أعلن وزير الداخلية الأردني في الثالث والعشرين من أبريل الماضي حظر نشاط جماعة الإخوان المسلمين في الأردن واعتبارها جمعية غير مشروعة، معلنًا أن أي نشاط للجماعة أيا كان نوعه عملاً يخالف القانون ويوجب المساءلة القانونية، وأكد مصادرة ممتلكات الجماعة وفقًا للأحكام القضائية كما أشار، وأكد الوزير على إغلاق مكاتب الجماعة في مختلف أنحاء المملكة " ومنع القوى السياسية ووسائل الإعلام ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني وأية جهات أخرى من التعامل أو النشر لما يسمى جماعة الإخوان المسلمين المنحلة وكافة واجهاتها وأذرعها وتحت المساءلة القانونية "، ويأتي الحظر بعد ما أعلنته الأجهزة الأمنية عن اعتقال خلية مكونة من 16 شخصًا ينتمي بعضهم للجماعة، قاموا بتصنيع صواريخ ومسيرات من مواد محلية بهدف القيام بأعمال تخريبية داخل الأردن ويقول بعض المقربين من المتعلقين أنها موجهة لتهريبها للمقاومة الفلسطينية، ولكن على أية حال فهي مخالفة للقوانين فالأردن دولة ذات سيادة لا يجوز قانونيًا للمواطن تصنيع أو حمل الأسلحة خارج القانون وبدون موافقة السلطة، ومما أزعج الحكومة الأردنية البيان الذي أصدرته حركة حماس مطالبة بالإفراج عن أفراد الخلية المعتقلين مما اعتبر تدحلًا في الشؤون الداخلية الأردنية.
جاء هذا الحظر بعد سبعة عقود من حرية العمل والانتساب للجماعة وأنشطتها المتعددة في الأعمال الخيرية الذي امتد من الدعوة والتعليم ورعاية الأيتام وتحفيظ القرآن وكانت تشرف عليه جمعية المركز الإسلامي الجناح الخيري للجماعة التي تأسست عام 1963م، وسجلت في وزارة التنمية الاجتماعية عام 1965م، كما كان للجماعة تأثيرها في النقابات العمالية فغالبًا ما تفوز في الانتخابات العمالية في مواجهة التيارات القومية واليسارية وشاركت في بعض الفترات في الحكومات الأردنية.
مرحلة التحالف والتعاون
افتتح مكتب جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في التاسع عشر من نوفمبر 1945م، ومباركة من الملك عبد الله الأول وقبل استقلال الأردن عام 1946م، وإعلان المملكة الأردنية الهاشمية وسجلت كجمعية خيرية وتطوع بعض أفراد الجماعة في حرب 1948م، وكان أول مراقب لها عبداللطيف أبو قوره (1945-1953م) وتولى بعده محمد عبد الرحمن خليفة كمراقب عام (1953-1994م) ، وكانت الجماعة تجد الدعم من الحكومة آنذاك وكانت تشكل دعمًا للنظام في مواجهة التيارات القومية واليسارية وفي أحداث عام 1957م، وقفت ضد الأحزاب اليسارية وما قيل آنذاك عن محاولة انقلابية وإثر الاضطرابات والنشاط الحزبي للأحزاب القومية حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب الوطني تم حظر النشاط الحزبي عام 1957م، وبقي هذا الحظر حتى عودة الحياة النيابية عام 1989م، ولكن جماعة الإخوان المسلمين تمارس نشاطها وكان هناك شبه تحالف مع النظام وعندما حدثت فتنة الحكومة مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1970م، وقفت الجماعة مع الحكومة وحلت الجماعة المجموعة التابعة للإخوان والتي كانت تعمل تحت مظلة فتح، وعندما تشكلت حكومة وصفي التل عام 1970م، تم ضم اسحق الفرحان للوزارة وكان أحد قيادات الإخوان المسلمين ، وأثناء الحرب الباردة العربية وحرب الإذاعات العربية بين بعض الدول العربية والأردن وقف الإخوان المسلمين بكل قوتهم مع النظام، واستقبل الأردن بعض الإخوان المسلمين من بعض الدول العربية التي دخلت في صراع مع الإخوان مثل كامل الشريق الذي كان قائد متطوعي الإخوان المسلمين في مصر للحرب في فلسطين 1948م، والتجأ للأردن بعد صدام الإخوان مع الرئيس المصري عبد الناصر بعد أحداث 1954م، ومنح الجنسية الأردنية وتولى وزارة الأوقاف في الأردن وكان يصدر صحيفة المنار في فترة الستينات والتي كانت تعتبر معبرة عن الإخوان، وبقيت جماعة الإخوان المسلمين تعمل بحرية وعندما عادت الحياة النيابة عام 1989م، وفتح المجال للأحزاب السياسية لممارسة نشاطها شارك الإخوان في الانتخابات النيابية وتميزت الانتخابات بالنزاهة والشفافية وفازت جماعة الإخوان المسلمين وحصلت 22 مقعدًا من أصل 80 عدد أعضاء مجلس النواب آنذاك، وعندما تشكلت وزارة مضر بدران 1989-1991م، تولى خمسة من أعضاء الجماعة مناصب وزارية وتولى عبد اللطيف عربيات أحد قيادات الإخوان رئاسة مجلس النواب لثلاثة دورات متتالية وفي عام 1992م، أسست الجماعة جبهة العمل السياسي التي تعتبر الذراع السياسي للجماعة، والجبهة حزب سياسي يتمتع بالاعتراف القانوني وفقًا لنظام الأحزاب الأردنية وشاركت الجماعة في صياغة الميثاق الوطني عام 1991م، ولذلك تعتبر الفترة من 1945-1991م، الفترة الذهبية في تحالف الجماعة مع الحكومات المتعاقبة وساهمت في الاستقرار السياسي في الأردن وكانت الجماعة منذ تأسيسها داعمة للنظام الملكي وتؤكد على شرعيته خلافًا لبعض التيارات السياسية القومية أو اليسارية ولكن بعد هذه المرحلة بدأت الخلافات تظهر بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام السياسي؟
مرحلة الخلافات بين جماعة الإخوان المسلمين والحكومات
أصبحت الجماعة تمارس العمل السياسي من خلال جبهة العمل الإسلامي ـ فالجماعة منذ تأسيسها كان ينظر إليها كحركة دعوة ونشاط خيري، ومما أقلق النظام عدد المقاعد التي حصلوا عليها في انتخابات 1989م، لأنها كانت في مقدمة الأحزاب في مقاعدها، وكقوة مؤثرة سياسيًا في البرلمان، ورغم أنها وقفت مع سياسة الحكومة في أزمة الكويت إلا أنها عارضت مؤتمر مدريد 1991م، ولتحجيم دور الجماعة في الانتخابات قامت الحكومة بتغيير نظام الانتخابات إلى الصوت الواحد في انتخابات 1993م، وحصلوا على 17 مقعدًا وأخذت الحكومة خطوات للحد من نفوذ الجماعة في الجامعات والنقابات المهنية، وعندما عقدت اتفاقية السلام مع إسرائيل أكتوبر 1994م، (اتفاقية وادي عربة)، عارضتها الجماعة ورغم ذلك تم تمرير الاتفاقية في مجلس النواب بالتصديق عليها ولكن لم يستقيل أعضاء البرلمان الذين ينتمون للجماعة من البرلمان، ومع سياسة احتواء الجماعة وتحجيم دورها قاطعت جبهة العمل الإسلامي والجماعة الانتخابات النيابية عام 1997م، ولكن خلال هذه الفترة كانت حركة حماس لها مكتبها في عمان وتحظى بدعم قوي من الجماعة وجبهة العمل الإسلامي ، وكان وجود حركة حماس باتفاق مع الحكومة الأردنية ضمن شروط معينة وبرعاية الملك حسين، وكان للحكومة أسبابها السياسية وراء وجود حماس وكانت محاولة اغتيال خالد مشعل من قبل الموساد الإسرائيلي سبتمبر 1997م، وهدد الملك حسين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل آنذاك، بإلغاء المعاهدة أو إنقاذ حياة مشعل واضطر نتنياهو بإرسال ترياق السم وتم إنقاذ حياة مشعل بل تم إطلاق صراح الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس من السجن الإسرائيلي ألى الأردن ومن ثم عودته لقطاع غزة ، كما أن الملك حسين توسط في إخراج موسى أبو مرزوق من السجن الأمريكي واستقبله في عمان وكان يشغل منصب رئيس المكتب السياسي لحماس قبل خالد مشعل، ولكن التحول في علاقة حماس وجماعة الإخوان المسلمين حدث بعد وفاة الملك حسين في فبر اير 1999م، وبدأت مرحلة جديدة في علاقة الجماعة وجبهة العمل الإسلامي مع الحكومة في الأردن .
الصراعات داخل الجماعة والانشقاقات
حدث تطور في علاقة جماعة الإخوان المسلمين مع الدولة بعد وفاة الملك حسين و خروج قادة حركة حماس من الأردن ثم ما شهدته المنطقة من الربيع العربي، ولكن من جانب آخر حدثت خلافات داخل قيادات الإخوان وكذلك داخل قيادة جبهة العمل حيث طالب فريق بإصلاحات في داخل الجماعة من حيث المشاركة في الانتخابات البرلمانية وفي مؤسسات الدول والتركيز على الداخل الأردني وفريق آخر يتحفظ على المشاركة والإصلاحات والمشاركة وحتى في العلاقة مع حماس والقضية الفلسطينية علمًا بأن الفريقين مع دعم القضية الفلسطينية ولكن هناك من يرى في المشاركة الداخلية في المؤسسات والإصلاحات الداخلية تخدم أيضًا القضية الفلسطينية والمشاركة في مؤسسات الدولة يعزز مكانة الجماعة في المجتمع ، ونلاحظ في حقبة التحالف مع النظام تميزت القيادة بالاستقرار فتولى محمد عبد الرحمن خليفة منصب المراقب العام تقريبًا أربعة عقود وتولى بعده عبد المجيد ذنيبات اثني عشر عاما، ولكن بعد 2006م، تولى منصب المراقب العام أربعة وهذا يعكس عدم الاستقرار والخلافات داخل قيادات الإخوان، ولذلك نجد انشقاق داخل الجماعة حيث شكل رحيل الغرايبة مع نبيل الكوفحي مبادرة زمزم 2013م، وتحول فيما إلى حزب سياسي تحت اسم حزب المؤتمر الوطني 2016م ، وفيما بعد تقدم المراقب السابق للجماعة عبد المجيد ذنيبات عام 2015م، بطلب تسجيل "جمعية جماعة الإخوان المسلمين " واستطاعت أن تحصل على الترخيص القانوني بدلًا من جماعة الإخوان المسلمين الأم على اعتبار أنها غير مرخصة ولم تسوي أوضاعها وحصلت الجمعية الجديدة على المقر الرئيس للجماعة وبعض مقارها ولكن الدولة حاولت إضعاف الجماعة وليس إنهاء وجودها آنذاك، وشكل سالم الفلاحات المراقب العام السابق (2006-2008م) حزبًا سياسيًا جديدًا( حزب الشراكة والإنقاذ) وقال في تصريح له مبررًا تشكيل الحزب " بأنه بات مقتنعًا أن العمل الدعوي يجب أن يكون منفصلًا تمامًا عن السياسي ليدخل ضمن شراكة حقيقة مع مختلف الأطياف الشعبية دون اعتبار للأيديولوجيا "، وفي 16 ابريل 2024م، أصدرت المحكمة الإدارية العليا في الأردن اعتبار الحزب منحلًا بناء على قرار مجلس مفوض الهيئة العليا للانتخابات بدعوى وجود مخالفات إجرائية، وعليه فإن عدم الاستقرار في قيادة الجماعة أضعف الجماعة رغم أنها لم تعترف بجمعية جماعة الإخوان المسلمين واعتبرت نفسها الممثل الشرعي لجماعة الإخوان، وواصل حزب جبهة العمل الإسلامي نشاطه، ولكن رغم نشوء هذه الأحزاب والجمعية فلم تحقق تأثيرًا قويًا في الحصول على مقاعد نيابية مؤثرة وبقيت جبهة العمل الإسلامي الجناح السياسي الحزب الفعال والمنظم على الساحة السياسية الأردنية وتحاول الدولة بإبقاء شعرة معاوية مع جماعة الإخوان وجبهة العمل لتأثيرها الجماهيري ودورها في الوحدة الوطنية فالمجتمع الأردني غالبيته من المسلمين السنة وتريد الدولة بقاء الجبهة كقوة سياسة فقد حصلت الجبهة في انتخابات 2024م، على 31 مقعدًا من 138 مجمل أعضاء البرلمان الأردني وجاءت الجبهة على رأس القائمة، وهذا ما جاء رغم صدور قرار قضائي عام 2020م، بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها جمعية غير مشروعة ومصادرة ممتلكاتها ولكن السؤال لماذا تم تنفيذ قرار الحظر ومصادرة الممتلكات بعد خمسة أعوام من صدور القرار القضائي ؟
إن الخلافات داخل الجماعة وانقسامها أثارت اهتمام الباحثين الغربيين، فنجد أن الباحث الهولندي في الجماعات الإسلامية جوس ويجماركرز من جامعة أوترخت ألف دراسة مهمة عن الإخوان المسلمين وانقسامها جاءت تحت عنوان Things Fall Apart: The Disintegration of the Jordanian Muslim Brotherhood (2021)، لأن استقرار الجماعة خلال تاريخها لأكثر من خمسة عقود وعلاقته مع الدولة التي تميزت بالتعاون كانت مثار اهتمام على عكس علاقة الإخوان في الدول المجاورة للأردن.
الظروف الإقليمية والدولية والوضع الداخلي
إن القرار السياسي دائمًا يخضع لاعتبارات البيئة الخارجية والداخلية، وهذا ليس استثناءً في كل القرارات دائما تتأثر بهذه البيئة، الوضع الدولي والإقليمي، فالبيئة الخارجية تتحسس من الإسلام السياسي بشكل عام، وهذا بدأ من أيام الثورة الإيرانية 1979م، مرورًا بأحداث 11 سبتمبر 2001م، الذي ما زال الجدل يثار حول من خلفها، ومع الربيع العربي وتتصدر جماعات الإسلام السياسي المشهد السياسي ووصول رئيس جمهورية ينتمي للإخوان المسلمين أخذت الدول تواجه الأزمات الداخلية، وكانت مواجهة مضادة للربيع العربي، فنظرت بعض الدول أنه يهدد الاستقرار والأمن الداخلي فتم حظر جماعة الإخوان المسلمين في مصر واتهامها بالإرهاب وحذت دول أخرى بحظر جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها منظمة إرهابية وكانت الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة تضغط بقوة لتحجيم دور جماعات الإسلام السياسي وهي التي شجعته ومولته في حرب أفغانستان، دعمت الجماعات الإسلامية لحرب الاتحاد السوفيتي ولما انتهى دورها انقلبت عليها واشنطن وأخذت تطاردها، بل كان سجن غوانتنامو مثالًا بعد سقوط طالبان 2000م، التي دعمتها واشنطن في بداية عهدها، هذه البيئة الخارجية والضغوط الإقليمية والدولية لها تأثيرها، وفي الوضع الداخلي حاولت الدولة تجاهل الضغط الخارجي المعادي للإخوان المسلمين بنوع من المرونة السياسية لأن تاريخ علاقة الإخوان المسلمين في الأردن مع النظام السياسي علاقة تعاون وتحالف ودعم للنظام السياسي فهي تراعي الظروف الدولية والإقليمية ورغم الخلافات السياسية مع الدولة أحيانًا فغالبًا ما يتم تسويتها بالحوار وحتى إخراج قادة حماس من الأردن كان رد الجماعة عقلانيًا ومتفهمًا للوضع السياسي وما يتعرض له الأردن من ضغوط خارجية، ورغم قرار محكمة التمييز 7369/2018م، باعتبار جماعة الإخوان المسلمين المرخصة عام 1946م، منحلة حكمًا بموجب أحكام القانون، اعتبارًا من تاريخ 16/6/1953م، ولذلك لعدم قيامها بتوفيق أوضاعها وفقًا لأحكام القانون، ومنذ تأكيد محكمة التمييز أن الجماعة غير مرخصة قانونًيا، فإن الدولة غضت النظر عن الحظر الفعلي للجماعة حتى 2025م، أي بعد خمس سنوات من القرار وهذا يعكس رغبة الدولة في تسوية هادئة للخلافات مع الجماعة، بل شاركت جبهة العمل الإسلامي المرخصة قانونيًا في الانتخابات النيابية عام 2023م، وهو جزء من سياسة الدولة لاحتواء التوترات وحصل التيار الإسلامي على 31 مقعدًا من أصل 138 أي بنسبة 22.5% من المقاعد، وهذا يفسر العلاقة بين الدولة والتيار الإسلامي مع جبهة العمل الإسلامي والإخوان المسلمين .
أما لماذا تحركت الدولة بتنفيذ قرار حظر الجماعة باعتبارها غير قانونية، فبالإضافة للضغوط الخارجية وخاصة فوز الرئيس الأمريكي ترامب وصعوبة التنبؤ بقراراته السياسية، فكان لطوفان الاقصى 7 أكتوبر 2023م، وحرب إسرائيل على غزة تأثير على العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، فكانت البداية توافق سلوك الجماعة مع سياسة الدولة، إدانة الحرب على غزة وتحرك الحكومة على المستوى الدولي وسمحت الدولة بالتظاهرات والتحركات الشعبية ومحاصرة السفارة الإسرائيلية وكان الجماعة وجبهة العمل الإسلامي مع بقية الأحزاب السياسية من خلال التحالف الوطني ، تحرك الشارع ضد حرب الإبادة الجماعية في غزة ، ولكن الانتقادات للدولة تجاوزت الخطوط الحمراء في العلاقة بين الدولة والجماعة باعتبار أن الجماعة لها دورها في حشد الشارع الأردني ولكن ظهرت بعض الأصوات التي تنتقد سياسة الدولة تجاه إسرائيل ووجود السفارة في عمان وحتى مصير اتفاقية وادي عربة، ووصل الانتقاد للجيش والأجهزة الأمنية ومع تزايد الحشد وتكرار التجمعات أمام السفارة الإسرائيلية والسفارة الأمريكية وإحراج الدولة أمام الرأي العام الدولي كان قرار الدولة بالتنفيذ محاولة للحد من سلوك الجماعة والعودة إلى لعبة التوازن في العلاقة بين التيار الإسلامي، الجماعة وجبهة العمل الإسلامي، بما يحقق المصالح الأردنية العليا فالاحتجاجات الشعبية ورقة سياسية في يد الدولة للخارج ولكن ضمن حدود معينة، والمهم أن الجماعة لها دور مهم في تاريخها الأردني بالمحافظة على الوحدة الوطنية ودعم الاستقرار السياسي في الأردن، وإعلان الدولة عن كشف خلية لديها متفجرات وتصنيع صواريخ ومسيرات فتشير التحقيقات إلى أن المخططات التي تم كشفها مؤخرًا تعود إلى عام 2021م، ولكن شدة موجة الاحتجاجات وتحرك الشارع مع ازدياد الإبادة ومحاولة التوجه إلى الحدود مع فلسطين وتأثير موجة الاحتجاجات على الأوضاع الاقتصادية التي تعاني أصلًا من أزمة اقتصادية يمكن أن تعد الحظر رسالة لاحتواء الوضع المتصاعد داخل الأردن خاصة وهو يتعرض لحملات التهديد الإسرائيلي من اليمين المتطرف وسياسة التهجير في الضفة الغربية وغزة، لذا يحتاج الأردن سياسة هادئة ووضع داخلي متماسك لتجاوز هذه المرحلة في ظل أوضاع نظام عربي ضعيف التأثير على المستوى الدولي والخلافات السياسية داخل النظام الإقليمي .
سيناريو المستقبل بين الجماعة والدولة
إن قرار الحظر الذي قامت الحكومة بإعلان تنفيذه في الثالث والعشرين من أبريل جاء بفعل الظروف الداخلية والخارجية، ويظهر أن الدولة لا تريد التصعيد لأنها لم تتعرض لجبهة العمل الإسلامي لشخصيتها القانونية عن الجماعة إلا أن لها ارتباطها العقدي مع الجماعة، وما تريده الدولة قيادات معتدلة تتصدر المشهد السياسي في الجبهة والجماعة وليس سرًا أن هناك تيار في داخل الجماعة وحتى الجبهة يصنف (تيار الصقور) الذي لا ترتاح له الدولة أكثر تشددًا سواء في انتقاد سياسة الدولة الخارجية أو الداخلية ، أن الجماعة عبر تاريخها الطويل تميزت بالمرونة وتفهم سياسة الدولة وظروفها ووقفت مع النظام في فترات صعبة يحسب لها، فهي لم تتطرق عبر تاريخها إلى شرعية النظام السياسي بل تدعمه ، وتلجأ الدولة في فترات التوتر مع الجماعة لفتح بعض الملفات كنوع من الضغط السياسي كما حدث عام 2006م، باتهام الهيئة الإدارية لجمعية المركز الإسلامي بالفساد وتم حل الهيئة وتعيين لجنة حكومية لإدارتها وهي العصب الاقتصادي للجماعة، ولكن بعد أكثر من عقد أصدرت المحكمة الإدارية العليا الأردنية براءة الهيئة الإدارية من الفساد، وتراهن الجماعة وجبهة العمل الإسلامي على نزاهة القضاء الأردني حول علاقتها بخلية المتفجرات والأسلحة الأخيرة أنها موجهة لدعم المقاومة في الضفة الغربية وغزة وليس لها علاقة بتهديد الأمن الأردني ، ولهذا يمكن القول أن الجماعة وجبهة العمل في حوار صامت بعيدًا عن الأضواء في حل الخلافات وتجاوز تداعيات حرب الإبادة في غزة وما يحدث في الضفة الغربية على الوضع الداخلي الأردني، ويظهر أن كلا الطرفين يحافظ مهتم باستقرار الأردن في ظل الأوضاع القلقة في الشرق الأوسط، وقد يتم تجاوز أزمة العلاقة بينهما في انتخابات داخل الجماعة وحزب جبهة العمل الإسلامية لقيادة معتدلة ومقبولة من طرف الدولة للحوار السياسي والتعاون والعودة للعلاقات التاريخية بينهما.
إن الدولة الأردنية لم تشهد صراعًا داخليًا دمويًا كما هو الحال في الأنظمة المجاورة كما حدث في سوريا والعراق، أو ما حدث في مصر بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين، والنظام السياسي الأردني له شرعيته الدينية وافتتاح مركز جماعة الإخوان المسلمين عام 1945 دشنه الملك عبد الله الأول وكانت علاقة الملك حسين متميزة مع جماعة الإخوان المسلمين وحتى في عهد الملك عبدالله الثاني رغم الخلافات مع الإخوان المسلمين فهي خلافات أملتها الظروف الإقليمية والدولية وهنك بعض الأطراف المعادية للتيارات الإسلامية تسعى لتأجيج الخلافات، ولكن طبيعة النظام الأردني المرن وسلوكه تجاه التيارات الإسلامية وإفساح المجال لمشاركتها السياسية تؤكد أن الخلافات سحابة صيف في العلاقة بين الطرفين فالدولة العقلانية في سياساتها وجماعة الإخوان المسلمين الراشدة في تاريخها في علاقاتها مع النظام في الأردن كفيلة لتجاوز هذه المرحلة الخطيرة والمعقدة لمواجهة الخطر الذي يهدد النظام الإقليمي العربي وخطر تطرف إدارة ترامب ودعمها المطلق لإسرائيل .






