دخلت العلاقة بين الدولة الأردنية وجماعة الإخوان المسلمين المحظورة مرحلة تحوّل مفصلي، عقب إعلان الحكومة رسميًا حظر الجماعة، وبدء الملاحقات القانونية ضد أنشطتها وأذرعها المالية والتنظيمية. هذا الإعلان مثّل نقطة نهاية تاريخية لمسيرة الجماعة في الأردن، منذ تأسيسها عام 1945م، لينتهي إشكال حضورها في البلاد.
دلالة هذا القرار تتجاوز الأبعاد المحلية، إذ يُنظر إليه بوصفه ضربة استراتيجية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لما يمثّله الأردن من موقع رمزي وتنظيمي كان يُعدّ حتى وقت قريب آخر ملاذ سياسي آمن للتنظيم في الإقليم. ومع الحظر الأردني، تكون الجماعة قد فقدت واحدة من أهم منصات خطابها "الإصلاحي" الذي كانت تُسوّقه دوليًا، وتراجع حضورها ضمن ما تبقّى من الشرعيات السياسية في المنطقة.
ويأتي هذا التحول في سياق مشهد إقليمي آخذ بالتشكل، تتآكل فيه جماعات الإسلام السياسي، سواء في نسختها السنية أو الشيعية، بفعل التحولات الأمنية والسياسية الكبرى في الشرق الأوسط. ويتجه هذا المشهد الناشئ نحو إعادة تثبيت الدولة القومية الوطنية كمرجعية وحيدة للسلطة والشرعية، بما في ذلك السعي الواضح نحو تفكيك البُنى الموازية المسلحة أو المؤدلجة، وإرساء نموذج إقليمي خالٍ من الميليشيات، ومن أي نشاط يتجاوز حدود الدولة ومؤسساتها.
مسار التفكك البنيوي للإخوان في الأردن
مثل قرار الحكومة الذي أعلن عنه وزير الداخلية مازن الفراية في 23 أبريل 2025م، نهاية فعلية لما يسمى بجماعة الإخوان المسلمين "المنحلة" في الأردن، إذ تضمن الإعلان حظر كافة أنشطتها ومنع الانتساب إليها أو الترويج لأفكارها، ووضع اليد على مقراتها ووثائقها، وتفعيل عمل اللجنة المُكلفة بمصادرة ممتلكاتها وأموالها المنقولة وغير المنقولة. وهو ما جاء بعد أن كشفت الأجهزة الأمنية عن خلايا تتبع للجماعة عُرفت إعلامياً بـ "خلايا الفوضى"، كانت تعمل على تصنيع الصواريخ والطائرات المُسيّرة وتخزين الأسلحة لاستخدامها في أنشطة تُضر بالأمن القومي الأردني.
في الواقع؛ شكلت التطورات الأخيرة نهاية مسار تدريجي لتفكك الإخوان المسلمين تنظيمياً على المستوى المحلي الأردني، والذي بدأت معالمه بالتشكل بعد العام 2011م، حيث تفاقمت الخلافات داخل الجماعة حول نهجها وأساليبها الأنسب للتعامل مع الاضطرابات الواسعة التي شهدتها المنطقة، لا سيما بين تيارين يُعرفان بالحمائم والصقور، إذ فضل العديد من أعضاء الجماعة المنسوبين للتيار الأول الانشقاق عنها وتأسيس أحزاب أو حركات جديدة.
و شهدت الجماعة سلسلة انشقاقات أضعفت قوتها ووحدتها، ففي عام 2013م، نشأ عن الجماعة "حزب المؤتمر الوطني" المعروف بـ "زمزم"، تلاه ترخيص "جمعية الإخوان المسلمين" عام 2015م، بقيادة المراقب العام السابق للجماعة -المنحلة- عبد المجيد الذنيبات، والتي أصبحت الممثل الشرعي للجماعة في الأردن على حساب الجماعة القديمة، وفي عام 2016م، أسست مجموعة من القادة البارزين في الجماعة حزب "تيار الحُكماء" بعد انشقاقهم عنها، وفي 2017 تأسس "حزب الشراكة والإنقاذ" بعد انشقاق المراقب العام السابق للجماعة سالم فلاحات -حُل لاحقاً بقرار المحكمة الإدارية عام 2023م.
دفعت تلك التحولات داخل الجماعة إلى إقصاء التيارات الأكثر اعتدالاً، وسيطرة الصقور. وصحيح أن تلك السيطرة مستمرة منذ العقدين، إلا أن الفارق تمثل في تحول توازن القوى داخل الجماعة بين تيارين متشددين، مع ظهور تيار الوسط، الأقل اعتدالاً مقارنة بالحمائم، والأقرب في تصوراته إلى تيار الصقور، خاصة تجاه النظرة العدائية للدولة، والعلاقة مع حركة "حماس".
ويجمع الباحثون، والمراقبون لنشاط ونطاق عمل جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، أن عام 2011م، لم يشكل "نقطة انعطاف" في شكل وتركيبة الجماعة في الأردن فحسب، بل أيضاً في طبيعة علاقتها مع الدولة، إذ نُظر إلى موقف الجماعة بعد ذلك العام بأنه انزياح عن مواقفها التاريخية تجاه الدولة، وأنها وضعت الوصول لعملية صُنع القرار هدفاً لها.
لكن الدولة لم تُغير سياساتها كلياً تجاهها، بقدر ما عملت على تقييد حركتها ضمن الأطر القانونية، ففي عام 2020م، أصدرت محكمة التمييز قرارًا بحظر الجماعة -والذي تم تفعيله في الإعلان الحكومي الأخير-نتيجة لعدم التزام الجماعة بشروط ترخيص الجمعيات الخيرية المنصوص عليها في قانون الجمعيات الأردني المعدل عام 2014م، وعام 2021م، تم تشكيل لجنة مكلفة بحل الجماعة وحصر موجوداتها ومصادرة ممتلكاتها، وهي اللجنة التي وجهت الحكومة مؤخرًا بتسريع عملها. ودون أن يؤدي ذلك إلى حد القطيعة الكاملة، بما يتيح هامشًا من السيطرة والاحتواء للدولة.
تآكل المشروع وأفول الدور الإقليمي
تُعزى الانقسامات التنظيمية والخلافات الفكرية داخل جماعة الإخوان في الأردن إلى التحولات الأوسع التي يشهدها المشهد في المنطقة. وتقاطعها مع الصراع بين ثلاثة تيارات رئيسية: حركات الإسلام السياسي، والسلفية الجهادية، التي تتجسد في تنظيمات متطرفة كـ "القاعدة" و"داعش"؛ والسلفية التقليدية، الأقرب إلى الموروث السني في رؤيتها للدولة والحكم، والتي أخذت تلعب دورًا متناميًا، لا سيما في مصر.
وفي هذا السياق، جاء مسار المراجعات الذي تبناه المعتدلون داخل جماعة الإخوان في الأردن، بالتزامن مع تعمّق أزمة مشروع الإسلام السياسي برمّته. فقد شهدت الجماعة في الأردن أول انشقاق تنظيمي في العام نفسه الذي شهد فيه الفرع المصري انهيارًا حادًا، عقب صعود مؤقت بين عامي 2011 و2013م، انتهى بثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم محمد مرسي. وشكّلت هذه التطورات نقطة تحوّل محورية دفعت تيارات في الجماعة إلى الدعوة لإعادة النظر في مساراتها السياسية والتنظيمية، وسط تصدّع في وحدتها وتآكل في رؤيتها الاستراتيجية الإقليمية.
من أبرز العوامل التي ساهمت في هذا الانشقاق، فشل التنظيم في الاستجابة للتحولات الإقليمية والذهاب نحو فك الارتباط التنظيمي مع حركة "حماس" والإخوان المسلمين في مصر، والتركيز على القضايا الوطنية والمحلية ذات الأولوية. وقد تبنّى هذا النهج عدد من قادة الجماعة المنشقين الذين سعوا لتحييد الجماعة في الأردن عن تداعيات سقوط أو تراجع بعض فروعها الإقليمية، في محاولة للحفاظ على وحدة التنظيم واستقراره داخل المشهد السياسي الوطني.
وتواصلت موجة الانشقاقات الداخلية بالتوازي مع التراجع المتسارع لفروع الجماعة في مختلف أنحاء المنطقة. فبعد سقوط الفرع المصري، شهد السودان سقوط الجبهة الإسلامية بقيادة عمر البشير عام 2019م، ثم حركة "النهضة" في تونس عام 2020م. أما في المغرب، فقد مني حزب العدالة والتنمية بهزائم متتالية في الانتخابات البلدية والبرلمانية عام 2021م.
ولم تكن تلك التحولات مقتصرة على الإسلام السياسي فحسب، بل طالت أيضًا "السلفية الجهادية"، إذ تلقت التنظيمات الإرهابية، مثل "القاعدة" و"داعش"، ضربات قاصمة استهدفت معاقلها الآمنة وقياداتها المركزية. وقد أضعفت هذه الهزائم الميدانية من فاعلية التيار الجهادي، وأعادت رسم خريطة التطرف في المنطقة، حيث اتجهت بؤر نشاطه تدريجيًا نحو القارة الإفريقية، في ظل تحوّلات ملموسة شهدتها بعض جماعات "السلفية الجهادية" أو القوى الداعمة لها في الشرق الأوسط.
مع الانحسار التدريجي للإسلام السياسي السني، برز الإسلام السياسي الشيعي كقوة صاعدة ومؤثرة في معادلة استقرار المنطقة، لا سيّما بعد عام 2011م، الذي أتاح لإيران تعزيز حضورها الإقليمي، وصياغة استراتيجيات عابرة للحدود، تُرجمت عمليًا عبر تشكيل ما عُرف بـ "محور الممانعة"، الذي جمع بين قوى مسلحة متفرقة توحّدها معاداة الوجود الأمريكي ورفض التطبيع مع إسرائيل. قبل أن يُعيد هذا المحور هيكلة نفسه بعد عام 2021م، ليظهر بصيغته الجديدة تحت مسمى "وحدة الساحات"، معتمدًا نهجًا أكثر تنسيقًا وتكاملًا في توزيع النفوذ وطرق المواجهة في المنطقة، الأمر الذي شكّل تحولًا استراتيجيًا لافتًا في موازين القوى الإقليمية.
الإخوان المسلمين والانحياز لـ "محور الممانعة"
إن ملامح دور جماعة الإخوان المسلمين في الأردن وتحولاتها، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحولاتها الداخلية وبالسياق الأوسع للإسلام السياسي السني والشيعي. بعد عام 2011م، بدأت الجماعة تنخرط باستقلالية ضمن معادلة المحاور الإقليمية، وربما بما يتعارض مع نهج ومبادئ السياسة الخارجية الأردنية. وحادت عن مسارها المُتبع منذ أربعينيات وحتى ثمانينيات القرن الماضي، عندما دعمت الدولة وسياستها الخارجية ضد الحركات والأحزاب القومية واليسارية، واتخذت موقفًا مُعارضًا من الدول القومية مثل مصر وسوريا، التي اصطدمت حكوماتها خلال تلك المرحلة مع فروع الجماعة فيها.
إذ فتحت الجماعة قنوات للتواصل مع الدول الراعية أو الداعمة للحركات الإسلامية، في وقت كان يُحسب فيه الأردن على "محور الاعتدال". لكن ذلك لم يستمر طويلًا، فقد انفتحت المنطقة بعد 2021م، على المصالحات، التي حدّت من معادلة المحاور بين دول المنطقة، والتي تبعتها إشارات من تركيا وقطر إلى تراجع في سياسات دعم الإخوان المسلمين، خاصة مع الانخفاض الملحوظ في دعمهم إعلاميًا.
وفي الوقت الذي كانت فيه فروع جماعة الإخوان المسلمين تتعرض لهزائم متتالية على امتداد المنطقة، وتفقد فيه الجماعة تدريجيًا شبكات الدعم الإقليمي التقليدية التي شكّلت لعقود ركيزة لنفوذها السياسي والاجتماعي، يبدو أنها كانت تُراقب عن كثب تحوّلًا موازيًا أكثر عمقًا في البيئة الإقليمية. فقد شهد عام 2021 م، البدايات الفعلية لتبلور استراتيجية "وحدة الساحات" الإيرانية، التي مهّدت لنشوء بنية عملياتية مشتركة بين الفصائل الفلسطينية المسلحة، والحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، في إطار تنسيق عابر للحدود يجمع العمل الاستخباراتي والتكتيكي.
شكّل التقارب بين "حماس" وإيران عامل ضغط إضافي داخل جماعة الإخوان في الأردن، باتجاه إعادة تموضعها الإقليمي. إذ بدا أن الجماعة، وبتأثير مباشر من التيارين الأقرب إلى "حماس" داخلها – تيار الصقور وتيار الوسط – قد شرعت في محاولات تقارب مع طهران، في سياق قراءة رأت في هذا المحور فرصة لتعويض انكماشها السياسي وتراجع دعمها التقليدي.
وكان عام 2021م، عامًا مفصليًا في هذا التحوّل، ليس فقط من حيث التبدلات في التموضع السياسي، بل أيضًا في التطورات الميدانية المرتبطة بالأمن الوطني الأردني. ففي ذلك العام، أعلن وزير الاتصال الحكومي الأردني والناطق الرسمي، محمد المومني، للمرة الأولى تفاصيل تتعلق بـ "خلايا الفوضى"، كاشفًا عن أن عددًا من عناصرها بدأوا تدريبات في لبنان شملت تصنيع الأسلحة والطائرات المسيّرة، بهدف تطبيقها لاحقًا داخل الأراضي الأردنية. وهي التحركات التي كانت تخضع لمراقبة لصيقة من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية، وتمثل مؤشرًا واضحًا على تداخل التحول الإقليمي للجماعة مع مسارات أمنية وعسكرية مقلقة.
تحول الدولة من الاحتواء إلى الحظر
ترافق تقارب الجماعة مع "محور الممانعة" بأن تزايدت التهديدات المرتبطة بنشاطها، والتي باتت أكثر وضوحًا مع اندلاع الحرب في قطاع غزة، وما ارتبط بتحركات الإخوان من مخاطر، في مقدمتها جرّ الجغرافيا الأردنية إلى الصراع الدائر في الإقليم، والذي ارتفعت معه مؤشرات التداخل بين الجماعة وحركة "حماس" من جهة، وإشارات التقارب مع إيران و"محور الممانعة" من جهة أخرى. وهو ما أفضى إلى تأثير خطاب حركة "حماس" والسردية الإيرانية على الرأي العام الأردني، وخاصة في جمهور الحركة والمتعاطفين، بالإضافة إلى ازدواجية عمل الجماعة أو أعضاء وقادة ومنتسبين لها بين النشاط العلني والعمل الخفي.
من الناحية النظرية، لطالما مثّلت جماعة الإخوان المسلمين مصدر قلق مستمر للدولة الأردنية، إذ اتسمت العلاقة بين الطرفين بالتذبذب والتوتر، لا سيما منذ أواخر السبعينيات، حين بدأت الجماعة تستلهم النموذج الإيراني عقب الثورة عام 1979م، محاولةً محاكاة ملامحه عبر بناء منظومة اجتماعية واقتصادية موازية داخل الأردن. وقد شكّلت حقبة الثمانينيات محطة فارقة في هذا المسار، حيث شهدت الجماعة تمددًا ملحوظًا في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، مما عزّز من حضورها داخل المجتمع.
غير أن هذا التوسع صاحبه تصاعد في التوجس الرسمي، وازداد التوتر مع توقيع معاهدة السلام الأردنية–الإسرائيلية عام 1994م، والتي عارضتها الجماعة. وتجلّى ذروة هذا التوتر خلال اضطرابات عام 2011م، حين تبنّت الجماعة خطابًا أكثر حدّة، رافعةً مطلب "الملكية الدستورية" كمطلب سياسي محوري، اعتقادًا منها بأن اللحظة الإقليمية – التي شهدت صعود الحركات الإسلامية إلى الحكم في دول عربية أخرى – تُشكّل فرصة استراتيجية لإعادة تموضعها كلاعب أساسي في عملية صناعة القرار الوطني، أسوةً بفروعها التي باتت جزءًا من الحكم في دولها.
نقطة التحول الجوهرية في مقاربة الدولة لجماعة الإخوان المسلمين لم تتبلور بشكل حاسم إلا بعد عام 2021م، حين بدأت الجماعة تتجاوز نطاق المناكفات السياسية التقليدية، متجهةً نحو مساحات تمس الأمن الوطني بشكل مباشر. فبعد أن ظلت لعقود تتحرك ضمن الإطار السياسي، باتت تحركاتها تحمل دلالات أمنية واضحة، لا سيما في ظل تقاربًا متناميًا مع "محور الممانعة". وقد شكّلت الحرب في قطاع غزة محطة كاشفة لهذا التحول، حيث أظهرت مواقف الجماعة وارتباطاتها نوعًا من التماهي مع الطابع العسكري والمشروع الأيديولوجي لإيران، مما أعاد طرح الجماعة ليس كفاعل سياسي داخلي فحسب، بل كـتهديد عابر للحدود تمسّ امتداداته الأمن القومي الأردني بصورة مباشرة.
فلم تكن "خلايا الفوضى" المؤشر الوحيد على توجه الجماعة نحو العمل المسلح والخفي، بل ترافق مع دلالات أخرى مُهمة، ففي مايو 2024م، أعلنت الأجهزة الأمنية عن إحباط محاولة تهريب أسلحة إيرانية عبر سوريا، أُرسلت إلى خلية تتبع للجماعة، ولها صلات مع حركة "حماس"، بهدف تنفيذ أعمال تخريبية. بالإضافة إلى عملية إطلاق النار التي نفذها اثنان من أفرادها في جنوب البحر الميت في 18 أكتوبر 2024م.
تاريخياً، مثّلت القضية الفلسطينية الركيزة السردية الأهم التي استندت إليها جماعة الإخوان المسلمين في الأردن منذ تأسيسها في أربعينيات القرن الماضي، حيث شكّلت عنصر تعبئة شعبي وديني ساهم في صعودها وتوسّع نفوذها داخل المجتمع الأردني. وقد استمر هذا الارتباط العضوي بالقضية الفلسطينية في تغذية حضور الجماعة حتى قرار حظرها عام 2025م، إذ ساهمت تداعيات الحرب الإسرائيلية الراهنة بشكل غير مباشر في تعزيز مكانة ذراعها السياسي، جبهة العمل الإسلامي، التي نجحت في حصد نحو 460 ألف صوت، مما منحها 31 مقعدًا في مجلس النواب خلال انتخابات 2024م.
غير أن الفارق الجوهري بين تلك المحطات التاريخية وما يجري في الحاضر، يكمن في أن عمليات الجماعة كانت آنذاك موجّهة إلى الخارج، في انسجام مع البيئة الإقليمية التي كانت تتبنى خيار المواجهة مع إسرائيل.
مؤخراً، شهدت الجماعة تحولًا نوعيًا، يتمثل في تسييس الداخل الأردني على نحو متصاعد باستخدام خطاب "المقاومة"، والذي استخدم في إطار الحرب وضمن ظرف إقليمي أكثر تعقيدًا وتوازنات داخلية أدق. واعتبرت تحركاتها وتصوراتها تصعيدًا خطيرًا، إذ تُوظّف الجماعة كفاعل غير رسمي ضمن استراتيجية إقليمية تتجاوز سيادة الدولة الأردنية، وتهدد بإقحامها في سياقات أمنية شديدة الحساسية.
التحجيم المنهجي للإخوان في الأردن
إن قراءة قرار الدولة بحظر جماعة الإخوان المسلمين، يتطلب جانب الأسباب الأمنية والقانونية الواضحة في قرار الدولة، النظر نحو التوقيت الذي اتُّخذ فيه، ثم الآليات المطلوبة لتطبيقه على أرض الواقع.
من جهة التوقيت؛ جاء القرار بعد عقد من سلسلة الانهيارات التي شهدتها قوى الإسلام السياسي السني، وبالتزامن مع الأضرار الجسيمة التي لحقت بحركات "الإسلام السياسي الشيعي" بعد الحرب في قطاع غزة، والتي طالت مختلف قدرات "محور الممانعة"، سواء شبكة وكلاء وحلفاء إيران في المنطقة، من بينهم حزب الله اللبناني وحركتا حماس والجهاد الإسلامي، أو بنية إيران العسكرية والنووية التي بدأت إسرائيل باستهدافها حتى ما قبل 13 يونيو 2025م.
أسفرت التحولات الإقليمية الأخيرة عن تموضع جديد لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، لتُصبح الفرع الأقوى المتبقي لتمثيل الإسلام السياسي السني في المنطقة. وبفعل نتائج الحرب في قطاع غزة، باتت الجماعة تحمل عبء تمثيل الخطاب والسردية الخاصة بالإسلام السياسي الشيعي، الذي تقوده إيران. وهو ما يعني أن تصورات المحورين، وطموحاتهما المتضادة، وأدوارهما العابرة للحدود، أصبحت تنعكس بدرجة متزايدة على أجندة الجماعة في الأردن، وتُعيد توجيه أولوياتها ومواقفها.
وقد أثار هذا التموضع الجديد مخاوف حقيقية، إذ من شأنه أن يزج بالأردن في قلب الاشتباك الإقليمي، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، ويجعل من الساحة الأردنية عرضة لتجاذبات المحاور، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من إعادة رسم للتحالفات وتبدل موازين القوى. كما أن تحوّل الجماعة إلى واجهة لمشروع سياسي أوسع من السياق المحلي، يُهدد بتقويض معادلة التوازن التي اعتمدت عليها الدولة لعقود في إدارة العلاقة معها، ويفتح الباب أمام انخراط غير مباشر في صراعات تتجاوز الحدود الوطنية.
أما من حيث الآليات، فيبدو أن الدولة الأردنية تعتمد نهجًا محسوبًا يقوم على تفكيك البنية التنظيمية والنفوذ الاجتماعي والسياسي للجماعة بشكل ذكي وقانوني ومدروس، وتتمثل أبرز أدوات هذا النهج في تفعيل لجنة حل جمعية الإخوان المسلمين، التي تتولى عملية حصر ومصادرة ممتلكات الجماعة المنقولة وغير المنقولة، ويُفهم من هذا التوجه أن الهدف المركزي يتمثل في تجفيف مصادر القوة والتمويل التي مكّنت الجماعة تاريخيًا من الحفاظ على حضورها المجتمعي، خصوصًا من خلال ذراعها الخيري والدعوي، ومنظومتها الخدمية المتنوعة التي شملت القطاعين الصحي والتعليمي.
لقد شكّلت تلك الموارد، رافعة أساسية لتمدد الجماعة داخل المجتمع المدني، سواء من خلال النقابات المهنية، أو في أوساط الجامعات والجمعيات الأهلية. ومن هنا، يُمكن قراءة هذا المسار الرسمي بوصفه استراتيجية متدرجة لتحجيم الجماعة، لا بالصدام المباشر، وإنما عبر تقويض مقوماتها المؤسسية، وعزلها عن أدوات التأثير الفعّالة التي لطالما شكلت أساس نفوذها داخل المجتمع.
وبالإضافة إلى ما تحمله عملية مصادرة أصول الجماعة من أبعاد سياسية وتنظيمية تهدف إلى تحجيمها داخل المجال العام، فإنها ترتبط كذلك بمخاوف أمنية متزايدة، حيث وجهت الجماعة مواردها للعمل السري، إذ ساهمت في تشكيل "خلايا الفوضى" ودعمهم بما يلزم للتدريب والسفر وامتلاك المواقع والمعدات اللازمة لتصنيع واختبار الصواريخ والطائرات المُسيّرة.
وفي حال ثبتت التحقيقات أن هذا التحول في سلوك الجماعة نحو العمل السري والمسلّح كان نتاج توجيه منسّق ومتفق عليه ضمن القيادة العليا، فإن ذلك يُعد علامة فارقة على انتقال الجماعة رسميًا من كونها تنظيمًا اجتماعياً إلى فاعل يعمل في الخفاء، ويعتمد العنف كأداة ضمن استراتيجيته. أما إذا تبيّن أن تلك الأنشطة قد تمّت دون علم القيادة، أو بعلمٍ جزئي ومحدود داخل دوائر ضيقة، فإن ذلك يكشف عن تفكك داخلي يطال البنية التنظيمية للجماعة، ويشير إلى أنها لم تعد كيانًا موحدًا ولا تنظيمًا منضبطًا قادرًا على ضبط سلوك أعضائه وقادته ومنتسبيه.
وفي كلتا الحالتين، فإن ما يتكشّف هو هشاشة داخلية بنيوية ستنعكس مستقبلًا على شكل تهديدات أمنية غير منضبطة، سواء من خلال تكرار حالات التمرّد الداخلي، أو عبر تحوّل بعض الأجنحة المتطرفة إلى جماعات أكثر راديكالية خارج السيطرة. وهذا ما يُعزز من مبررات الدولة في إعادة تصنيف الجماعة من فاعل سياسي إلى خطر أمني مركب يتطلب مقاربة متعددة المستويات.
مُستقبل الجماعة في الأردن والمنطقة
يعكس قرار الدولة الأردنية حظر الإخوان المسلمين تحولاً جذرياً في الرؤية الاستراتيجية للأردن تجاه تنظيمات الإسلام السياسي، وهي تنسجم مع الرؤية الإقليمية والدولية الأوسع للشرق الأوسط؛ خالياً من الحركات والتنظيمات المُسلحة وتلك المؤيدة أو المغذية لها، سواء السنية منها أو الشيعية.
فيما يتعلّق بحالة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، فإن استشراف مستقبلها لا يكتمل دون التوقف عند ذراعها السياسي الأبرز، حزب جبهة العمل الإسلامي. الذي ينتظره مجموعة من السيناريوهات المُرتبطة بمسار التحقيقات الأمنية الجارية. وفي المشهد الحالي يُعتبر متأثرًا بشكل مباشر بالسياقات الجارية، ولا سيما ما يتعلق بقرارات الدولة بمصادرة ممتلكات الجماعة وتفكيك بناها المؤسسية.
ذلك أن مصادرة أصول الجماعة تنعكس بوضوح على أداء الحزب، باعتباره الواجهة السياسية الأهم والأكثر حضورًا للإخوان في المشهد الأردني. فالفصل التنظيمي المُعلن بين الطرفين لا يصمد أمام الواقع العملي، الذي يُظهر ارتباطًا بنيويًا عميقًا، يتجلى في اعتماد الحزب على القاعدة الشعبية للجماعة ككتلة تصويتية أساسية، تُشكل ركيزة في حملاته الانتخابية، كما في حشد الدعم المجتمعي والسياسي. فضلًا عن ذلك، يعتمد الحزب في ممارساته الميدانية على القدرات المالية والبشرية والتنظيمية التي طورتها الجماعة عبر عقود، من مقرات، وجمعيات، وشبكات دعم لوجستي.
وعليه، فإن تجفيف الموارد المالية والتنظيمية للجماعة لا يُضعفها فقط بوصفها كيانًا مستقلًا، بل يُقوّض أيضًا البنية التحتية لحزب جبهة العمل الإسلامي، ويُفقده ظهيره الشعبي والسياسي، ويجعله عرضة لتراجع حاد في الفاعلية والمشاركة، بما يُهدد بانكفائه التدريجي عن المعادلة السياسية الأردنية، أو على الأقل تحوّله إلى فاعل هامشي يفتقر إلى الوسائل التقليدية التي مكّنته سابقًا من التأثير.
أما على مستوى التنظيم ذاته، فإن تضييق الخناق على جماعة الإخوان المسلمين وحرمانها من مواردها المالية والتنظيمية قد يُفضي، من حيث المبدأ، إلى تحجيم تدريجي لقدرتها على الحركة والتأثير داخل المجال العام، بما يُسهم في تفكيك بنيتها القائمة على التمويل الذاتي، والعمل المؤسسي، والامتداد الاجتماعي.
غير أن هذا المسار، لا يخلو من تداعيات أمنية محتملة، إذ تُظهر تجارب مماثلة لفروع التنظيم في مصر وسوريا والسودان وتونس أنها حين تفقد أدواتها العلنية، قد تلجأ إلى إعادة توجيه ما تبقى من مواردها نحو تعزيز البنية السرية، سواء عبر شبكات مغلقة للتجنيد، أو من خلال تطوير أدوات غير تقليدية للتمويل والتواصل والتموضع. وما يُعزز ذلك، أن فروعاً للتنظيم دعت الجماعة المُنحلة في الأردن إلى المواجهة وحمل السلاح رداً على قرار الحكومة بحظرها، من بينها تيار التغيير -التابع لفرع الجماعة في مصر-.
وفي هذا السياق، تبرز المخاطر المرتبطة بانزلاق الجماعة نحو العمل السري المنظم، بما يحمله ذلك من تهديدات أمنية تتجاوز التنظيم ككيان سياسي إلى احتمال تشكل بُنى فرعية مغلقة، يصعب اختراقها ورصدها، وأكثر قابلية للتطرف أو التماهي مع أجندات إقليمية مشبوهة.
وعليه، فإن سياسة التحجيم ينبغي أن تترافق مع استراتيجية وقائية شاملة، تأخذ في الحسبان سيناريوهات ما بعد الحظر، وتتعامل مع الجماعة كمتغير أمني طويل الأمد، لا فقط كتهديد في الزمن الراهن.
وبشكل ختامي، يتجه المشهد "الإسلامي" في المنطقة إلى تحوّل استراتيجي عميق يعيد رسم ملامحه التقليدية، حيث تُظهر المؤشرات الراهنة أفولًا تدريجيًا لتيارين شكّلا لعقود مركز الثقل في الحركية الإسلامية: الإسلام السياسي والسلفية الجهادية. يأتي هذا الانحسار نتيجة لتآكل الشرعية الاجتماعية، وتراجع الفاعلية السياسية، وفشل مشاريع التغيير الكبرى التي تبنّاها هذان التياران، سواء عبر صناديق الاقتراع أو عبر العنف المسلح.
في المقابل، حافظت السلفية التقليدية على موقعها التاريخي، مستفيدة من حيادها السياسي، وصلتها الوثيقة بالمؤسسات الدينية الرسمية، وقدرتها على تجديد مرجعيتها دون الاصطدام مع السلطة أو المجتمع.
غير أن التطور الأكثر لفتًا للانتباه يتمثّل في بروز تيار رابع آخذ في التشكل: "السلفية البراغماتية". وهذا التيار يتبنى خطابًا أكثر واقعية، ويتعامل بمرونة مع المعطيات السياسية والاقتصادية، ويُعيد تشكيل خطابه وسلوكه، بتركيز اهتمامه على القضايا المحلية والمعيشية بدلًا من الأجندات العقائدية العابرة للحدود، والتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
يشير هذا التحول البنيوي إلى أن المنطقة تدخل مرحلة ما بعد "الأيديولوجيا العابرة"، لتطوي بذلك قرنًا من الزمن طبعته حركات تتبنّى مفاهيم "الأمة" و"الخلافة" و"التمكين الشامل"، لصالح رؤى أكثر محلية، واقعية، وانخراطًا في السياقات الوطنية.





