لا يمكن الإحاطة بشكل معقول لفهم حركة الإخوان المسلمين، أو الإسلام السياسي أو الإسلام الحركي (وكلها مصطلحات تتقارب من بعضها) لا يمكن فهمها وتفرعاتها في منطقتنا، دون معرفة، ولو سريعة لما حدث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الإمبراطورية العثمانية، التي كانت مهيمنة على معظم ما يعرف اليوم بالدول العربية.
في تلك الفترة الصعبة كانت الإمبراطورية العثمانية تمر بضعف شديد بسبب تنافسها غير المتكافئ مع دول الغرب ـ الإمبراطورية الأوروبية ـ، وكان لا بد من إصلاح ما وهن من قوى الإمبراطورية على النموذج الغربي أو محاولة ذلك القبيل المشهد أمامنا هو للسلطان عبد العزيز الذي حكم السلطنة بين 1861 و1876م، وهو عم السلطان عبد الحميد الثاني، والسلطان مراد الخامس اللذان تعاقبها بعده.
سافر السلطان عبد العزيز لأول مرة إلى الدول الأوروبية في عام 1867م، وقتها زار لندن، وبروكسل، وبرلين، وفيينا، وأخذ قريبيه مراد وعبد الحميد معه، قابل الثلاثة وقتها، نابليون الثالث في فرنسا، والملكة فيكتوريا في بريطانيا وقيصر ويليام. عبد الحميد مرض في فيينا في طريق عودة الثلاثة إلى إسطنبول، وبقي هناك لشهرين من أجل الاستشفاء، كان عمره وقتذاك 25 عاما، هذه التجربة (سفره إلى أوروبا والبقاء في فيينا) فتحت عين عبد الحميد على أن مستقبل السلطنة لا بد أن يكون باتجاه الإصلاح.
السلطان عبد العزيز عزل في مايو 1876م، ثم تولى مراد الخامس، وهو شقيق السلطان عبد الحميد الأكبر الولاية، ولكنه لم يبق طويلًا فقط 93 يومًا من الحكم، وتم عزله بدعوى إصابته باضطرابات عقلية، بعد عزل مراد تولى عبد الحميد الثاني الحكم، وكانت هذه الفترة السلطنة تمر بأزمات مالية وضغوط أوروبية متزايدة إلى جانب تحديات داخلية مطالبة بالإصلاح.
حاول عبد الحميد أن يقدم تصورًا لتطوير العمل في الإمبراطورية العثمانية، خاصة في إعطاء بعض الاستقلالية للمناطق التي تشرف عليها السلطنة، وخاصة العربية، كسوريا الكبرى ولبنان شرق الجزيرة العربية وليبيا وغيرها من المناطق، موكلًا عليها متصرفون من أجل القيام بالإصلاحات المطلوبة التي كان يرغب في إدخالها على السلطنة.
من ضمن الإصلاحات أنشأ السلطان عبد الحميد مدرسة سميت المدرسة الإمبراطورية لتعليم أبناء القبائل وخاصة العربية، هذه المدرسة أنجبت النخب التي حكمت بعد ذلك المناطق العربية التي استقلت من الدولة العثمانية، على أساس بناء الدول الحديثة.
مع الحرب العالمية الأولى سقطت الدولة العثمانية، وأيضًا سقط عدد كبير من الإمبراطوريات الأوروبية السابقة، وبدأت الفكرة التي نشأت في وسط القرن التاسع عشر، وهي إقامة الدولة الوطنية المستقلة التي لها مواصفات محددة منها الجغرافيا واللغة والإرث المشترك والثقافة المشتركة، تظهر إلى الوجود على أنها الحل لأزمة الإمبراطوريات الواسعة والمترهلة.
الدولة الوطنية نشأت في أوروبا، ونجحت نجاحًا كبيرًا في تطوير المجتمعات، بعد أن خرجت من عبء الإمبراطوريات الكبرى هذا كان من بين العناصر التي وافقت مزاج النخب التركية، وبدأوا التفكير في الدولة التركية التي كانت مقدمة لإنشاء الدولة التركية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، ثم لحقتها النخب العربية في إنشاء الدولة الوطنية.
الوضع العربي
الإشكالية التي واجهت الوضع العربي أن الاستقلال من الدولة العثمانية واكبه استعمار من الدول الأوروبية فكان الإنجليز في مصر وفي العراق وفي الخليج، وكان الفرنسيون في كل من سوريا ولبنان والمغرب والجزائر، والإيطاليون في ليبيا. وبدأت أفكار التحرر العربي، ومن بينها فكرة بناء الدولة (العربية المتحدة) وواجهت صعوبات التقسيم من قبل القوى الغربية المهيمنة وقتها، البعض وجد أن العودة إلى الخلافة الإسلامية، (العربية) هي الطريق الصحيح لإنشاء دولة كبرى ليست عربية فقط ولكن إسلامية، وهكذا نشأت حركة الإخوان في بداية القرن العشرين للدعوة إلى ذلك الهدف، التناقض الذي حدث، أنه في الوقت الذي ترك العالم فكرة الإمبراطوريات، بدأت فكرة الإخوان المسلمين في مصر في عشرينات القرن العشرين، تعتمد على الدعوة إلى إقامة الدولة الإمبراطورية الإسلامية، (الأمة) ولم تتواءم هذه الحركة والحركات التي تفرعت منها وهي كثيرة، لم تتواءم بين متطلبات الدولة الحديثة الوطنية، طالبت بالعودة إلى الإمبراطورية الإسلامية معتمدة على أفكار لم تكن قابلة للتطبيق، فتم انفصام بين دعاة بناء الدولة الوطنية الحديثة، وبين مشروع العودة، أو النكوص إلى (الأمة والخلافة) منذ ذلك الوقت نشأ الصراع الذي لا زالت آثاره مستمرة، حيث أنها تعتمد على عودة ما كان من عصر ذهبي أيام الخلافة الأولى كما يدعي الإسلام الحركي، وهذا أمر يتناقض مع الواقع والمنطق، لأن الخلافة الأولى في صدر الإسلام كان لها غلاف اجتماعي ثقافي سياسي، لم يكن متوفرًا في بداية القرن العشرين، ولا بعده، لأن الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية قد تغيرت بشكل موضوعي وحذري إلى غير رجعة.
من هنا دخلت هذه الحركة (حركة الإخوان المسلمين) وامتداداتها، في تناقض مع متطلبات الدولة الوطنية وخاضت الدولة الوطنية في مصر معارك عديدة، منها بعض المعارك العنيفة مع هذه الحركة الجديدة، التي بدأت دعوية، ولكنها أضمرت أيضًا جناحًا للعنف، اغتالت عددًا من السياسيين المصريين في ذلك الوقت، وفي نفس الوقت انتشرت (بسب الظروف السياسية) وخاصة (القضية الفلسطينية) في أنحاء كثيرة من الدول العربية الناشئة.
دعوة الإخوان المسلمين أو الإسلام الحركي، كان له جاذبيته في بلدان عديدة في المشرق العربي وفي المغرب العربي، وذلك لأسباب موضوعية، لأن هذه المجتمعات تسكنها جماعات إسلامية، والتعليم فيها أيضًا يركز على ذلك العصر الذهبي الذي كان، وبالتالي العودة إلى ذلك العصر هو النموذج والمخرج الصحيح كما يشرح للطلاب والشباب في المدارس، دون نقد أو تطوير للنظر إلى تلك المراحل بإيجابياتها وسلبياتها.
لعلنا نذكر في هذا المقام تصريح حماد الجبالي، وهو ينتمي إلى حركة الإخوان المسلمين في تونس، بعد عودته ورفاقه من المنفى بعد ثورة الياسمين في بداية العقد الثاني من القرن الحالي، وقد أصبح بعد ذلك أول رئيس وزراء في تونس يمثل حركة الإسلام السياسي، أو مجموعة النهضة كما تسمي نفسها.
قال الجبالي في تصريح مشهور (جئنا من أجل إقامة الحكومة الراشدة السادسة) !! في إشارة إلى الحكومات التي قامت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا التفكير هو صلب تفكير الحركات الإسلامية، التي انتشرت في المنطقة العربية، وتطور عملها من عمل دعوي إلى عمل عنفي، فرخت بعد ذلك عددًا من المجموعات المتشددة، التي عبثت بالأمن في عدد من المناطق العربية.
الإشكالية هنا هي الربط بين الدين والسياسة، في حين أن الدولة الحديثة تتطلب فصل الدين عن السياسة وأن الدين هو فضاء شخصي، والسياسة هي فضاء عام لكل المواطنين، وبالتالي النظر إلى المواطنة على أنها أولئك الأشخاص الذين يعيشون في بلد واحد، بصرف النظر عن معتقداتهم، يفصل بينهم قانون عام لا يفرق لا في المذهب ولا في الجنس ولا في الانتماء الديني.
هذه هي المعركة الحقيقية الفكرية التي صاحبت جميع التيارات السياسية الدينية المسالمة منها وغير المسالمة وفي الغالب حتى المسالمة منها تتوسل العنف في وقت ما، عندما تضغط الظروف، عليها أو ترى أن ذلك العنف هو الطريق الصحيح للوصول إلى الحكم والسلطة، لأن هدفها (إقامة الخلافة).
من حيث الموقف النظري، فإن إقامة الخلافة تحتاج إلى قوة، وهي القوة التي توصل تلك المجاميع إلى السلطة، ولا تستطيع أن تقيم الخلافة من خلال الدعوة فقط، لذلك يحمل شعار الجماعة (وأعدوا).
إذن هناك تناقض فكري حاد، بين التيار الواسع الذي يسمى بالإسلام الحركي، أو الإسلام السياسي وبين متطلبات الدولة الحديثة. وحتى الدول التي تسامحت مع تلك الحركات في وقت ما لبثت أن خاصمتها مثال الضباط المصريون الذين انقلبوا على الحكم الملكي عام 1952م، تحالفوا مع (الإخوان) وبسرعة تم الشقاق بينهم بسبب شهوة الإخوان في الحكم. والتجربة الأطول كانت في الأردن.
الإسلام الحركي والانتهازية السياسية
سوف يبقى الإسلام الحركي في محيطنا العربي والشرق أوسطي ناشطًا، ويستمد نشاطه أكثر في الأزمات، يتعايش على اختلاط المفاهيم، وضبابية التفسيرات، من أجل جلب المؤيدين إلى صفوفه، وتعميق أفكار قريبة إلى عواطف العامة من الناس، قد يأنسون لها، وأساس ذلك النشاط هو (المزايدة)، بكل أشكالها، حتى لو تمت على حساب أمن المجتمعات واستقرارها. وفي أوقات يتزامن فيها شهر فضيل كرمضان، مع مأساة كبرى تجري لأهل غزة كما في الأشهر الأخيرة، فبصبح بيع تلك الأفكار سهلا وترويجها على العامة يلقى ترحيبًا على اعوجاجها الظاهر للعيان.
لدي مثالان على ما تقدم، واحد قديم، وآخر جديد وهو المهم، في محاولة لتضليل الناس و حملهم على التفكير المعوج، أما الأول القديم، فكثير منا يذكر 7 فبراير 2012م، و العيون و القلوب شاخصة وقتها إلى مصر ، أكبر البلاد العربية و أقدمها في التطور، وقتها وصل إلى الحكم في مصر الإسلام الحركي ( الإخواني)، وقد اكتسح ذلك الفصيل الانتخابات في ظل رفض ما سبق من ممارسات سياسية، وعقدت جلسات مجلس الشعب التي تلت الانتخابات، كان من بين الواصلين إلى ذلك المجلس فريق أيضًا من فئة الإسلام الحركي هو (السلف) بجانب أغلبية إخوانية، فكان أن وقف السالف، النائب محمود إسماعيل، و المناقشات بين أعضاء المجلس مذاعة على الهواء، فرفع صوته بأذان الظهر في القاعة، دون أن يهتم بأية قواعد منظمة للجلسات، وقتها وقع رئيس المجلس الإخواني ( سعد الكتاتني) المشهور ببقعة داكنة وسط جبهته ( دليل التقوى) وقع في حرج، فقال لرافع الأذان (هناك مسجد يمكن أن تؤذن فيه)! ولكنه لم يستطع مقاطعته، تلك صورة من صور المزايدة التي خلطت وتخلط بين السياسة وبين الدين فتكاد تفسد الاثنين معًا حتى يومنا هذا.
قبل أشهر (وسط 2024م) نشر أحد التابعين للإسلام الحركي في الكويت فيديو قصير بلغة انجليزية (غير دقيقة) يخاطب جمهورًا من الناس، فيقول لهم (إن الشيعة هم فقط من يناصر حماس) وذكر الحوثيين، وحزب الله في لبنان و الميليشيات في العراق، أما السنة فلم يقوموا بالمناصرة، ربما كان ذلك الحديث موجه لجمهور من الشيعة، يرغب المتحدث في استمالة عواطفهم و دغدغة مشاعرهم، تلك ليست إلا محاولة لاختطاف جمهور آخر ، ومزايدة فجة ،كما فعل محمود إسماعيل في 7 فبراير 2012م، ولكن أيضًا تضليل صريح، و كلاهما لا أكثر من متصيد سياسي، يحاول اقتناص اللحظة لترويج سلعته الانقلابية، فليس هناك عاقل لا يعرف أن التعاطف مع أهل غزة هو تعاطف أفقي، وليس هرمي، كما أدعى المتحدث كما يتجاهل عمدًا كل الجهود السياسية و الإغاثية التي يقوم بها كثيرون من العرب (بصرف النظر عن الانتماء الطائفي الضيق) من أجل نصرة و دعم أهل غزة قد ذهبت وفود من دول عربية ( يصنفها الأخ أنها سنية) مصحوبة بالكثير من المعونات، وعددًا من مجموعات الطب والإغاثة، لأن الموضوع أولًا إنساني، وثانيًا عربي يستحق كل جهد يبذل.
ولقد شجبت مجموعات إنسانية شتى، على مستوى العالم، ما يحدث في غزة، منهم مسيحيون في بلاد كثيرة، وأيضًا يهود وأيضًا بوذيين، ومن كل الأديان والمذاهب تقريبًا، وما يحدث هو سياسي بامتياز وليس طائفي، أو حتى ديني كما قال ذلك المتصيد للفرص.
بجانب أن ما قاله ذلك الشخص، يؤسس للفتنة بين الطوائف الإسلامية في البلد الواحد، فعدد من مستمعيه قد يقنعهم ذلك الطرح المنحرف فيصدقوه، مما يعمق شرخ المجتمعات التي تعاني من الكثير من العلل، بسبب ذلك الاختطاف للمذاهب والأديان وتسخيرها للسياسة.
العجيب إن جسم الإسلام الحركي، لم يستنكر مثل تلك التصريحات الشاذة من المتشددين منه، ويبدو أن هذا هو الخط العام لمجاميع الإسلام الحركي، على قاعدة (كل ما يضعف المجتمعات هو جائز لأن ذلك يسهل القفز على السلطة)، كما يبدو أن هناك (تعاضد بين أهل التنظيم، ألا يقارع أحدهم الأخير بالعلن) وإن كان على ضلال مبين، لم يقف أمام أطروحة ذلك المتشدد أحد من صفوف الإسلام الحركي، لا بالعلن ولا بالإشارة. ذلك أن تلك المجموعات تنتهز فرص الأزمات لزيادة الخلل في الأمن المجتمعي وزيادة شق الصف الوطني وبعث الوهن في هياكله، فينتقل بعضهم بسلاسة ودون تردد بين (الدعوة للخلافة السنية) التي تشدد عليها أديباتهم، والتي هي أحد أسس دعوتهم المناقضة، وغير القابلة بالمذاهب الإسلامية الأخرى، ينتقل إلى (الخلافة الإمامية)، دون الكثير من الحرج، أو حتى التفسير لجمهورهم والذي تشكل على قاعدة معرفية مضادة، بل معادية. إنها السياسية، وهي أكثر أشكال السياسة فسادًا الملتحفة بعباءة الدين.
اختطاف الإسلام لأسباب سياسية لم يغادر مسيرة العمل السياسي في فضائنا وتاريخنا مشحون بأحداث مريرة لذلك الاختطاف، وما دام هناك شرائح اجتماعية تتردد في نقد ذلك الخلط المرضي بين السياسي والديني، فتلك الأصوات سوف تظل معنا، تدغدغ مشاعر العامة، وتزيف وعيهم، والشريحة الأكبر التي لا تتبين بوضوح ذلك الخلط المخل والتناقض الواضح في التسليع (اعتبار الدين سلعة سياسية) وخلط مقصود بين مفهوم الخير والشر، فسوف يظل مثل هؤلاء يلقون آذانًا صاغية لأفكارهم المدمرة.
إخوان الأردن وإخوانهم
مثال إخوان الأردن الذي أنفجر في اول هذا العام (2025م) قامت الحكومة الأردنية بتفعيل حكم صدر منذ سنوات ضد جماعة الإخوان المسلمين، وكان الحكم الذي صدر سابقًا في يوليو عام 2020م، من محكمة التميز الأردنية قد نص على أن (جماعة الإخوان الأردنية فقدت الصفة القانونية) وتمهل النظام في تفعيل الحكم، حتى أبريل 2025م، بعد الكشف عن خلية العسكرة.
قصة الإخوان المسلمين في الأردن هي واحدة من أبرز قصص التيارات الإسلامية في المنطقة العربية لما لها من خصوصية في العلاقة مع الدولة، وتقلبات في المواقف بين المعارضة والمشاركة والانقسامات الداخلية.
الصورة الأوسع هي المحاولات المتعددة في عدد من الدول العربية، إقامة تنظيمات سياسية مستندة على الإسلام، وما أن تقوى الحركة في أي مكان، حتى يتسلل أفرادها إلى الجيش، ومن ثم يتم الانقلاب، والانقلابية طبيعة ثانية للحركة، ومنسجمة مع دعوتها لعودة (الخلافة) وبناء الإمبراطورية.
تجربة الإسلاميين في الحكم تجربة قاسية وسلبية، فكانت تجربة فاشلة في السودان وتجربة قصيرة أيضًا في مصر، وأخرى في تونس، وأيضًا في المغرب، إلا أن الإشكالية التي تواجه هذه الجماعات وغيرها القريبة منها أنها تستند على مقولات تراثية منتقاة ومعزولة من التاريخ العربي الإسلامي الذهبي في رأيها.
مبكرًا أي قبل مائة عام تقريبًا، أصدر الرجل الأزهري علي عبد الرازق كتابه المشهور (الإسلام وأصول الحكم)، وكان عبد الرازق مزامنًا لحسن البنا وحركته الناشئة وقتذاك (الإخوان المسلمون)، وكان الزمن في مصر في ذلك الوقت زمن قلق، مبكرًا انتبه علي عبد الرازق، لتفنيد عددا من الافتراضات، من بينها أن الإسلام دين لا دولة، وأن النبوة ليست سلطة سياسية، وبالتالي فإن الخلافة ليست جزءًا من الدين الإسلامي ،بل هي اجتهاد بشري سياسي، و دعى إلى فصل الدين عن السياسة، وأن وظيفة الدين هي الهداية والأخلاق، لا الحكم والإدارة، وأن دمج الدين بالسلطة، يؤدي إلى الاستبداد باسم الدين ،وقدم نقدًا لتجربة الخلافة سواء الخلافة التاريخية، أو الخلافة العثمانية، وبعد تجارب مريرة، ثبت أن وجهة نظر علي عبد الرازق أنها محقة، أهمية الكتاب أنه من أولى المحاولات في العالم العربي أو الثقافة العربية الذي يدعو إلى علم الدولة من منظور إسلامي، أثر هذا الكتاب في تفكير مفكرين كثر مثل طه حسين، ومحمد أركون وجمال البنا وعبد الوهاب المؤدب، وحسن حنفي، ومفكرين آخرين عرب وغير عرب،
التجربة التاريخية التي حدثت في العقود الأخيرة تثبت ما قاله علي عبد الرازق في كتابه ذاك.
فقد وصل إلى السودان مثلًا مجموعة سمت نفسها (بالإنقاذ) معتمدة على مقولات إسلامية، ولم تكتف بالحيز السوداني، ولكنها أيضًا دعت مجاميع مختلفة من الجماعات خارج السودان، التي تنتمي إلى ذلك الفكر إلى الالتحاق بها، وبعد سنوات من الحكم، تبين فقر أدوات الحكم المستندة على المفاهيم التراثية القديمة غير مؤهلة لإدارة الدولة الحديثة، ودخلت السودان بعد ذلك في معترك حروب أهلية نشهدها حتى اليوم.
في تونس بعد الربيع العربي، وبدأت تجربة قصيرة الأمد، تحاول أيضًا المواءمة بين الفكر الديني والعمل السياسي في الدولة الحديثة، سقط ذلك الحكم بسرعة، وتسبب أيضًا في ردة فعل اجتماعية – وسياسية، جعلت من فكرة الانتخابات والديمقراطية فكرة غير شعبية في تونس، ولا زالت تونس تعاني من الفعل وردات الفعل، في المغرب حدث نفس التوجه فجاء حزب العدالة والتنمية بعد 2011م، الذي صعد على نفس المقولات، ولكنه خلال عقد كامل لم يحقق ما يرجى في إدارة الدولة، لذلك خسر الانتخاب خسارة فادحة، ربما الإطلالة أيضًا على تجربة حماس في غزة ، وما آلت إليه من نتائج كارثية بسبب الاعتماد على مقولات تراثية لمعالجة مستجدات اجتماعية وسياسية واقتصادية لم تكن معروفة في وقت سابق إنه وقت التفكير العقلاني، والعمل على إقامة الدولة الوطنية العادلة، دون توسل العسكرة للانقلاب عليها، من خلال دين الناس، فكل التجارب التي قامت في فضائنا العربي المعاصر أودت إلى الخسارة.
وبالتالي فإن تجربة الإسلام السياسي، بدرجاته المختلفة، تحتاج إلى إعادة زيارة فكرية شجاعة، وإلى فك الاشتباك بين المقدس الديني، وبين السياسة، فالأخيرة متغيرة، وتحتاج إلى أدوات ومنهج لفهم ما يحيط بنا من أزمات، وما أخر الأمة إلا الخلط المرضي بين هذا وذاك.
ربما تستحق هذه التجربة بشكل عام أن تسمى (التدين المرضي) وهو محاولة تفسير النصوص، أو ما قام به الأولون وإعطائه صورة يمكن أن تكرر في العصر الحديث، بدلًا من التدين الطبيعي الذي يعتنقه معظم المسلمين.
تحاول دول عربية كثيرة أن تنتج المجتمع الحديث، الذي يعتمد على دولة مدنية حديثة وعادلة ولها قوانين نابعة من حاجات الناس، ومتسقة أيضًا مع القوانين الدولية والأعراف الدولية، كما تؤكد حقوق الأفراد، وحقوق الدولة في الأمن والسلامة، وتسمح بالمنافسة السياسية في حدود القوانين المرعية، لا عسكرة مكون منها باسم الدين، وتكفير الآخرين وإقصائهم ثم القفز على السلطة !!وتعويض حقوق الدولة في الأمن والسلامة، وتسمح بالمنافسة السياسية في حدود القوانين المرعية.
إذًا العودة لمناقشة عقلانية للدعوة والداعية هو المطلوب وليس المطلوب أخذ موقف من الحركة سلبي دون مبرر أو تفسير، على جانب آخر لا بد من الجهد في استئصال ما أمكن من الرزايا التي تستهلك طاقة المجتمع، وشرح الظروف وإعلاء التحليل العقلي والتعاون على تعظيم المنافع في المجتمع وتقليل المضار من خلال قوانين حديثة لا تساوي بين الناس فقط ولكن تعدل بينهم، في سبيل تكوين مجتمع صحي حديث. ذلك طبعًا سهلًا أن يقال صعبًا في التنفيذ في أجواء الإعلام التواصلي اليوم الذي يختطف حتى العقول النيرة ويخندق الناس، هي معركة فكرية قبل أن تكون أي شيء آخر.
الميليشيات في ثوب إسلامي
تنامت حركات الميليشيات المتشددة في ثوب إسلامي مدعى، فأتت من الحواضر العربية في سوريا والعراق وشرق إفريقيا وفي أماكن أخرى، جاءت بأفكار وممارسات مفصولة عن سياقها، بل حتى في بلدان الثقل العربي كما في مصر، وحملت السلاح، بعضها مستفيدًا من الفراغ الذي تم بعد فشل الكثير من الدول في بناء الدولة العربية الحديثة، وهي في مجملها تهدد الأمن الوطني وتخلق المواطن ذو البعد الواحد المخاصم لمجتمعه ومحيطه، فعاثت فسادًا والصقت بالإسلام ما ليس فيه.
في دول الخليج تعتبر بعض دوله (الإسلام الحركي) مجرم، والبعض الآخر لا تعترف به، ولكنها تغض الطرف عن نشاطه، إلا أن هذا الجسم (من التدين السياسي) يشكل خطورة مستقبلية على هذه المجتمعات، ويسمم الفضاء الاجتماعي التعددي، وفي بعضه يشيع الشعوذة الملتحفة بمقولات دينية يسهل على العامة تصديقها.
من هنا فإن الحاجة ماسة إلى برامج تعليمية وإعلامية، تشيع التفكير العقلاني والنقد الموضوعي وتتحلى بقدرة مناعية فكرية تفرز الغث من السمين، وتقدم الإسلام الإنساني والحضاري، أي الدعوة إلى (فقه) يجاري الحاضر ويحث على التفكير العقلاني، وهذه مدرسة كان لها مؤيدوها الأوائل من الشيخ محمد عبده إلى الأفغاني وغيرهم، إلا أن المشروع لم يوضع على طاولة البحث العلمي الجاد، وقد زاد من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي حدة تغييب الوعي وتكاثر (الدعاة) المحلين بالجهل.






