أعادت التطورات الدولية والإقليمية الجدل حول التوظيف المكثف للقوة العسكرية الصلبة وتراجع القانون الدولي وأسس وقواعد الشرعية الدولية وتقزم دور المؤسسات القائمة على ضمان الالتزام بها، وأبرزها الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. فمنذ مطلع القرن الماضي ساد اتجاهان في تحليل العلاقات الدولية، الأول مثالياً يرى أن التمسك بالقانون الدولي وتعزيز دور المنظمات العالمية، ممثلة في عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة، هي السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار الدولي. في حين جنح المسار الفعلي للعلاقات الدولية إلى الاتجاه الثاني القائم على محورية توظيف القوة والاعتماد عليها في ضمان الأمن القومي والعالمي عبر توازن القوى.
ومن المعروف أن اللجوء إلى القوة وشن الحرب ظل أمراً مشروعاً حتى الحرب العالمية الثانية حيث أدت الخسائر البشرية المهولة والدمار الشامل الذي طال أوروبا بالكامل إلى جانب اليابان إلى تجريم الحرب وتحديد جرائمها والجرائم ضد الإنسانية في اتفاقيات جنيف 1949م، وأكدت ديباجة ميثاق الأمم المتحدة عن تصميم الدول الأعضاء على إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، وأكدت الفقرة الرابعة عزم الدول الأعضاء على عدم استخدام القوة. وحدد الفصل السابع من الميثاق يمكن اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة وأكد على أن لمجلس الأمن وحدة السلطة التقديرية إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو وقع عمل من أعمال العدوان، وإذا ما قرر المجلس ذلك يقدم توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقًا لأحكام المادتين 41 و42 لحفظ السلم والأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه. ولا يوجد في ميثاق الأمم المتحدة أية مادة تخول لأي عضو من أعضائها استخدام القوة من جانب واحد، عدا الحالة المحددة والمقيدة والتي نصت عليها المادة 51 وهو الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم، إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي. وحتى لو اضطرت دولة لاستخدام هذا الحق الطبيعي ينبغي عليها إبلاغ مجلس الأمن فوراً لتقدير الموقف.
في هذا السياق، أصبح استخدام القوة للعدوان على دولة أخرى أمر مجرم دولياً، ولا يجوز استخدامها إلا في حالة الدفاع عن النفس، بل ونصت المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على أن يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو باستخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة. ورغم ذلك فإن الحروب واللجوء إلى القوة استمر نتيجة التوتر والاستقطاب الدولي بين الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو من ناحية، وأمريكا وحلف (الناتو) من ناحية أخرى.
ومع تفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة ساد التفاؤل بعالم أكثر استقراراً وأمناً، خاصة مع العولمة وتحرير التجارة وزيادة الاعتماد المتبادل بين الدول وتخفيف القيود على انتقال البشر وثورة الاتصالات والمعلومات التي جعلت العالم أكثر انفتاحًا وارتباطاً. ولكن سرعان ما تضاءل هذا التفاؤل مع اندلاع حروب البلقان في التسعينات وتدخل أمريكا لحسمها باستخدام القوة تحت راية الناتو، ثم تدخلها متجاوزة الشرعية الدولية والقانون الدولي للإطاحة بصدام حسين واحتلال العراق عام 2003م، وما أعقب ذلك من فوضى مسلحة ما لبثت أن عمت المنطقة مع الحروب الأهلية في سوريا وليبيا، ثم استخدام إسرائيل المفرط للقوة مؤخراً في غزة وجنوب لبنان، وضرباتها على الحوثيين وإيران. الأمر الذي ينطوي على العديد من الدلالات حول دور القوة في التفاعلات الدولية والإقليمية الراهنة، وحدود توظيفها، وإلى أي مدى يمثل القانون الدولي قيداً على الإفراط في استخدامها، يمكن إيجازها فيما يلي.
استدامة توظيف القوة في العلاقات الدولية:
ظل دور القوة حاضراً وبقوة حتى في أزهى فترات التغني بالقانون الدولي، وكانت القوة هدفًا للأفراد والدول ووسيلة في آن واحد، ومحور اهتمام المفكرين منذ الفيلسوف الصيني "سان تزو" الذي عرف القوة في كتابه "فن الحرب" بأنها القدرة على شن الحروب، ورأى أن العمليات العسكرية مهمة للأمم والشعوب، وهي أساس الحياة والموت، وطريق النجاة وأداة الدمار. وأعتبر مكيافيللي، المفكر والفيلسوف الإيطالي، أن القوة من العناصر الأساسية لقيام الدولة، وأن وجود الدولة يعتمد بالدرجة الأولى على القوة لأنها المصدر الوحيد للمحافظة على بقائها. واعتبر هانز مورجانثو، عالم السياسة الأمريكي، أن القوة هي الغاية والوسيلة في السياسة الدولية.
لقد لعبت القوة الدور المحوري في صعود وتراجع القوى الكبرى، وكانت الأداة الرئيسية التي ارتكنت عليها المشروعات والطموحات الكبرى، ويحفل التاريخ الحديث بالعديد من الأمثلة على "الاستخدام المفرط" للقوة مغلفاً بشعارات وأهداف تبدو نبيلة، كما حدث مع الاحتلال الأمريكي للعراق الذي جاء بدعوى نشر الديمقراطية وإعادة رسم خريطة المنطقة باتجاه "شرق أوسط جديد". ورغم رفض مجلس الأمن الموافقة على استخدام واشنطن القوة في العراق ومعارضة القوى الكبرى الأخرى له فقد تجاوزت واشنطن القانون الدولي والأمم المتحدة وقامت باحتلال العراق.
ومن الملاحظ اتساع نطاق الميل لاستخدام القوة والانخراط في حروب لاسيما في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت ساحة لحلقة ممتدة من الصراعات نتيجة الممارسات الإسرائيلية في غزة على مدى العامين الماضيين، وامتدت لجنوب لبنان وإيران والحوثيين في اليمن متجاوزة القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وأحكام المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه.
هذا فضلاً عن إن الدول التي كانت عادة ما تدعو للتمسك بمبادئ القانون الدولي وتفعيل دور الأمم المتحدة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين، روسيا والصين، جنحت هي الأخرى لاستخدام القوة أو التلويح باستخدامها نتيجة إخفاق أو استنفاد السبل الدبلوماسية في تسوية الخلافات من وجهة نظرها. وفى هذا السياق بدأت روسيا عملياتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، كما تلوح الصين باستخدام القوة لحسم هوية تايوان وضمها للصين حال تعثر حدوث ذلك بالوسائل السلمية في موعد غايته 2027م.
القوة تفرض القانون الدولي وتحميه:
إن الحالات القليلة التي شهدت تطبيقاً للقانون الدولي كان وراءها قوة كبرى فرضت الالتزام به على مختلف الأطراف. فأمريكا قامت بمحاكمة كبار القادة الألمان في محكمة نورمبرج العسكرية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد السلام، وجرائم حرب، وضد الإنسانية، وكانت هذه المحاكمات الأولى من نوعها في التاريخ التي تحاكم فيها قيادات حكومية وعسكرية على جرائم ارتكبت في بلدانهم. وواشنطن أيضاً لعبت الدور المحوري في تقديم الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش لمحكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا (مقرها لاهاي) في يونيو 2001م، وتقديم صدام حسين للمحاكمة في يونيو 2004م. في حين أن الحماية الأمريكية لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حالت دون مثوله لحكم المحكمة الجنائية الدولية التي تفتقر لقوة انفاذ للقانون ولأحكامها تستطيع من خلالها فرض الاحترام لمبادئ القانون الدولي.
صعود لافت للقوة التكنولوجية والسيبرانية:
اقترن عودة توظيف النمط التقليدي للقوة الذي عُرف لقرون، باعتماد واسع النطاق على القوة التكنولوجية والسيبرانية في الصراعات، وهو ما أكدته الحرب الروسية ـ الأوكرانية والحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية، والتي شهدت توظيف غير مسبوق للقدرات السيبرانية. فالضربات الموجعة التي تلقتها روسيا كانت عبر الطائرات والزوارق المسيرة، وكان من أبرزها الهجوم الأوكراني بالطائرات المسيرة في يونيو الماضي على أسطول القاذفات الاستراتيجية الروسية النشطة والقادرة على حمل رؤوس نووية، مما أدى إلى إلحاق أضرار بحوالي 30% منها. كما كان لهجوم البيجر الذي قامت خلاله إسرائيل بتفجير أجهزة النداء واللاسلكي في لبنان "البيجر والوكي توكي" المفخخة التابعة لحزب الله في لبنان يومي 17 و18 سبتمبر 2024م، دور حيوي في إرباك الحزب وتصفية العشرات من قادة الصف الأول والثاني دفعة واحدة.
الطفرة التكنولوجية والاتجاه للرقمنة والاقتصاد الرقمي وإدارة البنى التحتية والخدمية في معظم دول العالم بواسطة شبكات الحاسب الآلي أدت إلى أن أصبح الفضاء السيبراني ساحة رئيسية للمواجهة. فأساليب التسلح الجديدة تعتمد على المعرفة وتكنولوجيا المعلومات ومعدات الكترونية متطورة، كما أن القوة السيبرانية تحقق نفس الأهداف وبتكلفة أقل، ويصل البعض إلى أن الهجوم السيبراني قد يعتبر بديلاً عن السلاح النووي فيما يتعلق بحجم الأضرار التي يخلفها، ويتجاوز الحدود دون رصد الرادار كما في الحروب التقليدية. على سبيل المثال، الهجوم السيبراني من جانب الموساد، عبر "دودة ستاكسنت"، على مصنع تخصيب اليورانيوم في "نطنز" الإيرانية والذي أدى إلى أضرار لا تقل عن تلك التي لحقت به نتيجة الضربات الجوية حيث أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالمنشأة النووية، يوم 11 أبريل 2021م، وخروج عدد كبير من أجهزة الطرد المركزي عن الخدمة. جاء ذلك بعد يوم واحد من إعلان إيران عن تدشين أجهزة "متطورة" للطرد المركزي تعمل على تخصيب اليورانيوم "بسرعة أكبر" تسمى "آي آر 9"، بما يعني أن المنشأة النووية كانت بالفعل منكشفة للهجمات السيبرانية الإسرائيلية. ولم تكن هذه الحادثة الأولى لاستهداف منشأة نطنز، بل سبق استهداف أجهزة الطرد المركزي الإيرانية عبر "دودة ستاكسنت" التي تم اكتشافها عام 2009م، وتسببت في إخراج ما يقرب من ألف من أجهزة الطرد المركزي عن الخدمة. ومثل ذلك نقلة نوعية في خطورة الحروب السيبرانية حيث انتقلت الحرب من تدمير البيانات وسرقتها إلى تدمير المكونات المادية نفسها ونظم التشغيل.
على صعيد أخر تحتدم الحرب السيبرانية الباردة بين واشنطن وبكين، فقد تجاوز الأمر مفهوم الأمن السيبراني إلى "الدفاع السيبراني" مما يعكس حجم المخاطر القادمة من الفضاء السيبراني. وتوجه أمريكا اتهامات للصين بشن هجمات سيبرانية، مثل "الانفجار الشمسي"، وفولت تايفون“، و"إعصار الملح"، بهدف سرقة التكنولوجيا والمعلومات والبيانات، وأن وحدة تابعة لجيش التحرير الشعبي الصيني في شنغهاي، والمعروفة باسم الوحدة (61398) مسؤولة عن الآلاف من انتهاكات الشركات الأمريكية، إلى جانب اختراق مكتب إدارة شؤون الموظفين بأمريكا، وسرقة معلومات حساسة، بما في ذلك أكثر من 20 مليون بصمة أصابع لأمريكيين حصلوا على تصريح أمني. إلى جانب اتهام مجموعات قرصنة تابعة للصين منها "ستورم-0558175″، و"إيه بي تي 16" "إيه بي تي 41″ و"إيه بي تي 17"، و"ريد ألفا"، و"سكيلتون كي"، وغيرها استهدافات متنوعة للبنية التحتية والشركات الأمريكية.
في 28 يوليو 2021م، أشار الرئيس الأمريكي بايدن عن احتمالات دخول بلاده حربًا جديدة بسبب التكنولوجيا، وأنه "إذا انتهى المطاف بحرب حقيقية، مع قوة كبرى، فسيكون ذلك نتيجة لخرق سيبراني". وأكد من منبر الأمم المتحدة، يوم 21 سبتمبر، أن واشنطن تحتفظ بحق الرد على هجمات سيبرانية تهدد أمنها أو حلفائها. وكان الرئيس ترامب قد سبق ووقع مرسومًا في 16 أغسطس 2018م، خلال فترة رئاسته الأولى، يلغي بموجبه التوجيه الرئاسي رقم 20 لعام 2012م، والخاص بتنظيم استخدام الأسلحة السيبرانية ضد معارضي أمريكا، على النحو الذي يخفف القيود المفروضة على شن هجمات سيبرانية ضدهم، ويطلق يد السلطات المعنية في هذا الخصوص.
كما أنشأت واشنطن قيادة سيبرانية موحدة عام 2018م، تعتمد على خمسة مكونات أساسية، هي: القيادة السيبرانية للجيش وقيادة الأسطول السيبراني والقيادة السيبرانية للقوات الجوية والقيادة السيبرانية لقوات مشاة البحرية وخفر السواحل، إضافة إلى وحدات الحرس الوطني. ويبلغ عدد الفرق السيبرانية في هذه القيادة نحو 133 فريقاً تضطلع بمهمات مختلفة في مجال حماية الأمن السيبراني. وتتبنى مبدأ "الدفاع المتقدم"، فهي قوة هجومية تركز بشكل متزايد على دمج القدرات التكنولوجية في جميع مراحل العمليات التي تقوم بها. تزامن هذا مع إعلان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، في 6 يوليو 2018م، إنشاء مركز للعمليات السيبرانية للحلف، وكان الحلف قد أنشأ في عام 2008م، مركزًا خاصًا به في مجال الدفاع السيبراني في تالين، يشارك في أعماله 20 دولة، وتم منحه وضع منظمة عسكرية دولية وينظم سنوياً تدريبات دولية على الدفاع السيبرانى.
هذا في الوقت الذي تتهم بكين واشنطن بتوجيه ملايين الهجمات السيبرانية ضدها، وأشار تقرير صادر عن المركز الوطني الصيني للاستجابة لحالات الطوارئ لفيروسات الكمبيوتر والمختبر الهندسي الوطني للوقاية من فيروسات الكمبيوتر ومكافحتها، في 3 أبريل 2025م، إلى وقوع 11 مليونًا و790 ألف هجوم أمريكي على البنية التحتية في مقاطعة هيلونغجيانغ، خلال 26 يناير وحتى 14 فبراير 2025م، وكانت وزارة الدفاع الصينية أنشأت عام 2011م، ما أطلقت عليه "الجيش الأزرق"، وهي إدارة خاصة في جيش التحرير الشعبي الصيني، مهمتها حماية الفضاء السيبرانى الخاص بالجيش على شبكة الإنترنت، والعمل على زيادة مستوى أمن شبكة القوات المسلحة الصينية.
وتمتد الحرب السيبرانية لتشمل روسيا حيث تعتبر موسكو الفضاء السيبرانى جزءًا من الأراضي الروسية، ومن ثم كلفت القوات المسلحة بحمايته، وتبنت وثيقة عام 2011م، بعنوان "آراء مفاهيمية حول نشاط القوات المسلحة للاتحاد الروسي في فضاء المعلومات"، تتضمن رؤية القوات المسلحة لدورها في الفضاء السيبرانى، وشكلت "قوات عمليات المعلومات" عام 2017م، التي تتركز مهمتها الرئيسية على الدفاع السيبراني. وترفض روسيا الاتهامات الأمريكية والغربية بالقرصنة ضدها والتدخل في شؤونها الداخلية، مشيرة إلى عدم تقديم أدلة تدعم هذه الاتهامات، وأنه لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالأنشطة الخبيثة التي تتحدث عنها واشنطن. وأن روسيا تتعرض أيضاً لهجمات سيبرانية متزايدة وأن الهجمات السيبرانية الأمريكية على أهداف روسية حساسة تتجاوز نصف إجمالي الهجمات المسجلة عليها. وأشار الرئيس بوتين إلى أن أغلب الهجمات السيبرانية في العالم تنفذ من داخل أمريكا، وتأتي بعدها كندا، ثم أمريكا اللاتينية فبريطانيا، بينما روسيا ليست في قائمة الدول الأولى من حيث عدد مثل هذه العمليات. وأكد بوتين على أن الولايات المتحدة لم ترد على أي طلب للتوضيح وجهته روسيا بشأن الهجمات السيبرانية وعلقت التعاون في مجال الأمن السيبرانى.
على صعيد آخر، يزداد توظيف الذكاء الاصطناعي عسكرياً، وتتجه الحروب على نحو متزايد أن تكون بين أسلحة ذكية، أسلحة التحكم الذاتي، أو "الروبوتات القاتلة"، القادرة على شن الحرب دون الحاجة إلى قيادة بشرية، فهي قادرة على اتخاذ القرار دون تدخل الإنسان حيث تحدد التهديد ومستواه ونوعيته وكيفية التعامل معه، دون أي تدخل بشرى. يعنى هذا أن حروب المستقبل ستكون بين آلات، مما يقلل من حجم الخسائر المباشرة بين العسكريين، إلا إنه قد يؤدى إلى خسائر بشرية ومادية كارثية لافتقاد الآلة إلى الحس الإنساني.
ويتصاعد السباق التكنولوجي بين القوى الكبرى في هذا المجال أيضاً، وتنفق الولايات المتحدة 18 مليار دولار سنوياً لتصنيع أسلحة الذكاء الاصطناعي. ومن تطبيقات ذلك، توظيف الذكاء الاصطناعي لمساعدة قائدي الطائرات لأول مرة في التاريخ حيث نجح سلاح الجو الأمريكي في تشغيل مساعد طيار افتراضي يعمل بالذكاء الاصطناعي على متن طائرة تجسس من طراز U-2، فيما اعتبر قفزة عملاقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية. ويتم تطوير مقاتلات صغيرة ذاتية التحكم في إطار برنامج Schyberg للقوات الخارقة. كما تشمل الأسلحة الذكية التي تميز نظام القتال Aegis التابع للوحدة البحرية الأمريكية، وصاروخ Brimstone، وطائرة الاستطلاع MQ-9 Reaper والصواريخ المجنحة الذكية وغيرها من المنظومات.
كذلك، أصدرت بكين في يوليو 2017 م" خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي"، بحلول عام 2030م، وقامت باستثمار حوالي 150 مليار دولار في هذا المجال حتى عام 2017م، كما زادت حصة الصين في الإنفاق التكنولوجي العالمي من أقل من 5% عام 2000م، إلى أكثر من 23% عام 2020م، وتفوقت على الولايات المتحدة في مجال الإنفاق على التكنولوجيا عام 2025م، وطورت الصين "طائرة جيو تان إس إس"، "سفينة أم جوية"، مصممة لإطلاق أكثر من 100 طائرة بدون طيار ونحو 2200 رطل من الصواريخ على ارتفاعات عالية. وطورت مسيرة جديدة في حجم لا يتخطى البعوضة الصغيرة مزودة بكاميرات دقيقة، مما يجعلها مثالية للاستخدام في مهمات التجسس والاستطلاع.
حروب ممتدة بالنقاط وليست بالضربة القاضية:
كانت الحروب دوماً مهما امتدت تنتهي بنصر واضح لأحد الأطراف أو التحالفات، وهزيمة واستسلام لا لبس فيه لآخر، وكان هذا واضحاً في كافة الحروب حتى سنوات قليلة ماضية، فمن الملاحظ عجز القوة عن حسم الصراعات الجارية بالضربة القاضية، وتعتبر الحرب الروسية ـ الأوكرانية الممتدة دون حسم منذ فبراير 2022م، وحرب الـ 12 يوماً بين اسرائيل وإيران التي توقفت دون منتصر ومهزوم مثالاً لذلك. ورغم قدرة بعض الدول على توجيه ضربة قاضية تنهى الصراع إلا أنها تكتفى بالنقاط، فأمريكا كانت قادرة على توجيه ضربات أكثر إيلاماً وتدميراً لإيران وبنيتها النووية ولكنها اكتفت بضربة جزئية، ولا يمكن فهم ذلك إلا في ضوء حرص واشنطن على توازن ما في المنطقة يخدم مصالحها. كذلك فإن موسكو قادرة بالتأكيد على توجيه ضربة نووية تنهى بها الحرب الأوكرانية لصالحها على النمط الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، ولكنها مازالت تكتفى بالنقاط والتقدم خطوة خطوة على خط القتال.
إن التطور في مقدرات القوة بأبعادها المختلفة التقليدية والنووية والسيبرانية جعلها ذات قدرات تدميرية غير مسبوقة، بتداعيات تتجاوز الأطراف المباشرة للصراع إلى العالم أجمع والبشرية بأسرها، مما فرض قدرًا من العقلانية في توظيف القوة المتاحة، ليس احتراماً للقانون الدولي أو تفعيلاً لقواعده، وإنما خشية من نتائج التوظيف المطلق للقوة، الأمر الذي يعيد طرح مقولات الواقعية السياسية حول حدود توظيف القوة وأن ما يوقفها عادة هو الاصطدام بقوة مكافئة أو أكبر.
إن سيادة القانون الدولي حلم يراود كافة الشعوب والمفكرين، إلا أن واقع العلاقات الدولية يحكمه منطق القوة، التي تتطور في طبيعتها وقدرتها التدميرية لتفرض حدوداً لتوظيفها انطلاقاً من توازن القوى وليس مبادئ القانون الدولي.






