لعب الجيش دوراً بارزاً في تكريس حكم الأسد الأب خصوصاً خلال الأحداث الداخلية التي حدثت في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي في الصراع العسكري بين الأجهزة الأمنية والإخوان المسلمين السوريين، وقد تمثلت أهم تلك الأحداث بمحاصرة واقتحام مدينة حماة مما أدى لتدمير كبير في المدينة وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، إلا أن دور الجيش تقلص داخلياً بعد تلك الأحداث وتصاعد قوة ونفوذ وسيطرة الأجهزة الأمنية على الشارع.
كما أن تدخل الجيش السوري في لبنان منذ عام 1976م، والذي تحول فيما بعد إلى سيطرة أمنية وعسكرية شبه مطلقة إثر اتفاقية الطائف بين الفصائل والقوى اللبنانية عام 1990م، أنهك الجيش السوري بمصادر الدولة المحدودة، وأصبح الأسد يعتمد بشكل رئيسي على الحصول على دعم مادي من دول الخليج ومن التسليح الروسي، وشكل الأسد إدارة المخابرات الجوية ووضع الرائد محمد خولي رئيساً لها، ومع هذا التشكيل بدأت سطوة الأجهزة الأمنية على تشكيلات الجيش المختلفة. كما تم انتخاب رفعت الأسد الذي كان قائداً لما يسمى سرايا الدفاع، وهي أقوى التشكيلات العسكرية من خارج إطار الجيش النظامي، عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث في عام 1975م، وكان ذلك انعكاساً لبدء حافظ الأسد في الاعتماد الكامل على العائلة والطائفة معاً، ولتصبح سورية منذ ذلك الوقت سورية الأسد، وتتكاثر مفردات امتلاك الدولة؛ "مكتبة الأسد" و"مشفى الأسد" و"حديقة الأسد" و"بحيرة الأسد"،... إلخ.
ولأن الجيش ومخابراته العسكرية بتلك التركيبة الجديدة هو المؤسسة التي ستقود البلاد وتحكم سيطرتها عليها، فقد شهدت سورية معدلات كبيرة في الإنفاق العسكري، عادلت في السبعينات والثمانينات ثلاث مرات المعدل العالمي. وذلك على حساب المتطلبات المدنية في الصحة والتعليم والخدمات الإنسانية المختلفة لدولة حديثة العهد.
تمتع الجيش السوري في عهد حافظ الأسد بمكانة كبيرة حيث ارتبط مباشرة برئيس الجمهورية وقد بلغ النفوذ العسكري ذروته خلال الفترة 1985 ـ 1990م، حيث ارتفع عدد القوات النظامية إلى 400 ألف جندي بالإضافة إلى 300 ألف جندي احتياطي. وكانت نفقات الجيش تستهلك حوالي 60 % من الميزانية السنوية، ونتيجة للمكانة التي تبوأتها قيادة أركان الجيش في اللجنة المركزية والقيادة القطرية لحزب البعث فقد تدخل الضباط في شؤون الحكم المدني وأخذوا يفرضون سياستهم على الحكومة المدنية، مستندين إلى المرسوم الرئاسي الذي أصدره حافظ الأسد خلال مرضه في مطلع عام 1984م، باعتبار قائد كل حامية حاكماً عرفياً في المنطقة التي تنتشر فيها قطاعاته.
يقدر تعداد الجيش السوري اليوم بحوالي 450 ألف مقاتل، يتوزعون على ثلاثة فيالق وتشكيلات أخرى، تنتشر على كامل الأرضي السورية، أكثر من انتشارها على الحدود السورية.

المصدر: المكتب المركزي للإحصاء، المجموعة الإحصائية لعام 2003، ص 487 ـ 488.
وعندما ورث الأسد الابن الحكم عن أبيه، بعد وفاته في 10يونيو 2000م، بعد جلسة استثنائية لمجلس الشعب عدّل فيها الدستور بالفقرة الخاصة بالعمر اللازم للترشح للرئاسة من 40 عاماً إلى 34 عاماً، وهو عمر بشار الأسد آنذاك. تم ترشيحه وحيداً للرئاسة من قبل القيادة القطرية وصادق مجلس الشعب على ذلك. ثم جرى الاستفتاء بنسبة تأييد 97%. لقد ورث الابن عن أبيه دولة أمنية عسكرية. ولم تغيّر مواصفات الابن والزمن السياسي من أداء الدولة لناحية تدهور المواطنة والحرية والديمقراطية على مدى سنوات عهده، فأنهى الأسد الابن ربيع دمشق ولجم حراك المجتمع المدني الوليد.
غير أن انتكاسة كبيرة حدثت للنظام السوري ألقت بظلالها وبشكل مباشر على الجيش السوري في عام 2005 م، إثر اندلاع ما سمي بثورة الأرز في لبنان يوم 14 مارس إثر حالة من الفوران في الشارع اللبناني مع اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق رفيق الحريري واتهام النظام السوري حينها بالمسؤولية عن عملية الاغتيال، وقد انسحب على إثرها الجيش السوري من الأراضي اللبنانية.
حالة الجيش السوري قبل اندلاع الثورة السورية
يخضع الجيش السوري لإمرة القائد العام للجيش والقوات المسلحة وهو رئيس الدولة وينوبه وزير الدفاع، وتعد الخدمة العسكرية في سوريا إلزامية لكل ذكر غير وحيد لأهله (له أشقاء ذكور من كلا الوالدين) تجاوز الثامنة عشر من عمره.
يقدر أن لدى الجيش السوري قبل اندلاع الثورة بسنوات قليلة ترسانة كبيرة من الصواريخ البعيدة المدى كما يملك صواريخ سكود ـ س والتي يصل مداها إلى أكثر من 500 كم، وصواريخ سكود ـ د والتي يصل مداها إلى أكثر من 700 كم، كما يمتلك الجيش دبابات من نوع تي 80 وتي 72 وتي 64 وتي 55، ويمتلك الحرس الجمهوري دبابات من نوع تي 90.
وفي العام 2005م، بلغ عدد القوات الفاعلة في الجيش السوري أكثر من 450 ألف مقاتل، لذا فهو يعد من أكبر الجيوش من حيث عدد المقاتلين في المنطقة، كما ينفق على الجيش ميزانية مالية ضخمة تقدر بأكثر من مليار دولار سنوياً. ويتكون الجيش السوري من ثلاثة فيالق؛ الفيلق الأول في دمشق، ويغطي المنطقة من دمشق إلى الحدود الأردنية، أما الفيلق الثاني فهو يغطي المنطقة من دمشق إلى حمص مروراً بالحدود اللبنانية، والثالث يغطي المنطقة من حماة إلى الحدود مع تركيا والعراق والساحل، وهو مسؤول عن حماية الأسلحة البيولوجية والكيميائية وعن البحرية السورية.
ويتكون الجيش من 11 فرقة، من بين تلك الفرق ثمانية مدرعة وثلاث فرق آليات، إضافة إلى أربعة ألوية مشاة مستقلة وفرقة الصاعقة المسماة فرقة 14، وعشرة أفواج مستقلة من القوات الخاصة المحمولة جواً ولواءين مدفعيين مستقلين ولواءين مستقلين مضادين للدروع، وقيادة الصواريخ أرض أرض وفيهم ثلاثة أفواج كل فوج مكون من ثلاث كتائب إضافة إلى 3 ألوية صواريخ دفاع بحري ولواء حرس حدود وفرقة الحرس الجمهوري وتضم ثلاثة ألوية مدرعة ولواء آلي وفوج مدفعية.
نشأة الجيش السوري الحر
إثر اندلاع الأحداث والتظاهرات في عدد من المدن السورية، سعى النظام السوري لوقف الحراك السلمي بالعنف وقوة النار ووصف المتظاهرين بالإرهابيين والخارجين على القانون، مبرراً هجومه القاسي وتبنيه الحل الأمني والعسكري. في المقابل فيرى الكثيرون أن النظام السوري دفع بشكل مباشر لعسكرة الصراع والثورة القائمة عليه، ليس فقط بقسوة أجهزته الأمنية وإدخال الجيش إلى الصراع، بل اتهم النظام في بعض المناطق في حمص ودرعا وحماة بأنه كان يرغب بأن يصل شيء من السلاح لمعارضيه كي يبرر ضربهم، وذلك من خلال ترك قطع سلاح للمتظاهرين وتسهيل حصولهم على السلاح وإشاعة فكرة التسلح بين المتظاهرين السلميين، لكن المتظاهرين لم ينجروا لتلك المصيدة.
ومع قسوة المواجهة الأمنية من قبل النظام السوري، ودخول الجيش إلى حلقة الصراع، بدأت حالة من الرفض تظهر لدى عدد من أبناء الجيش والقوى الأمنية لهذا التعامل الأمني القاسي، وبدأ بعض الجنود يتركون الجيش أو ينشقون عنه ويحاولون حماية المتظاهرين السلميين، فقد ادعى العديد من المنشقين عن الجيش أنهم كانوا يتعرضون لضغط شديد وتهديد مباشر من أجل ممارسة القتل والتعذيب وإطلاق الرصاص على المحتجين المدنيين، وساعد انشقاق عدد من ضباط وعناصر الجيش لتشكيل مجموعات تحمي المتظاهرين السلميين في عدد من المناطق في حمص وإدلب وغيرها تحديداً في أيام الجمع، مما أتاح الفرصة لخروج أعداد أكبر من المتظاهرين.
في 23/4/2011م، انشقت أول مجموعة بحسب فيديو نشر للمجند في الحرس الجمهوري وليد القشعمي، وقد انشق هو ومجموعة من العناصر إثر رفضهم قراراً بإطلاق النار على المتظاهرين في حرستا بريف دمشق قبل أن تحتضنهم أهالي المنطقة، في 7/6/2011 م، انشق الملازم أول عبد الرزاق طلاس عن الجيش فيما يعتقد أول انشقاق لضابط سوري، تلى ذلك انشقاق المقدم حسين هرموش إثر حملة وصفها بالوحشية على منطقة جسر الشغور في إدلب. شكل الهرموش إثر ذلك لواء الضباط الأحرار وقام بعملية كبيرة في جسر الشغور ضد قوات الأمن السورية في مطلع تموز قيل يومها أنه تم اغتيال أكثر من مئة من عناصر الأمن والجيش.
في نهاية تموز قام العقيد رياض الأسعد بالانشقاق عن الجيش السوري هو ومجموعة من الضباط والمجندين وقاموا بتشكيل ما سمي بالجيش السوري الحر بهدف حماية الثوار والمدنيين حتى إسقاط النظام. وفي شهر أيلول أعلن لواء الضباط الأحرار انضمامه للجيش السوري الحر إثر اعتقال حسين الهرموش. وفي مطلع تشرين الأول 2011 م، أعلنت مجموعة من المنشقين عن الجيش السوري تشكيل ما سمي بسرايا خالد بن الوليد لحماية المدنيين وإسقاط النظام. كما شكلت عددًا من الكتائب المسلحة من المنشقين عن الجيش حملت أسماء رموز إسلامية في مناطق مختلفة معظمها في الأرياف.
تواصلت وتيرة الانشقاقات بتصاعد مستمر، وفي شهر كانون الثاني 2012 أعلن العميد مصطفى الشيخ انشقاقه عن الجيش السوري وانضمامه للثوار مع أربعة ضباط آخرين، وشكل ما سمي بالمجلس العسكري.
وفي 20/6/2012م، قاد العقيد الطيار حسن مرعي طيارته الميغ 21 إلى الأردن معلناً انشقاقه عن الجيش السوري وطالباً اللجوء السياسي. وبرز انشقاق العميد مناف طلاس أحد المقربين من الرئيس بشار الأسد وأحد أبرز قيادات الحرس الجمهوري قبل أن ينتقل للعيش في فرنسا ويعلن انشقاقه.
وفي شهر آب 2012م، انشق اللواء محمد الحاج علي عن منصبه كمدير لكلية الدفاع الوطني التابعة للأكاديمية العسكرية العليا في الجيش السوري ليصبح أعلى رتبة عسكرية تنشق عن صفوف النظام ودعا إلى تشكيل جسم جديد يحمل اسم الجيش الوطني السوري.
وتتالت الفصائل العسكرية التي دخلت في مرحلة اقتتال داخلي بينها بين أعوام 2018 وحتى عام 2022م، حتى تمكنت الثورة السورية من الانتصار في ديسمبر 2024م.
بناء جيش وطني حديث
تقوم وزارة الدفاع السورية اليوم بإدماج الفصائل العسكرية المختلفة من ضمن وحدات الجيش السوري الجديد لكن هناك الكثير من التحديات أمام عملية التشكيل هذه أهمها:
- أهداف ومبادئ إصلاح الجيش
انهيار فكرة الجيش في عيون السوريين بسبب تورطه الواسع في قتل المدنيين وقصفهم، إلا أن معظم السوريين يرون أن هذا الجيش الذي ارتبط اسمه منذ نشأته مع يوسف العظمة، وقدم الملاحم والتضحيات في سبيل أخوة الدم والتراب على امتداد الوطن العربي، هو كفكرة مؤسسة وطنية أصيلة وسياج لحماية الديار والدولة. وكان رهينة نظامٍ حاكم ولونٍ طائفي طاغٍ وعائلة متسلطة حرفت مهامه الوطنية فوجّهت فوهات بنادقه ومدافعه وطائراته نحو صدور السوريين الثائرين ومنازلهم، وقد تضخم أفقياً في ميزانيته بحجة الصراع مع إسرائيل.
وانطلاقاً من الغايات والأهداف الكبرى لبناء الجيش الوطني التالية:
- الحفاظ على مؤسسة الجيش بكل مكوناتها، وإعادة بناء جيش وطني عصري لكل السوريين ومن كل السوريين، وفق معايير الكفاءة والتدريب المستمر، والولاء الوطني الأصيل، وتأمين كافة مستلزماته العصرية المختلفة.
- بناء الثقة المفقودة بين الجيش الوطني المرتهن خلال فترة النظام البائد والمجتمع السوري المقيّد، عبر أداء وظيفي للمؤسسة العسكرية يندرج تحت سلطةٍ مدنية (وزير دفاع مدني)، وإبعاد الجيش عن ساحة السياسة والتعبئة الأيديولوجية والانتماءات التقليدية، ليكون مؤسسة وطنية مستقلة وحيادية ومهنية.
- الدفاع عن سيادة سورية كدولة مستقلة، وعن وحدة أراضيها وفق حدودها السياسية، والعمل على إنجاز حقها في تحرير أراضيها المحتلة، والسهر الدائم على حماية الدستور والقانون والنظام العام.
إن هذه الغايات الكبرى للجيش السوري الوطني الجديد، ستكون بمثابة البوصلة التي ستُعيد الجيش السوري نحو مساره الوطني الضامن لحماية وحدة التراب والشعب، والحامي لحدود الدولة السورية، وستحوله من أداة مراقبة وتسلط وقتل وتدمير، إلى مؤسسة وطنية لها رمزيتها ومكانتها ومهامها وإنجازاتها في ذاكرة المواطن السوري وضميره.
تُشكل الخطوات الإجرائية التالية الإطار العام لإصلاح الجيش وإعادة بنائه وفق معايير الاحتراف والوطنية والمؤسساتية:
- تشكيل وحدات عسكرية للتدخل السريع، مهمتها الحفاظ على المواقع العسكرية التي تحتوي على أسلحة ثقيلة أو أسلحة غير تقليدية عبر إجراءات محكمة وموثقة.
- تطهير القطع العسكرية وتشكيلاتها المختلفة من الضباط الذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوري والثورة السورية خلال فترة النظام البائد، وتقديمهم للمحاكمة، وتتبع الهاربين منهم.
- بعد سقوط النظام وتثبيت الأمن، تتشكل لجنة عسكرية ثورية مشتركة تعمل تحت أمرة وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية. لجمع السلاح من القوى الثورية وعناصر الجيش المنشقة وسحبه على الثكنات العسكرية ومستودعاتها، والعمل على تسجيله بحسب نوعه ومواصفاته ومصدره. وفق آلية مرنة وشفافة وموثقة.
- وضع آليات رقابة فعالة لمراقبة المؤسسة العسكرية وعناصرها، ورصد لسلوكيات وممارسات الضباط المسؤولين العسكريين، وتمكين قطاع الرقابة العسكرية من مراقبة ضباط الجيش وأدائهم المهني.
- تقييم الوضع الراهن للتشكيلات العسكرية، ومقوماتها وعتادها، والعمل على التخلي عن استيراد الأسلحة الروسية، وتجديدها بأسلحة متطورة، عبر الاستيراد والتصنيع المحلي الذي يجب أن يحظى بالاهتمام الكافي في الفترة القادمة.
- إجراء مراجعة شاملة لنظم ومناهج تدريب الكليات العسكرية، وتغيير مواد الدراسة بحيث تعكس مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية، وحماية الحدود والتراب ووحدة الشعب السوري، وفك الارتباط بين الجيش والعقائدية الحزبية والأيديولوجية.
- تغيير معايير الترقية في وزارة الدفاع، بحيث تستند إلى مركب القدم والكفاءة والتدريب والمؤهلات. وتحرير الوزارة من ثقافة الفساد وذوي القربى والمصالح الشخصية، في الترقية والمراقبة والإدارة.
- تحديث قيادات وزارة الدفاع وقيادات التشكيلات العسكرية، بالتدريب المستمر، وتحديث البنية التحتية للمؤسسات العسكرية وتزويدها بالمعدات والتجهيزات الحديثة، وبالأسلحة المتطورة، والعلوم العسكرية الحديثة.
- احترام الجندي السوري، واعتبار الإنسان هو الأساس في التشكيلات والمواقع العسكرية، فلا قيمة للسلاح في الدفاع والتحرير، ما لم يكن العسكري حراً مؤمناً بوطنه والقيم الوطنية التي من أجلها يضحي بدمه.
- إخضاع الجيش والقوات المسلحة لإدارة مدنية تتماشى مع معايير عملية التحول الديمقراطي في البلاد، وتشكيل مجلس أعلى للجيش والقوات المسلحة برئاسة رئيس الدولة أو قائد الجيش، كما يحدده شكل الدولة. مهمته رسم استراتيجية الحرب والسلام بالتنسيق مع القيادة السياسية للدولة.
- دمج الثوار المدنيين في الجيش أو الأمن أو المؤسسات المدنية بحسب الممكن، وتدريبهم على مفاهيم المواطنة وقبول الآخر، والعمل على ترخيص السلاح الخفيف لمن يرغب.
وعن حجم الجيش وتركيبته وتوزعه على التشكيلات العسكرية والجغرافية السورية، فمسألة تحددها وزارة الدفاع والمجلس الأعلى للجيش، استناداً إلى دراسة مختصة تُرفع إلى رئاسة الجمهورية.
سياسة نزع السلاح؛ التسريح وإعادة الدمج
تهدف سياسة إعادة الدمج إلى خلق بيئة سليمة وآمنة بعد انتهاء النزاع المسلح في سوريا والذي دفع الكثير من المدنيين السوريين إلى حمل السلاح كما أن النظام قام بتسليح الكثيرين أيضاً من ميليشياته الموالية من الشبيحة أو ما يسمى اللجان الشعبية أو جيش الدفاع الوطني والتي جميعها ميليشيات طائفية سلحها النظام بهدف القضاء على الثورة الشعبية، وبالتكامل مع برنامجي نزع السلاح الذي يستهدف إعادة الكثير من المسلحين إلى الحياة المدنية الطبيعية والتسريح العسكري الذي يهدف إلى تطهير المؤسسة العسكرية أو الجيش من الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان بحق الشعب السوري.
إن برنامج إعادة الدمج يعتبر الخطوة الأخيرة في عملية نقل المقاتلين السابقين إلى بيئة ما بعد النزاع. وبشكل عام يتم تنظيم برامج نزع السلاح، والتسريح العسكري، وإعادة الدمج (DDR) لتكون على نحو متتالٍ، ويفضل دائماً أن يتم التخطيط لمرحلة إعادة الدمج قبل البدء بتنفيذ أي من العمليات السابقة، إذ تكمل هذه العمليات بعضها بعضاً.
تساعد برامج إعادة الدمج في تسهيل انتقال المجتمع السوري من النزاع إلى الحالة الطبيعية والتنموية. ويتمثل الهدف الأسمى لسياسة إعادة الدمج في دعم المقاتلين السابقين في سعيهم نحو الاندماج مع المجتمع المدني اجتماعياً واقتصادياً. ويجب خلال عملية التخطيط للبرنامج تعريف مؤشرات إضافية، منها النتائج المتوقعة. أيضاً من المهم التفكير وتحديد مصادر التمويل المحتملة بالإضافة إلى حالة الأفراد المفترض استفادتهم من البرنامج.
عادة يتم تنفيذ عمليتي الدمج الاقتصادي والاجتماعي في نفس الوقت. لكن يجب أن يكون لكل من هذين العمليتين اعتبارات خاصة حتى يحقق البرنامج الشمولية المطلوبة. يؤدي الدمج الاقتصادي والاجتماعي للمقاتلين السابقين إلى تدفق جديد للأيدي العاملة التي تم تسريحها (عسكرياً) حديثاً. وقد يزيد هذا التغير في السوق من احتمالية تجدد العنف والتوتر. وقد يضر السماح ببقاء الاقتصاد على شكل اقتصاد حرب باستقرار مرحلة ما بعد النزاع لأن ذلك يضعف مؤسسات الدولة، وسيادة القانون، والعملية الديمقراطية. فإذا كان المجتمع مفلساً فلن يستطيع المقاتلون السابقون أن يستقروا في هذا المجتمع ويزيدوا أنفسهم فقراً، حتى ينجح برنامج إعادة الدمج لا بد أن يعمل على تلبية حاجات المجتمع المستقبلي بشكل فوري. وأيضاً يجب على البرامج أن تنسق بين دمج المقاتلين السابقين مع القوة العاملة على المدى الطويل وبين مشاريع القطاع الخاص التنموية.
يساعد الدمج الاجتماعي على إعادة بناء الثقة بين المقاتلين السابقين وبين أعضاء المجتمع ويتضمن الدمج الاجتماعي مبادرات للتعليم العام والمساعدة الاقتصادية والتأهيل النفسي.
يجب دائماً أن تحصل هذه السياسة على دعم من المجتمع بشكل عام وذلك لنجاح تطبيق البرنامج، وفي حال غياب هذا الدعم لن يستطيع المقاتلون السابقون العودة بنجاح إلى الحياة المدنية والعيش بين أفراد المجتمع بدون معاناة أو تشهير من أفراد المجتمع نفسه. ويجب أيضاً دعم المجتمعات التي سوف يتم دمج المقاتلين فيها متضمناً هذا خلق فرص اقتصادية، وجعل المجتمعات جزءًا تكاملياً من عملية المصالحة مما سوف يضمن عدم عودة العنف.
تدور مراحل برنامج التسريح العسكري ونزع السلاح وإعادة الدمج (DDR) بشكل متتالي يعقب بعضها بعضاً، ولكن يكون هذا ضمن أنشطة متواصلة ومتداخلة بشكل ملاحظ. لذلك يستحسن البدء بعملية إعادة الدمج خلال عملية التسريح العسكري، ويسمح التخطيط المنسق للمراحل الرئيسية الثلاث داخل البرنامج بتدعيم وتقوية بعضها بعضاً، فعلى سبيل المثال يمكن تصميم وترتيب المعلومات التي تم جمعها خلال عملية الفحص ضمن برنامج التسريح العسكري بطريقة تسمح لهذه المعلومات أن تكون مفيدة لأغراض إعادة الدمج أيضاً، أو على الأقل يمكن أن تساعد هذه المعلومات على تكوين طبيعة وحجم مجموعة المقاتلين السابقين الذين سيخضعون لبرنامج إعادة الدمج.
يمكن الاستفادة من المعلومات المجموعة في مرحلة التسريح العسكري خلال برنامج إعادة الدمج، وبمجرد البدء بعملية التسريح العسكري وتسجيل المقاتلين السابقين، تكون الخطوة القادمة بإجراء عملية مسح لطاقم الموظفين والتفاصيل الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالمشتركين لتوفير معلومات مفصلة حول الأفراد المشاركين في البرنامج وتكون المعلومات المطلوبة مثل: العمر، والجنس، والرتبة، ومستوى التعليم، والحالة العائلية والعسكرية، إضافة إلى معلومات وخصائص أخرى.
قبل البدء بمرحلة التسريح العسكري على الحكومة الانتقالية أن تدير برنامجاً لتوجيه المقاتلين وإعلامهم حول الفرص والخدمات المتاحة بعد إنهائهم للبرنامج. وكانت الأمم المتحدة قد طورت برمجية باسم نظم إدارة المعلومات (MIS) ويمكن لأي برنامج DDR أن يستفيد من هذه البرمجية.
المساعدة في الانتقال
على الحكومة الانتقالية أن تقدم مساعدة محدودة للمقاتلين السابقين على شكل حزمة إغاثية أو مالية خلال عملية الانتقال وتتضمن هذه الحزمة: مساعدات عينية، ونقدية، وتقديم خدمات، وفرص. ومن خلال هذه المساعدات يمكن دعم المقاتلين السابقين خلال الفترة الزمنية التي تفصل بين نهاية التسريح العسكري وبداية برنامج إعادة الدمج. وتغطي هذه الحزمة الاحتياجات الأساسية للمقاتلين السابقين ومعاليهم وتتضمن غالباً هذه الحزمة التي يتم توفيرها بشكل شهري راتباً، وغذاء، وملابس، وملجأ، وخدمات صحية، وأدوات، وخدمات تعليمية ووظيفية قصيرة المدى، ولا تقتصر فائدة المساعدة المالية عند المقاتلين السابقين على حفظ شيء من كرامتهم وتوفير الأمن لهم، ولكن تساعدهم أيضاً على تغطية بعض التكاليف الضرورية مثل النقل.
ولكي يكون التخطيط والإعداد لبرنامج إعادة الدمج ناجحاً، يجب على الحكومة الانتقالية أن تجري عدة عمليات لتقدير ودراسة البيئة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الموجودة. ولذلك يجب تكليف لجنة خاصة تهدف إلى بناء مخطط متكامل لسياسة نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج بهدف التخطيط الاستراتيجي.
إذًا يجب على مخططي برنامج إعادة الدمج إجراء دراسات على مناطق محددة في سوريا والتي يتوقع أن تتم عليها العملية. وفي عملية التحليل يجب الانتباه إلى البنى التحتية العامة مثل الطرق والمباني ونظم الاتصالات، وأيضاً يجب دراسة الخدمات الصحية، والخدمات الأخرى، والوضع الأمني داخل المنطقة، ومن الضروري أيضاً دراسة وتحليل سوق العمل لتحديد فرص العمل المتاحة أمام المقاتلين السابقين في الأسواق المحلية والإقليمية. يساعد هذا التحليل أيضاً في تحديد أنواع التدريب والبرامج المهنية المفيدة لهذه المنطقة المحددة، وبالإضافة إلى ما سبق يجب أن يدرس المخططون المؤسسات التعليمية القائمة ووضع قائمة للمرافق الممكن استخدامها خلال برنامج إعادة الدمج.
إن عملية الدراسة لمنطقة ما تساعد على قياس آراء أفراد المجتمع، حيث أن تحقيق أهداف البرامج الرئيسية من دون دعم أفراد المجتمع سيكون أصعب بشكل ملاحظ، ويمكن إجراء استفتاء أولي لآراء المجتمع لتقدير مستوى المعارضة والصد الذي قد يلمسه المقاتلون السابقون عند محاولة اندماجهم اجتماعياً، ويشكل طبيعة وأسباب النزاع إلى حد كبير رأي المجتمع في المقاتلين السابقين. يمكن الاستفادة من المعلومات التي تم جمعها في برنامجي التسريح العسكري ونزع السلاح خلال برنامج إعادة الدمج، فمثلاً تستطيع توفير المعلومات المجموعة خلال التسريح العسكري صورة أعمق للحالة الاجتماعية الاقتصادية وتطلعات المشاركين من البرنامج، وستساعد هذه المعلومات الحكومة الانتقالية بعد انتهاء النزاع على إعادة ترتيب مصادرها وأولوياتها إن كان هناك أي إغفال أو سهو في عملية التقدير الأصلية.






