array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 211

التحدي في بلورة جهد إفريقي مشترك لبناء بيئة مستقرة والاستفادة من التجربة الجزائرية

الأحد، 29 حزيران/يونيو 2025

إن الباحث في جذور الظاهرة الإرهابية من خلال انتشارها في العالم أو الاستثمار فيها، يجد أنها اقترنت بسياقات وبيئة ساهمت في إنتاجها، سواء على المستوى المحلي أو الدولي، لكن الثابت أن الإرهاب كظاهرة ارتبطت من حيث الأساس بمسألتين مهمتين هما: صراع المصالح، وانتشار التطرف.

فان كان العالم قد عرف أشكال الصراع على المصالح داخل المنظومة العالمية بين من يمتلك الأدوات الاقتصادية ويتحكم في إدارة القضايا الجيوسياسية ويمتلك القوة التي تمنحه القدرة على الاستثمار في مناطق وطبيعة الصراعات، وقد أخبرنا التاريخ عن قدم هذه الظاهرة، فإن مسألة التطرف كأيديولوجية صارت اليوم عنوانًا بارزًا لإنتاج وإعادة إنتاج الإرهاب.

         من أجل ذلك يمكن القول إن الإرهاب لم يعد فكرة أو أيديولوجية تعمل من فراغ، ولكنه أصبح مصدرا لقلق اقتصادي واضح في العالم، فقد أضحت الظاهرة الإرهابية اليوم أهم عنوان يضرب ويساهم في زعزعة استقرار الدول خصوصًا في القارة الإفريقية.

               ويعد الإرهاب نموذجًا لتهديد هو الأطول عمرًا من الناحية الزمنية، والقياسي من حيث إدراكه للأبعاد الأنثروبولوجية للقارة الإفريقية وللمنطقة العربية، وهو ما جعل من اعتبارات انتشار الظاهرة الإرهابية تزيد، انطلاقًا من أن الإرهاب وجد من يموله، ويروج له ويتعاطف معه أيضًا، تحت عدة مسميات  وصور تعكس حجم النفاق السياسي والاجتماعي والدبلوماسي، وهذا في ظل استمرار الإجماع الأممي على شعار أن الإرهاب لا دين له ولا وطن ، فالواقع إذن يبين  للدارس والباحث عن حقيقة وخفايا الظاهرة الإرهابية، وللملاحظ أن الماكينيزمات متعددة لكن الهدف واحد، وهو يصب في فرض منطق الهيمنة والسيطرة من أجل بلوغ أهداف  تسطرها مخابر دولية  تهدف إلى إدارة واقع التفاعل الدولي من خلال إنتاج الأزمات الصفرية التي تخدم توجهات القوى الإمبريالية الرامية إلى إبقاء دائرة الإنتاج العالمي  محددة ومغلقة لا تقبل دخول فواعل جديدة.

 

  • أصول وخلفيات الظاهرة الإرهابية في شمال وغرب إفريقيا:

            إن فهم الظاهرة الإرهابية، لا يتم إلا من خلال تحليل عميق للأطر الفكرية والمنطلقات الأيديولوجية التي تجعل من الفرد يتجه نحو ارتكاب الفعل الإرهابي، ويعتقد أنه عمل مشروع، بل يتمادى إلى السعي لتجنيد أفراد آخرين لتكوين جماعات وتنظيمات ينتقل بها الوضع من الفكر المتطرف إلى الفعل الإرهابي الإجرامي ، والذي أصبح يعرف بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، منحى تصاعديًا في العالم، كما أن الخطر المقلق هو القدرة على التكيف كمنطق تستند إليه التنظيمات الإرهابية لمقاومة المواجهة، وضمان استمرارية التواجد عبر تجديد الأدوات والآليات  كالانتقال من الإرهاب  بشكله التقليدي إلى الإرهاب الإلكتروني في محاولة للاستفادة من  واقع التطور التكنولوجي في مجال الإعلام والاتصال، وهو الأمر الذي دفع بالظاهرة الإرهابية كظاهرة سوسيوثقافية وفكرية إلى الانتقال من النقاشات الأكاديمية إلى الاحترازات والحسابات الأمنية التي تستوجب بناء استراتيجيات للمكافحة وتؤسس لوعي جماعي من أجل فعالية مواجهتها.

              هذا وتستند معظم الجماعات الإرهابية التي تستعمل الإسلام غطاء لها، على منهاج فكري يشمل ثلاثة (3) محاور أساسية:

1/ الحاكمية: والتي تعني تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على كافة مناحي الحياة، وهذا استنادًا على تفسير جماعتهم للآية القرآنية 44 الواردة في سورة المائدة، " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".

2/ الجاهلية: اعتبار كل من يخرج عن إطار فكرهم وشرعتهم جهلا يستوجب محاربته، وذلك من خلال الفصل ما بين الاسلام كنظام رباني وما بين نظام الحكم الوضعي مهما اختلفت تسميته "شيوعيًا، رأسماليًا، ديمقراطيًا أو ديكتاتوريًا".

3/ العصبة المؤمنة: وهي التي يقع عليها عبء مواجهة الجاهلية مع إعلاء حاكمية الله، كأنهم يعتبرون أنفسهم أوصياء وأنهم العصبة المؤمنة التي يجب عليها توجيه وتصحيح مسار الأمة الإسلامية.

    لقد ساهمت المرجعية القائمة على التعصب والفكر المتطرف إلى انتشار الظاهرة الإرهابية في القارة الإفريقية، لكن هذا الفكر الرجعي، ساهم في تحفيزه وإنتاجه جملة من الدواعي والأسباب في القارة الإفريقية، لعل أهمها:

  • نصر الدين وراش، تقسيم الديار في أوهام الفكر الإرهابي، مجلة رسالة المسجد، المجلد 16، العدد 03، ص.05 .06.
  • الهشاشة السياسية والأمنية التي أفرزها واقع الدول الإفريقية التي يقسمها انتشار الاثنية والقبلية في صورة سلبية تنسف كل أشكال التماسك والوحدة.
  • ضعف البناء المؤسساتي والإداري الناجم عن ضعف وفساد الأنظمة السياسية التي تحكم في هذه الدول.
  • تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية، وحل الخلافات الاثنية وفق منطق القوة وبأسلوب عسكري، ساهمت في إنتاجه وترسيخه القوى الاستعمارية التقليدية في القارة.
  • تدهور الظروف الاقتصادية والاجتماعية وتنامي مستويات الفقر والأمية، جعلت التنظيمات الإرهابية تستغل حاجة السكان المحليين خصوصًا الشباب وتجنيدهم.
  • الانقسام الدولي والتنافس على إفريقيا، والقائم على تغليب طرف على حساب الأخر، وتغليب الحلول العسكرية على حساب الحلول السياسية، مما وفر بيئة مواتية لبروز عمل الجماعات الإرهابية.

            إن هذه المحصلة لواقع ساهم في تعقيده عدم قدرة المجموعة الدولية على إنتاج مفهوم محدد للظاهرة الإرهابية، حيث تشير الأبحاث إلى ما يزيد عن 110 تعريف للإرهاب، إضافة إلى الوصم العشوائي لصفة الإرهاب، كلها عوامل مؤثرة سلبيًا على مختلف أشكال وصور محاربة الظاهرة الإرهابية، وحتى على بلورة جهد جماعي لمحاصرة تنامي نشاط الجماعات الإرهابية خصوصًا في منطقة الساحل الإفريقي التي تتجاذبها التدخلات الأجنبية المستعينة بالجيوش المرتزقة والتنظيمات الإرهابية المتحالفة وظيفيًا مع جماعات الجريمة المنظمة وتجار المخدرات.

       إن الحديث عن آليات عمل المجموعات الإرهابية خدمة لسياسة الانتشار ورهاناتها، هو فعلًا حديث عن استراتيجية المستفيد من الوضع القائم بكل تعقيداته، وهنا نشير إلى تجار السلاح وتجار المخدرات ، كما أن رهان القوى المسؤولة عن إنتاج الإرهاب خصوصًا في القارة الإفريقية هو صناعة اللاستقرار  حيث ينتقل فيه الفعل الإرهابي من مجرد أيديولوجية إلى سلوك مجتمعي وجماعي، وهو ما نلمسه من خلال تصاعد خطاب التطرف والكراهية، الذي أصبح يغذيه الإعلام   على اعتبار أن صناعة الأخبار عرفت تحولًا كبيرًا عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، كما أن ما أتاحه التمكين التكنولوجي بات يؤثر بشكل كبير ويوظف ضمن استراتيجية  الترويج للإرهاب والتطرف الذي أصبح حضوره مباشرًا في المشهد العام.

            إن الإرهاب الجديد بدأت معالمه وملامحه تتبلور مع بداية التسعينات بعد تغيير الجماعات الإرهابية لمنطقها في ظل الوضع الدولي الجديد، فبعدما كان الإرهاب يتأثر بالدوافع السياسية ويحركه التمويل الداخلي، أصبح أكثر تأثرًا بالجانب الديني، أين لاحظنا أن الجماعات الإرهابية أصبحت أكثر تنظيمًا وهرمية، وضحايا الإرهاب أصبحوا يعدون بالآلاف في العالم.1

 

 2-واقع التنظيمات الإرهابية في شمال وغرب إفريقيا ورهانات المواجهة:

               تمتد منطقة الساحل الإفريقي على فضاء شاسع مفتوح، يصعب ضبطه أمنيًا، بسبب الخصائص الجغرافية للمنطقة والتي تفسر طبيعتها الحدود المسامية والرخوة، ويعد الساحل الإفريقي معبرًا حيويًا لتهريب البشر والمخدرات والسلاح، حيث استغلت الجماعات الإرهابية هذا الواقع لتتمركز في مناطق صحراوية خارج سيطرة الدولة. وقد عرفت المنطقة منذ 2012م، تصاعدًا لافتًا لنشاط الجماعات الإرهابية، خصوصًا بعد انهيار الدولة في ليبيا وتنامي الأزمة في مالي.

              كما أدى الانهيار السياسي والعسكري في بعض دول منطقة الساحل، سواء كنتيجة للنزاعات المسلحة أو بسبب طبيعة الأنظمة الاستبدادية، إلى خلق فراغ أمني منح مساحة للجماعات الإرهابية وخلق فجوة أمنية يصعب التحكم فيها، فقد تسللت تنظيمات مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (AQMI)، جماعة بوكو حرام، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى (ISGS) إلى هذه المناطق، وأسست معاقل تفرض فيها منطقها، كما يمكن القول أن العمل الإرهابي في المنطقة مبني على قاعدة التحالف بين جماعات الجريمة المنظمة ( التهريب، تجارة المخدرات والسلاح)  والتنظيمات الإرهابية2، في إطار معادلة الحماية مقابل التمويل، بمعنى التنظيمات الإرهابية تحمي ممرات ومسار المهربين، مقابل التمويل الذي تحصل عليه، أو التجنيد لمهمات أمنية تدعم صفوفها من قوافل المهاجرين غير الشرعيين أو جماعات الاتجار بالبشر .

فهناك إذن تحول  واضح في مستويات العمل ودعم الإرهاب، حيث باتت تنتقل من التجنيد إلى الانتشار ومن التواجد إلى الاستثمار عبر آلية التمويل والمبايعة، فأصبحنا نتحدث اليوم عن اقتصاديات الإرهاب  وتراجعت مع ذلك محاربة الإرهاب في الأدبيات الغربية إلى مستوى التقارير  والاكتفاء بالإدانة فقط، وهذا أمام تشعب أدوات إنتاج الظاهرة الإرهابية، فالإثنية والطائفية التي أضحت تنقل الصراع من مستواه الكلي إلى المستوى الجزئي لزعزعة الاستقرار أكثر، هي اليوم مصدر لإنتاج الولاءات الجديدة التي تعد مصدرًا لتكوين الميليشيات والمجموعات الإرهابية باسم الأقليات، والتي أصبح من السهل إيجاد منصات للترويج والدعاية لها.

            إن التواجد الملفت للتنظيم الإرهابي القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وبعده تنظيم داعش، وإن كانت الأيديولوجية واحدة ومرتبطة بضرب استقرار دول المنطقة، إلا أن التنافسية بين التنظيمين كانت معلنة، وتؤكدها عدم مبايعة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب للتنظيم الإرهابي داعش في المنطقة عند ظهوره، وهو ما اعتبر بمثابة إعلان تنافس، امتد إلى تقاسم مناطق النفوذ والتواجد، حيث استثمر التنظيم الإرهابي داعش نشاطه في ليبيا، بينما ظلت باقي التنظيمات في منطقة الساحل وعلى الحدود المتاخمة لجنوب الجزائر.

         إضافة إلى ذلك فإن ما تسجله الأبحاث حول التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، هو اقتصار التنظيم الإرهابي داعش في بدايته على التواجد من خلال آلية التجنيد فيما يعرف بظاهرة الذئاب المنفردة، إلى غاية تكوين خلايا عبر تجنيد المرتزقة مقابل المال الذي كانت تحصل عليه من خلال عمليات السطو، والبترول الذي كانت تبيعه لبعض الدول في المنطقة، فيما حافظ تنظيم القاعدة الإرهابي على تحالفاته مع جماعات الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات التي أصبحت الممول الأول لنشاط الجماعات الإرهابية في المنطقة.      

           إن التوتر الذي عرفته منطقة الساحل الإفريقي منذ 1998م، إلى غاية 2005م، أنتج ما يزيد عن 35 جماعة مسلحة تنشط في مالي، السينغال، التشاد، وغيرها من المناطق التي تعرف بؤر توتر واضطراب.

        

      الجهود الجزائرية في مكافحة الإرهاب في ظل تحولات المشهد الإقليمي والدولي:

              تبرز مساهمة الجزائر في مكافحة الإرهاب بشكل واضح ، ويعكسها أكثر المقترح الأممي المتعلق بتجريم دفع الفدية والذي تم اعتماده كمقترح أممي  يقوم على تجفيف منابع تمويل الإرهاب، هذا إضافة إلى  أن تجربة الجزائر  في مكافحة الإرهاب والتي اعتمدت فيها على العمل الميداني الذي نجح فيه الجيش الجزائري، ودعمه أيضًا الاستناد  والتوظيف الإيجابي للمقاربة القانونية  والتي توجت بقانون المصالحة الوطنية ، بما يعكس اعتماد الجزائر على استراتيجية شاملة ومتكاملة قامت على استمرارية المكافحة الميدانية التي يقودها الجيش الجزائري،  ويقابلها أو يوازيها عمل قانوني وتحسيس اجتماعي يهدف إلى إعادة إدماج التائبين و المغرر بهم  في المجتمع، وإعادة بناء اللحمة الوطنية ورأب الصدع عبر قانون المصالحة الوطنية.

               إن التحالف الوظيفي بين الجريمة المنظمة والإرهاب ضمن معادلة الحماية مقابل التمويل  شكلت تحديًا حقيقيًا في مواجهة مسألة صيانة قاعدة الأمن  الإقليمي والدولي، وفي ذلك يبين انخراط الجزائر في  المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، والمساهمة في تأسيس منظمة افريبول التي تأسست في 2015م، كخطوات تعكس أهمية تفعيل  الحوار  وتبادل وجهات النظر  بين مختلف الفواعل الدولية باعتبار أن ذلك يعد مدخلًا مهمًا يدعم بلوغ  مستوى الفهم الدولي المشترك لخلفيات وواقع التهديدات الإرهابية وظاهرة الجريمة المنظمة في منطقة الساحل الإفريقي، كما يعكس ذلك أهمية التعاون الإقليمي والدولي كمنطق مكمل لتوجه عالمي يسعى نحو تجفيف منابع تمويل الإرهاب ، والذي يبدأ عبر ما يمكن أن تقدمه منظمة افريبول من تسهيل  لتبادل للمعلومات حول نشاط الجريمة المنظمة في إفريقيا وما اقترن بالنشاط الإرهابي، كما تمثل هذه المساعي إرادة المجتمع الدولي في الوصول إلى حلول فعلية، و الخروج بتصور ومقاربة تتعدى مسألة بناء منظومة دفاع إلى بلوغ  مستوى التأسيس لآليات وقائية تجنب المنطقة والمجتمع الدولي خطر تفاقم ظاهرة الإرهاب والتطرف العنيف .

           كما يمثل الجهد الذي تبذله الجزائر على الصعيدين الإقليمي والدولي  سعيًا للترقية والتعريف بالرؤية الجزائرية فيما تعلق بمعالجة تفاقم ظاهرة الإرهاب و الجريمة المنظمة انطلاقًا من خصائص الظاهرتين في المنطقة، بما يجعل المفهوم الدولي للتعاطي مع الظاهرتين ينطبق مع واقع التهديد في منطقة الساحل الإفريقي، هذا زيادة على أن الحدث يعكس نجاح الجهود  الجزائرية في إطار الاتحاد الإفريقي وحتى في إطار التكيف مع ما يفرضه الواقع الدولي من تحديات، بما يتيح للجزائر الحضور بفاعلية و المسايرة  والتكيف الفعلي مع واقع العولمة

              إن نجاح الجيش الجزائري في احتواء الظاهرة الإرهابية بالجزائر والقضاء عليها مسألة تعكس القدرات العالية للمؤسسة في أداء أدوارها سواء من الناحية التنظيمية أو العملية الميدانية، كما تعكس الرؤية الاستراتيجية والتشخيص الواقعي والعميق لأسباب الظاهرة ومتطلبات التعامل مع خطر تنامي التهديدات الإرهابية بالجزائر.

             كما أن مسألة عدم تدخل الجيش خارج الحدود الجزائرية، كانت أحد النقاط التي دعمت قدراته على مجابهة التهديد الإرهابي واحتوائه، فقد لعبت الجزائر دورًا مهمًا في مواجهة هذا التهديد الهجين، حيث اعتمدت على تعاون أمني ودبلوماسي متعدد الأوجه قائم على:

  1. الأمن الصارم: عبر تعزيز الجاهزية العسكرية وتحديث العتاد وتكوين قوات خاصة لمكافحة الإرهاب.
  2. التنسيق الإقليمي: تجسد في تأسيس مبادرة قيادات أركان دول الميدان "السيموك" بتمنراست سنة 2010م، الذي يجمع الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا، تتيح هذه اللجنة تخطيط وتبادل المعلومات الاستخبارية العملياتية لحماية المحاور الرئيسية لعبور الصحراء الكبرى. بالإضافة إلى دعم الجزائر لمبادرة "أفريبول" كآلية شرطية إقليمية، (تأسس عام 2015م، في الجزائر العاصمة) يوسع التعاون الشرطي ليشمل كامل القارة، ويعزز تبادل البيانات الجنائية واعتراض التمويلات، بالإضافة إلى مكافحة التنسيق بين الشبكات الإجرامية بشكل مشترك.
  3. المقاربة الوقائية: ركزت على تجفيف منابع التجنيد بالتكوين الديني المعتدل، وتطوير الخطاب المضاد، والاهتمام بالشباب.

4.التعاون الاستخباراتي والدبلوماسي: حيث شاركت الجزائر في عدة مبادرات إفريقية ودولية لتعزيز تبادل المعلومات وتقديم الدعم اللوجستي والفني.

 وإن تقييم دور الجزائر في مواجهة ظاهرة الإرهاب في المنطقة يمكن تلخيصه في:

- الموقع الاستراتيجي للجزائر كمحور أمني في منطقة حساسة.  

- القيادة الإقليمية التي تشجع على توحيد الجهود بين القوات الإفريقية.  

- النهج المتكامل: استخباراتي، دبلوماسي، تنمية، وإدماج اجتماعي قائم على الاستثمار في رأس المال البشري.

هذا ومن بين التحديات التي تشكل عائقًا نحو تحقيق الفعالية في مكافحة الظاهرة الإرهابية إقليميا نسجل:

* ضعف التنسيق بين دول المنطقة، بسبب الضغوط الخارجية، والتشويش على المبادرات الجماعية في المنطقة.  

* ضعف الالتزام الدولي بدعم جهود دول الساحل الإفريقي في مواجهة الإرهاب والأزمات، لان الدعم المالي الدولي غالباً ما يكون منعدم أو غير كافٍ لتبني سياسات وقائية.

* غياب الالتزام على المستوى الإفريقي، بسبب الأزمات الداخلية لدول الساحل الإفريقي، وتفاقم ظاهرة الانقلابات العسكرية، والتدخلات الأجنبية.

              إن تفكيك الجماعات الإرهابية في شمال وغرب إفريقيا لا يتم فقط عبر الحلول الأمنية، بل يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تدمج بين العمل العسكري، والاقتصادي، والديني، والدبلوماسي. وقد أثبتت التجربة الجزائرية نجاعتها في هذا السياق، حيث قدمت نموذجًا يمكن الاستفادة منه إقليميًا، خاصة وأنه يرتكز على مقومات السيادة، والقدرة على الفعل الأمني دون المساس بالاستقلال الوطني للدول، ويبقى التحدي في بلورة جهد إفريقي مشترك نحو بناء بيئة آمنة ومستقرة.

              وقد أكدت الجزائر دورها كـ فاعل محوري في أمن منطقة الساحل الإفريقي، من خلال دمج الردود العسكرية، القدرات الاستخباراتية، البناء المؤسسي، والتضامن الدولي، كما تعتمد استدامة هذه الجهود على تعزيز:  

- الالتزام الجماعي الإقليمي بالتعاون من أجل مكافحة الإرهاب.  

- الانفتاح على الشراكات بما يسهل خلق توافق مع الشركاء الدوليين.  

- ضمان اندماج إقليمي وعمل إفريقي مؤسسي متكامل ومستقر.

               ومن خلال سياسة متكاملة تجمع بين الأمن والدبلوماسية والتنمية، تكون قريبة في التنفيذ وشاملة في الرؤية، يمكن ضمان تفكيك دائم ونهائي لشبكات الإرهاب في المنطقة.

الخاتمة:

              لقد أحدث الإرهاب في العالم اليوم أزمة إنسانية حقيقية بتجليات مختلفة، وآثار أمنية سياسية،  اقتصادية واجتماعية بل وحتى ثقافية ودينية، وهو ما بات  يستدعي التعامل مع الظاهرة بمنظور شامل ومتكامل في نفس الوقت، كما أن  تفاقم الظاهرة الإرهابية واستمراريتها يعد كارثة تجتاح المجتمعات وتهدد الأفراد عبر مفهوم الإرهاب الفكري والتطرف، وهو الوضع الذي ساهم فيه التجاوب الذي تلقاه التنظيمات الإرهابية تحت عدة مبررات ،وهنا أصبح مبدأ المسؤولية والالتزام  قاعدة  لا بد من فرضها بالشكل الذي يجعلنا مطالبين  وبأقصى درجات السرعة وضع استراتيجية عملية تنقلنا من مستوى الحرب مع الإرهاب إلى الحرب على الإرهاب. 

                إن هاجس تحقيق الأمن قضية ترهن مستقبل التنمية في كل دولة، وتؤجل الأسئلة التنموية المتعلقة بها في  إطار التكيف مع الأجندة الدولية، كما أن استمرار منطق السباق والصراع من أجل الموارد في ظل نزعة دولية براغماتية مصلحية، تعتبر قضية مؤثرة بالدرجة الأولى على صيانة قاعدة السلام العالمي باعتبارها قاعدة  غير قابلة للتجزئة أساسًا، من أجل ذلك  يعد الحوار أساس تفعيل الحلول السلمية على اعتبار أن غياب الحوار يقود إلى التعصب و التعصب يولد التطرف والتطرف يقود إلى العنف والإرهاب  ضمن علاقة سببية من شأنها ضرب استقرار العالم وتساهم في إعادة إنتاج نفس الفشل ضمن منظور ليبرالي قائم على الفروقات .

           كما أن تعزيز ثقافة الحوار كسلوك مجتمعي تساعد على التخلص من نزعة إقصاء الآخر، إضافة إلى ضرورة إعادة الاعتبار للمؤسسات الدولية المعنية بصيانة السلام العالمي وهي كلها قضايا من شأنها تعزيز مداخل صناعة السلام، والقضاء على الإرهاب بصورة نهائية باعتباره تهديدًا عابرًا للقارات، وانطلاقًا من أن الإرهاب مرفوض بمختلف أشكاله وصوره، ولا يمكن تبريره من خلال التسويق لفكرة إرهابي سيئ وإرهابي مقبول وجيدـ على اعتبار أن هذه المقاربة تقوم على شرعنة الفكر المتطرف داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.

مجلة آراء حول الخليج