد حيث تغض الأجهزة الحكومية النظر عن ذلك، كما تغض النظر عن أساليب تهريب الأسلحة التي تقوم بها بعض الأحزاب والجماعات المسلحة كمصدر من مصادر التمويل. ويتهم المحلل الأمني سرمد البياتي، بعضاً من مسؤولي هيئة المنافذ والجمارك وحرس الحدود، بالوقوف وراء تفشّي السلاح في المجتمع بتغاضيهم عن تهريبه وعدم اعتقال المتورطين في تلك التجارة القاتلة. كما يحمّل البياتي القوى السياسية مسؤولية عسكرة المجتمع وإشاعة ثقافة العنف، من خلال قطع الأسلحة التي تعطيها كهدايا وهبات للشيوخ والأفراد الموالين لها، منبهاً إلى أن تدخلات السياسيين أضرّت بالعمل الأمني. ووفقاً لموقع عGunpolice الذي يوفّر قاعدة بيانات واسعة تخصّ الأسلحة، فإن العراق يحتل المرتبة 153 من أصل 200 دولة، في امتلاك المدنيين أسلحة خاصة بهم، بالرغم من أن القانون لا يسمح بامتلاك سلاح من دون ترخيص. وقد انعكس انتشار السلاح بمختلف أنواعه الخفيفة والمتوسطة والثقيلة إلى انتشار عمليات الانتقام والثأر، وانتشار ما يسمى بالدكة العشائرية والتي تعني قيام أتباع عشيرة ما بالتجمع أمام منزل أحد الخصوم وإطلاق النار على بيته لترهيبه ومطالبته بجلسة عشائرية يلتزم فيها بدفع ما يفرض عليه من أموال أو أنواع أخرى من الإتاوات. وقد دفعت أغلب شرائح المجتمع العراقي ثمنًا باهظًا لفوضى انتشار السلاح، ولاسيما الأقليات الدينية، حيث صادرت الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة، عشرات البيوت التابعة للمسيحيين والصابئة في بغداد والبصرة والموصل وكركوك، بعد أن تم تهديدهم بالسلاح، مما اضطرهم للهجرة وترك منازلهم أو بيعها بأثمان بخسة.
ثالثًا- أثر انتشار السلاح على الأمن الوطني العراقي:
لا شك أن استمرار انتشار السلاح في العراق، وضعف الإجراءات الحكومية للسيطرة على انتشاره، يضعف سلطة الدولة ويرخي هيبة القانون في نظر المواطن، ويدفع إلى طغيان عمليات الثأر والانتقام بين الأفراد والجماعات، بعيدًا عن القوانين السائدة، وهو ما أدخل البلد في حالة من عدم الاستقرار، انعكست في ضعف التنمية والاقتصاد، وارتفاع مؤشرات الفقر والبطالة وهجرة رؤوس الأموال بسبب سيطرة مافيات السلاح وعصابات الجريمة وميليشيات الإرهاب. وعمومًا يمكن تحديد أبرز ارتدادات انتشار السلاح على الأمن الوطني العراقي من خلال النقاط الآتية:
- ساهم في استمرار اختراق القانون وإضعاف هيبة النظام السياسي، وتغول قوى اللادولة على النظام العام ومصالح السكان، فقد باتت التجربة الديمقراطية الوليدة في العراق تحت رحمة وسطوة السلاح، وكان له تأثير مباشر في إضعاف الآليات الطبيعية لتداول السلطة عبر الانتخابات، والتمثيل النيابي عبر السماح للمافيات وقوى السلاح المنفلت والأحزاب ذات الأجنحة العسكرية، بالتلاعب بإرادة الناخبين وتغيير نتائج الانتخابات لصالحها، وإجبار بعض المرشحين تحت تهديد السلاح على الانسحاب من الانتخابات.
- أدى انتشار السلاح إلى ضعف الفرص الاستثمارية، وتدفق رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لتنشيط الاقتصاد العراقي، نتيجة تعرض المستثمرين المحليين والأجانب لابتزاز مافيات السلاح والإرهاب والفساد، إذ كثيرًا ما تعرض مستثمرون لعمليات قتل وخطف وابتزاز وإرغام على المشاركة بالأرباح، مما أدى إلى الإحجام عن الاستثمار في القطاعات الإنتاجية.
- تصاعد عمليات النهب والسرقة للمال العام، وللثروات الوطنية من النفط والزئبق والفوسفات، من قبل الجماعات المسلحة. وتشير مصادر أمنية عراقية أن تلك الجماعات المسلحة تسعى إلى زعزعة الاستقرار في بعض المحافظات النفطية، وإلى إضعاف دور القانون فيها وجعلها مضطربة أمنياً، بهدف تسهيل نقل وتهريب النفط إلى الدول المجاورة.
- بات السلاح المنفلت وسيلة فعالة لحماية تجارة المخدرات ومافيات تهريب الأموال، وسرقة المال العام، وحماية كبار الموظفين الفاسدين الذين يركنون إلى أحزاب وجماعات مسلحة، لحمايتهم من المساءلة القانونية.
- مارست الكثير من العصابات والميليشيات، عمليات خطف وابتزاز للسياح الأجانب وللعاملين في الشركات الأجنبية وللصيادين من دول الجوار الذين يدخلون العراق في مواسم الصيد، حيث تم ابتزازهم ومساومتهم واستلام مبالغ نقدية كبيرة، لقاء إطلاق سراحهم، وهو ما انعكس في ضعف وانهيار قطاع السياحة في العراق.
- ساهم انتشار السلاح في تأجيج العنف الطائفي والعشائري، حيث مارست عصابات داعش والميليشيات الإرهابية بعد 2014م، أعمال قتل وتهجير على الهوية الطائفية والقومية، واستفحلت الثارات العشائرية بين المواطنين، وباتت الدكة العشائرية أحد أساليب الانتقام المتبادل بين العشائر، وتم تجاهل دور القانون في حسم المنازعات وتم استبداله بالفصل العشائري الذي ينتهي بدفع الديات، واستبدل القاضي ورجل الأمن بشيخ العشيرة والمهوال، وهم في الغالب لا يحملون أي تحصيل دراسي ليصبحوا هم الناطقين بالعدل والحق، في مشهد درامي يصور بؤس الواقع الاجتماعي وضعف الرادع السياسي.
- هجرة الكفاءات العلمية والأدبية والطبقة الوسطى، نتيجة غياب الحريات الأكاديمية، وتراجع احترام الحريات العامة، إذ تعرض الكثير من الأساتذة الجامعيين للتهديد بالقتل وللابتزاز والمساومة، نتيجة آرائهم النقدية للواقع السياسي والاجتماعي، واضطر آلاف المهندسين والأطباء والصيادلة والصناعيين وأصحاب رؤوس الأموال، لترك البلاد تحت تهديد السلاح، والهجرة إلى إقليم كردستان أو إلى الدول المجاورة للبحث عن ملاذات آمنة لحياتهم وعملهم.
رابعًا- السياسات الحكومية وإجراءات ضبط السلاح
منذ عام 2003م، سعت الحكومات العراقية إلى ضبط التسلح والسيطرة على منافذ تهريبه واستخدامه، إلا أن جهودها تعثرت بفعل عدة عوامل، في مقدمتها نظام المحاصصة الحزبية، وما يفرزه من مجاملات ووساطات، أدت إلى دمج جماعات مسلحة تابعة لأحزاب داخل الجيش والأجهزة الأمنية، فضلًا عن الاعتراف الضمني بوجود جماعات أخرى خارجة عن الدستور، الذي يمنع في مادته (9) تشكيل أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة. كما ساهمت التدخلات الإقليمية والدولية في إضعاف قدرة الحكومة على ضبط السلاح، إذ تحظى بعض الفصائل المسلحة بدعم دول الجوار وتخضع لتوجيهاتها، وترفض حل أجنحتها أو تسليم أسلحتها.
ورغم إعلان الحكومات المتعاقبة منذ 2006م،عن نيتها لحصر السلاح بيد الدولة، لم تُحقق النتائج المرجوة. فقد بادرت حكومة إياد علاوي بخطوة لجمع السلاح في النجف مقابل تعويضات مالية، بينما شنت حكومة نوري المالكي عام 2008م، حملة "صولة الفرسان" ضد الميليشيات المسلحة في البصرة، أسفرت عن ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات. وفي عام 2017، أقر مجلس النواب قانون الأسلحة رقم (51)، متضمنًا عقوبات صارمة على التهريب والحيازة غير القانونية، تصل إلى الإعدام إذا اقترنت بنية الإرهاب أو الإخلال بالأمن. لكن تطبيق هذا القانون ظل رهينًا للتجاذبات السياسية.
في أغسطس 2021م، أعلنت حكومة مصطفى الكاظمي تشكيل "اللجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة"، لمواجهة تفشي السلاح ومعالجة عسكرة المجتمع، ونشرت حكومة محمد شياع السوداني لاحقًا "الاستراتيجية الأمنية لحصر السلاح" ضمن برنامجها الحكومي (المادة 21). وشملت الإجراءات تخصيص 15 مليار دينار (نحو 11.5 مليون دولار) لشراء الأسلحة من المواطنين، وتشكيل 14 لجنة متخصصة بمشاركة وزارات وهيئات متعددة لتقييم الأسعار وتنفيذ البرنامج.
وزير الداخلية عبد الأمير الشمري أكد استمرار البرنامج، بهدف تقليص التسلح المجتمعي والحفاظ على السلم الأهلي. وقدرت مصادر أمنية أن بعض العشائر تملك أسلحة ثقيلة، منها رشاشات "بي كي سي"، ومدافع هاون، ومضادات طيران، يُعتقد أن جزءًا منها تم الحصول عليه من مستودعات الجيش السابق أو عبر منافذ التهريب بعد 2014م. وقد كشف العميد منصور علي، سكرتير لجنة تنظيم السلاح، أن وزارة الداخلية سحبت منذ مارس 2023م، أكثر من 25 ألف قطعة سلاح من موظفي مؤسسات الدولة غير الأمنية، بتكلفة وصلت ل 10 ملايين دولار.
وفي 22 أيار 2025م، أعلن رئيس الوزراء "استراتيجية الأمن الوطني للعراق 2025–2030"، التي أعدتها مستشارية الأمن القومي بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي، والتي شددت على منع عسكرة المجتمع، وسحب السلاح من العشائر والمواطنين، لحماية العراق من التحديات الأمنية الداخلية والخارجية. ومع أهمية هذه الإجراءات الحكومية، إلا أنها تبقى محدودة التأثير في الواقع العراقي، ما لم تُعزّز بسياسات حازمة تستهدف الجهات التي تتاجر بالسلاح وتستخدمه كوسيلة للهيمنة على المشهد السياسي. فاستمرار الحكومة في سياسة المجاملات وغضّ الطرف عن تلك الجماعات التي تقتات من ضعف القانون، يمنحها شرعية ضمنية ويُضعف من سلطة الدولة.
خامسًا- حصر السلاح بين ابتزاز الداخل وضغوط الخارج
لم تعد توجهات الحكومة العراقية لحصر السلاح وتحجيم القوى الخارجة عن القانون مجرّد استجابة لمطالب شعبية، بل تحوّلت إلى قضية تحكمها ضغوط دولية متزايدة تُمارَس على الحكومة العراقية، في محاولة لدفعها نحو تسريع حسم هذا الملف المعقّد، الذي بدأ يشكّل عائقًا أمام المصالح الإقليمية والدولية في العراق. وقد تصاعدت حدة هذه الضغوط بعد انخراط فصائل "المقاومة الإسلامية" العراقية في دعم حركة حماس في غزة بعد طوفان السابع من أكتوبر 2023، من خلال توجيه ضربات صاروخية وهجمات بالطائرات المسيّرة ضد قواعد إسرائيلية، وهو ما أثار ردود فعل دولية حادة، خاصة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
تشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيدًا عسكريًا حادًا يستهدف تفكيك أذرع النفوذ الإيراني في كل من العراق واليمن، وذلك ضمن استراتيجية شاملة لإعادة رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، في ضوء متغيرات كبرى حصلت مثل انحسار دور حزب الله، وسقوط نظام بشار الأسد، والضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتزايدة لإلغاء البرنامج النووي الإيراني. وفي هذا السياق، فإن التصعيد العسكري والضربات الجوية التي قامت بها إسرائيل ضد المنشآت النووية الإيرانية في 13/6/2025 م، ستكون لها تداعيات كبيرة على تغيير خارطة الصراع في الشرق الأوسط، مما ينعكس بشكل مباشر على أذرع إيران في العراق واليمن، ويزيد من حدة الضغوط التي تواجهها الحكومة العراقية في هذا الملف الحساس.
داخليًا، تتنازع ملف حصر السلاح في العراق رؤيتان متناقضتان. الأولى هي الرؤية الشعبية التي ترفض حالة الانفلات والفوضى، وتدعو إلى نزع سلاح الفصائل، ويؤيد هذا الموقف وبشكل خجول رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، مدعومًا بالقوى السياسية السنية بجميع أطيافها، والقوى الكردية، وبعض القوى الشيعية المعتدلة مثل تيار الحكمة بزعامة السيد عمار الحكيم. ويرى هذا التيار أن الحل لا بد أن يكون سلميًا، من خلال الحوار مع الفصائل أو عبر التنسيق مع إيران، مع إمكانية دمج بعض الفصائل في مؤسسات الدولة الأمنية، أو توجيه بعضها الآخر نحو أنشطة مدنية وإنتاجية.
أما الموقف الثاني، فيمثله الجناح المتشدد داخل الإطار التنسيقي الشيعي، والذي يرفض بشدة أي محاولة لنزع سلاح فصائل المقاومة، انطلاقًا من اعتقاد راسخ بأن تلك الفصائل تشكّل قوة ضامنة لوجود الشيعة في الحكم. ويرى هذا التيار أن أي تحرّك داخلي أو خارجي لحل هذه الفصائل هو استهداف سياسي يهدف إلى كسر النفوذ الشيعي، وأن عملية نزع السلاح، إن بدأت، فلن تتوقف عند الفصائل الولائية، بل ستمتد لتشمل الحشد الشعبي نفسه، الذي تأسس في 13 حزيران/يونيو 2014 م، استنادًا إلى فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها السيد علي السيستاني، وتم لاحقًا تقنينه بقانون رقم 40 لسنة 2016.
أما على المستوى الدولي، فلا تزال الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا مستمرة على الحكومة العراقية، في محاولة لدفعها إلى اتخاذ موقف حاسم من ملف الفصائل المسلحة، لتفادي حلول خارجية قد تكون مؤلمة للواقع السياسي العراقي. من أبرز هذه الضغوط ما كشفه النائب الجمهوري جو ويلسون، المقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن نيته طرح مشروع قانون "تحرير العراق من إيران"، والذي يُتوقّع أن يُقرّه الكونغرس في أكتوبر المقبل. ووفقًا لمصادر سياسية، فإن إقرار القانون سيؤدي إلى فرض عقوبات مباشرة على 11 فصيلًا مسلحًا وشخصيات مرتبطة بها، بتهمة الإرهاب وانتهاك السيادة العراقية.
وتعزز هذه التوجهات ما كشفه رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني، في لقاء تلفزيوني، بأن ترامب نفسه تحدث هاتفيًا مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وطلب منه صراحة حسم ملف الفصائل المسلحة، واصفًا ذلك بأنه "التزام على الدولة العراقية يجب تنفيذه". هذا النوع من الضغط السياسي الدولي، مقترنًا بالتغيرات الإقليمية، يضع الحكومة العراقية أمام لحظة فارقة في التعامل مع السلاح المنفلت.
وفي ظل هذا السياق المعقد، جاء تصريح المرجعية الدينية، على لسان السيد علي السيستاني خلال لقائه ممثل الأمين العام في العراق الدكتور محمد الحسان في تشرين ثان 2024م، بالتأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، ليمنح الحكومة دعمًا أخلاقيًا ودينيًا، يخفف عنها حرج المواجهة، ويوفر أرضية للانطلاق في معالجة هذا الملف الشائك بشكل تدريجي وسلمي، يجنّب البلاد الاصطدامات العنيفة، ويحفظ ما تحقق من استقرار نسبي خلال حكومة السوداني.
إن الحد من انتشار السلاح في العراق لم يعد خيارًا سياسيًا، بل تحوّل إلى معركة وجود للدولة العراقية نفسها، وهو ما يتطلب التزامًا وطنيًا جامعًا، وتعاونًا وثيقًا بين مؤسسات الدولة والمجتمع. ومن خلال تعزيز مؤسسات الدولة، وتكريس ثقافة القانون، وتمكين الحوكمة الرشيدة، يمكن للعراق أن يبدأ مسيرة حقيقية نحو بناء دولة متماسكة، يتراجع فيها صوت البندقية أمام قوة الدستور، دولة يتحول السلاح فيها من وسيلة نفوذ إلى أداة دفاع تحت مظلة الدولة وحدها.






