يُعد احتكار الدولة للقوة المسلحة أحد مقومات الدولة الحديثة. فإلى جانب عناصر الشعب والإقليم والحكومة، يُعتبر احتكار الدولة لاستخدام القوة بشكل شرعي، ركناً جوهرياً لبناء الدولة. وهو ما أكد عليه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بأن استخدام العنف المشروع هو السمة الرئيسية للدولة، وما يميزها عن التنظيمات والمؤسسات الأخرى.
في التطبيق الفعلي، شهد هذا المبدأ، تحديات ومشكلات كبيرة وخاصة في الدول النامية التي خضعت للاستعمار واختبرت الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية. ففي كثير من الدول في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، تعرض احتكار الدولة للقوة المسلحة لاختبارات صعبة، وظهرت ميليشيات مسلحة تحدت سلطة الدولة، واستخدمت القوة لتحقيق أهدافها السياسية.
في هذا السياق، يتناول هذا المقال تطور احتكار الدول النامية للسلاح منذ حصولها على الاستقلال، وعوامل ظهور الميليشيات المسلحة التي تحدت سلطتها لدوافع متعددة، واستراتيجيات الدول في التعامل مع هذه التنظيمات.
أولًا: جدلية العلاقة بين احتكار الدولة للسلاح وظهور الميليشيات المسلحة
بصفة عامة، حرصت دول الجنوب بعد استقلالها على إنشاء جيوش نظامية، وتأكيد أن الجيش وقوات الأمن، هي الهيئات الرسمية الوحيدة التي يحق لها استخدام القوة المسلحة، ولكن ذلك لم يتحقق دائمًا على أرض الواقع.
ففي الدول العربية، تعززت مكانة الجيوش وخاصة في الدول التي شهدت انقلابات عسكرية كسوريا في 1949م، ومصر 1952م، والعراق والسودان 1958م، وغيرها، وأصبح الجيش لاعبًا سياسيًا فيها وسيطر على كامل إقليم الدولة، مع بعض الاستثناءات كحالة الأكراد في العراق، ومناطق في جنوب السودان.
تغيرت هذه الصورة بعد موجة الانتفاضات والاحتجاجات التي شهدتها المنطقة في عام 2010م، فقد أدت تلك الأحداث إلى انهيار احتكار بعض الدول للسلاح ودخولها في أتون حروب أهلية كحالات ليبيا وسوريا واليمن، وأدت تداعيات الغزو الأمريكي للعراق والتقلصات السياسية التي أعقبته إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية المشهور إعلاميًا باسم "داعش"، وفي مرحلة لاحقة ظهور عديد من التنظيمات الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران. أضف إلى ذلك، سياسة إيران في دعم تنظيمات مسلحة تكون "أذرعًا" لها في لبنان واليمن وسوريا في عهد بشار الأسد.
شهدت القارة الإفريقية التي حصلت غالبية دولها على الاستقلال في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، مساراً مشابهاً من حيث تحدي احتكار الدولة للقوة المسلحة. فقد اتسم التكوين الاجتماعي لهذه الدول بالتعددية الإثنية والقبلية، مع وجود أجهزة حكم ضعيفة. سعت الدول الإفريقية حديثة الاستقلال إلى بناء جيوش وطنية وبسط سيطرتها على كامل إقليمها. إلا أن ذلك واجهته حقائق الانقسام الاجتماعي والمناطقي والتدخلات الخارجية المرتبطة بظروف الحرب الباردة، والتنافس بين القوى الكبرى التي سعى كل منها إلى توسيع نفوذها في القارة، فاندلعت نزاعات أهلية وانقلابات عسكرية وحروب بالوكالة، مثل حركات التمرد في الكونغو ونيجيريا والسودان وأنجولا وموزمبيق وليبيريا وسيراليون وساحل العاج. وبينما نجحت أغلب هذه الدول في إنهاء تلك الحركات، استمرت حركات أخرى مثل "جيش الرب" في أوغندا، والجماعات المتمردة بشرق الكونغو، والصومال. وهكذا، لا يزال احتكار الدولة للقوة المسلحة في إفريقيا هشاً في عديد من الحالات، التي تبدو الدولة فيها مجرد واحد من ضمن فاعلين عسكريين آخرين، بدلًا من أن تكون الفاعل الوحيد.
كما شهدت دول أمريكا اللاتينية عديدًا من الانقلابات العسكرية ونشوب ميليشيات مسلحة خارج سلطة الدولة. ففي أعقاب انتصار الثورة الكوبية في عام 1959م، ظهرت حركات يسارية مسلحة شنت "حروب عصابات" في كولومبيا وبيرو والسلفادور وغواتيمالا وغيرها، وارتبط ذلك بالحرب الباردة بين واشنطن وموسكو. لذلك فمع انقضائها بتحلل الاتحاد السوفيتي عام 1991م، تراجعت هذه الحروب بانتهاء مصدر دعمها، مثال ذلك إبرام اتفاقيات السلام في السلفادور عام 1992م، وغواتيمالا عام 1996م، التي اندمجت بموجبها قوات المتمردين في الحياة السياسية مقابل التخلي عن السلاح.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تمكنت دول كثيرة من استعادة احتكارها النسبي للسلاح بعد دمج وتسريح الميليشيات. ورغم ذلك، لا تزال بعض الدول تواجه تحديات أمنية من جماعات مسلحة جديدة، مثل عصابات المخدرات المنظمة في المكسيك وأمريكا الوسطى التي تمتلك ترسانات تفوق أحياناً القوات المسلحة للدولة.
ثانيًا: عوامل ظهور الميليشيات المسلحة المناوئة للدولة
من مراجعة نماذج وحالات ظهور الميليشيات المسلحة التي تحدت احتكار الدولة للقوة المسلحة وسعت لتحقيق أهدافها من خلال المواجهة العسكرية، يمكن الإشارة إلى أربعة أنماط من العوامل التي ساهمت في صعودها:
- عوامل سياسية: عندما تفشل النظم السياسية الحاكمة في تحقيق المشاركة العادلة وتغلق قنوات التغيير السلمي وينسد الأفق السياسي وتلجأ إلى القمع وخصوصًا في الدول المُنقسمة إثنيًا وطائفيًا ومناطقيًا وانتشار الشعور بأن هذه السياسات التمييزية موجهة ضد فئة أو منطقة بذاتها، فإنها تُوجِدُ الظروف المناسبة لظهور حركات معارضة تحمل السلاح كوسيلة لمقاومة السلطة لإسقاطها. فالتهميش السياسي وحرمان فئات مجتمعية من التمثيل، قد يدفعها إلى إنشاء ميليشيات، دفاعاً عن حقوقها أو سعياً للانفصال عن إقليم الدولة. ويُدعم من ذلك، تدخل قوى خارجية لدعم إحدى الجماعات المناهضة لنظام الحكم.
- عوامل اجتماعية وثقافية: تلعب الانقسامات الاجتماعية والهويات الأولية دوراً بارزاً في ظهور بعض التنظيمات المسلحة، فقد تدفع الانقسامات الإثنية والقبلية والمذهبية بعض الجماعاتٍ إلى التسلح دفاعاً عن وجودها ومصالحها، وخصوصًا في الدول حديثة الاستقلال التي لم تتمكن بعد من بلورة هوية وطنية جامعة. ومن ذلك، ظهور الميليشيات المسلحة الطائفية في دول الساحل الإفريقي.
- عوامل اقتصادية: يلعب الشعور بالحرمان النسبي والفقر وندرة الفرص، وفشل الدولة في القيام بمهامها الأساسية في توفير الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين، دوراً كبيراً في دفع الأفراد للانخراط في تنظيمات مسلحة. وقد يكون ذلك بدافع السُخط والانتقام لغياب العدالة الاجتماعية والتمييز في سياسات التنمية الاقتصادية أو بسبب جشع "أمراء الحرب" ووجود فئات مستفيدة من استمرار القتال لمشاركتها في أعمال النهب والتهريب والاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية مثل الذهب في السودان، والألماس في سيراليون، والمخدرات في كولومبيا والمكسيك، إضافة إلى الاتجار بالبشر في ليبيا.
- عوامل أيديولوجية ودينية: تنشأ التنظيمات المسلحة أحيانًا مدفوعة بإيديولوجيات عابرة للحدود الوطنية، كحالة تنظيمات الجهادية الدينية، مثل "القاعدة" و"داعش". هذه الأيديولوجيات تمنح أتباعها دافعاً يتجاوز المظالم المحلية، ويكون انخراطهم في العمل المسلح "فريضة دينية" و" تنفيذ إرادة الله وأوامره". ويدخل ضمن ذلك التنظيمات الماركسية المُسلحة التي انتشرت في دول أمريكا اللاتينية في الستينيات.
وجدير بالذكر، إن هذه العوامل الأربعة ليست مستقلة عن بعضها البعض، وإنما تمارس تأثيرها بشكل مترابط ومتداخل. وهناك تأثيرات متبادلة بينها، فتقوي كل منها الأخرى، ويتبلور المناخ الذي تظهر فيه الميليشيات المسلحة التي تتحدى سلطة الدولة.
ثالثًا: استراتيجيات الدول في التعامل مع الميليشيات المسلحة
أمام تنامي ظاهرة الميليشيات، تنوعت استجابات الدول والاستراتيجيات التي نفذتها لسحب البساط من تحت أقدامها، ويمكن تحديد أنماط هذه الاستراتيجيات في ثلاث:
- استراتيجية القمع وأولوية الحل العسكري
تعتمد هذه الاستراتيجية على استخدام القوة المسلحة للدولة في سحق التنظيمات والميليشيات المسلحة، وتفكيك البنية التحتية لها، واعتقال أو تصفية قادتها، وعدم ربط ذلك بتقديم تنازلات سياسية مباشرة. تتضمن هذه الاستراتيجية أيضًا، نزع السلاح القسري وإنشاء مناطق عازلة، خالية من أي سلاح. وتنطلق من مقولة أنه "لا تفاوض مع من يحمل السلاح ضد الشرعية"، وأن استخدام القوة هو الحل الأفضل لاستعادة الدولة هيبتها واحتكارها للسلاح. وقد نجحت فعلاً بعض الحكومات في إنهاء تمردات عبر الحملات العسكرية.
من الخبرات الناجحة في هذا الشأن، استخدام العراق للقوة -بدعم من القوات الأمريكية والبريطانية -وهزيمة "جيش المهدي" التابعة لمقتدى الصدر في البصرة وجنوب العراق عام 2008، وانتصارها مرة أخرى-بدعم أمريكي ودولي -في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في 2017، ونجاح سريلانكا في هزيمة ميليشيا "نمور التاميل" في عام 2009 وبعد 26 عاماً من القتال.
يتميز هذا النهج بقدرته على سرعة حسم الصراع في حالة نجاحه، وتأكيد قوة الدولة وعزمها على عدم التسامح مع أي خروج مسلح عن طاعاتها. إلا أنه في المُقابل، يواجه تحديات احتمال استمرار الصراع بشكل حرب عصابات تستنزف القوات الحكومية، أو تحول الصراع إلى مواجهة طويلة الأجل مثلما حدث في أفغانستان في 2011م، وأن استمرار الصراع المسلح قد يخلق مظالم جديدة تغذي تمردات مستقبلية. كما أن نجاح هذا النهج يفترض تماسك القوات المسلحة وولائها وانضباطها.
- استراتيجية الإدماج في القوات الرسمية
تنطلق هذه الاستراتيجية من مبدأ دمج أفراد الجماعات المسلحة في نسيج جيش الدولة كاستراتيجية مُستقلة أو مرتبطة بتنفيذ استراتيجية أُخرى كما سوف يتم بيانه فيما بعد. وتشمل وسائل الإدماج العفو العام، والتسريح المنظم للمقاتلين مع إتاحة الفرصة لهم للانضمام إلى القوات المسلحة النظامية أو الأجهزة الأمنية أو الحياة المدنية الطبيعية. تتأسس هذه النظرة على فهم واقعي، بأن كثيراً من أفراد الميليشيات انخرطوا فيها لأسباب قسرية أو ظرفية كدفاع عن جماعاتهم أو لكسب الرزق، وأن إعادتهم إلى كنف الدولة كمواطنين أو كعسكريين نظاميين أفضل من بقائهم خارج مؤسسات الدولة والمجتمع.
عملياً، تم تطبيق هذا النهج في حالات عديدة تم بعضها تحت رعاية دولية. وعلى سبيل المثال، فعقب توقيع اتفاقية الطائف في سبتمبر 1989م، التي أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، صدق عليها البرلمان اللبناني وصدرت في شكل قانون في نوفمبر من نفس العام، وصدر قانون عفو عام وتقرر حل جميع الميليشيات وتسريح مقاتليها -ماعدا ميليشيا حزب الله التي اعتبرت "قوة مقاومة" -، مما أدى إلى احتفاظه بسلاحه خارج سيطرة الدولة، وأوجد ذلك حالة من التوتر بين الدولة وحزب الله استمرت حتى الأحداث الدامية التي أعقبت 7 أكتوبر 2023م.
وفي السودان، وعقب توقيع اتفاق السلام الشامل في يناير 2005م، بمدينة نيفاشا الكينية، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي أدت إلى إنهاء القتال، والدعوة إلى إجراء استفتاء في مناطق جنوب السودان على حق تقرير المصير في 2011م. كان من نتائج الاتفاقية، دمج مختلف الفصائل المسلحة في جنوب السودان في كيان عسكري واحد، استعدادًا للحصول على الاستقلال، وبناء جيش وطني لدولة جنوب السودان المرتقبة.
ويندرج ضمن النهج الإدماجي أيضاً، توزيع مناصب سياسية على قادة الميليشيات بعد تخليهم عن السلاح، لضمان ولائهم للنظام الجديد، وإعطائهم حوافز لعدم العودة لحمل السلاح. حدث ذلك في بلدان مثل الكونغو الديموقراطية، حيث تم تعيين قادة فصائل مسلحة في الجيش برتب جنرالات، وفي البرلمان بعد الاتفاق على إنهاء القتال. يتميّز النهج الإدماجي بأنه يُعالج الجذور الاجتماعية للنزاع، عبر إعادة تأهيل المقاتلين وتقديم بديل معيشي لهم، مما يقلل احتمال عودتهم إلى حمل السلاح، ويبعث برسالة مصالحة وطنية تعزز التضامن الوطني.
ولكن اتباع هذه الاستراتيجية ليس عصا سحرية تحل كل المشاكل، فقد تعثرت كثير من برامج الإدماج، بسبب ضخامة أعداد المقاتلين المراد إعادة تأهيلهم، وصعوبات إدماج هذا العدد في المؤسسات الحكومية في وقت قصير، وكذلك ارتفاع نفقات تحقيق هذا الهدف.
من مخاطر الإدماج أيضًا، تغلغل عناصر أيديلوجية لها ارتباطاتها الخارجية في المؤسسات العسكرية الرسمية، مثلما حدث في العراق في حالة إدماج ميليشيا بدر الشيعية -التي نشأت في عام 1982بارادة إيرانية، وكانت الجناح العسكري للمجلس الأعلى الإسلامي بزعامة محمد باقر الحكيم، وشاركت إلى جانب طهران في الحرب العراقية الإيرانية، كما دعمت القوات الأمريكية في عملية احتلالها للعراق عام 2003 م، ثُم تم دمجها في قوات الأمن العراقية التي تأسست بعد الغزو، وذلك وفقًا لقانون دمج الميليشيات الذي أصدره الحاكم الأمريكي بول بريمر.
وهو ما ظهر مرة ثانية في دمج قوات الحشد الشعبي، وفقًا للقانون الذي أصدره مجلس النواب العراقي في نوفمبر 2016م، مما يثير المخاوف بشأن مهنيّة أو احترافية تلك القوات والتزامها بسياسات المؤسسات التي تعمل فيها. والنتيجة أن الدولة العراقية استعادت قدراً كبيرًا من السيطرة واحتكار السلاح مقارنة بسنوات الفوضى السابقة، ولكنها لم تصل إلى درجة الاحتكار الكامل للسلاح، بسبب احتفاظ قوات الحشد بمساحة من الاستقلالية بدعم خارجي من إيران.
وبالرغم من هذه الصعوبات، يبقى الإدماج خياراً أو بديلًا ضرورياً، وخصوصًا في المراحل الانتقالية التي تعقب توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار وبدء عملية السلام، إذ يساعد على تفكيك البنية التنظيمية للميليشيات دون إقصاء أفرادها عن المجتمع بل ومُساعدتهم على الاندماج فيه.
- استراتيجية المفاوضات لتحقيق التسوية السياسية
تمثل المفاوضات وتوقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار والسلام، طريقاً تتفاوض فيه الدولة مع الميليشيات المسلحة حول سُبل إنهاء القتال، للوصول إلى تسوية مقبولة للطرفين توفر لكل منهما جزءًا من مطالبه. مبعث اتباع هذه الاستراتيجية، إدراك النخب السياسية والعسكرية على الجانبين بأن الحسم العسكري وهزيمة الطرف الآخر صعبة ومكلفة للغاية، وأن تكلفة استمرار القتال غدت أكبر من العوائد أو المكاسب المتوقعة من الاستمرار فيه، فيلجأ الطرفان بمبادرة من أحدهما واستجابة الآخر لها، وأحيانًا بوساطة إقليمية ودولية، للجلوس على مائدة المفاوضات، والبحث عن حوافز لإنهاء الحرب والتخلي عن استخدام السلاح.
وعادة ما تشمل اتفاقية السلام بنوداً تتعلق بالعفو العام عن المقاتلين، وتعهد السلطات بعدم ملاحقتهم، وإشراك قادة الميليشيات التي رفعت السلاح ضد الدولة في العملية السياسية، ومن ذلك تحول الميليشيا من تنظيم عسكري إلى حزب سياسي شرعي. تتضمن هذه الاتفاقيات أيضًا، بنودًا تتعلق بالأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي أدت إلى نشأة تلك الميليشيات ورفعها السلاح ضد الدولة، ويشمل ذلك العدالة في تخصيص الموارد الاقتصادية، وإتاحة الوظائف العامة، وتوفير الخدمات التعليمية والطبية في أقاليم الدولة المُختلفة.
في المقابل، تقوم الميليشيات بحل نفسها وتفكيك جناحها العسكري وإلقاء سلاحها وتسليمه للدولة وفقًا لجدول زمني متفق عليه، ويتم ذلك أحيانًا تحت إشراف مراقبين من منظمات إقليمية ودولية. ومن التجارب الناجحة لاستراتيجية المفاوضات، اتفاق السلام بين حكومة السلفادور وجبهة فارابوندو مارتي للتحرير الوطني (FMLN) التي أُبرمت بالمكسيك في يناير 1992م، وأنهت الحرب الأهلية التي دامت 12 سنة، وتم إدماج مقاتلي الحركة في القوات النظامية والحياة السياسية.
ومنها أيضًا، اتفاق السلام بين حكومة كولومبيا وحركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك FARC) عام 2016م، حيث وافقت الحركة اليسارية بعد 52 عاماً من القتال على إلقاء السلاح وتحويل نفسها إلى حزب سياسي مدني، وقد سلم مقاتلوها البالغ عددهم نحو 7,000 سلاحهم بالكامل إلى مراقبين من الأمم المتحدة في العام التالي. وتحولت حركة فارك إلى حزب سياسي، ولكن نظرًا لشعور قادة الحركة بعدم جدية الحكومة في تنفيذ بعض التزاماتها، تم الإعلان عن إنهاء اتفاقية السلام عام 2025 م، وعادت أعمال العنف بين الطرفين.
يتميز نهج المفاوضات بأنه أقل تكلفة من الناحيتين البشرية والمادية، ويتيح معالجة جذور المشكلات، التي أدت إلى اندلاع الصراعات المسلحة. ولكنه يواجه أيضاً مشاكل في التطبيق، أبرزها أن عملية بناء الثقة بين الدولة والميليشيات معقدة وشائكة، وتحتاج إلى متابعة وإشراف دائمين للتأكد من احترام كل طرف بتنفيذ الالتزامات التي تعهد بها. وفد تنشأ مشاكل تفصيلية، كطلب بعض المقاتلين وقت أطول قبل تسليم سلاحهم، أو عدد القوات التي سوف يتم تسليم سلاحها. وهو ما حدث في حالة اتفاقية السلام والمصالحة بين الحكومة المالية وتنسيقية حركات أزواد المسلحة والتي وقعت بالجزائر في مارس 2015م، ولكن التطبيق تعثر بسبب الخلاف على عدد المقاتلين المؤهلين للدمج في القوات النظامية.
أما في آسيا، فقد وقعت حكومة نيبال مع الميليشيات الماوية المسلحة اتفاقية سلام في نوفمبر 2006، أنهت الحرب الأهلية التي استمرت لعشر سنوات، والاتفاق على إلقاء السلاح مقابل إشراك قيادات هذه الجماعات في الحكومة والبرلمان، والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة. وكان من شأن هذا التطور، أن فتح الباب لتغيير شكل نظام الحكم إلى النظام الجمهوري في مايو 2008م، بعد 240 عامًا من النظام الملكي.
ومع كل هذه المشاكل، تبقى استراتيجية المفاوضات والتسوية السلمية خياراً مهماً لإنهاء الصراعات المسلحة، خاصة عندما يصل القتال المسلح إلى طريق مسدود، وتتدخل أطراف دولية وإقليمية لدفع الجميع نحو حل سياسي.
من المهم الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجيات ليست مستقلة تمامًا عن بعضها البعض، ولكنها تتداخل وتتقاطع في الممارسة، ويمكن إن تنتقل الدولة من إحداها إلى أخرى. فالدولة قد تبدأ بضغط عسكري على ميليشيا ما لدفعها إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف، وقد تترافق المفاوضات مع إجراءات إدماج محدودة كبادرة حسن نية من جانب الدولة مثل إدماج مجموعة صغيرة قبلت إلقاء سلاحها أو منح عفو جزئي. وفي أحيان أخرى، تفشل المفاوضات في الوصول إلى اتفاق، فيتم استئناف العمليات العسكرية. ومن ثم، فإن التعامل مع الميليشيات يحتاج إلى مرونة من جانب الدولة، والتوظيف الفعال للعصا والجزرة، وفق تطور الأحداث وبما يحقق الهدف المنشود.
وهكذا، تكشف التجارب السياسية للدول في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أن احتكار الدولة للسلاح ظل في بعضها هدفًا سعت إلى تحقيقه عبر اتباعها لخليط من الاستراتيجيات التي تم الإشارة إليها. ظهرت التنظيمات المسلحة وحركات التمرد بفعل عوامل عديدة، شملت تدخُل القوى الاستعمارية، والانقسام الاجتماعي والتنوع الإثني والطائفي، وتغلغل الأيديولوجيات الراديكالية التي سعت إلى تحقيق أهدافها بالقوة، والتنافسات بين الدول الكبرى والإقليمية، وسياسات التمييز والتنمية غير المتكافئة بين أقاليم الدولة. عندما عجزت الدولة عن توفير الخدمات الأساسية في بعض مناطق إقليمها أو بعض الجماعات المكونة لشعبها، يبرز الإحساس بالظلم وعدم العدالة والشعور بضرورة رفع السلاح والتمرد على الدولة، وتوجد البيئة المناسبة لتدخلات القوى الخارجية لتشجيع ودعم هذه الحركات.
ورغم تعدد البيئات واختلاف السياقات، توضح التجارب أن استعادة الدولة لهيبتها واحتكارها للسلاح عملية معقدة يتطلب تنفيذها وقتًا وصبرًا ومرونة في الجمع بين استخدام الحوافز والكوابح، أو العصا والجزرة كما سلف الذكر.
وهناك أربعة دروس عامة يمكن لصناع القرار في الدول التي تواجه تحديات بشأن احتكار السلاح الاستفادة منها، وهي: ضرورة التعامل مع الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصراع، جنبًا إلى جنب مع نزع سلاح الميليشيات، وضرورة بناء مؤسسات أمنية وطنية تمثل الجميع ولا تقصى أحدًا ومن ثم تكسب ثقة كل المواطنين وبحيث تشعر كل جماعة أو طائفه أنها آمنة ولا تجد سببا لإنشاء الميليشيا الخاصة بها، والاستفادة من الدعم الدولي وخبرات المنظمات الدولية في نزع سلاح الميليشيات وإجراءات بناء الثقة والإدماج مع الحرص على الملكية الوطنية لعملية الدمج، وإعطاء العملية الوقت والصبر والدأب اللازمين لتحقيقها مع الاستعداد لقبول انتكاسات في التنفيذ والتهيؤ للتعامل معها والوصول إلى حلول مبتكرة حتى يتم استكمال تنفيذ اتفاق السلام ويتحقق احتكار الدولة للسلاح الذي هو شرط ضروري لوجود الدولة الحديثة.






