في الوقت الذي يتواصل فيه العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة لما يقارب العامين وسط عجز دولي كامل عن إيقاف المجازر والانتهاكات التي ترتكب بحق السكان، وفشل كبير في وقف الإبادة الجماعية وسياسة التجويع والتهجير التي تتخذ وسيلة للحرب تثار أسئلة جوهرية حول جدوي التنظيم الدولي الذي تمثله الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وحول قدرتها على مواجهة الفوضى التي تعم العالم عبر الحروب والنزاعات المستمرة في مناطق مختلفة من العالم ولا سيما في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا نفسها مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وهذه الاسئلة المباشرة تخفي في طياتها تساؤلات كبيرة تتلخص حول مفهوم الحق والقوة، وأيهما الأبقى والأصلح، وحول مفهوم الأخلاق وما يقابله من مفهوم المصلحة بمعناه المادي، وأيهما يحكم العالم اليوم، وهل الأمم المتحدة التي قامت على مبادئ سامية لتحقيق العدالة، السلم والأمن قادرة على تمثل هذه القيم وتجسيدها علي مستوى الممارسة ؟
بالنظر لحجم الكارثة الإنسانية في غزة بكل ما تجسده من طغيان وعلو، وازدراء للقانون الدولي يجعل سؤالًا عن جدوى التنظيم الدولي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية فرضًا لازمًا .
أهداف الأمم المتحدة ومبادئها:
لم تكن الأمم المتحدة كمنظمة دولية إلا تجسيد لطموحات البشرية في العيش بسلام، وليست المحاولة الأولى لإيجاد وسيلة دولية ترعي ذلك الهدف السامي، وإنما سبقتها عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وبما أن تلك التجربة لم تمنع وقوع حرب عالمية ثانية فقد تعمق التفكير هذه المرة لمعالجة جوانب الإخفاق في التجربة الأولى مع السعي لبناء نظام دولي شامل يرعى السلم والأمن ويؤسس لمنظومة متكاملة من المعاهدات والمواثيق والأجهزة للعيش المشترك بين الشعوب والدول، ويعتبر الميثاق الذي تم التعاهد عليه في سان فرانسيسكو عام 1945م، تتويجًا لمسيرة مضنية، وقد كانت أول إشارة لمصطلح الأمم المتحدة وردت في ميثاق الأطلسي الذي تمخض عن اجتماع ضم الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل عام 1941م، وتضمن مبادئ توجيهية ساهمت لاحقًا في صياغة المفاهيم التي قام عليها التنظيم الدولي بعد انتهاء الحرب، ومما ورد فيه هو احترام حق الشعوب في اختيار نظم الحكم التي تمثل اختياراتها، وتجريم المساعي التوسعية لأي دولة، وأقر الميثاق حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي عام 1942م، صدر تصريح عن أكثر من إثنين وعشرين دولة بالإضافة إلي (أمريكا، إنجلترا، الصين ، الاتحاد السوفيتي) يؤكد على ما ورد في ميثاق الأطلسي وينادي بإشاعة روح التعاون بين الدول، على أن أهم تصريح في مسيرة صياغة نظام دولي بعد الحرب جاءت في العام 1943م، عقب اجتماع في موسكو ضم ممثلين عن كل من الاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والصين، وورد في ذلك الاجتماع ما يلي:
أهمية صياغة نظام دولي يعمل على المحافظة على السلم والأمن الدوليين
- بناء مفهوم دائم للسلام العالمي
وبعد عدة مؤتمرات انعقد مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945م، بمشاركة أكثر من خمسين دولة، حيث تمت صياغة ميثاق الأمم المتحدة الذي ركز على قضيتي السلم والأمن الدوليين حيث ورد في ديباجته ما يلي (نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال القادمة من ويلات الحروب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزانًا يعجز عنها الوصف) وجاءت المادة الأولى لتؤكد على أهداف الهيئة الجديدة ومقاصدها، حيث نصت على الآتي:
مقاصد الأمم المتحدة:
1ـ حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقًا لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية وفقًا لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها.
2 ـ إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام.
3ـ تحقيق التعاون الدولي، وعلى حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعًا والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.
4ـ جعل هذه الهيئة مرجعًا لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة.
إذن يتبين من هذا النص الحاكم أن الهيئة الدولية التي ولدت في ذلك الوقت أريد لها أن تكون مرجعية عامة لدول العالم فيما يتعلق بمبادئ العيش المشترك وصون الأمن والسلم الدوليين، لتجنب ويلات الحروب، كما أن الميثاق هدف إلى جعل الأمم المتحدة جهازًا مرجعيًا يتولى التنسيق العام لتحقيق المقاصد التي من أجلها أنشئت المنظمة، ولمزيد من ضمان الشفافية والسعي لتنفيذ تلك الأهداف وضعت مبادئ معينة من بينها مبدأ المساواة السياسية بين الدول الأعضاء، وتساوي المركز القانوني بين جميع الدول، وتنفيذ الالتزامات بحسن نية، وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية، كما أن تلك المبادئ حرمت استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، وحصرت ذلك الحق لمجلس الأمن وفقًا لترتيبات معينة وفي ظروف خاصة، والسؤال الذي يظل مطروحًا هل فشلت الأمم المتحدة في وقف هذه الحروب؟.
الأمم المتحدة والتعامل مع النزاعات:
بالنظر إلى ميثاق الأمم المتحدة سنجد أنه حرص على وضع قواعد كفيلة بعدم وقوع النزاعات بين الدول من جهة، وبكيفية التعامل مع النزاعات عند وقوعها من جهة أخرى، وفيما يتعلق بالوسائل السياسية لفض النزاعات فقد لخصتها المادة 33 من الميثاق والتي تنص على (يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ الأمن والسلم الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلي الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها) ويتضح من ذلك أن الميثاق خول للأمم المتحدة استخدام الوسائل السياسية للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، وذلك حين نشوء أي نزاع من شأن استمراره أن يشكل تهديدًا لهما، وهو ما نصت عليه المادة (11 يحق للجمعية العامة النظر في المبادئ التي تتعلق بحفظ الأمن والسلم الدوليين وتقديم توصيات لمجلس الأمن بالخصوص) كما نصت الفقرة الثالثة من نفس المادة على ( يجوز للجمعية العامة أن تلفت نظر مجلس الأمن لأي مسألة ترى فيها تهديدًا للأمن والسلم الدوليين ما لم يكن المجلس قد باشر أي إجراءات في ذات الموضوع) ولا شك أن هذه المبادئ ساهمت في إثراء القانون الدولي وبصور خاصة اتفاقيات لاهاي للعامين 1899 و1907م، التي اختصت بالنظر في كيفية تسوية النزاعات بصورة سلمية، كما أن هذه المبادئ ساهمت في حل كثير من النزاعات بين الدول، ولعل الاتفاق الذي تم التوقيع عليه بين إيران من جهة وأمريكا والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا من جهة أخرى بخصوص برنامج إيران النووي بعد مفاوضات مضنية يمثل نموذجًا ناجحًا لاستخدام أحد المبادئ السلمية لتسوية النزاعات الدولية، كما أن للجوء لمحكمة العدل الدولية لالتماس الحلول يعتبر واحدة من المبادئ المهمة، ولكن كل هذه المبادئ قد لا تكون كافية لمنع وقوع الحروب إذ أثبتت التجربة أن الوسائل السياسية والديبلوماسية وحدها قد لا تكون كافية لمنع الحروب والنزاعات، ولذلك فإن الميثاق وضع من الإجراءات ما ينظم التدخل القسري لوقف الحروب، أو النزاعات بين الدول.
إذا كانت المادة 33 تطرقت للوسائل الدبلوماسية لمنع وقوع الحروب أو معالجة النزاعات فإن المواد اللاحقة اهتمت بالتدخل القسري للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وأعطى الميثاق مجلس الأمن حق فحص أي نزاع لكي يقرر ما إذا كان استمراره سيعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، وتنص المادة 36 على ما يلي:
1ــ لمجلس الأمن في أي مرحلة من مراحل نزاع من النوع المشار إليه في المادة 33أو أي موقف شبيه به أن يوصي بما يراه ملائمًا من الإجراءات وطرق التسوية.
2ــ على مجلس الأمن أن يراعي ما اتخذه المتنازعون من إجراءات سابقة لحل النزاع القائم بينهم.
3ـ على مجلس الأمن أن يراعي أن المنازعات القانونية يجب على أطراف النزاع بصفة عامة أن يعرضوها على محكمة العدل الدولية وفقًا لأحكام النظام الأساس للمحكمة.
وجاءت هذه المادة استثناء لمبدأ عدم استخدام القوة لهدف أسمى وهو المحافظة علي الأمن والسلم، وعهدت إلى مجلس الأمن النظر في النزاع واتخاذ الإجراءات اللاحقة، وأعطى الميثاق مجلس الأمن جملة من التدابير مثل العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية وحق التدخل العسكري وفقًا للفصل السابع لفرض السلم واستعادة الأمن في حالة عدم نجاح الوسائل السياسية، ويعني ذلك أن المجلس لا يلجأ لاستخدام القوة العسكرية إلا بعد استنفاذ كل الوسائل المتاحة، و تنص المادة 41 من الميثاق على ( لمجلس الأمن الحق في أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير ، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات بكل أنواعها وقفًا جزئيًا أو كليًا وقطع العلاقات الدبلوماسية) وفي حال فشل كل هذه الإجراءات فإن الميثاق خول لمجلس الأمن اتخاذ الإجراءات العسكرية، ومن المهم الإشارة إلي أن الأمم المتحدة طورت رؤيتها فيما يتعلق باستخدام الفصل السابع في النزاعات التي ترى أنها تشكل تهديدًا للأمن والسلم إلى التعامل مع نزاعات داخلية إذا كانت تسبب تهديدًا للمدنيين، وبناء على مؤتمر الأمم المتحدة عام 2005م، أوكل إلى المجتمع الدولي مسؤولية حماية المدنيين من الإبادة الجماعية وجرائم التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية، ولكن قبل ذلك التاريخ كانت الأمم المتحدة بدأت التعاطي مع مثل هذه النزاعات، ومنذ 1977 م، وبعدما أتخذ المجلس قرارًا ضد سياسة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا صدرت عشرات القرارات بموجب الفصل السابع تتعلق بنزاعات داخلية، ففي العام 1999م، نفذ "الناتو" ضربات على يوغسلافيا لوقف التطهير العرقي بحق الأقلية الألبانية ، كما أن مجلس الأمن اتخذ عددًا من القرارات ضد السودان تتعلق بالنزاع في إقليم دارفور ، على أن واحدة من القرارات التي أثارت جدلا كثيفا هو القرار 1973 والخاص بالأزمة الليبية والذي نص على (اتخاذ كافة الخطوات الضرورية لحماية المدنيين حتى إذا تطلب الأمر تدخلًا عسكريًا)، وهو ما حدث بالفعل حين تم توظيف القرار لإسقاط النظام الليبي بقيادة معمر القذافي، وقد استند ذلك التدخل على مبدأ الحماية الذي طورت أدواته حين قدم الأمين العام للأمم المتحدة إلى الجمعية العامة في العام 2009م، وثيقة عمل وتنسيق مع الدول الأعضاء تتعلق بتنفيذ مسؤولية الحماية، واحتوت الوثيقة على ثلاث دعائم هي: مسؤولية الدولة عن حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ومنع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والقيام بإجراءات تضمن صيانة حقوق الإنسان كالانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من المنظمات الدولية.
أما الدعامة الثانية فتتلخص في المساعدة الدولية وبناء القدرات، وذلك حين تفشل الدولة في أداء واجبها، والدعامة الأخيرة هي الاستجابة الحاسمة في الوقت المناسب وتشمل مجموعة واسعة من التدابير الديبلوماسية والقسرية العسكرية والسماح بالتدخل الدولي من خلال استخدام القوة عند فشل التدابير السلمية لتسوية النزاع.
مساعي المحافظة على الأمن والسلم الدوليين بين النجاح والإخفاق:
خلال مسيرتها الطويلة ظلت الهيئة الدولية في قلب الأزمات العالمية، وبغض النظر عن الآراء الخاصة بنجاحها أو بفشلها حول بعض الملفات ولكن ظلت كل الدول حول العالم تعلق عليها الآمال وتتطلع أن يكون دورها بارزًا في حل النزاعات وتسويتها، وتتفاوت الآراء بشأن أدائها وقيامها بدورها، فهناك من يرى أن المنظمة حققت نجاحات لا يمكن الإغفال عنه بينما يرى آخرون أن المنظمة فشلت فشلًا بينًا في بعض الملفات، ويعزون ذلك الفشل إلى أسباب بنيوية وجوهرية تتعلق بطبيعة تكوين المنظمة وسيطرة بعض الدول على القرار النهائي فيها وخاصة في مجلس الأمن.
عند إنشائها اطلعت المنظمة الدولية بملف تصفية الاستعمار ، وعلى الرغم من أن النصوص التي وردت في الميثاق لم تكن بالقوة اللازمة التي تتطلبها فورية إنهاء الاستعمار إلا أن مجرد النص عليه في الميثاق كان خطوة متقدمة عما كان عليه الأمر في عصبة الأمم، وهو الأمر الذي تكامل مع ظهور حركات التحرر الوطني في الدول الإفريقية والآسيوية ليؤسس للاستقلال الكامل من الاستعمار ، وفيما يتعلق بملف حفظ السلم والأمن الدوليين قامت المنظمة بنشر 42 بعثة سلام حول العالم، كما أنها نجحت في تسوية بعض النزاعات بالوسائل السلمية، مثل المساهمة في إنهاء الحرب العراقية ــ الإيرانية، وبخصوص الانتخابات والديمقراطية ساهمت المنظمة في تعزيزها في أكثر من 45 بلدًا حول العالم.
وعلى الرغم من تلك النجاحات تبقى الحروب والنزاعات المشتعلة حول العالم دليلًا على الفشل في حفظ الأمن والسلم، وهناك من يرى أن هذا الفشل يرتبط بطريقة تكوين مجلس الأمن التي أعطت العضوية الدائمة لخمسة دول فقط التي استأثرت بــ ( الفيتو)، وبعد انتهاء الحرب الباردة تفردت أمريكا بالتأثير الأكبر في المشهد الدولي فيما عرف بنظام القطب الواحد، ونتيجة لذلك تزايدت التدخلات الدولية في شؤون بعض الدول دون موافقة الأمم المتحدة، أو عبر ممارسة الضغوط على الأمم المتحدة لشرعنة التدخل، وخلال فترة التسعينيات وإلى اليوم يمكن رصد التدخلات التالية كنموذج على ضعف المنظمة الدولية (الحرب في العراق وأفغانستان، الصومال، البوسنة والهرسك وهاييتي)، وتظل نقطة خرق مبدًا المساواة بين الدول عبر امتلاك (الفيتو) واحدة من الملاحظات الجوهرية التي يعزى إليها الفشل في المحافظة على التوازن في القرار الدولي، وعلى الازدواجية في التعامل مع بعض الملفات الخطيرة مثل ملف أسلحة الدمار الشامل التي تحرم على الدول بينما يحرم مجرد النقاش حول امتلاك بعض الدول لها .
وتقف الأزمة الفلسطينية بكل مآسيها دليلًا على فشل المنظومة الدولية في إحقاق العدل ووقف الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني تحت آلة للقمع مسنودة بالفيتو وإسكات المؤسسات الدولية، وكل هذه الأسباب تؤكد من جديد أن هذه الهيئة الدولية بحاجة ماسة للإصلاح عاجلًا غير أجل.






